الإنابة في القرآن
رجوعٌ لا وجهة له إلا الله
يدخل على داود عليه السلام خصمان لم يأتيا من الباب، بل ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (٣٨:٢١)، فيقضي بينهما، وبينما هو يقضي تخطر على قلبه خاطرة واحدة يرويها القرآن في سطر: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٣٨:٢٤). ثلاث حركات متلاحقة: طلبُ مغفرة باللسان، وهوِيٌّ إلى الأرض بالجسد، ثم فعلٌ ثالث لا يُرى ولا يُسمع هو «أناب». لم يقل القرآن «تاب»، بل جاء بكلمة أخرى لا تُذكر وجهتها في القرآن إلا وهي «إلى الله». وهذه الكلمة، التي جاءت في مقام النبوة وفي مقام الفتنة وفي مقام الدعاء عند الضر، هي موضوع هذه الدراسة.
ثمانية عشر موضعًا وصيغةٌ واحدة
تقول مدوّنة القرآن اللغوية إن جذر «ن و ب» يرد في القرآن ثماني عشرة مرة، في صيغتين مشتقتين من وزن واحد هو «الإفعال»: أحد عشر فعلًا من «أناب»، وسبعة أسماء فاعلين هي «منيب»[1]. ومعنى ذلك أن الجذر لا يأتي في القرآن مجرّدًا قط: لا «ناب» ولا «نائبة» ولا «نَوْب»، وإنما يأتي دائمًا على صيغة الإنابة.
أما الأفعال فهي: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في قول شعيب (١١:٨٨)، و﴿مَنْ أَنَابَ﴾ (١٣:٢٧)، و﴿مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (٣١:١٥)، وداود (٣٨:٢٤)، وسليمان (٣٨:٣٤)، و﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٣٩:١٧)، والأمر ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ (٣٩:٥٤)، و﴿مَن يُنِيبُ﴾ في (٤٠:١٣) وفي (٤٢:١٣)، و﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤٢:١٠)، و﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ (٦٠:٤). وأما «منيب» فجاءت وصفًا لإبراهيم (١١:٧٥)، وللمؤمنين ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (٣٠:٣١، ٣٠:٣٣)، وللإنسان إذا مسّه الضر ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ (٣٩:٨)، وفي ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (٥٠:٨) و(٣٤:٩)، وفي ﴿بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ (٥٠:٣٣). ويلاحظ القارئ أن داود وسليمان ذُكرا بالفعل لا بالصفة، وأن الصفة اسمًا لم تُقرن بنبيٍّ بعينه إلا بإبراهيم.
وجهةٌ مكتوبة في الجملة
أول ما يلفت من قراءة المواضع كلها أن كل آية صُرِّح فيها بالمُنَاب إليه عدّت الإنابة بحرف واحد هو «إلى»، وهي تسعة مواضع: «وإليه أنيب» في (١١:٨٨) و(٤٢:١٠)، و«أناب إليّ» (٣١:١٥)، و«منيبين إليه» (٣٠:٣١، ٣٠:٣٣)، و«منيبًا إليه» (٣٩:٨)، و«أنابوا إلى الله» (٣٩:١٧)، و«أنيبوا إلى ربكم» (٣٩:٥٤)، و«إليك أنبنا» (٦٠:٤). ولم يرد في الثمانية عشر موضعًا تعدٍّ بحرف آخر، ولا إنابةٌ إلى غير الله. أما قوله «يهدي إليه من أناب» فالضمير فيه متعلق بالهداية، ولذلك لم أعدّه في هذه التسعة. وأما المواضع التي سكتت عن الوجهة («حليم أواه منيب»، «بقلب منيب») فسياقها يردّ القارئ إلى الله وحده.
وقد علّل ابن عاشور تعدية الفعل بـ«إلى» بما في الإنابة والتوبة من معنى الرجوع[2]. فلا تكون الإنابة هروبًا من شيء فحسب، بل مسيرٌ إلى شيء. ومن قرأ الجذر في أصله اللغوي وجد المعنى نفسه.
نحلٌ يرجع إلى خليّته
يقول الراغب الأصفهاني في مادة «نوب»: «النوب: رجوع الشيء مرة بعد أخرى. يقال: ناب نوبا ونوبة، وسمي النحل نوبا لرجوعها إلى مقارها»، ثم يقول: «والإنابة إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل»[3]. ويجعل ابن فارس الأصل كلمة واحدة «تدل على اعتياد مكان ورجوع إليه»، ويذكر أن «النوب: النحل» ويقدّمها بصيغة «ويقال» ثم يقول: «وقد قيل إنه جمع نائب»[4]. وفي لسان العرب: «وناب فلان إلى الله تعالى، وأناب إليه إنابة، فهو منيب: أقبل وتاب، ورجع إلى الطاعة»، ويذكر أن النحل سُمّي نوبًا «لأنها ترعى وتنوب إلى مكانها»[5].
وهذه صورة جميلة، لكن يحسن ضبطها: فالنحل في كلام اللغويين شاهدٌ على الأصل لا أصلٌ له، وهو عند ابن فارس قولٌ لا قطع فيه. أما الأصل فهو الرجوع المتكرر إلى مكان معتاد. والنحلة لا تذهب إلى الزهر لتبقى هناك، بل تذهب لتعود محمّلةً إلى بيتها، وليس لها غير ذلك البيت وجهة. وهو معنى قريب مما نقف عليه في الآيات، فالمنيب يخرج إلى الدنيا ثم يرجع، ويخطئ ثم يرجع، ويُبتلى ثم يرجع، وكل ذلك إلى مكان واحد.
بين الإنابة والتوبة: أين يفترقان؟
وهنا يتبادر السؤال الذي لا يسلم منه من يدرس الكلمة: أليست الإنابة هي التوبة؟ لقد فسّر ابن منظور الإنابة بقوله «الرجوع إلى الله بالتوبة»، وبقوله في آية الزمر «أي توبوا إليه وارجعوا»[5]. وقال ابن عاشور في الآية نفسها: «والإنابة: التوبة»[2]. وعند الطبري: «وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة، وارجعوا إليه بالطاعة له»، ونقل عن ابن زيد: «الإنابة: الرجوع إلى الطاعة، والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول: منيبين إليه واتقوه»[6].
لكن الذين قالوا ذلك لم يقفوا عند التوبة، فقد ظلّ في عباراتهم زيادةٌ تتكرر. فالراغب يقول: «بالتوبة وإخلاص العمل». والقرطبي في الآية نفسها: «أي ارجعوا إليه بالطاعة... والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص»[7]. فالإنابة عندهم توبةٌ ومعها شيء: إخلاص، وإقبال، وطاعة. وهذا ما يجعلها، في قراءتي لهذه النصوص، أوسع من لحظة الاعتراف بالذنب وأقرب إلى حالٍ يستقر عليها القلب. وقد فصّلنا في مقال سابق من هذه السلسلة أن التوبة توبتان؛ توبةٌ من الله على العبد وتوبةٌ من العبد إلى الله، والإنابة تُكمل هذه الصورة من جهة العبد: كيف يكون الرجوع؟ بوجهٍ مقصود إلى الله، وقلبٍ مُخلِص، لا رجوعًا عارضًا.
وقد بلغ هذا الفرق مبلغ الجدل في الآية ذاتها. فالزمخشري، فيما ينقله الرازي عن «الكشاف»، يرى أن الله ذكر الإنابة بعد المغفرة في قوله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ ثم ﴿وَأَنِيبُوا﴾، «لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم». غير أن الرازي لا يرتضي ذلك، ويقول: «وأقول هذا الكلام ضعيف جدا»، ويبني ردّه على الفرق بين العفو ابتداءً والعفو بعد التعذيب[8]. وأيًّا كان الراجح، فالآية تأمر بالإنابة في ظرف مخصوص: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (٣٩:٥٤)، فهو أمر بالإسراع.
إبراهيم: رجوعٌ يُظهر رقة القلب
ولا تجد الإنابة وجهًا بشريًا أوضح من وجه إبراهيم عليه السلام. فبعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (١١:٧٤)، ثم يأتي الوصف: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (١١:٧٥). ثلاث صفات تتتابع: حلمٌ وأوّاهية وإنابة. وفي تفسيرها اختلفت العبارات اختلافًا يُثري المعنى. فالطبري: «لبطيء الغضب متذلل لربه خاشع له، منقاد لأمره، منيب رجاع إلى طاعته»، وعن مجاهد: «أواه منيب قال: القانت: الرجاع». والقرطبي: «والمنيب الراجع... وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله تعالى في أمور كلها». والزمخشري: «منيب تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى. وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة». أما الرازي فيربطها بسياق المجادلة نفسها: «لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم»[9].
فالأقوال تتدرج: رجوع إلى الطاعة عند الطبري ومجاهد، وتعميم في كل الأمور عند القرطبي، ورقّة قلب عند الزمخشري، وشفقة على الناس تدفع إلى الله عند الرازي. وأجمل ما في هذا التنوع أنه يكشف أن الإنابة ليست خاصة بمن أذنب؛ فإبراهيم في هذا الموضع لا يُذكر له ذنب، وإنما هو قلبٌ رحيم كلما ضاق بأمر لجأ إلى ربه. ويكمل القرآن صورته على لسانه ومن معه: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٦٠:٤)، وهي من الآيات التي يستشهد بها الراغب في مادة الجذر. والتوكل والإنابة قرينان في ثلاثة مواضع: (١١:٨٨) و(٤٢:١٠) و(٦٠:٤)، فالتوكل إسنادُ الأمر إلى الله، والإنابة رجوعُ القلب إليه، وكلاهما وجهان لقلبٍ واحد.
داود وسليمان: حين تكون الفتنة بابًا
وفي قصة داود وسليمان تقترن الإنابة بالفتنة، ففي كلتيهما ورد: ﴿فَتَنَّاهُ﴾ ثم ﴿وَأَنَابَ﴾، و﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (٣٨:٣٤). وقد فسّر الزمخشري إنابة داود بأنها «رجع إلى الله تعالى بالتوبة والتنصل»، وقال القرطبي: «أي تاب من خطيئته ورجع إلى الله»، وقال الطبري: «ورجع إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته». وذهب ابن عاشور إلى أن داود علم أن الله جعل الواقعة له فتنة، فكانت إنابته بعد ذلك[10]. فالإنابة هنا جواب على فتنة: لم يُسمَّ فعل داود بأكثر من أنه استغفر وسجد وأناب، ولا ينبغي أن نزيد على القرآن ما ليس فيه.
وأما سليمان فقد اختلف المفسرون في «الجسد» الذي أُلقي على كرسيه: ففي الطبري عن ابن عباس والحسن ومجاهد أنه شيطان، وذهب الرازي إلى أنه مرض. وبحسب الاختلاف يتغير معنى «أناب»: رجوعٌ إلى الله بالتوبة كما قال القرطبي («ثم أناب أي رجع إلى الله وتاب»)، أو رجوعٌ إلى الصحة كما نقل الرازي في أحد الأقوال. وأنا لا أبني على هذه التفصيلات شيئًا، فإن محقق تفسير القرطبي نبّه في حاشيته على أن بعض ما رُوي في ذلك «لا يصح قطعا»[11]. والذي يبقى ثابتًا من الآية أن سليمان فُتن ثم أناب، وأن القرآن جعل الإنابة تعقب الفتنة. وفي هذا تعليم لنا: من ابتُلي ثم رجع فلا نقص في قدره، فالقرآن لم يعدّ الفتنة عارًا بل ذكر ما بعدها.
ثمرة الهداية وطريقها
وتأتي الآيتان اللتان تربطان الإنابة بالهداية فتجعلان الأمر عجبًا: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١٣:٢٧)، و﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (٤٢:١٣). فاجتباءٌ من الله أولًا، ثم هدايةٌ لمن أناب. وقد قال الزمخشري في آية الرعد: «أناب أقبل إلى الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير»، ونقل الطبري عن قتادة: «أي من تاب وأقبل». وفي آية الشورى قال ابن كثير: «أي: هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد»[12].
وعبارة الزمخشري «دخل في نوبة الخير» مفتاحٌ لطيف يردّ الكلمة إلى «النَّوبة»، وهي المرة من التناوب. وأنا أقرأ فيها، على سبيل الاجتهاد لا النقل، أن المنيب من دخل في دور الخير وسار فيه. ولعل في بناء الجذر ما يعين على ذلك: فهو لا يرد في القرآن إلا على وزن الإفعال، فلا نظير مجرّد له، كأن الوجهة فيه مقصودة منذ البناء. وهذا استنباطٌ لم أقف على من نصّ عليه، فمن شاء فليعدّه ملحة لغوية لا حكمًا.
وفي الآيتين معنى دقيق: الهداية معلّقة بالإنابة، لكن الإنابة نفسها لا تقوم إلا بفضل الله. فالله «يهدي إليه من أناب»، وهو سبحانه الذي «يجتبي إليه من يشاء». فلا يأمن العبد على إنابته ولا ييأس منها.
قلبٌ منيب وتذكرة لعبد منيب
وللإنابة في القرآن موضع في القلب: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ (٥٠:٣٣). وقد فسّرها الطبري بقوله: «وجاء الله بقلب تائب من ذنوبه، راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه»، وعن قتادة: «أي منيب إلى ربه مقبل». وقال القرطبي: «مقبل على الطاعة. وقيل: مخلص». وقال الزمخشري: «وصف القلب بالإنابة وهي الرجوع إلى الله تعالى؛ لأن الاعتبار بما ثبت منها في القلب»[13]. فالمعتبر ليس هيئة الجسد حين يركع فحسب، بل القلب الذي يرجع.
ثم إن القرآن يربط الإنابة بالتذكر: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ (٤٠:١٣)، ويجعل السماء والأرض ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (٥٠:٨). فالآيات أمام الجميع، لكن الذي ينتفع بها من كان قلبه متّجهًا. وكأن الإنابة هي الاتجاه الذي بغيره تمرّ الآيات على القلب كما يمرّ الضوء على جدار لا ينعكس عنه شيء.
إنابةٌ عند الضر: حين يتجه الناس ثم يلتفتون
ومن أصدق ما في القرآن عن النفس أنه يذكر الإنابة في أحوال لا يُحمد أصحابها: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٣٠:٣٣). وفي الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ (٣٩:٨). فالضر يوجّه القلب إلى الله توجيهًا لا يحتاج صاحبه إلى مجاهدة، ثم تأتي النعمة فيلتفت. وأنا أقرأ في هذين الموضعين أن القرآن يريد أن يفرّق بين إنابةٍ تفرضها الشدة وإنابةٍ يختارها الحرّ في الرخاء، وهذا الفرق لم أجد من نصّ عليه بهذه الصيغة، فهو فهمٌ شخصي أعرضه ولا أحمّل النص أكثر مما يحتمل. وحسبنا من الآيتين ما فيهما نصًّا: أن الضر قد يوجّه إلى الله من لا يلبث أن ينسى.
في جوف الليل: «وإليك أنبت»
وفي السنة نجد الإنابة على لسان النبي ﷺ في الموضع الذي يخلو فيه العبد بربه. فقد روى البخاري أنه كان إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ...»[14]. ولاحظ الترتيب: إسلام ثم إيمان ثم توكل ثم إنابة، وهما اللفظان نفسهما اللذان تقترن بهما الإنابة في القرآن: الإسلام في (٣٩:٥٤)، والتوكل في (١١:٨٨) و(٤٢:١٠) و(٦٠:٤). وهكذا تتطابق آيات القرآن ودعاء النبي ﷺ: الإنابة لا تقوم وحدها، بل في سلك مع التسليم والتوكل. والدعاء إذ ينتهي بطلب المغفرة يذكّرنا بأن الرجوع لا يمنع الحاجة إلى العفو.
كيف نربّي الإنابة؟
وإذا أردنا أن نترجم ذلك إلى برنامج تربوي فلنتذكر أن الإنابة وجهةٌ قبل أن تكون شعورًا. وأول ما تعلّمنا إياه الآيات أن نجعل لقلوبنا وجهة معلومة. فالمعلّم والإمام وولي الأمر يحتاجون أن يعلّموا من يربّونهم أن الذنب ليس نهاية الطريق، وأن الرجوع ممكن، وأن الله أمر به قبل أن يأتي العذاب. وأن الأوْلى أن نعلّم الناشئة الإنابة في الرخاء لا في الشدة وحدها: أن نعودهم أن يلجؤوا إلى الله عند الفرح كما عند الضيق، فيقولون إذا جاءهم خير: «من الله»، ويقولون إذا أصابتهم محنة: «إليك».
ومن التطبيقات اليومية أن يتعلم المسلم اللجوء السريع. فإذا انحرفت خطوة لم يقل «فات الأوان»، بل رجع كما ترجع النحلة، مرة بعد مرة، إلى المكان نفسه. والقرآن لا يضع للمنيب عددًا من المرات، وإنما يضع له وجهة. وكم في أسرنا ومساجدنا من أذنب وظن أن الباب أُغلق، ويكفيه أن يسمع أن القرآن سمّى الراجع «منيبًا»، وهي الكلمة التي وصف بها إبراهيم. وليكن لنا وردٌ من الليل نخلو فيه بالله ولو دقائق، نقول فيه ما قاله النبي ﷺ، ثم نمضي إلى نهارنا بقلب رجع قبل أن يخرج.
ما تحمله الكلمة الواحدة
فالإنابة في القرآن، بعد هذا كله، رجوعُ قلبٍ وعبدٍ إلى الله وحده؛ ورد جذرها ثماني عشرة مرة على صيغة واحدة، وعُدّي في كل موضع صُرِّح فيه بالوجهة بحرف «إلى». وهي تقترب من التوبة حتى يفسّرها بها كبار المفسرين، وتزيد عليها بالإخلاص والإقبال والطاعة. وجاءت في وصف إبراهيم الرحيم، وفي فتنة داود وسليمان، وفي قلب خاشع بالغيب، وفي الناس إذا مسّهم الضر. وهي ثمرة هداية وسبب لها، وقرينة التوكل والإسلام، ومحلها القلب قبل الجسد.
اللهم اجعلنا من عبادك المنيبين، وردّنا إليك كلما بعدنا ردًّا جميلًا، واجتبنا إليك واهدنا إليك، ولا تجعل الضرّ وحده طريقنا إلى بابك. ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٦٠:٤).
الهوامش
- مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، مادة «ن و ب»، وفيها أن الجذر يرد ثماني عشرة مرة في صيغتين مشتقتين، كلتاهما من الباب الرابع (الإفعال): أحد عشر فعلًا «أناب»، وسبع مرات اسم فاعل «منيب». وقد عُدّت المواضع بحسب تصنيف المدوّنة، وصنّفت (٣٤:٩) وصفًا وسائرها أسماء. [2]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير الزمر ٥٤: «والإنابة: التوبة. ولما فيها وفي التوبة من معنى الرجوع عدّي الفعلان بحرف إلى». [3]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «نوب». [4]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «نوب» (٥/٣٦٧). [5]: ابن منظور، «لسان العرب»، مادة «نوب». [6]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الزمر ٥٤، وفيه رواية ابن زيد. [7]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الزمر ٥٤. [8]: الرازي، «مفاتيح الغيب»، تفسير الزمر ٥٤، ناقلًا عن الزمخشري («الكشاف»). [9]: الطبري (ومعه رواية مجاهد)، والقرطبي، والزمخشري، والرازي، في تفسير هود ٧٥. [10]: الزمخشري («الكشاف») والقرطبي والطبري وابن عاشور، في تفسير ص ٢٤. [11]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير ص ٣٤، والرازي في الموضع نفسه، والطبري عن ابن عباس والحسن ومجاهد، مع حاشية المحقق على عبارة القرطبي (وهي تعليق المحقق لا قول القرطبي). [12]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الرعد ٢٧؛ والطبري عن قتادة؛ وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الشورى ١٣. [13]: الطبري والقرطبي والزمخشري، في تفسير ق ٣٣. [14]: رواه البخاري (١١٢٠)، كتاب التهجد.↩
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔