أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
حکمتیں اور بصیرتیں

حياتنا بين التقاضي والتغاضي

خلاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعفو النبي ﷺ، وقصة ربيعة بن كعب الأسلمي: من التمس عفو الله فليعفُ عن الخلق

ڈاکٹر احمد ابو سیف•٢ أغسطس ٢٠١٩•16 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 2 أغسطس 2019م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بين التقاضي والتغاضي

ربما تعجَّب بعضكم من عنوان لقائنا هذا: «حياتنا بين التقاضي والتغاضي». فالناس إذا وقعت بينهم مشكلة، ولو صغيرة، نشأت في نفوسهم روحُ الانتصار للذات، ومحاولةُ الاستئثار، والحرصُ على أخذ الحقوق ولو بشدة. وأغلب هذه الحالات، للأسف الشديد، تكمن داخل البيوت وخلف الأبواب المغلقة. وحين نرى ذلك بين الزوجين ندرك أن ثمة شيئًا مختلًّا في حياة هؤلاء الناس. فنحن نحاول الإصلاح بقدر ما نستطيع، وغالبًا ما نصل إلى نتيجة إذا بلغنا القلوب وتوصَّلنا إلى إرضاء النفوس، لكن إذا غلب الشيطانُ والهوى لم نستطع أن نسيطر على الموقف.

وقد أحببت أن أستعيد اليوم ما ذكره أحد الإخوة في خاطرة الفجر قبل أمس، وهو يحكي موقفًا بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وحدّثني أيضًا بحديث آخر عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه، سنأتي إليه، لكنني آثرت أن أبدأ بالرواية الأولى، لننظر كيف أن الاختلاف في وجهات النظر، بل الكلمة التي تخرج بين صاحبين، ليست بعيدة عن مجتمعات الناس، وإنما هي حالٌ تقع حتى في وسط أكابر الصحابة. ورُوي في فضلهما أن إيمان أبي بكر لو وُزن بإيمان الأمة لرجح، وكذلك رُوي في عمر رضي الله عنهما.[1] فنحن نتحدث عن شخصين رزقهما الله من الإيمان ما الله أعلم بمقداره، في حياة الأمة وحياة البشرية.

رواية أبي الدرداء

يروي أبو الدرداء رضي الله عنه فيقول: كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة، فأغضب أبو بكرٍ عمرَ.

وقبل أن نمضي لا بد أن نتوقف عند «رضي الله عنهما»؛ فكل ما سيأتي لن ينقص من قدرهما، وكذلك حين نتحدث عن عليٍّ رضي الله عنه، فرضي الله عن الجميع. هذه المحاورات والخلافات قد تبدو شخصية، وقد تبدو حرصًا على العمل الدعوي، لكن لا بد أن نتفق جميعًا على أنهم بشر، اختارهم الله ليكونوا عونًا لرسوله ﷺ على أداء المهمة.

وانظروا: إمامٌ في منطقته، هل له أعوان يعينونه على حمل الأمانة وأداء الرسالة، أم يعمل وحده، يسبح مع التيار أو ضده؟ ومدرّس ناجح في مدرسته، هل له من يعاونه على أداء الأمانة؟ وطبيب ناجح في مستشفى، هل يجد أعوانًا أم لا؟ كل إنسان يعمل في موطن لا بد أن يلتف الناس حوله ليعينوه، فإن لم يجد عونًا فربما لم يحقق النتائج المرجوة وإن بلغت مهاراته أعلاها.

فهذه المحاورة بين أبي بكر وعمر لا نعرف الصيغة التي وقع بها الإغضاب. لكنهما، رضي الله عنهما، قد يختلفان في تقييم موقف، ويبقى أصل الصحبة والمودة والحب ورحم الإيمان. ولا يعني ذلك أن تسير الحياة وردية؛ فهذا ليس من طبع الحياة أصلًا. تخيّل زوجين يحب أحدهما الآخر حتى يبلغ الحب بينهما درجة العشق، فهل تتخيل أن حالة العشق والهُيام والرومانسية تستمر أكثر من أيام قليلة، أسبوعًا مثلًا؟ ثم تأتينا مشكلة تواجهنا فتغيّر مزاجنا العام وطبيعة ردودنا وطريقة نطقنا، فبدل أن أكلمك بمنتهى الودّ والرخاء يعلو صوتي، وليس علوُّ الصوت دليلًا على الكراهية.

فنقول: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر. ليس عندنا طريقة نقول بها كيف كان الإغضاب: أقال له كلامًا يضايقه؟ أقال له: امضِ من هنا؟ لا نستطيع أن نحدّد. المهم أن عمر انصرف مغضبًا، كما نقول: اتركني وشأني وامضِ. فاتبعه أبو بكر. أفلكي يضايقه أكثر ويغلبه ويزعله مرة ثانية؟ لا، ليس هذا هو الخُلق. فالإغضاب الذي يحصل بيننا إنما هو سبقُ لسان، كلمة خرجت رغمًا عنا، وهذا دليل على أنها لم تكن مبيَّتة؛ فلم يكن أبو بكر ينتظر عمر ليقابله ويفعل به كذا، وإنما هما في الطريق فخرجت كلمة سبق لسان أو سوء تصرف. وليس على الأرض ملَك يمشي، وإنما عندنا بشر يتحركون ويتصرفون ويتعاملون مع الحياة بمعطياتها الإنسانية.

الباب المغلق

فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، يقول: أسألك بالله أن تغفر لي، وعمر مغضب منطلق لا يجيبه. وظل أبو بكر وراءه وعمر ماضٍ، إلى أن أغلق عمر بابه في وجهه. تخيّل أنك مشيتَ خلف صاحبك بالسيارة حتى باب داره، فأغلق الباب في وجهك! أظن أنه بالنسبة إلينا قد يكون قطيعة العمر، وتنتهي الحكاية. نحن بتأويلنا وتصرفاتنا التلقائية قد نفعل هكذا، لكن الرواية تقول: فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ.

فلاحظوا: من الذي أغضب؟ أبو بكر. ومن الذي انطلق غضبان ودخل بيته وأغلق على نفسه الباب؟ عمر. فمن الذي رجع وذهب إلى النبي ﷺ؟ أبو بكر. ومن العادي أن يقول أحدنا: خلاص، سأرجع إلى بيتي. قال أبو الدرداء: ونحن عند النبي ﷺ، فجاء أبو بكر.

وفي رواية: أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه. وهل تعرف لماذا؟ هذا الذي يرفع ثوبه ويمشي لا يراعي ما يحدث لثيابه، يريد أن يمضي فقط، ولا يلتفت إلى شيء. أما الماشي بهدوء فهو يمشي في ثيابه وزينته ويأخذ باله من الطريق ولا يخاف على ثوبه أن يتعلق بحجر. وهذا معناه أنه يريد أن يصل إلى هدف ولا يلتفت إلى شيء آخر؛ ليس في رأسه ما سواه ولا تركيز على شيء آخر.

فلما رآه النبي ﷺ داخلًا من بعيد قال: «أما صاحبكم فقد غامَر». أي: عنده قضية جاء بها. وهذا من التربويات: القائد يعرف أتباعه، والوالد يعرف ما عند أولاده، وصاحب الرعية والمسؤول يعرف ما عند رعيته. صلّوا على سيدنا النبي ﷺ. وكم من مرة يدخل عليك صاحبك فتقول له: ما بك؟ ابتسم لله، اضحك قليلًا، مالك متضايق؟ وتدخل على امرأتك في البيت فتقول لك: شكلك اليوم ليس على ما يرام، فماذا فعلتَ في المسجد؟ هكذا تكون الروح التي تقرأ وجوه من حولها.

ثم سلَّم أبو بكر وقال: يا رسول الله، إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء. ونحن نتخيل واحدًا أخطأ ثم حاول أن يسترضي صاحبه فأُغلق في وجهه الباب، وهذا من العيب عند الناس، ففي الجالية لو عُرف لصار على كل لسان. فلو جاء الإنسان إلى الشيخ يكلمه في أمر كهذا لقال له: أيمكن أن أغلق الباب حتى لا يسمعنا الناس؟ لكن أبا بكر فعل ذلك وحدّث به، بدليل أن أبا الدرداء يروي لنا الموقف. فقال: فأسرعت إليه ثم ندمت. أي أنه خرجت منه كلمة ثم ندم عليها. فسألته أن يغفر لي فأبى، فأقبلت إليك. فقال النبي ﷺ: «يغفر الله لك يا أبا بكر»، ثلاثًا.

لماذا قال النبي ذلك

لماذا قال النبي ﷺ ذلك؟ بدايةً، النبي ﷺ يعرف نفسيات أصحابه. فهو يعلم أن في الناس من قد يضيق صدره وربما يعلو صوته قليلًا، لكنك لو سألت أي أحد في الجالية عن رجل بهذه الصفة لقال لك: هو من يفتح لنا القلب، ونتمنى أن نكون معه في الجنة. وكل الناس الموجودين تستطيع أن تميّز بينهم: فيمكنك أن تُثقل على فلان في الطلب، ويمكنك ألّا تطلب من فلان شيئًا أبدًا، وآخر تتكلم معه مئة سنة ولا تملّ ولا يملّ، وثالث تأتمنه على سرّك، ورابع لا تحكي أمامه مشكلة، وخامس يمكن أن تطلب منه مالًا، وسادس تعطيه أنت من جيبك ولو كنت محتاجًا. فانظروا إلى تمييز النبي ﷺ بين أصحابه.

وهذا يجعلنا نستذكر الرواية التي ترويها عائشة رضي الله عنها قالت: كنت مع النبي ﷺ فطرق رجل الباب، فقال: «من بالباب؟» فقيل: فلان. فقال النبي ﷺ: «بئس أخو العشيرة». وهذا الكلام بيننا وبين بعضنا، لكن النبي ﷺ قال: بئس أخو العشيرة. فلما فتحوا الباب ودخل الرجل هشَّ له النبي ﷺ وبشَّ، وأقبل عليه بالترحيب وابتسامة. تقول عائشة: فتعجبت من فعل النبي ﷺ؛ أنت قبل قليل قلت فيه كذا. فلما خرج سألته: يا رسول الله، لما طرق الباب قلت: بئس أخو العشيرة، فلما دخل هششت له؟ فقال: «يا عائشة، بئس الرجل» أو ما معناه «من يُتَّقى لسوء خلقه».[2]

أي أن هناك من هو قليل الأدب، فلو عاملته بما يستحق لخرجتَ أنت أيضًا عن حدودك، أو رجلٌ ليس له دين، فلو عاملته بمقتضى ما ينبغي لما سلمتَ، فتعامله بما لا تخسر به دينك ولا تفتح له به أبواب الإساءة إليك. وهذه هي المداراة، وثمة فرق كبير بين المداراة والمداهنة؛ فالمداهنة نفاق.

فالشاهد أن النبي ﷺ كان أعرف الناس بأصحابه، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر»، لأنه يعلم ما في نفس أبي بكر، ويعلم أن ما يخرج من اللسان قد يكون سبقَ لسان، كلمة خرجت لا تقوم عليها محكمة يا إخواننا.

عمر عند النبي ﷺ

ثم إن عمر ندم. وعلى هذا نغلق الستارة هنا ونحوّل الكاميرا إلى اللقطة الثانية. أين عمر الآن؟ تركناه في بيته قد أغلق على نفسه الباب. وهذا طبيعي فيمن يرجع متضايقًا من صاحبه، خصوصًا إذا كان صاحبه غاليًا عليه: لا يريد أن يكلمه أحد ويغلق على نفسه. ثم إن عمر ندم على ما كان منه. وأبو بكر لما رجع إلى أين رجع؟ إلى رسول الله ﷺ. وعمر لما خرج من بيته أين ذهب؟ إلى بيت أبي بكر. فتخيل أنه رجع متضايقًا غضبان، والطبيعي أن يبقى في بيته يفكر: كيف فعلت هذا؟ ولماذا لم يغفر لي؟ لكن عمر خرج فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثَمَّ أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى إلى النبي ﷺ، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعَّر.

ولما دخل عمر صار النبي ﷺ غضبان. فمن المخطئ؟ أبو بكر هو من قال كلمة في حق عمر. فالنبي حين يغضب أيغضب على المخطئ أم على من وقع عليه الخطأ؟ هذه نقطة نقف عندها. فلما دخل عمر تمعَّر وجه النبي ﷺ، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه وقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، أنا الذي ظلمتُه. يتوسل إلى النبي ﷺ ألا يغضب على عمر. فقال النبي ﷺ: «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبتَ، وقال أبو بكر: صدقتَ، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» فما أُوذي بعدها.[3]

وفي الرواية التي ذكرها أخونا، أن النبي ﷺ لما قال ذلك عاتب عمر: كيف يطلب منه أخوه أن يغفر له ولا يغفر؟ كيف يقول لك: اغفر لي، ولا تسامحه؟ فصارت المشكلة ليست في سبق القول، لأن هذا متوقع من أي أحد، بدل كلمة تخرج تخرج كلمة ثانية. لكن القضية الكبرى أن يبقى في النفوس أشياء: كيف يقول لك اغفر لي ولا تسامحه؟ فقال عمر ما معناه: ما سألني مرة أن أغفر له إلا وقد قلت في نفسي: غفر الله لك، غير أني لم أُسمعه.

يعني أن أبا بكر ماشٍ وراء عمر يقول له سامحني، وصاحبه يرد في نفسه: غفر الله لك، لكنه لا يُبديها له. وقد نتساءل فيما بيننا: لماذا لم يكن يبديها له؟ لكن هذه قضية تعود إلى مقتضى الموقف الذي كان حينها، ولا ندري ما في نفوس الخلق. ولكن يبقى الأصل بيننا، والمطلوب الأول، التصافي والتسامح.

ربيعة بن كعب الأسلمي

وعندنا قصة لطيفة يرويها سيدنا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه. وأقول مقدمةً قبل القصة: هو رجل من بني أسلم، وكانت شغلته في الحياة أنه يرعى. وفي ذلك نقطة: إياك أن تبقى جالسًا في بيتك بلا عمل، حتى لو خرجت تشتغل في أحد المتاجر، فاعمل ولا تفضل قاعدًا في الدار. لم يكن له من عمل إلا رعي الغنم، وكان هذا شغل أي أحد، كما كنا زمان في الريف، حتى الصغير يخرج مع الكبار ليتعلم الجلَد، فإذا صار رجلًا فما ينبغي له أن يقعد.

فكان يرعى الغنم في قومه حتى سمعوا برسول الله ﷺ، فانطلق في من معه إلى النبي ﷺ فعرفه وأسلم له. ولما رجع إلى قومه لم يستطع أن يبقى فيهم، فقد تعلقت روحه بالنبي ﷺ، فعاد إلى رسول الله ﷺ، واتخذ في المدينة مهنة خاصة، أنه جعل نفسه خادمًا لرسول الله ﷺ.

اسمعوا الرواية، يقول ربيعة رضي الله عنه: كنت أخدم النبي ﷺ وأقوم له في حوائجه طَوالَ نهاري حتى يصلي رسول الله ﷺ العشاء الآخرة. ومعنى «طَوال نهاري» أننا نتحدث من طلوع الفجر إلى أن يصلي العشاء الآخرة. فلما يصلي العشاء الآخرة انتهى الدوام، وأذهب لأنام؟ لا، يقول: فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجة. أي أن النبي ﷺ قد يحتاج بالليل شيئًا وهو موجود على الباب. فما أزال أسمعه يقول: «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده». فهو حريص على أن يسمع إن ناداه فلا يفوته. وانتبهوا، فهناك فرق بين هذه النقطة وبين أنه يتنصَّت على ما يحصل في الداخل، لا، ليس هذا. قاعد يتتبع صوت النبي ﷺ حتى تسبيحاته، يقول: حتى أملَّ، أي حتى أحس أنه لم يعد وقت أن يطلب أحد حاجة، فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقد على باب النبي ﷺ.

قال: فقال لي يومًا: «سلني يا ربيعة، سلني أُعطِك». أي: اطلب مني ما شئت. قال: فقلت: أنظرني في أمري يا رسول الله، أي أمهلني قليلًا لأفكر ماذا أريد. قال: ففكرت في نفسي فعرفت — اسمعوا هاتين الكلمتين — ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سيكفيني ويأتيني.

وخذوا بالكم: هذا كلام مَن؟ راعي الغنم الذي كان قبل قليل يرعى الغنم! هذه النقلة الفكرية والحضارية التي حصلت في ذهن ذلك الصحابي حتى يتكلم بهذا المنطق شيء غير عادي. ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سيكفيني ويأتيني، أي الذي كتبه الله لي لن يكون أقل من حاجتي أبدًا. ولا أحد يساومني على هذه المسألة، ولا يقول لي: اعمل شيئًا حرامًا لتزيد رزقك.

قال: فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به. أي أن مكانته عند الله بحيث إذا سأل الله شيئًا أعطاه. فقلت: أسأل الرسول ﷺ لآخرتي، لا لدنياي. وكثير من الناس اليوم إذا صحّ له طلب عند أحد طلب منه الدنيا: زيادات، مستحقات. أما صاحبنا فقال: أطلب الآخرة.

فلما جئت قال: «ما فعلتَ يا ربيعة؟» قلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار. هذا هو الطلب. فقال: «من أمرك بهذا يا ربيعة؟» قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك لما قلتَ لي سلني أعطك، وكنتَ من الله بالمنزل الذي أنت به، نظرتُ في أمري وعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة وأن لي فيها رزقًا سيأتي، فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي. قال: فصمت رسول الله ﷺ طويلًا، وكأنه يتفكر في حسن هذا الجواب، وفي هذا العقل المتَّقد الذي أخرج هذه الكلمات. ثم قال لي: «إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود».[4]

ما تعلّمنا إياه القصتان

القصة التي أردنا أن نحكيها طويلة قليلًا، وخلاصتها أنه حصل خلاف بين ربيعة وبين أبي بكر رضي الله عنهما حول مسألة بسيطة، ولكنها تصاعدت حتى وصلت إلى رسول الله ﷺ. وهي تحكي لنا كيف كانت الحكمة هي التي تضبط حركة المجتمع، وأن التصرفات العشوائية عند الناس قد تهدم ولا تبني، وتخرّب ولا تعمّر. وتعلّمنا أن التسرع في اتخاذ القرارات لن تكون نتائجه حكيمة، ولن تكون دائمًا صائبة. وتعلّمنا أننا قد نتنازل في بعض المواقف لنربح ما هو أعظم وأعظم. وتعلّمنا أن الاعتراف بالجميل مسألة لا يعرفها إلا أهل الأصل من البشر؛ فالناس الأصلاء من الخلق هم الذين يعرفون معنى أن يحفظوا الجميل لمن أحسنوا إليهم في حياتهم بين يدي الله سبحانه وتعالى.

كانت هذه طوافةً سريعة تبيّن لنا أننا إذا أصررنا على أن يقاضي بعضنا بعضًا — لِمَ فعلتَ هذا؟ ولِمَ حملتَ الحكاية على هذا؟ ولِمَ سوّيتَ كذا؟ — فإن العلاقة بيننا في الغالب ستنقطع بعد قليل. أما إذا غمر حياتنا التغاضي، أي أن تغمض عينيك أحيانًا عن بعض الأشياء، أو على الأقل أن تلتمس الأجر من الله سبحانه وتعالى...

اسمع: إذا أخطأ أخوك في حقك شخصيًّا فليس من العقل أن تترك عفو الله الذي تسأله لنفسك مقابل ألّا تعفو عن أحد. المعادلة مضبوطة يا إخواننا: إذا التمستَ من الله عفوًا فلا بد أن تعفو عن الخلق. هذه مسألة منتهية.

والأمر الثاني في هذه المسألة أنني دائمًا أنظر إلى ما يترتب على التصرف، اللهم إلا إذا حصل نوع من الحماقة أو التصرف الأهوج في موقف ما. فنحن بشر، والذين نحكي عنهم أعاظم الناس رضي الله عنهم أجمعين، ومع ذلك قد تُسطَّر عنهم بعض الأخطاء، لكن المنهج العام هو الذي يُنظر فيه. فمثلًا أن تسمع واحدًا يقول لك: يا فلان، كذا وكذا، فتقول له: معقول؟ لا يا أخي، هذه ليست عادتك، هذه الكلمة ليست من عادتك؛ فالتعبير يكشف أصل ما فيك، لكن الخطأ المحتمَل يجيء أهلًا وسهلًا. فالعفو عن الخطأ سبيل لاستدامة استقرارك النفسي.

أنا أسألكم سؤالًا: الذي يعادي الناس هل يعرف أن ينام؟ أنت بينك وبين فلان عداوة، أو بينك وبينه قضية أو مشكلة، أتراك تستطيع أن تنام؟ لا. وإن عفوتَ وسامحتَ وخرج الموضوع من قلبك، فإنه ينام قرير العين، لماذا؟ لأن قلبه صافٍ!

وتأملوا حين أخبر النبي ﷺ أصحابه أن رجلًا من أهل الجنة سيطلع عليهم، فتتبَّعه أحد الصحابة وذهب وراءه ليسأله: ما السر الذي بينك وبين ربك حتى يحدّث النبي ﷺ عنك أنك من أهل الجنة؟ فقال ما معناه: أبيت وليس في صدري شيء لأحد من الخلق.[5] هذه هي التجارة التي التمسها ليربح فضل الله تبارك وتعالى ورضوانه.

أسأل الله تعالى لي ولكم سلامة الدارين، وأن يعفو الله عز وجل عنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا وخطايانا، اللهم آمين يا رب العالمين. جزاكم الله خيرًا ورضي الله عنكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: نسب المتحدث هذا القول إلى النبي ﷺ بلفظ «لو وُزن إيمان الأمة وإيمان أبي بكر لرجحت كفة أبي بكر…» وكذلك في عمر، ولم يتحقق ثبوته مرفوعًا بهذا اللفظ، فصيغ هنا بصيغة التمريض؛ يُراجع قبل النشر. [2]: توثيق المحرر: حديث «بئس أخو العشيرة» متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها (البخاري ومسلم)، والمتحدث نقله بالمعنى ونبّه بقوله «أو ما معناه». [3]: توثيق المحرر: قصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنحو هذا السياق أخرجها البخاري في صحيحه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. أما عتاب النبي ﷺ لعمر وقول عمر إنه كان يقول في نفسه «غفر الله لك» فلا يظهر في سياق البخاري، وقد ساقه المتحدث من الرواية التي ذكرها له أحد الإخوة، فنُقل على نحو ما قال دون تحقق من ثبوته. [4]: توثيق المحرر: أصل حديث ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه في «سلني أعطك» و«فأعني على نفسك بكثرة السجود» في صحيح مسلم، والسياق الطويل الذي ساقه المتحدث أقرب إلى رواية الإمام أحمد في مسنده؛ ونقله المتحدث بالمعنى مع بعض الشرح. وقوله في الخلاصة إن الخلاف وقع بين ربيعة وأبي بكر رضي الله عنهما لا يظهر في الرواية المسوقة هنا، فنُقل كما قال. [5]: توثيق المحرر: الحديث في مسند الإمام أحمد، في قصة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حين تتبّع الرجل ثلاث ليالٍ؛ والمتحدث أشار إليه إشارة ولم يسق لفظه، ونُقل هنا بالمعنى.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں