نداءات الإيمان: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ في المائدة
من سلسلة «نداءات الإيمان في القرآن الكريم»: نداء «يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله» في مطلع سورة المائدة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نقف الليلة مع نداءٍ من نداءات الله لعباده المؤمنين في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.[1] ربُّنا سبحانه يُنادي عباده المؤمنين ألّا يُحِلّوا شعائر الله.
الشعائر وتحويل التديّن إلى هوى
الشعائر جمع «شعيرة»، وهي ما جعله الله تبارك وتعالى موطنًا لنُسُكٍ من مناسك هذا الدين. وقد كان الناس قبل الإسلام يتجاوزون ما وضع الله لهم من الشعائر؛ فغيّروا هيئة الطواف حول الكعبة، وقدّموا من مناسك الله ما اشتهَوه وما راق لهم.
وهنا تأتي مسألة تحويل التديّن إلى هوًى أو شهوةٍ أو مزاج: كلُّ من طرأت له فكرةٌ أراد أن يطبّقها حيث كان هواه، وكلُّ من أراد أن يصنع لنفسه مزيّةً أضاف إلى التعاليم الإلهية شيئًا يجعلها منسوبةً إليه؛ فهذا صاحب الطواف من اليسار إلى اليمين، وذاك صاحب الطواف من الأمام إلى الخلف، وثالثٌ صاحب الطواف حول الكعبة عاريًا — على سبيل المثال — وهكذا.
عقد العبودية
ثم يُحدّثنا ربُّ العالمين في أول السورة المباركة: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أيُّ عقودٍ تلك؟ أولُ العقود هي التي بينكم وبين ربّ العزّة سبحانه، والعقد الذي بيننا وبين الله هو عقد العبودية، والأصل في العبودية الامتثال. وكلُّ من يتجاوز هذا الامتثال متعدٍّ على مبدأ العبودية، ليس له فيها موقف، وإنما هو متجنٍّ على ربّ العالمين سبحانه.
وتجاوز العبودية يكون بصور: منها تبديل صورة التعبّد، ولذلك تأتي تلك الهجمة الشرسة على كلّ مبتدعٍ في هذه الديانة؛ فهو إما أن يُضيف إليها ما ليس منها، وإما أن ينقص من أصل التعبّد ما لا ينبغي أن ينقص منه، وإما أن يُبدّل المفاهيم ويغيّرها. فإذا بربّ العالمين يقول: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، فلا تستبدلوها بغيرها. وقد تكلّمنا في المرة الماضية عن مسألة الإرادة ومناسبتها للحكم هنا.
الشهر الحرام والنسيء
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: وعندنا في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾،[2] وقبلها الآية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. تأمّل: ما لزومُ هذه الجملة وسط الآية؟ فهمنا أن عدة الشهور اثنا عشر منذ خلق السماوات والأرض، وأن الله خصّ منها أربعة حُرُمًا، ثم قال: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. فتصنيف الأيام والليالي جزءٌ من التعبّد لله تبارك وتعالى.
أما النسيء فهو التبديل: لا يعجبنا أن يكون رجب شهرًا حرامًا هذا العام لأن عندنا غارةً على فلان، فنؤجّله شهرين ونقدّم مكانه كذا. فكانوا يُبدّلون معالم الزمن، ومعالم الأشياء، ومعالم الأماكن. فيأتينا الأمر الإلهي ملخّصًا: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
الأوامر والنواهي في الآية
ثم يقول ربّنا: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
ولو حاولنا تفكيك الآية لرأينا فيها عددًا من الأوامر والنواهي: لا تُحلّوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدي بأن تعتدوا عليه أو تتجاوزوا حدود الله فيه، ولا القلائد، ولا دماء القاصدين بيت الله الحرام، الذين يقصدون بيت ربّ العالمين. ثم ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾: أي متى يجوز الصيد؟ عندما نتحلّل من إحرامنا.
من المناسك إلى معاملة الناس: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾
يقول ربّنا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. بعد أن كنّا نتعامل مع المناسك نتّبع خطوة ربّ العالمين فيها خطوةً خطوة، نُقلنا نقلةً كبيرة جدًّا إلى التعامل مع الناس. بيني وبين فلان خصومة؛ فهذا لا يمنعه حقَّه عندي.
ومن المواقف المشهورة جدًّا[3] أنّ أحدهم كان يحدّثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: إني لا أحبّ أن أراك — وكان قاتلًا لأخيه. فقال: أوَيمنعني ذلك حقّي عندك؟ فقال عمر: إنما يبكي على الحب النساء. وكأنه يقول: الحبّ شأنك أنت، فيما بينك وبين نفسك. أما بيننا فعلاقة حاكمٍ ومحكوم، أو علاقة عملٍ أو مشاركةٍ أو زمالةٍ أو صداقةٍ أو تجارة: أنت تبيع وأنا أشتري، لك عندي مالٌ ولي عندك بضاعة، وانتهت المسألة. ليس شرطًا أن نتبادل الهدايا، فالمسألة مختلفةٌ تمامًا.
فإذا بربّ العالمين ينقلنا نقلةً أخرى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أي لا يمنعنّكم التباغض بينكم وبين أناسٍ أن تحرموهم حقوقهم. ولنا في بيوتنا اليوم إشكالية من هذا: الرجل إذا غضب من امرأته أهمل حقّها وتعدّى على ما ينبغي أن يكون لها، وتجاوز حدّ الله سبحانه في التعامل مع هذه المسكينة؛ وهي في المقابل إذا أغضبها منعته حقوقه، وقد يؤدي ذلك ببعض الناس إلى ارتكاب الحرام — والعياذ بالله، ونسأل الله السلامة. ثم ينتقل الأمر إلى أن يغضب الرجل من أخيه أو أخته أو خاله أو عمّه، أي أهل الأرحام، فتقع بينهم مصائب. وتأمّل: يأتيك رجل وامرأة بينهما من العشرة أكثر من ثلاثين أو خمس وثلاثين أو أربعين سنة، ويأتيان إلى الطلاق! ثم ترى التحاكم والتقاضي في المحاكم، ثم إصرار كل واحدٍ منهما على الانتقام من الطرف الآخر. أين هذه العشرة الطويلة التي كانت بين الناس؟ فإذا بربّنا سبحانه يعلّمنا هذا الأدب: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾.
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
ثم إن هؤلاء مصيبتهم كبيرة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ فإذا نظرنا إلى صنيع أهل مكة مع أهل الإسلام، مع النبي محمدٍ ﷺ وأصحابه الكرام، ومنعِهم الناسَ فقط أن يدخلوا البيت الحرام أو أن يتعبّدوا لله عنده، فقد كانت جرائم. ومع ذلك فإن هذا التعدّي السابق لا يمنعهم من أن يحصلوا على حقّهم: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾. فلا يحلّ الاعتداء على أحدٍ حتى وإن كان صاحبَ مظلمةٍ فيما قبل. اللهم إلا إذا كانت حربًا سجالًا، كَرّةً هنا وكَرّةً هناك، وقد بلغت العداوة حدّ الحرب، وللحرب قواعدها وتنظيمها، وقد يحتمل هذا الترتيب غارةً من هنا وغارةً من هناك. فإذا بربّنا ينظّم المسألة في نفوس الناس، ثم ينتقل إلى تنظيمها في عقول أهل الإيمان، فيعلّمهم ويدرّبهم ويربّيهم على كيفية التعامل مع الأطراف الأخرى، أحبّاءَ كانوا أو أعداء.
التعاون على البرّ والتقوى
ثم قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. التعاون هنا بين مَن ومَن؟ انتبه؛ السياق: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا﴾، فيكون التعاون هنا مع من صدّوكم سلفًا! وكأننا أمام قرآنٍ يربّينا على أن نُري الحسنَ منّا حتى لأعدائنا فيما سبق، بشرط ألّا تستمر العداوة ولا يستمر الاعتداء؛ فإذا سكنت الدنيا وهدأت عادت الأمور إلى ما ينبغي من الحقّ المتبادَل المعروف. فلا يعتدي أحدٌ لجُرمٍ سبق؛ فمسألة الانتقام المتأخّر مع سبق الإصرار والترصّد ليست من منهجية الإسلام في تربية مجتمع المؤمنين.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
ويقول ربّنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وإذا أردت أن تربط هذا الختام بختام الآية الأولى فقد قال الله هناك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾؛ فمن خالف حكم الله ناسبه شدّة عقاب ربّ العالمين. فإذا جاءت التعاليم ووُجد من يخالفها، فعلى العبد أن يتلقّى من ربّ العالمين شدّة العقاب. وكأن في الآية تمهيدًا لما سيأتي بعد من المحرّمات التي سيحرّمها ربّ العالمين على أهل الإيمان: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. كلُّ هذه ينهى عنها ربّ العالمين ليحفظ المجتمع سليمًا آمنًا مطمئنًّا بإذنه سبحانه.
سورة المائدة دستور تعامل
ونحن نتكلّم عن سورة المائدة ينبغي أن نستحضر أنها تمثّل بالنسبة إلينا دستورَ تعاملٍ للأمة المسلمة. والخطاب الأوثق فيها والأعلى صوتًا حين يكلّم الله تعالى رسوله ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾؛ وهذا النداء المتكرّر للنبي ﷺ تذكيرٌ للأمة بدورها أولًا، وتذكيرٌ بأخلاقيات الداعية — الذي هو أنت، الذي هو أنا ونحن — وتذكيرٌ بالمسؤولية التي ينبغي أن نحفظها.
ومن أول الرموز التي ظهرت في سورة المائدة رمزُ حفاظ المؤمنين على الدماء؛ فقد ضرب الله لنا في السورة قصة ابنَي آدم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾،[4] حتى وصل الأمر إلى القتل بين أخوين من أبٍ وأم. فكأن ربّ العالمين يربّينا مرةً أخرى في سورة المائدة.
--- [1]: توثيق المحرر: مطلع سورة المائدة (٥: ١–٢). أثبتُّ الآيات التي تلاها المتحدث؛ وجاءت آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ…﴾ (٥: ٣) بحسب ما ذكره منها. [2]: توثيق المحرر: سورة التوبة (٩: ٣٦–٣٧). [3]: توثيق المحرر: أورد المتحدث أثر عمر رضي الله عنه بالمعنى بلا عزو، ولم يسمِّ الرجل، والتفريغ مضطرب في تحديد من قُتل أخوه؛ ولم يُتحقق من لفظه هنا. [4]: توثيق المحرر: سورة المائدة (٥: ٢٧)؛ وندائي «يا أيها الرسول» في السورة نفسها (٥: ٤١، ٦٧).
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔