أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
ایمانی مفاہیم

سورة القارعة وما يُثقِل الموازين

سورة القارعة وموقعها بين السور، وما الذي يُثقِل الموازين

ڈاکٹر احمد ابو سیف•١٧ يونيو ٢٠٢٦•6 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٧ يونيو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

سورة القارعة لها وقعٌ خاص في أذن من يسمعها، يُحسّ به قبل أن تُدرَك أبعاده. وأكثر ما يلفت النظر فيها موقعها بين السور. فحين تقرأ القرآن الكريم، وبخاصة السور القصيرة، تشعر أن بين هذه السور المباركة المتجاورة رباطًا خاصًّا. فتأمّل كيف ينتهي ما قبلها: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِم يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾، ثم تأتي ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾[3].

بين العاديات والقارعة

سورة العاديات تتحدث في مجملها عن حركة الدعوة، وعن أهلها وهم في وسط أعدائهم من شياطين الإنس والجن. فهناك عاديات، ويصوّر لك ربُّ العالمين سبحانه المشهد العظيم لحركة هؤلاء الجند الذين امتطوا صهوة جيادهم وانطلقوا غير عابئين بشيء في الدنيا كلها إلا الوصول إلى أهدافهم. وفي مقابل هذه الصورة صورة ذلك الكنود الذي تحدّى ربَّ العالمين سبحانه، وأعرض عن أمر الله في حياته كلها. ثم تأتيك القارعة لتقول: إلى متى هذا الإعراض؟ إلى متى هذا الجحود وهذا الكنود؟ إلى متى، حتى تأتي القارعة؟

قارعة وصاخّة وطامّة

فنحن أمام لفظة واحدة تصوّر لك مشهدًا كاملًا. وما الفرق بين القارعة والصاخّة والطامّة؟ وما الفرق بين القارعة والحاقّة والواقعة؟ إنها كلها تعطي دلالةً مختلفة في نفس المتلقي والسامع، ولا يرى السامع نفسه إلا مسلِّمًا لحقيقة يرسيها ربُّ العالمين سبحانه.

الإنسان والناس: من يُعبأ به؟

والسورة تصوّر لنا مشهد ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. ولنقرأ مرة ثانية ونراعِ الفروق بين الألفاظ. فلو قال ربُّ العالمين: «يوم يكون الإنسان»، لتخيّلتُ الإنسان بسطوته وقوّته وهيمنته وماله وجيوشه وعتاده، وتصورتُ أولئك المعتدين المتجبّرين المفترين، وسطوتَهم على البشر. غير أنه سبحانه قال: «الناس»، أي مجموعَ كل هؤلاء، ثم شبّههم بالفَراش المبثوث. وفي اختيار لفظ الفَراش دلالةٌ على أن الإنسان لن يكون شيئًا حقيرًا فحسب، بل شيئًا لا يُعبأ به أصلًا؛ كالفَراشة تنفضها بيدك فتصرفها عنك.

الجبال كالعهن المنفوش

﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾. وهو تشبيه يعبّر عن قدر ما نملك في الحياة. فما الذي تملك؟ جبالًا من الأموال، وأساطيل من الممتلكات؟ وما الذي تستفيده من العهن المنفوش أكثر من أن تصنع منه وسادة تضعها تحت رأسك؟ وما الوسادة إلا شيء تتكئ عليه قليلًا، أما الإفادة الحقيقية منها فلمن غاب عن الدنيا.

ما الذي يُثقِل الموازين؟

ثم يقول ربُّ العالمين سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. فما الذي يثقّل لك الموازين؟ يثقّلها كلُّ ما تجده في حياتك. المؤمن يتعامل مع الدنيا كما يتعامل رجل الأعمال، بعقليته بالضبط؛ رجل الأعمال الحصيف لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويدخل فيها. تجده يقول لك: الذهب سيربح اليوم، وفي النحاس شيء جديد مع الناس، خذ لنا فيه بضعة أسهم. رأسه يدور مع كل ما يحدث حوله، ومنشغل تمامًا بكل ما يجري، أربعًا وعشرين ساعة في اليوم: من هنا خمسة، ومن هنا ثلاثة، ومن هنا تسعون، وإن خسر في موضع عوّضه من آخر.

فتلك هي عقلية المؤمن إذا نقلتها إلى الآخرة؛ فهو بين صيام وقيام وذكر وتلاوة وصلة رحم وتفقّد لأحوال الناس. يراعي زمانه ومكانه، ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا حصّل منها نوعًا من الطاعة لا يحصّله غيره، لأنه لا يملك غيرها. وهذه العقلية في مقابل ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾.

وكلمة التثقيل في ذاتها تعني أنك تضع أشياء ثقيلة لا تطير مع الأحداث. ولا يليق بمتحدث أن يذكر هذا الثقل في الموازين إلا ويذكر في مقابله حديثَ النبي ﷺ حين سأل أصحابه: أتدرون من المفلس؟ فأجابوا بأن المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار. وهذا عندكم أنتم، أما في أصل التصور الحقيقي فبيّن ﷺ أن المفلس من أمته من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، غير أنه أتى وقد سبّ هذا وشتم هذا.[1] فإذا وضعتَ الصورتين متقابلتين رأيت أن من يثقّل موازينه مشغولٌ بالعمل الحقيقي، وأن المشغول بالناس يشتم هذا ويتكلم في ذاك صاحبُ عقلية فارغة. فكأننا نحتاج في الأصل إلى إعادة صياغة العقلية: ما الذي تهتم به؟ فإذا كنت مهمومًا بكمّ الأعمال المنجزة خلال اليوم، فليس عندك وقت تضيّعه. تقول لمن يتصل بك: أنا آسف، تأخرت عليك في الردّ، كان عندي اجتماعان، وكنت في لقاء، وكنت أشتغل في كذا، لست فارغًا، وليس عندي وقت أضيّعه.

«فأمه هاوية»

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾. فما ذنب الأم؟ ولماذا تأتي سيرة الأم؟ كما يقول المرء لمن يشتمه: لماذا تذكر أمي؟ والأم هي الملجأ الذي يعود إليه كل خاوٍ من الأمن، فيعطينا ربنا هذا التصوير. ونحن نعرف أن الأم مضمونة، لا شك أنك إن أويتَ إليها آوتك، رضي الله عن أمهاتنا جميعًا. فنحن أمام المرجع الذي لا يخذل أبدًا من رجع إليه، وهو في ذاته هاوية! ولا نقصد الأمهات طبعًا، وإنما نقصد مصدر الأمان والارتياح عند أي إنسان. فأنت كنت مرتاحًا في الدنيا: أنا في منصبي، وأنا مع مالي، وأنا مع هندستي، وأنا مع طبي، وأنا مع الشركة التي أنشأتها. كلُّ واحد له منطقة راحته التي يستريح فيها، ويحسّ أنه تمام، وأنه ملك الدنيا والآخرة. فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.

أيعقل أن يستمر؟

تخيّل إنسانًا أنشأ شركة كبيرة جدًّا، ثم اكتشف بعد حين أنها هي مصدر الإزعاج في حياته. بعد أن بدأ يشتغل ويضع فيها كل شيء، وجد نفسه بسبب هذا الانشغال الكبير والهمّ الكثير قد أصابه السكّر والضغط، وذهبت صحته، واضطربت عليه دنياه. فهل من العقل أن يكمل فيها؟ فيقول لك: أنا وضعت فيها مالي ولا أقدر أن أخرج! فيقال له: اخرج بعافيتك. فإذا بربِّ العالمين سبحانه يقول: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. أيعقل أن يدرك الإنسان أن أسباب انشغاله في الدنيا هي أسباب ناره، ثم يستكمل مسيرته مع ذلك؟ أم أنه يفيق، حتى لا يبلغ المقابر بمزيد من التكاثر؟

وانظر كيف تسير القصة، وتخيّل هذا الربط أيضًا: أنت مع القارعة مغموس في الدنيا، مستمر في الكنود، إلى أن تأتي لحظة ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.[2] فلو مشينا مع التسلسل، فما سبب النجاة؟ هذا الجمع الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. إنه تسلسل سور القرآن، كأنه الوصفة التي يكتبها الطبيب. وواللهِ العظيم إنك لتمشي مع السور فترى نفسك تنساب معها انسياب المستمتع بهذا الاتساق.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على أن نثقّل موازيننا، وأن يحفظ علينا ما أودعنا من نعمة الطاعة حتى نلقاه بها.

--- [1]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح مسلم، وقد نُقل في الخاطرة بالمعنى. [2]: توثيق المحرر: نطق المتحدث الآية بصيغة «حتى إذا زرتم المقابر»، وأُثبتت هنا كما وردت في المصحف. [3]: توثيق المحرر: [العاديات: 6–11]، [القارعة: 1–2]، [القارعة: 4]، [القارعة: 5]، [القارعة: 6]، [القارعة: 8–9]، [القارعة: 9–11]، [التكاثر: 2–3]، [العصر: 3].

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں