فرعون في داخل كل إنسان: الطغيان والاستغناء المتوهَّم
فرعون في داخل كل إنسان: الطغيان والاستغناء المتوهَّم
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 9 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
ابتدأ الشيخ بدعاء: ونجِّنا ربنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك، ولا أقل من ذلك، اللهم إنا نسألك النجاة في الدنيا والنجاة في الآخرة والنجاة عند لقائك يا رب العالمين.
لماذا يتكرر ذكر فرعون؟
حين تقرأ القرآن الكريم وترى ترديد ذكر فرعون: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾[1]، أقف عند لفظ الطغيان، وأريد مقاربةً تَرِد على ذهني بينه وبين قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾[2]. الذي حصل فعلًا أن فرعون استشعر الاستغناء في نفسه عن كل شيء حوله، وظنّ نفسه إلهًا حقيقيًّا.
فلماذا يرد ذكر فرعون في القرآن كثيرًا؟ لأن فرعون يمثّل هذه العقلية التي تشعر بالاستقلال الكامل، لكنه استقلال متوهَّم. وقصة موسى عليه السلام أكثر القصص تكرارًا في القرآن الكريم. فهذا يمثّل ضمير الطغيان، إن صح التعبير، وذاك يمثّل ضمير التذكير والإرجاع إلى نقطة الحياد في الحياة. وكأن ربي سبحانه يخبرنا أن في داخل كل شخص على ظهر الأرض فرعونًا؛ ذلك الحدّ الذي يفصل بين التواضع وبين تجاوز القدر، بين اعتبار القدرة الإنسانية بما لها وما عليها، وبين تجاوز هذه المرحلة إلى ادعاء الألوهية.
أن يشعر الإنسان أنه جزء من كل
الإنسان المعتدل يشعر دائمًا أنه جزء من كل. فالزوج في داخل البيت يستشعر أن امرأته تكمّل وجوده في هذه الحياة، ولكلٍّ منهما دور فيحترم هذا الدور إلى أن يلقيا الله تبارك وتعالى. والمرأة لا تستشعر الرجولة وإنما تستشعر أنوثتها، وهذا الخضوع الذي هو جزء من سمتها وصفتها يكمّله خضوع من نوع آخر عند الرجل اختيارًا، فتكتمل الحياة وتستمر الدنيا. وهذا الرجل الذي يستشعر أنه جزء من كل، يتعامل مع عياله على أنهم بقية منظومة الحياة بالنسبة له، فيحترمهم ويجلّونه، ويستشعر أنه جزء من كل في عمله، فلا يتفرعن على أقرانه ولا على ذويه ولا على من حوله، فتكتمل الحياة.
فحشر فنادى
فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، لكنه قبل أن يقول هذه الكلمة ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾[3]. فما دلالة ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾؟ دلالتها أنه حشر الناس في موطن واحد. كلّم رجاله: ضُمّوا لي الشعب، هاتوا الشعب أمامي، أريد أن أرى شعبي. فعنده شعبه. وإذا استشعر الإنسان هذا الشعور، أن الشركة شركته، وأن له جمهوره، عنده مليون إعجاب على فيسبوك، وعنده مئة ألف يتابعونه في مكان ما، فإنه يبلغ حدّ التفرعن الذي لا يستطيع أن يتوقف معه، فيطغى.
ولفظ الطغيان هو تجاوز الحد بالدرجة التي لا يحسن الإنسان أن يعود معها. وناس كثيرون جدًّا يتجاوزون الحد، لكن من الذي يتجاوز الحد وهو مدرك؟ خذ مثلًا السائق، بارك الله في من يسوقون كثيرًا: الحدّ المسموح سبعون وأنت ماشٍ على اثنين وثمانين؛ متجاوز قليلًا، لكنك إلى التاسعة والسبعين ماشٍ بخير ولا أحد يقول لك شيئًا. وربما نبّهك الشباب: انتبه، قد يمسكك أحدهم. لكن هذا لا يسلبك القدرة على التحكم في نفسك. أما أن تصير السبعون مئة وعشرة فهذا لا تقدر عليه. تلك السرعة الزائدة قد يُنبّهك إليها الرادار فتبصر وتتدارك، فهذا لديه القدرة على التحكم في نفسه. لكن هناك شخصًا آخر طغى إلى المستوى الذي لا يحسن معه أن يمسك زمام ذاته، وذلك هو الذي يحذّر منه القرآن سواء في آيات النازعات أو في المواطن الكثيرة التي أورد الله تبارك وتعالى فيها ذكر فرعون تحديدًا، وموسى عليه السلام الذي يمثّل ضمير الأمة، ويمثّل الضمير الداخلي عند الإنسان الفرد، وضمير الأمة إذا نادى على الطاغية: عُد إلى رشدك وثُب إلى منطقك الأقوى.
الخلاصة
والمطلوب في خلاصة الكلمة في هذا اليوم، وهي كلمة قصيرة صغيرة، ألّا يستشعر أحدنا طغيانًا داخليًّا يستقوي به على من حوله، ويشعر أن لديه قوة نافذة فيمن حوله، فيتوهّم أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء. ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾[4]. أهي عبرة فردية أم مجتمعية؟ هي عبرة على مستوى الفرد، لكل من يخشى.
لماذا «أأنتم» لا «أأنت»؟
ثم يخاطب الله تبارك وتعالى الناس: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا﴾[5]. فلماذا لم يقل: أأنتَ؟ ما دام الخطاب فرديًّا والموعظة لكل واحد، فلماذا سمعنا «أأنتم»؟ لأن استشعار الإنسان الطغيان لا يتحقق بذاته وحدها، وإنما يستشعره أيضًا بمن حوله. فلولا وجود هؤلاء الناس ما وُجد من يحشرهم: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾؛ نادى فيمن يكمّلون معه هذه المنظومة.
عندنا في مصر مثل شائع جدًّا يقول: «قالوا يا فرعون، مين فرعنك؟ قال: ما لقيتش حد يلمّني». وكنا نظن أن ليس لشعب آخر فرعون غيرنا، لكن توجد أمثال كثيرة جدًّا بالصيغة الفلسطينية والسورية واليمنية، فيها المعنى نفسه. فلو وُجد من يلمّه ما وصل إلى هذا المستوى.
أين العبرة؟
العبرة: لا تكن فرعونًا في أي موطن. لا أبًا ولا زوجًا ولا أخًا ولا رئيس عمل، ولا حتى زبونًا. فأحيانًا تجد شخصًا يدخل مقهى أو مطعمًا فيتفرعن على المسكين، أو على البنت التي تحمل له الطلبات: شِيلي هذا، وضعي هذا. يا أخي اهدأ قليلًا، هؤلاء بشر، جاؤوا هنا ليأكلوا عيشهم ويخدموك، يقولون لك: سيدي، فاتّئد أنت واهدأ شيئًا.
وشاهدنا في القول أن ربي سبحانه إنما يهذّب النفوس كلها، ويعلّمنا كيف ننضبط في نمط الحياة وحركتها. أسأل الله العلي القدير ألّا يُطغي نفوسنا، وألّا تمتد إلى حدّ التجاوز، وأن يثبتنا عند المواطن التي ينبغي أن نتوقف عندها، وألّا نتجرّأ لا على الله ولا على أحد من خلقه.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة النازعات، الآيات ١٥–١٧. [2]: توثيق المحرر: سورة العلق، الآيتان ٦ و٧. [3]: توثيق المحرر: سورة النازعات، الآيتان ٢٣ و٢٤. [4]: توثيق المحرر: سورة النازعات، الآيتان ٢٥ و٢٦. [5]: توثيق المحرر: سورة النازعات، الآية ٢٧.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔