أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

الصحابة وصناعة الوعي العلمي

كيف حمل الجيلُ الأول ميراثَ النبوّة؟

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦6 دقائق قراءة

قراءةٌ تربويّةٌ في المنهج العلميّ للجيل الأول، وكيف حمل ميراثَ النبوّة. بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

لم يكن العلمُ في المجتمع الإسلاميّ الأول نشاطًا ثقافيًّا منفصلًا عن الحياة، ولا معرفةً تُطلَب لمجرّد الترف العقليّ أو التفاخر الاجتماعيّ، بل كان في وعي الصحابة أصلَ الدين، وروحَ الرسالة، وجِسرَ الهداية بين السماء والأرض. ومن هنا نشأت في مدرسة النبوّة تجربةٌ علميّةٌ فريدةٌ لم يعرف التاريخُ لها نظيرًا؛ إذ تخرّج فيها جيلٌ جمع بين شرف التلقّي، وصدق الفهم، وأمانة النقل، وعظيم التضحية في سبيل تحصيل العلم وحفظه وتبليغه.

علمٌ هو روحُ الرسالة، لا ترفُ المعرفة

أدرك الصحابةُ منذ اللحظات الأولى أنّ وجود رسول الله ﷺ بينهم نعمةٌ لا تَعدِلها نعمة، وأنّ الكلمات التي يسمعونها ليست نتاجَ تجربةٍ بشريّةٍ أو حكمةٍ إنسانيّةٍ مجرّدة، وإنما هي وحيٌ من عند الله أو بيانٌ لهديه. ولذلك تلقّوا العلمَ بقلب المتعبِّد لا بعقل المتفرِّج، وبروح المكلَّف لا بروح المستهلِك للمعرفة. وكان مجلسُ النبيّ ﷺ بالنسبة إليهم مدرسةً للحياة كلِّها؛ يتعلّمون فيه العقيدةَ والعبادةَ والأخلاقَ والسياسةَ والاجتماع، ويتلقّون من خلاله بناءَ الإنسان قبل بناء المعلومة.

حين يقترن العلمُ بالعمل

لم يكن تلقّي العلم عندهم استماعًا عابرًا ولا حفظًا شكليًّا، بل كان مشروعًا متكاملًا للفهم والعمل. ولهذا رُوي عن الصحابيّ الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان الرجلُ منّا إذا تعلّم عشرَ آياتٍ لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهنّ ويعمل بهنّ»(١). وهي شهادةٌ تكشف عن طبيعة المنهج العلميّ الذي تربّى عليه الجيلُ الأول؛ منهجٍ لا يفصل بين العلم والعمل، ولا بين المعرفة والسلوك.

الحاشية (١): أخرجه ابنُ جرير الطبريّ في مقدمة «جامع البيان» من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفًا، وإسنادُه صحيحٌ إليه.

روحٌ جماعيّةٌ في طلب العلم

ومن أعجب ما يلفت النظر في تجربة الصحابة العلميّة تلك الروحُ الجماعيّة التي أحاطت بطلب العلم وتداوُله. فلم يكن العلمُ حِكرًا على أفرادٍ معدودين، بل أصبح همًّا مشتركًا للأمّة كلّها. كان الصحابةُ يتذاكرون ما سمعوه من رسول الله ﷺ، ويعرِض بعضُهم على بعضٍ ما حفِظ، ويتعاهدون الرواياتِ بالمراجعة والتثبُّت؛ إدراكًا منهم أنّ العلم إذا لم يُراجَع ضاع، وإذا لم يُتدارَس ذبَل أثرُه في النفوس.

همّةٌ تطوي المسافات

وقد بلغت همّةُ الصحابة في طلب العلم مبلغًا يكشف عن قيمة المعرفة في وجدانهم؛ فلم تكن المسافاتُ الطويلة، ولا مشقّةُ السفر، ولا أعباءُ الحياة اليوميّة حواجزَ تحول بينهم وبين الوصول إلى حديثٍ من أحاديث رسول الله ﷺ، أو التثبُّت من لفظةٍ سمعوها عنه.

ومن أشهر الشواهد على ذلك رحلةُ الصحابيّ جابر بن عبد الله إلى الشام، حين بلغه أنّ عند الصحابيّ عبد الله بن أُنَيس علمًا بحديثٍ لم يسمعه من النبيّ ﷺ مباشرة؛ فاشترى راحلةً، وشدّ رحالَه، وقطع مسيرةَ شهرٍ كاملٍ حتى وصل إلى صاحبه — لا ليتلقّى كتابًا ولا مجموعةَ روايات، بل ليسمع حديثًا واحدًا من مصدره المباشر(٢). وهي رحلةٌ تكشف مقدارَ التقدير الذي كان الصحابةُ يُحيطون به السنّةَ النبويّة، ومدى حرصهم على التثبُّت من ألفاظها ومعانيها.

ولم يكن جابرٌ حالةً منفردةً في هذا الباب؛ فقد رحل أبو أيّوب الأنصاريّ إلى عقبة بن عامرٍ بمصر، ليسأله عن حديثٍ واحدٍ سمعه من رسول الله ﷺ في شأن سَتر المؤمن، فلمّا تحقّق من لفظ الحديث سلك طريقَ العودة، وكأنّ الرحلةَ الطويلة كلَّها لم تكن إلا في سبيل تلك الكلمة النبويّة المباركة(٣).

الحواشي: (٢) رحلةُ جابر: علّقها البخاريُّ بصيغة الجزم في ترجمة الباب فقط (كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم)، ولم يُسنِدها في «الصحيح»؛ ووصلها في «الأدب المفرد» (٩٧٠)، والحاكمُ في «المستدرك» (٨٧١٥)، والطحاويُّ في «شرح مشكل الآثار» (٣٥٢٧)، وأحمدُ، من طريق ابن عَقِيل عن جابر؛ وحسّنه ابنُ ناصر الدين الدمشقيّ، فالأدقّ وصفُها بالحُسن. (٣) رحلةُ أبي أيّوب: حديثُ «من سَتَر مؤمنًا في الدنيا على خِزيةٍ سَتَره اللهُ يوم القيامة» أخرجه أحمدُ في «المسند» والحاكمُ في «المستدرك»، عن أبي أيّوب عن عقبة بن عامرٍ مرفوعًا، وهو صحيحٌ لغيره بشواهده، ومنها ما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة بنحوه.

تواضعُ الكبار

أمّا عبد الله بن عباسٍ — الذي أصبح لاحقًا حَبرَ الأمّة وتُرجمانَ القرآن — فقد ضرب نموذجًا آخر في التواضع العلميّ والصبر على الطلب؛ كان يقف على أبواب كبار الصحابة في حرّ الظهيرة ينتظر خروجَهم ليسألهم عمّا عندهم من العلم، فقيل له: لو أرسلتَ إليهم لأتَوك! فأجاب بكلمةٍ تلخّص أخلاق العلماء: «أنا أحقُّ أن آتيهم»(٤). وهكذا صنع التواضعُ العلميُّ عالمًا من أعظم علماء الأمّة.

الحاشية (٤): أخرجه الدارميُّ في «سننه» (المقدمة) من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابنُ عبد البرّ في «جامع بيان العلم وفضله»؛ وإسنادُه صحيحٌ موقوفًا.

ملازمةٌ تحفظ الميراث

وإذا كان بعضُ الصحابة قد ارتحلوا في الآفاق طلبًا للعلم، فإنّ آخرين اختاروا ملازمةَ النبيّ ﷺ ملازمةً تكاد تكون كاملة؛ ويأتي في مقدّمتهم أبو هريرة، الذي أدرك أنّ قربه من معلِّم البشريّة ﷺ هو أعظمُ استثمارٍ لعمره، فوهب جزءًا كبيرًا من حياته لمصاحبته وحفظ حديثه، حتى أصبح أكثرَ الصحابة روايةً للسنّة النبويّة(٥).

الحاشية (٥): أخرج البخاريُّ في «صحيحه» (كتاب العلم، باب حفظ العلم) حديثَ «الصَّفْق بالأسواق» (١١٨) [والمزارعة (٢٣٥٠)]، وحديثَ بسط الثوب (١١٩)، عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ وفيهما بيانُ سبب كثرة روايته وحفظِه.

من التحصيل إلى التبليغ

ولم يكن حرصُ الصحابة على تحصيل العلم بأقلَّ من حرصهم على تبليغه؛ فقد أدركوا أنّ الوحيَ أمانةٌ لا يجوز احتكارُها، وأنّ خيرَ ما يُؤدّى به حقُّ العلم نشرُه وتعليمُه. ولذلك انتشروا بعد وفاة النبيّ ﷺ في الأمصار الإسلاميّة معلِّمين ومُفتين ومربِّين، يحمل كلُّ واحدٍ منهم نصيبًا من ميراث النبوّة إلى أفقٍ جديد؛ فصارت المدينةُ مدرسةً، والكوفةُ مدرسةً، والبصرةُ مدرسةً، والشامُ مدرسةً، ومصرُ مدرسةً — وكلُّها فروعٌ لمدرسة النبوّة الأولى.

وقد اقترنت هذه الرسالةُ التعليميّة بدرجةٍ عاليةٍ من الأمانة العلميّة والتثبُّت المنهجيّ؛ فكان الصحابيُّ يهاب أن يخطئ في كلمةٍ ينسبها إلى رسول الله ﷺ، ويعدّ ذلك من أعظم المسؤوليّات. ومن هذه الروح وُلِدت لاحقًا علومُ الإسناد، والجرح والتعديل، ونقد الروايات؛ وهي من أدقّ المناهج العلميّة التي عرفها التاريخُ الإنسانيّ في التحقُّق من الأخبار ونقل المعرفة.

خاتمة: مشروعٌ حضاريٌّ لصناعة الإنسان

إنّ المتأمّل في سيرة الصحابة مع العلم لا يرى أفرادًا يجمعون المعلومات، بل يرى مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لصناعة الإنسان العالِم العامل؛ فقد جمعوا بين صدق التلقّي، وعمق الفهم، وعلوّ الهمّة، وأمانة النقل، وحُسن البلاغ. ولذلك لم يكن العلمُ عندهم وسيلةً إلى المكانة، بل كان طريقًا إلى الهداية؛ ولم يكن محفوظاتٍ في الصدور، بل نورًا يتحوّل إلى واقعٍ في السلوك والحياة.

ومن هنا استحقّ ذلك الجيلُ أن يكون خيرَ القرون؛ لأنه لم يحمل نصوصَ الوحي فحسب، بل حمل معها روحَ الوحي؛ فصار العلمُ في أيديهم رسالةً تُصلِح الإنسان، وتبني الأمّة، وتصنع التاريخ.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ