الزوجيّة في أبهى صورها
دروسٌ من الهجرة في بناء البيت على الثقة وسِتر الله، من بيت أبي سلمةَ وأمِّ سلمة رضي الله عنهما. بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
نَقرأُ الهجرةَ عادةً بوصفها مَلحمةَ دمٍ وتضحية: مالٌ يُترَك، وديارٌ تُهجَر، وأعناقٌ تُمَدُّ للسيف في سبيل العقيدة. وهذا حقٌّ لا مِراء فيه. لكنّ في سِجلّ الهجرة بيتاً واحداً إذا تأمّلتَ خبرَه رأيتَه يَفتح لك باباً آخَر لا يَقلُّ عُمقاً: أنّ الهجرة كانت كذلك مدرسةً في الزواج الراسخ، وآيةً من آيات سِتر الله الذي يُسَخِّر له من جنود السماوات والأرض من يَحفظ على العبد عِرضَه وكرامتَه. إنّه بيتُ أبي سلمةَ عبدِ الله بنِ عبد الأسد، وزوجِه أمِّ سلمةَ هندِ بنتِ أبي أُميَّة المخزوميّة، رضي الله عنهما.
في هذا البيت اجتمع أمرانِ قلَّ أن يَجتمعا في قصّةٍ واحدة: تضحيةٌ تَفطُر القلب، وثقةٌ زوجيّةٌ لا تَتزعزع وإن مزّقت الأيّامُ الأسرةَ شَملاً وفرّقتها أرضاً. ومن خِلال هذين الأمرَين يَتجلّى المعنى الأكبر: أنّ العبدَ إذا صَدَق مع الله تَكفّل اللهُ بسِتره، ولو ساق له ذلك على يدِ رجلٍ مُشركٍ لم يَكن بعدُ من أهل الإيمان.
بيتٌ قبل أن يكونَ رحلة
لم يكن أبو سلمة رجلاً عابراً في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو ابنُ عمَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بَرَّةَ بنتِ عبد المطّلب، وأخوه من الرَّضاعة، أرضعتهما ثُوَيبةُ مولاةُ أبي لهب. وهو من السابقين الأوّلين إلى الإسلام، ومن أوائل من هاجر إلى أرض الحبشة، ثمّ كان — كما تقول الروايات — في طليعة من هاجر إلى المدينة، حتى عُدَّ أوّلَ مهاجرٍ إليها أو من أوّلِهم.
وأمُّ سلمة من بيتِ شرفٍ في قريش؛ أبوها أبو أُميَّةَ بنُ المغيرة المخزوميّ، أحدُ أجوادِ العرب الذي لُقِّب بـ«زادِ الرَّاكب» لأنّه كان لا يَدَع رفيقَه في السفر يَحمل زاداً، يَكفيه مؤونتَه. فهي امرأةٌ نَشأت في عِزٍّ وحَسَب، ثمّ آثَرت على ذلك كلِّه دينَها وزوجَها.
وحين نَنظر في خبر هجرتهما لا نَرى زوجَين تَصادَفا على طريق، بل نَرى بيتاً قائماً على ثقةٍ متبادَلة: زوجٌ يَعرف قَدْرَ امرأته، وامرأةٌ تَعرف موضعَ زوجها من الدِّين. وهذه الثقةُ هي مِفتاحُ القصّة كلِّها، وهي التي ستُمتحَن بعد قليلٍ امتحاناً لا يَصبر عليه إلّا بيتٌ بُنِي على أساسٍ مَتين.
ومن لطائف القَدَر أنّ هذين الزوجَين جَمَعهما النَّسبُ في قبيلةٍ واحدة، بني مخزوم، أعزِّ بيوت قريشٍ مَنَعةً ومالاً؛ فلم يَكن خروجُهما من مكّةَ فِراراً من ضَعفٍ يَطلبان به عِزّاً، بل كان تَجَرُّداً من عِزٍّ قائمٍ في سبيل عِزٍّ أبقى. تَركا الحَسَبَ والسُّؤْدُدَ والعشيرةَ الحاميةَ، واختارا غُربةً لا عشيرةَ فيها ولا جاهَ، لا يَملكان في طريقها إلّا الإيمانَ وثقةَ أحدِهما بالآخَر. وهذا وحدَه يَكشف معدنَ البيت قبل أن تَبدأ الرحلة.
حين تُمزَّقُ الأسرةُ على مَرأى الزوج
أجمع أبو سلمة أمرَه على الهجرة، فحَمَل امرأتَه وابنَه على بعير، وخرج بهما يُريد المدينة. فلمّا رآه رجالُ بني المغيرة — قومِ أمِّ سلمة — اعترضوه قائلين: هذه نفسُك غَلَبْتَنا عليها، فما بالُ صاحبتِنا هذه؟ عَلامَ نَترُكك تَسير بها في البلاد؟ ونَزَعوا خِطامَ البعير من يده، وأخذوها منه.
فغَضِب لذلك بنو عبد الأسد — رهطُ أبي سلمة — وقالوا: لا نَترك ابنَنا عندها إذ نَزَعتُموها من صاحبنا؛ فتَجاذبوا الغلامَ الصغيرَ سلمةَ بينهم حتى خَلَعوا يدَه، وذهبوا به. ومضى أبو سلمة إلى المدينة وحدَه. فاجتمع على هذا البيت في ساعةٍ واحدة ثلاثُ فُرَقٍ: زوجٌ في أرض، وطفلٌ في حِجرٍ آخَر، وأمٌّ مُمزَّقةُ القلب بينهما.
تقول أمُّ سلمة عن تلك الأيّام: «فكنتُ أخرُج كلَّ غَداةٍ فأجلِس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمسي، سَنةً أو قريباً منها». سنةٌ كاملةٌ من البكاء في فضاء مكّةَ المكشوف، لا تَملك من أمرها شيئاً سِوى صبرٍ يَتجدّد كلَّ صباح. وهنا يَنبغي أن نَقف عند الصورة كما هي، دون أن نُثقِلها بشرح المشاعر؛ فالمشهدُ يَعمل وحدَه: امرأةٌ شريفةٌ من سادة قريش، تَجلس في العَراء عاماً تَنتظر فَرَجاً لا تَعرف بابَه.
ثمّ كان الفَرَج من حيث جاءت المِحنة؛ مَرَّ بها رجلٌ من بني عمّها فرَقَّ لها، فقال لبني المغيرة: ألا تُخرِجون هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجِها وولدِها! فقالوا لها: الحَقي بزوجك إن شئتِ. ورَدَّ بنو عبد الأسد إليها ابنَها. فهذا التأصيلُ مَرويٌّ في سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام، وأورده الحافظُ ابنُ كثيرٍ في «البداية والنهاية»، وحَسَّن إسنادَه جمعٌ من أهل العلم.
الزوجُ الواثقُ الذي يَعرف قَدْرَ امرأته
قد يَتعجّل قارئٌ فيَلوم أبا سلمة: كيف يَمضي إلى المدينة ويَدَع امرأتَه وطفلَه في قبضة القوم؟ لكنّ التأمّل في سياق الهجرة يَكشف معنىً أعمق. لم يكن مُضِيُّه تخلّياً، بل كان امتثالاً لأمر الهجرة حين أُغلِق دونه كلُّ باب، وثقةً في امرأةٍ يَعرف معدنَها.
إنّ الزوجَ الواثق يَعرف قيمةَ امرأته، وقُدرتَها النفسيّةَ والعقليّةَ على صيانة نفسها وعِرضِه، وإن أحاطت بها الفِتنُ وتناولتها الأيّام. أبو سلمة لم يَكن يَحرُس امرأتَه ببدنه، فقد حِيل بينه وبينها؛ لكنّه كان يَطمئنّ إلى أنّها تَحرُس نفسَها بدينها وعقلها. وهذا لونٌ من الثقة رفيعٌ, لا يَبلغه إلّا زوجٌ بَنى بيتَه على احترامِ شريكته لا على الوصاية عليها، وعلى يقينٍ بأنّها أهلٌ لأمانة العِرض كما هي أهلٌ لأمانة الدِّين.
وفي مقابل هذه الثقة وَقَفت أمُّ سلمةُ موقفَ مَن لا يُخيِّب ظنَّ زوجِه: عاماً كاملاً، وهي وحيدةٌ مَكسورة، ما اهتزّ لها يقينٌ، ولا أوهَن صبرَها قلّةُ الناصر. وحين فُتِح لها بابُ اللحاق به لم تَتردّد، بل خرجت تَقطع الصحراءَ وحدَها بطفلها الصغير. والمرأةُ التي تَصبر عاماً ثمّ تَركب المجهولَ وحدها بهذا الثبات، إنّما تُصدِّق بفعلها كلَّ ما وثِق به زوجها فيها.
وفي هذا تصحيحٌ لِفهمٍ شائعٍ يَختزل صَونَ المرأة في الجُدران والحُرّاس. إنّ أعظمَ ما يَحفظ المرأةَ هو ما تَحمله هي في نفسها من الدِّين والعقل والعَفاف، لا ما يُحيط بها من قُيود الرجال. أبو سلمة فَهِم هذا، فلم يَبنِ اطمئنانه على إمساكه بزمامها، بل على معرفته بمعدنها. وهذا هو الفَرق بين زوجٍ يَحرُس امرأتَه لأنّه لا يَثق بها، وزوجٍ يَطمئنّ إليها لأنّه يَعرف أنّها أكرمُ على نفسها من أن تَهون. الأوّل يَملك جسداً ويَفقِد قلباً، والثاني يَملك القلبَ فيَكفيه عن الحَرس.
رفيقُ الطريق الذي ساقه الله
خرجت أمُّ سلمة من مكّة على بعيرها، ومعها ابنُها، لا ثالثَ لهما، تَقصد المدينة على بُعد أيّامٍ من السفر في أرضٍ لا أمانَ فيها لمسافرٍ، فكيف بامرأةٍ وحيدةٍ ومعها طفل؟ فلمّا بَلَغت التَّنعيمَ لَقِيها عثمانُ بنُ طلحةَ — وكان يومئذٍ مُشركاً لم يَدخل الإسلامَ بعد — فقال: إلى أين يا بنتَ أبي أُميَّة؟ قالت: أُريد زوجي بالمدينة. قال: أوَما معكِ أحد؟ قالت: لا واللهِ، إلّا اللهُ وبُنَيَّ هذا. قال: واللهِ ما لكِ من مَترَك.
فأخذ بخِطام بعيرها، فانطلق يَقودها. تقول رضي الله عنها: «فواللهِ ما صَحِبتُ رجلاً من العرب قطُّ أرى أنّه كان أكرمَ منه؛ كان إذا بَلَغ المنزلَ أناخ بي، ثمّ استأخر عنّي، حتى إذا نَزَلتُ استأخر ببعيري فحَطَّ عنه، ثمّ قاده إلى شجرةٍ فعَقَله إليها، ثمّ تَنَحّى إلى شجرةٍ فاضطجع تحتها؛ فإذا دَنا الرَّواحُ قام إلى بعيري فقَدَّمه فرَحَّله، ثمّ استأخر عنّي وقال: ارْكَبي، فإذا رَكِبتُ واستَوَيتُ على بعيري أتى فأخذ بخِطامه فقاده، حتى يَنزل بي». ما زال كذلك حتى أبلغها قُباءَ، فقال: زوجُك في هذه القرية، فادخُليها على بركة الله. ثمّ انصرف راجعاً إلى مكّة.
تأمّل هذا المشهدَ في ضوء معنى السِّتر. امرأةٌ مُؤمنةٌ، في أضعف حالٍ يَمرُّ بإنسان: وحيدةٌ، غريبةٌ، لا حاميَ لها من البشر. فماذا صَنَع الله؟ ساق لها حارساً من حيث لا تَحتسب، بل من المعسكر المُضادِّ نفسِه — رجلٌ مُشركٌ من قريش، لكنّ اللهَ سَخَّر فيه المروءةَ فجَعلها سِتراً على عبدته. لم يَقترب، ولم يَتكلّم بفُضول، ولم يَدَعها تَنزل أو تَركب وهو يَنظر؛ يَقود البعيرَ ثمّ يَتنحّى، يُنيخ ثمّ يَبتعد، حتى أبلغها مأمنَها وعاد. هذا هو السِّتر الذي وَعَد اللهُ به أولياءَه: لا يَحتاج العبدُ أن يَملك أسبابَه، بل يَكفيه أن يَصدُق، فيَتولّى اللهُ تَدبيرَه ويُجَنِّد له جنودَه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٧].
وزِد على ذلك تمامَ الدائرة: هذا الرجلُ الذي حَفِظ عِرضَ مؤمنةٍ وهو على الشِّرك، أكرمه اللهُ بعدَ سنوات فأسلم، وردَّ إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ الفتح مفتاحَ الكعبة وسِدانتَها، وقال لبني طلحة: «خُذوها خالدةً تالدةً، لا يَنزِعها منكم إلّا ظالم». فمن حَفِظ سِترَ أَمَةٍ لله، جَعَله اللهُ حافظاً لبيته الحرام. والجزاءُ من جنس العمل.
مقامُ المقارنة
ما أحوجَنا أن نَنقل هذا البيتَ من صفحات السِّيَر إلى واقعنا. نحن في زمنٍ كَثُرت فيه الأسبابُ الظاهرة للحماية — وسائلُ الاتّصال، وأجهزةُ المتابعة، وأقفالُ الأبواب — ثمّ هو مع ذلك زمنٌ يَشكو هشاشةً في الثقة الزوجيّة عجيبة. كثيرٌ من البيوت اليوم يَنهار لا تحت ضربات الفقر أو الغُربة أو الاضطهاد، بل تحت وَطأة سُوء الظنّ، والمراقبة المُتبادَلة، وغياب اليقين بأنّ الشريكَ أهلٌ لأمانته.
وهنا يَنطق المثالُ النبويّ بدرسِه: بيتُ أبي سلمةَ مزَّقته الأيّامُ تمزيقاً ماديّاً لم تَعرف بيوتُنا عُشرَه — فِراقٌ سنةً، وطفلٌ مَخلوعُ اليد، وصحراءُ تُقطَع وحدَها — ومع ذلك خرج البيتُ من المِحنة أمتنَ ممّا دخلها. لماذا؟ لأنّ عِمادَه لم يكن قُربَ الأجساد، بل ثقةَ القلوب، وصِدقَ الالتجاء إلى الله. الزوجُ وَثِق فلم يُهِن، والزوجةُ صانت فلم تُخيِّب، واللهُ سَتَر فلم يَفضَح. فأين هذا من بيوتٍ تَملك كلَّ أسباب القُرب وتَفتقر إلى أصل الثقة؟
ثمّ إنّ في القصّة درساً للمرأة المُسلمة نفسِها لا يَقلُّ عن درس الرجل. فأمُّ سلمةَ لم تَكن مفعولاً بها تَنتظر من يُنقِذها، بل كانت فاعلةً صابرة: صَبَرت حين لا يَملِك الصبرُ غيرَها، وتحرّكت حين انفتح الباب، ورَكِبت المجهولَ بثقةٍ في ربّها لا في رفيقٍ ولا حارس. والمرأةُ التي تَحمل في نفسها هذا اليقينَ هي التي يَستحقّ زوجُها أن يَثِق بها، وهي التي يَتولّى اللهُ سِترَها. فالسِّترُ يُسعى إليه بالصِّدق، ولا يُنال بالعَجز والاتّكال.
إنّ السِّترَ في حقيقته ليس قُفلاً على باب، بل ثمرةُ صِدقٍ مع الله. ومن صَدَق مع الله سَتَره ولو في عُريِ الصحراء، ومن خان أصلَ الأمانة فضَحَه ولو خلفَ سبعةِ أبواب.
شواهدُ أُخرى لكرامة هذا البيت
ولم تَكن كرامةُ هذا البيت لحظةً عابرة في طريق الهجرة، بل ظِلًّا مَمدوداً تَبِعه في حياته كلِّه.
فمن ذلك أنّ أبا سلمة لمّا تُوُفِّي بالمدينة — من جُرحٍ أصابه يومَ أُحُدٍ ثمّ انتقض عليه — حَزِنت عليه أمُّ سلمة حُزنَها على بيتٍ كان أوّلَ بيتٍ هاجر، وقالت كلمتها المشهورة، تُحَدِّث بما سَمِعته منه: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلمٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمره الله: ﴿إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهمّ أْجُرني في مُصيبتي، وأخْلِفْ لي خيراً منها — إلّا أخْلَفَ اللهُ له خيراً منها». أخرجه مسلمٌ في صحيحه (٩١٨). قالت: فلمّا تُوُفِّي أبو سلمة قُلتُها، ثمّ قلتُ في نفسي: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ فأخْلَف اللهُ لي رسولَه صلى الله عليه وسلم، فتزوّجها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصارت أمَّ المؤمنين. فأيُّ كرامةٍ لبيتٍ يكون عِوَضُه من فَقْدِ ربِّه رسولَ الله نفسَه؟ ذلك هو أكملُ مِصداقٍ لقوله: «وأخلِف لي خيراً منها».
ومن شواهد كرامتها وعقلها — وهو ما يُصدِّق ثقةَ زوجها الأوّل فيها — موقفُها يومَ الحُديبية. لمّا أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أن يَنحَروا ويَحلِقوا فتَثاقلوا من شدّة ما نَزَل بهم، دخل على أمِّ سلمة مُغتمّاً، فأشارت عليه برأيٍ سديد: أن يَخرُج فلا يُكلِّم أحداً حتى يَنحَر هَدْيَه ويَدعوَ حالقَه فيَحلِقَه، فيَفعلَ الناسُ ذلك بفعله. فكان كما قالت، فقام الناسُ ينحرون ويَحلِق بعضُهم بعضاً. أخرجه البخاريُّ في صحيحه (٢٧٣١). فهذه المرأةُ التي وَثِق أبو سلمة بعقلها في صَون عِرضه، هي نفسُها التي وَثِق النبيُّ صلى الله عليه وسلم برأيها في أحرَجِ موقفٍ مرَّ بالأمّة. فما كانت ثقةُ زوجها فيها إلّا في موضعها.
الحَصاد
تَخرُج من هذا البيت بحَصادَين لا غِنى لمسلمٍ عن أحدهما. أمّا الأوّل فأنّ الهجرةَ تضحيةٌ في الدِّين تُبذَل لها الأنفسُ والأهلون، وأنّ مَن صَدَق فيها لم يَخسَر، بل عَوَّضه اللهُ خيراً ممّا ترك. وأمّا الثاني فأنّ هذا البيتَ نموذجٌ للزواج المستقرّ الذي لا تَهزُّه الأيّامُ ولا ريحُ الشدائد؛ لأنّه قام على ثقةٍ مُتبادَلة: زوجٌ واثقٌ يَعرف قَدْرَ امرأته، وزوجةٌ صائنةٌ لا تُخيِّب ظنَّه، وفوقهما رَبٌّ يَستُر عبادَه فيُسَخِّر لهم جنودَ السماوات والأرض، حتى يَجعل المُشركَ حارساً لعِرض المؤمنة، ثمّ يَجزيَه على ذلك بأن يَجعله سادناً لبيته.
فمن أراد سِترَ الله فليَصدُق معه، ومن أراد بيتاً لا تَهدِمه العواصفُ فليَبنِه على الثقة لا على الرِّيبة. وما تَكفَّل اللهُ بسِتره فلن يَفضحَه أحد، وما بُنِي على تقوى الله فلن تَهدِمَه الأيّام.
والله أعلم، وهو الموفّق، لا رَبَّ سواه.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.