بيتُ الدعوة: بين الصورةِ المَوروثة والحقيقةِ البَشريّة
تأمُّلٌ في الفجوة بين الصورة الذهنيّة لبيت الإمام وبَشريّته الحقيقيّة — من بيت النبوّة إلى بيوت اليوم
عَتَبةُ بَيت النبوّة: ثلاثُ لَقَطاتٍ تَكسر الصورةَ المثاليّة
تَخيَّل شابّاً من صَحابة رسول الله ﷺ على أبواب الإسلام الأولى، يَقف على عَتَبة بيت النبيّ ﷺ يَستأذن. يَحمل في صَدره صورةً صاغها له إسلامُه الناشئ: أنّ هذا البيتَ - حيث يَنزل جبريلُ بالوحي، وحيث تَتشكَّل أحكامُ الأمّة، وحيث يَأوي إمامُ الناس وقدوتُهم - لا يُعقَل أن يَكون إلّا بَيتاً من السكينة الخالصة، خَلِيّاً من نوازع النفوس، كأنّ ساكناتِه مَلائكةٌ يَخدمن الوحي. لكنَّ القرآن نفسَه فَتَح أمامنا نوافذ هذا البيت على ثلاث لَقَطاتٍ تَكسر هذه الصورة المتخيَّلة كَسراً صريحاً.
اللقطةُ الأولى: أَخرج البخاريّ في صحيحه (رقم ٥٢٢٥) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ ﷺ عند بعض نسائه، فأَرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصَحْفَةٍ فيها طعام، فضربت التي النبيُّ في بيتها يَدَ الخادم، فسقطت الصحفةُ فانفلقت، فجَمَع النبيُّ ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جَعَل يَجمع فيها الطعامَ الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمُّكم». في رواية أنّ التي ضربت يَدَ الخادم هي عائشةُ رضي الله عنها، والتي بَعَثت بالطعام إحدى ضرّاتها. أَنعِم النظرَ: قَصعةٌ تَنكسر، طعامٌ يَتناثر على الأرض، نبيٌّ يَنحَني يَجمع الفِلَق بيده الشريفة. أين هذه اللقطة من صورة "البيت الملائكي" التي يَحملها كثيرٌ من المسلمين عن بيت الإمامة؟
اللقطةُ الثانية: أَخرج البخاريّ (رقم ٤٩١٢) ومسلم (رقم ١٤٧٤) عن عائشة رضي الله عنها أنّ النبيَّ ﷺ كان يَشرب عَسَلاً عند زينب بنت جحش ويَمكث عندها، فاتّفقتْ هي وحفصةُ على أن تَقول كلٌّ منهما حين يَدخل عليها: «إنّي أَجد منك ريحَ مَغافير». فقال ﷺ: «لا، ولكنّي شربتُ عَسَلاً عند زَينبَ بنت جحش، ولن أَعود له». فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قوله سبحانه عن الزوجتَين: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. أَخرج البخاريّ (رقم ٤٩١٣) عن ابن عبّاسٍ قال: «سَأَلتُ عمرَ رضي الله عنه: مَن المرأتان من أزواج النبيّ ﷺ اللّتان قال الله تعالى فيهما: إن تَتوبا إلى الله فقد صَغَت قلوبكما؟ قال: وا عَجَباً لك يا ابن عباس! هما عائشةُ وحفصة». فها هما زوجتان من أمَّهات المؤمنين - وقَد صَغَت قلوبُهما عن مُراد النبيّ ﷺ حتى نَزَل قرآنٌ يُتلى إلى يوم القيامة يَعتب على فعلهما. أيُّ بيت دعوةٍ معاصرٍ يَطمَع أن يَكون أَهدأ من هذا؟
اللقطةُ الثالثة: اشتدّت أمور بيت النبوّة حتى وصلت إلى تَدخّلٍ مُباشرٍ من السماء. اعتزل النبيُّ ﷺ نساءَه شهراً كاملاً في مَشْرُبةٍ (غُرفةٍ عُلويّة)، حتى ظَنّ الناسُ أنه طَلَّقَهنّ. أَخرج البخاريّ (رقم ٤٩١٤) ومسلم (رقم ١٤٧٩) حديثاً طويلاً لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه، يَصِف فيه ضِيقَ الحال وكيف صَعِد إلى النبيّ ﷺ في خَلوته فوَجَده على حَصيرٍ قد أَثَّر في جنبه، فبَكى عمر، فقال له ﷺ: «ما يُبكيك يا ابن الخطّاب؟»، قال: «يا رسول الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصيرُ قد أَثَّر في جَنبك، وهذه خَزانتُك لا أَرى فيها إلا ما أرى، وذاك كِسرى وقَيصرُ في الثمار والأنهار، وأنت رسولُ الله وصفوتُه». ثم نَزَل قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. ساحةٌ بيتيّةٌ تَتطلَّب أن يَتنزَّل فيها وَحيٌ مباشرٌ من فوق سبع سَمَوات.
مَقامُ المقارنة: زوجاتُ النبيّ ﷺ وزوجاتُ الأئمّة المعاصرة
تَوقَّف هنا قليلاً واحسب الفارق. مَن هؤلاء النساء اللواتي وَقَعت بينهنّ تلك المواقف؟ عائشةُ بنت الصدّيق رضي الله عنهما - ابنةُ أَوّل من آمن من الرجال، نَشأت في بيتٍ تَتنزّل فيه آيات القرآن بَكرةً وعَشيّاً، رَوَت أكثر من ألفَي حديث. وحفصةُ بنتُ عمر الفاروق، التي قال عنها النبيُّ ﷺ: «إنّها صَوّامةٌ قَوّامةٌ، وإنّها زوجتُك في الجنّة» كما أَخرج الحاكم. وزينبُ بنت جحش، بنتُ عمّة النبيّ ﷺ، التي قالت لأخواتها كما عند البخاريّ: «زَوَّجَكُنَّ أَهاليكنّ، وزَوَّجني اللهُ من فوقِ سبع سَمَوات». وأمُّ سَلَمة بنت أبي أميّة، التي حَمَلت الفقهَ والرأيَ السديدَ حتى استشارها النبيُّ ﷺ يوم الحديبية فأشارت بما كان فيه فَرَجُ المسلمين. نساءٌ مُهَيَّآت بيئيّاً ونَسَباً ومعرفةً لأن يَكنّ في موضع التلقّي عن الوحي.
ثم انظر إلى زوجاتِ الدعاة في زماننا: نساءٌ من خلفيّاتٍ مُتباينة، لم تَتَهَيَّأ بيئاتُهنّ ولا تَكوينُهنّ لحَمل وزر الإمامة. واحدةٌ نَشأت في بيتٍ متديّنٍ تقليديّ، وأخرى من أُسرةٍ متوسّطةٍ علميّاً، وثالثةٌ تَزَوّجَت داعيةً قبل أن يَكون داعية، فإذا بها تَستيقظ ذاتَ يومٍ زوجةَ إمامِ مسجدٍ تُحاكَمُ على كلّ حركة. فإذا كان بيتُ النبيّ ﷺ - بكلّ ما فيه من أَهليّةٍ ربّانيّةٍ لنسائه - قد عَرَف الغَيرةَ، والمكيدةَ الصغيرة، والمطالبةَ بالتوسعة، والإيلاءَ شهراً كاملاً، فبأيِّ ميزانٍ نَنتظر من زوجات الأئمّة المعاصرات سَكينةً لم تَتحقّق لأمّهات المؤمنين؟ هذه ليست تَهوينَ مَكانة، بل هي عَدالةُ المقارنة التي يَفرضها القرآن نفسُه على القارئ.
شَهادةُ القرآن على بَشَريّةِ بَيت النبوّة: ثلاثُ ساحات
ما عَرَضه القرآن من بشريّة بيت النبوّة ليس عَفواً، بل هو تَأصيلٌ مَقصود. تَأمَّل ثلاث ساحاتٍ مَفتوحة:
الساحة المالية. كانت تَمرّ على بيت النبوّة الشهرُ والشهران لا تُوقَدُ فيه نار. أَخرج البخاريّ ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قولها: «إن كنّا لَنَنظرُ إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثةَ أهلّةٍ في شهرَين، وما أُوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار». ولم يَكن هذا الفقرُ لِعَجزٍ - فقد فُتحت عليه البلادُ - بل لإيثاره ﷺ، ومع ذلك راودت بعضَ الزوجات رغبةٌ في توسعةٍ مشروعة، فنَزَل خِيارُ التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. لم يُسَفِّه القرآنُ الرغبةَ، ولم يُحرِّمها، بل وَضَع الاختيارَ مَكشوفاً. وفي هذا اعترافٌ ضمنيٌّ بأنّ الضغطَ المالي حاضرٌ حتى في أعظم بيتٍ على وجه الأرض.
الساحة الزوجيّة العاطفيّة. الغَيرةُ كانت موجودةً ومرئيّة. حادثةُ الصَّحْفة التي افتتحنا بها المقال شاهدةٌ على ذلك. وفي حديث آخر عند البخاريّ (رقم ٥٢١٢) عن عائشة قالت: «ما غِرتُ على نساء النبيّ ﷺ إلا على خديجة، وإنّي لم أُدرِكها». وأَخرج البخاريّ كذلك (رقم ٢٥٨١) أنّ النبيَّ ﷺ كان يُقَسِّم بين نسائه فيَعدل، ثم يقول: «اللهم هذا قَسمي فيما أَملك، فلا تَلُمْني فيما تَملك ولا أَملك» - أي مَيلَ القلب. والإيلاءُ الذي مرَّ معنا حادثةٌ كاملةُ التَّوثيق، نَزَل بعدها التخييرُ. كلُّ هذا في بيتٍ يَنزل عليه الوحي. فما الظنُّ ببيوت الأئمة من بعدُ؟
الساحة الاجتماعيّة. أَخرج البخاريّ بسنده عن عائشة رضي الله عنها حديثَ الإفك كاملاً (رقم ٤١٤١)، وفيه كيف رَمَى المنافقون أمَّ المؤمنين عائشةَ في عرضها، فمَرضت شهراً كاملاً لا يَرقأ لها دمعٌ، حتى نَزلت آيات سورة النور تُبرِّئها وتَفضح القاذفين [النور: ١١-٢٠]. ضربةُ الإشاعة وَصَلت إلى أَحبّ ساكناتِ بيت النبوّة، وهَزَّت زوجَها ﷺ شهراً. ولم يَكن البيتُ بمَنأى عن ألسنة الناس ولا عن جراحهم. فإذا كان هذا حالَ سيّد الأَنبياء، فلا يُلامُ بيتُ إمامٍ معاصرٍ تَتسلَّل إليه الإشاعةُ أو يَنالُه نَقدٌ ظالم.
أنماطُ التدخّل القرآنيّ في التوتّر البيتيّ
ومن العَجَب أنّ القرآن لم يُعالج هذه الضغوط بآليّةٍ واحدة، بل اختلفت آلياتُه باختلاف الموقف، وفي ذلك دَلالةٌ منهجيّةٌ بَيّنة. التدخّلُ في الإفك كان حاسماً: تَبرئةٌ من فوق سبع سَمَوات، وحدٌّ شرعيّ، وفَضحٌ للقاذفين. والتدخّلُ في التخيير كان رَحيباً: عَرضٌ مفتوح، وتَسريحٌ جميل، وثوابٌ عظيم. والتدخّلُ في التحريم كان لَطيفاً مزدوجاً: عَتابٌ للنبيّ ﷺ على تَحريم ما أَحَلّ الله، وتَنبيهٌ للزوجتَين بصيغة الحضّ على التوبة لا التَّقريع. والتدخّلُ في آيات الحجاب كان وقائيّاً: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، حمايةٌ مُسبَقةٌ لخصوصيّة البيت من فُضولٍ يَأكلها.
أربعةُ أنماط: الحَسم، والتوسعة، والتهدئة، والوقاية. كأنّ الله سبحانه يُعَلِّم الجاليةَ المسلمةَ والإمامَ معاً أنّ التوتّر البيتيّ ليس مَرَضاً واحداً بدواءٍ واحد، بل أَزماتٌ متفاوتةٌ تَستوجب أَدويةً مُتعدّدة. ومَن يَتعامل مع بيوت الأئمّة بنَفَسٍ واحد - سواءٌ بالتقديس المُطلَق أو بالاستهانة الظالمة - يَجهلُ هذا التنوّعَ القرآنيّ.
بيتُ الدعوة المعاصر: ثلاثُ مُصادَراتٍ صامتة
إذا انتقلنا من سَماء الأمس إلى أرض اليوم، وَجَدنا بيتَ الإمام يَرزحُ تحت ثلاث "مُصادَرات" يَكاد لا يَنتبه إليها مَن هو خارجَه.
الأولى: مُصادَرةُ السَّعَة الماليّة. رواتبُ كثيرٍ من الأئمّة لا تَكفي حاجاتِ الأسرة، خاصّةً في بلاد المهجر. والإمامُ يَستحي من المطالبة، أَخذاً بقوله ﷺ كما عند مسلم (رقم ١٠٣٥): «اليدُ العُلْيا خيرٌ من اليدِ السُّفلى»، ويَخشى أن يُحسَب على الدُّنيا، وهو الذي يَعِظُ الناسَ في الزُّهد. فيَدخل بيتُه في حالةٍ من "الفقر المُتستِّر" يَعرفها أهلُه ولا يَعرفها الناس. وما هذا الحالُ ببِدعٍ في بيوت أهل الله؛ فقد كان حالُ النبيّ ﷺ نفسِه - كما مرّ - يَعرف الجوعَ والشَّبَع، ويَعرف الشدّةَ واليُسر. لكنّ الفارقَ أنّ بيت النبوّة كان مُؤيَّداً بوحيٍ، وأمّا بيتُ الإمام المعاصر فمَفتوحٌ على الحياة بحسابها.
الثانية: مُصادَرةُ الخصوصيّة. بيتُ الإمام نِصفُ عام، الهاتفُ لا يَصمت، والزائرون يَتعاقبون. ولأنّ الجاليةَ تَنظر إلى كلّ تَفصيلٍ نَظَرَها إلى نموذجٍ يُحتذى، فإنّ كلَّ خروجٍ من البيت زيارةٌ معروضة، وكلَّ عودةٍ إليه إغلاقُ بابٍ على عَين. ومن العَجيب أنّ القرآن استبقَ هذه المشكلة في زمن النبوّة بآية الاستئذان للنبيّ ﷺ، فهي إعلانٌ أنّ بيت الإمامة - ولو كان إمامة النبوّة - له حقٌّ في الخصوصيّة. وما نَستكثره اليومَ على بيت الإمام من حقّ "الإغلاق" قد سَنَّ القرآنُ مبدأَه قبل أربعة عشر قرناً.
الثالثة: مُصادَرةُ الحياد الإنسانيّ. وهذه أَدَقّ المُصادَرات وأَخطرها. الإمامُ وزوجتُه فَقَدا الحقَّ في أن يَكونا "عاديَّين". لا يَستطيعان أن يَختلفا مع جارٍ في رأي، أن يَشتريا ما يُحبّان دون حِسابِ ما سيُقال، أن يَتأخّرا في موعد، أن يَرفعا صوتاً على طفلٍ في مكانٍ عام، أن يَبدوَا متعَبَين. كلُّ تَصرّفٍ يُجَيَّر ضدّ صورةٍ مَفروضة. أَخرج الترمذيّ (رقم ١٩٧٧) وقال: حديثٌ حسن، عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ: «خَيرُكم خَيرُكم لأهله، وأنا خَيرُكم لأهلي» - شَهادةٌ ضِمنيّةٌ من النبيّ ﷺ بأنّ "الخَيريّة" تَبدأ من البيت، لا من المنبر. ومَن يَطلب من إمام مَنبره أن يَكون مَلَكاً أمام أَهله، فقد طَلَب منه ما لم يَطلبه القرآنُ من النبيّ ﷺ نفسه.
زوجةُ الإمام: حِملٌ مُضاعَفٌ بلا تَأهيلٍ مُسبَق
ولعلّ أَعمقَ هذه الجراح ما تَحمله زوجةُ الإمام في صَمتٍ مُضاعَف. هي تَعيش تحت متابعةٍ بَصريّةٍ وذِهنيّةٍ مُستمرّةٍ من الجالية. كلّ خَطوةٍ مَرصودة، كلّ كلمةٍ مُسجَّلة، كلّ ابتسامةٍ مُؤَوَّلَة. علماءُ النفس يُسَمّون هذه الحالة "اليقظة المُفرِطة" (Hypervigilance)، وهي حالةٌ مُجهِدة عَصبيّاً، تُؤدّي - إن طالت - إلى الاحتراق النَّفسي.
ولأنّ الزوجة لم تَتَهَيَّأ غالباً لهذا الدور كما تَهَيَّأت أمَّهاتُ المؤمنين، فإنّها تَعيش وَحدةً مُضاعَفة. النساءُ في الجالية حين يَضِقن ذرعاً يَفِينَ إلى صدورٍ تَستقبل همومهنّ. وهي، إلى من تَفي؟ تَشكو زوجَها؟ زوجُها هو "الشيخ" الذي تَشكو إليه نساءُ الجالية. تَشكو الجالية؟ الجاليةُ هي التي تَشكو إليها. تَجلسُ في فَراغٍ نَفسيٍّ كأنّها معلَّقةٌ بين سَقفٍ وأرض: مَرجعٌ مَفروضٌ لمن حولها بلا مَرجعٍ لها.
ومن إنصاف القرآن أنه قَدَّم أمَّهات المؤمنين بأسمائهنّ وغَيرتهنّ وضَحَكاتهنّ وحُزنهنّ. كانت عائشةُ تَغار حتى تَكسر القصعة، وكانت سَودةُ تَتنازل عن لَيلتها لأختها كما عند البخاريّ (رقم ٢٥٩٣)، وكانت خديجةُ تَحوط زوجَها يومَ غارِ حِراء فتَقول كَلِمَتها الخالدة: «كلّا والله، لا يُخزيك اللهُ أبداً». نساءٌ مُتمايزات، لكلٍّ صوتُها ومذاقُها وخصوصيّتُها. فلماذا نَطلب من زوجةِ إمامٍ معاصرٍ أن تَكون كُتلةً صامتةً بلا ملامح، كأنّها جدارٌ من الوَقار لا امرأةٌ من لَحمٍ ودَم؟
حين تَنتهي البيوت: قراءةٌ في فِراق الصالحين
وحين تَشتدّ هذه الضغوط ولا تَجد مَن يُخَفّفها، قد يَصل بيتُ الإمام إلى ما يَصل إليه غيرُه من البيوت: الفِراق. وتَقع الجاليةُ في صَدمةٍ كأنّها سَمِعت بمُنكر، وتَتناقَل الخبرَ كأنّ الداعيةَ خانَ شيئاً.
والحقُّ أنّ الفِراق وَقَع في بيت النبوّة نفسِه. أَخرج النَّسائيّ وغيرُه أنّ النبيّ ﷺ طَلَّق حفصةَ بنتَ عمر، ثم راجَعها بأمرٍ من الله، وقيل: قال له جبريل: «راجِع حفصةَ فإنّها صَوّامةٌ قَوّامةٌ، وإنّها زوجتُك في الجنّة». وكاد ﷺ أن يُفارق سَودةَ بنت زَمعة، فجَعَلت يَومها لعائشة لتَحفظ صُحبتَه. كلُّ ذلك مَنقولٌ في أبواب السيرة دون أن يُعَدَّ خَدشاً في مَنزلة النبوّة. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، آيةٌ مُحكَمةٌ لم تَستثنِ بيتَ داعيةٍ من سَعَة الله. ومَن يَستهجن انفصالاً في بيت إمام، فقد جَهِل من فِقه الزواج الإسلاميّ أنّ "التسريحَ بإحسان" نِصفُ العقد، كما "الإمساكَ بمعروف" نصفُه الآخر.
تَنوّعُ بيوت الأنبياء: درسٌ قرآنيٌّ في تَحرير القُدوة
ومن ألطف ما يُريحُ الإمامَ في أَزماته أنّ القرآن قَدَّم بيوت الأنبياء أنفسِهم على تَنوّعٍ صادم. آسيةُ بنت مزاحم - زوجةُ فرعون، أعتى طاغيةٍ في تاريخ التوحيد - كانت مؤمنةً ضربها الله مَثَلاً للذين آمنوا [التحريم: ١١]. وزوجةُ نوح وزوجةُ لوط - تحت نَبيَّين كريمَين - كانتا كافرتَين، ضربهما اللهُ مَثَلاً للذين كفروا: ﴿فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: ١٠]. وابنُ نوحٍ غَرِق مع المُغرَقين [هود: ٤٢-٤٣]. وأبو إبراهيم - آزر - مَن وَصَفه القرآن بأنه «اتَّخَذَ أَصْنَامًا» [الأنعام: ٧٤].
والآياتُ صريحة: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. البيتُ - حتى بيتُ النبيّ - ليس ضماناً للهداية. فإن غاب طفلٌ من أبناء داعيةٍ عن طريق الالتزام، فلماذا نُحَمِّل أباه ذنباً لم يُحَمَّله الأنبياءُ أنفسُهم؟ هذه عَدالةٌ مَنكوسة لا تَقبلها فِطرةٌ سليمةٌ ولا شَريعةٌ رشيدة.
خاتمة: نَحوَ قُدوةٍ بَشريّةٍ لا قُدوةٍ مَلائكيّة
أَعود إلى صَحابيِّنا الشابّ الذي وَقَف على عَتَبة بيت النبوّة فسَمع كَسرَ القَصعة وحَركَ الغَيرة. لو حَدَّثَه أحدٌ من أهل العلم لقال له: ما رَأَيتَه ليس انكساراً لمَنزلة النبوّة، بل اكتمالاً لمعناها. لقد أَراد اللهُ أن يَكون نبيُّه ﷺ بَشَراً يَتزوّج ويَجوع ويَحزن ويَغار، حتى يَكون قُدوةً قابلةً للاتّباع. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. أمّا الإمامُ المعاصر، فلَيس مأموراً أن يَكون أَطيبَ من أَبي القاسم ﷺ في بيته. ولا زوجتُه مأمورةٌ بأن تَكون أَهدأَ من عائشة، ولا أَتقى من حفصة، ولا أَوقَر من زينب. ولا أبناؤه مأمورون بأن يَكونوا أَخْشَى لله من ابن نوح، أو أَهْدى من ابن آزر.
أمّا الجاليةُ، فالكَلِمةُ لها: ارفَعوا عن بيت الإمام ضَغطَ التَّوقّع المثاليّ، وأَنزلوه مَنزلتَه التي أَنزلها القرآنُ لبيت النبوّة - بيتٌ يَسعى في الصلاح، لا أُسطورةٌ تَحمِل ما لا تُطيق. وأنصِفوه ماديّاً ولا تَستكثروا عليه ساعةَ خصوصيّة. واعلموا أنّ ما تَنكسر يوماً ليس الإمامَ ولا أهلَه، بل توقُّعاتُكم التي بَنَت صورةً لم يَرضها القرآنُ لبيت النبوّة، فكيف يَرضاها لبيت أتباعها؟
وأمّا الإمام، فالكَلمةُ كذلك: السكينةُ في بيتك جزءٌ من دعوتك، لا فضلٌ عنها. تَذكَّر ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] - بَدأ الخطابُ من البيت. لا تَكُن مَن أَكسَب الناسَ وخَسِر أهلَه. واعترِف لزَوجتك بإنسانيّتها، فإنّها لم تَتعلّم على يَدَي خديجة، ولا أَخَذَت العلمَ عن أبي بكر، ولا نَشأت في بيت عمر. هي امرأةٌ من نساء زمانها، تَحتاج رحمتَك قَبل وَعظك، وحُضورَك قبل خِطابك.
بيتُ الدعوة ليس ضَريحاً يُزار، بل بيتٌ يُسكَن. هذه ليست تَنازُلاً عن مَنزلته، بل تَحريرٌ له ليَكون ما أَراده القرآنُ أن يَكون: بيتاً بَشريّاً يَسعى في الصلاح، تَحكمه ضوابطُ الشريعة ولا تَطحنُه أَوهامُ التَّقديس.
والله أعلم، وهو الموفّق، لا رَبَّ سواه.