النوافل زاد المؤمن
لماذا نتطوّع؟ وكيف تنوّر النافلةُ البيت؟ ولماذا فُضِّل طولُ القيام على كثرة السجود؟
المناسبة: تفريغ درس فقه أسبوعي أُلقي قبل رفع تسجيله بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢١مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
لا يزال حديثنا في درس الفقه الأسبوعي عن التطوع. حدّثناكم في الأسبوع الماضي أن الله تبارك وتعالى حين أمرنا، على لسان نبيه ﷺ، بعبادات زائدة على المفروض علينا، فعندنا النوافل.
لكل فريضة نافلة
خذوا الصلوات الخمس مثالًا: لها نوافلها، وهي ركعتان قبل الصبح، وعدد من الركعات قبل الظهر وبعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ثم صلاة الوتر. وعندنا فوق ذلك ما هو زائد من التطوع المطلق، فتصلّي ما شاء الله لك أن تصلّي، فيما عدا الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها.
والتطوع ليس في الصلاة وحدها، وإنما هو في كل شيء. ولهذا يقول فقهاؤنا: لكل فريضة نافلة. فالتوحيد فريضته أن ننطق بالشهادة لله تبارك وتعالى، ونافلته الذكر. والصلاة نافلتها التطوع في الصلوات المسنونة، ومنها سنة مؤكدة وسنة غير مؤكدة. والصيام المفروض في رمضان نافلته ما سنّه النبي ﷺ من صيام متفرّق عبر العام كله. والحج نافلته العمرة. ثم ذكر نافلة الزكاة، ولم يثبت في التفريغ ما قاله فيها.[1] وسنتحدث اليوم عن قضية التطوع في الصلاة.
«استقيموا ولن تحصوا»
رأينا حديثًا للنبي ﷺ يقول فيه:
«استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».[2]
كم بندًا في هذا الحديث؟ ثلاثة بنود في هذه الوحدة الواحدة. البند الأول: «استقيموا ولن تحصوا». البند الثاني: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة». البند الثالث: «ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».
أما الأول فسؤاله: ما الذي لن نحصيه؟ لن تستطيعوا أن تستوعبوا، فما الذي لا يُحصى؟ أبواب الطاعة. استقيموا في بيوتكم، ولن تبلغوا درجة التمام في الاستقامة، فلكل عبد هفوة.[3] استقيموا في الصلاة، ولن تبلغوا تمام الاستقامة. استقيموا في أداء حقوق العباد، في الأعمال والمعاملات، ولن تحصوا. لماذا؟ لأننا في الأصل بشر، يصدر منا الصواب ويصدر منا الخطأ، فنجتهد ما نستطيع أن نجتهد ولن نحصي.
ولماذا أوجد الله تبارك وتعالى هذه القضية، أننا لن نحصي ولا يوجد إنسان يحصي؟ لأنه لا بد للعبد أن يستشعر فضل الله عليه. فما بنا من نعمة ليست ثمرةً لأعمالنا،[4] ولا ردًّا على طاعتنا، ولا استحقاقًا لنا عند الله تعالى في شيء. ومهما اجتهدنا في العبادات فلن نستطيع أداءها على الوجه المطلوب، ولن نستطيع أن نوفّي الله تبارك وتعالى حقه؛ حتى تبقى الذلّة للعبد بين يدي الله تعالى، سائلًا إياه مزيدًا من التوفيق على مزيد من العبادة، ومزيدًا من النعم التي لا تستطيع العبادة أن توفّيها، وإنما الكرم من الله تبارك وتعالى وحده عز وجل. فيقول النبي ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا».
ثم يضرب لنا مثالًا من أنواع الاستقامة التي إذا قام عليها العبد بلغ مرحلة من المراحل أو منزلة من المنازل، وهي الصلاة. لماذا الصلاة؟ كما ذكرنا كثيرًا: هي صلة العبد بربه، وإثبات الحضور بين يدي الله تبارك وتعالى، وإذلال النفس بوضع الجبهة على الأرض بين يدي الملك جلّ في علاه. يقول النبي ﷺ: «خير أعمالكم الصلاة»؛ بها تقوم أركان الدين، وبها تستقيم الحياة، وبها يأتلف أفراد المجتمع، وبها تُقضى الحقوق بين الناس لمن يحرصون عليها.
ثم يحدّثنا النبي ﷺ: «ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». هو الإنسان الذي يحرص على أن يكون متوضئًا، طاهرًا في ظاهره، ويُفهم من كلامه أن الطُّهر يشمل نفسه وقلبه أيضًا.[5] ومن هنا تأتي أهمية التطوع. فالوضوء لا يكون مفروضًا إلا عند الصلوات المفروضة، أو عند البدء في العبادات المطلوب لها الوضوء، فإذا حرص العبد على أن يكون متوضئًا دائمًا فذلك هو التطوع.
لماذا نتطوّع؟
وقد ذكرنا في اللقاء الماضي لماذا التطوع.
الفائدة الأولى أنه اختبار لظنّ الله بك. فقد اتفقنا أن هناك أعمالًا مطلوبة منك حرفيًّا، لكننا، على سبيل التمثيل، وظّفناك في هذا المكان ونظنّ بك خيرًا أنك ستؤدّي؛ فإن أدّيتَ المطلوب منك فقط لم تكن عند ظننا، أما إذا أدّيتَ ما هو زائد فقد كنتَ عند ظننا. فربّ العزة لمّا طلب منا السنة والنافلة والتطوع أراد أن يختبر كيف ستجيب ظنَّ الله تبارك وتعالى بك.
ثم تأتي الفائدة الأخرى، وهي تعويض ما فات من العبادات المفروضة، كما سبق أن شرحنا.
والأمر الآخر هو الارتقاء بمستوى أداء الفرائض. أعيدها: الارتقاء بمستوى أداء الفرائض. انظروا إلى الكلمة الطويلة التي تكتبها أول مرة، تتعلّم كتابتها، فتكتبها هكذا أو هكذا، ويخرج معك الخط غير منتظم. فتكتبها مرة أخرى، ثم الثالثة والخامسة والعاشرة، ثم العشرين، فتكتبها وأنت مغمض العينين كما نقول، أو تكتبها دون أن تعي لها، بشكل طبيعي. إتقان الأعمال من تكرارها. فمن أراد أن يُتقن الصلاة المفروضة حقّ الإتقان فلا بد له من نصيب من النافلة، فمن أدّى النافلة أحسن أداء العبادة المفروضة.
ومن الفوائد في قضية التطوع أمر في غاية الأهمية، وهو ملء الفراغ عند أصحاب الأوقات. تقعد في البيت، والدنيا حولك: هذا متّسخ وهذا نظيف، انقلي هذا وضعي هذا، وأنت قاعد لا شغل لك، فيقال لك: قم صلِّ ركعتين يا رجل، ارحمنا.[6] ويقول أهل العلم إن أصحاب الأوقات إما أن تنشغل أوقاتهم بطاعة وإما أن تنشغل بمعصية. والنبي ﷺ كانت زوجه ترقد بجواره وهو يصلي بجانبها ﷺ، وهو مشغول عنها ومشغول بها، بمعنى أنه يعطيها من الوقت ما يفي حاجتها، ثم يعطي نفسه ويعطي ربه ما يملأ بقية فراغ وقته، مع أنه ﷺ لم يكن عنده من الوقت شيء فارغ.
صلاة النافلة في البيت
ولننتقل إلى عنوان يقول: استحباب صلاة المرء في بيته. لماذا في البيت؟ يقول النبي ﷺ:
«إذا صلّى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيرًا».[7]
ومعنى الكلام: إذا فرغنا من صلاة العشاء الآن، فمن المناسب أن أعود إلى الدار فأصلّي هناك ركعات. ماذا تفيد هذه الركعات؟ الصلاة في البيت فيها تذكير للمرأة إن لم تكن قد صلّت، ولعلها تأتمّ بي عند من أجاز ائتمام مصلّي الفريضة بمصلّي النافلة.[8] ثم إن فيها لفتًا لأنظار الأطفال الموجودين في البيت إلى أن ثمّ شعيرة تُقام داخل هذه الدار، فيتأثرون بأبيهم،[9] أو يدورون حوله، أو ينتبهون إلى صلاة تُقام. ثم تأتي مسألة دخول السكينة إلى البيت: فما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، والهدوء الحاصل في البيوت لا يكون إلا بذكر الله تعالى في هذه البيوت.
وقد رأينا من خلال كثرة الحالات التي تُعرض علينا أن أغلبها، بل تقريبًا كلَّها، إذا اشتدّت النزاعات فيها بين الزوجين نقول مباشرة: هناك انخفاض في مستوى أداء العبادات داخل هذه الدار، أو هناك سوء فهم حاصل بين الطرفين. لكن على المستوى العام: متى زادت العبادة انخفض صوت الشيطان، ومتى حلّت السكينة بأهل البيت استقامت الأمور واستوت على وجهها.
يقول النبي ﷺ: «صلاة الرجل في بيته تطوّعًا نور، فمن شاء نوّر بيته».[10] والنور الحاصل من الصلاة إنما هو أثر بركة الله تبارك وتعالى في هذه البيوت، وبركة الله تنزل على القلوب فتهدّئ من رَوعها، وتسكّن العقول، وتطيّب الخواطر. هذه البركة النازلة من عند الله رزق لا يتوفّر أبدًا إلا من عند ربّ العزة سبحانه وتعالى.
ومن ثَمّ كانت وصية النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر:
«اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا».[11]
كأن البيت الذي لا يُذكر الله فيه، الذي لا يصلّي العبد فيه، قبرٌ يلعب الشيطان فيه ويتجوّل فيه دون حابس يحبسه؛ فلا يمنع الشيطانَ عن البيت إلا ذكرُ الله وإقامة الصلاة فيه.
وقد ذكرنا أن في الصلاة في البيت تذكيرًا للمرأة التي تريد أن تصلي بحلول وقت الصلاة، فغالبًا ما تنشغل نساؤنا بالعيال وإعداد الطعام وغير ذلك مما قد ينسيها. وفيها أيضًا تعويض للأطفال في البيوت عن أداء الصلوات التي ربما شغلهم الشيطان عنها.
أفضلية طول القيام على كثرة السجود
والعنوان الثاني أقوله باختصار شديد، وهو عنوان عجيب جدًّا بالنسبة لي، حيث يقول: أفضلية طول القيام على كثرة السجود في التطوع. نتكلم عن الصلاة، فما معنى الكلام؟ معناه أنك إذا قمت تصلّي وأطلتَ القيام تقرأ القرآن، فذلك أفضل من كثرة السجود.
وقد تعلمنا أن النبي ﷺ حدّثنا أن أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، فكيف يحصل القيام ثوابًا أفضل من ثواب السجود؟ يقول أهل العلم: إن طول القيام معناه مزيد من تلاوة القرآن التي تُنيل العقلَ والقلبَ معًا، وما يحصل للعبد في سجوده إلا انعكاسٌ لما قرأ في القيام. فلمّا تسجد أنت تعمل ما يشبه «الريفلكشن» لما قرأتَ في قيامك. تقول: الله أكبر، وقد قرأنا قصة نبيٍّ مع قومه،[12] حيث دارت أحداث كثيرة، فيتأثر سجودي بما تعلمته في القيام وقرأته. وذلك شأن المؤمن الذي يتفاعل بما يسمع وما يقرأ في الصلاة، وهو غير هذا الذي يقرأ سردًا لا يدري من أين بدأ ولا إلى أين انتهى ولا كم أخطأ ولا ما الذي حدث معه، ثم يسجد سجود من يتناول شيئًا من الأرض، ويرتفع ارتفاعًا سريعًا، ولا يعبّر بصلاته.
ويقول صاحب هذا الكلام راويًا لنا: روى الجماعة إلا أبا داود عن المغيرة بن شعبة أنه قال: «إن كان رسول الله ﷺ ليقوم ويصلّي حتى ترِمَ أو تتورّم قدماه ﷺ».[13] ونحن لمّا نتكلم عن تورّم القدمين فلا نتكلم عن واحد ساجد، فالساجد لا تتورّم قدماه، وإنما القائم الذي وقف يصلّي ويقرأ كثيرًا من القرآن الكريم، ذلك هو الذي تتورّم قدماه.
قد يقول قائل: أهذا في النافلة أم في الفريضة؟ فنقول ما ذكرناه سلفًا لمّا تحدثنا عن هدي النبي ﷺ في القراءة: القراءة في الفريضة يجب على الإمام فيها مراعاة حال من وراءه. فإن كان وراءه من هو جالس، أو من لا يستطيع أن يقف طويلًا،[14] أو من يقعده كربٌ في النَّفَس أو اختناق في الصدر،[15] فكل ما يؤدّيه الإمام يجب عليه وجوبًا أن يراعي فيه حال المأمومين، وألّا يشقّ عليهم بحال من الأحوال. من السهل أن أستعرض عليكم حفظي لسورة البقرة كاملة، أقف وأرتّل والناس من ورائي تضيق وتكره الإتيان إلى المسجد بسببي. لكن ليس ذلك هو الفقه، وإنما الفقه مراعاة أحوال الناس في الفريضة. أما النافلة فاختيار: من شاء أن يُتمّ معك أتمّ، ومن شاء أن ينصرف انصرف. ويضاف إلى ذلك أنه في النافلة يمكن للعبد أن يقعد حال قيام الإمام وليس عليه إثم في ذلك، وأما الفريضة فلا بد فيها من قيام، ولا بد للإمام من مراعاة حال المأمومين.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يصرف عنا نزغات الشيطان، وأن يجعلنا من أهل طاعته، وأن يكتب آثارنا في الأرض. اللهم إنا نسألك حسن النجاة إذا مثلنا بين يديك يوم القيامة، ونسألك ربَّنا رزقًا حسنًا من لدنك في دنيانا وأخرانا. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
--- [1]: توثيق المحرر: انقطعت العبارة في التفريغ عند «ونافلة الزكاة»، فلم يُثبت ما قاله المحاضر فيها. [2]: توثيق المحرر: اللفظ المشهور في الرواية «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، وهو مروي من حديث ثوبان رضي الله عنه عند أحمد وابن ماجه على ما يظهر للمحرر؛ والمثبت هنا لفظ المحاضر، ولفظ التفريغ مشوّش عند «ولن تحصوا». [3]: توثيق المحرر: في التفريغ مواضع مشوّشة في هذا الشرح («هفر»، «غفر»، «هسو»)، و«هفوة» تقدير لكلمة مشوّشة («هفر»)؛ وقد حُذف ما لم يتبيّن من العبارتين الأخريين. [4]: توثيق المحرر: في التفريغ «ليست وجي باعمالنا»، والمعنى المرجّح أن النعمة ليست ثمرة للأعمال. [5]: توثيق المحرر: عبارة التفريغ مشوّشة («يعلمه ذلك الطهور او الطهور في نفسه وقلبه»)، فصيغت بحذر. [6]: توثيق المحرر: العبارة عامّية («قوم شوف لك ركعتين يا راجل ارحمنا»)، ولا يتضح من التفريغ على لسان من تُقال، وصيغت هنا على وجه التمثيل. [7]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده»، وما أُثبت هنا لفظ المحاضر. [8]: توثيق المحرر: «تأتمّ بي» ضبطٌ لكلمة مشوّهة في التفريغ («تهتم بي»)، رجّحه السياق. [9]: توثيق المحرر: في التفريغ «فيتم بابيه»، فضُبطت بأقرب معنى؛ تحتاج إلى سماع الصوت. [10]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر راويه، ولم يتيقن المحرر من عزوه ولا من درجته. [11]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. [12]: توثيق المحرر: في التفريغ «قصة نوسى مع قومه»، ولعلها موسى عليه السلام، فلم تُثبت. [13]: توثيق المحرر: المحاضر ينقل هذا من كتاب لم يُسمَّ، وعبارة «روى الجماعة إلا أبا داود» من كلام صاحب الكتاب؛ والحديث في الصحيحين من حديث المغيرة رضي الله عنه. [14]: توثيق المحرر: في التفريغ «لا يستطيع أن يخف طويلا»، وقد رُجّح «يقف» لدلالة السياق. [15]: توثيق المحرر: عبارة التفريغ هنا مشوّشة («كرش النفس»، و«يخف طويلا»)، وما أُثبت تقدير للمعنى.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.