البيتُ في الغرب — الرهنُ العقاريُّ بينَ حاجةِ السَّكَن وإشكاليَّةِ الرِّبا
قراءةٌ مقاصديّةٌ في مسألة الرهن العقاري للمسلمين في الغرب
كثيرٌ من المسلمين في الغرب يدفعون إيجاراً طوال حياتهم لا يملكون في نهايته شيئاً. يُربُّون أبناءهم في شقق مؤقتة، يتحركون بين حيٍّ وحيٍّ كلما ارتفع الإيجار، لا يستطيعون إرساء تقاليد عائلية في مكان واحد، ولا يتركون لأبنائهم من بعدهم طرفاً من الأرض ينتمون إليه.
وحين يسألون عن الرهن العقاري، يسمعون ما أوقف كثيرين: "ربا، حرام، لا يجوز". فيعودون إلى الإيجار وكأن الأمر قد فُصل فيه، بينما الأمر لم يُفصَل، وليس كذلك البتة.
هذا المقال ليس فتوى تعفيكَ من المسؤولية أو تُريحك من التفكير. هو محاولة جادة لقراءة هذه المسألة في ضوء مقاصد الشريعة ومآلات الأحوال، لعلها تكون منطلقاً لاجتهاد مسؤول.
أولاً: تحرير محلّ النزاع
الرهن العقاري المتداول في الغرب نوعان متمايزان ينبغي التمييز بينهما قبل كل حكم:
النوع الأول: الرهن التقليدي (Conventional Mortgage): تقترض من البنك مبلغاً لشراء منزل، وتعيد السداد بأقساط مضافٌ إليها فائدة محددة مسبقاً. هذا هو محل الخلاف الفقهي الحقيقي.
النوع الثاني: منتجات التمويل الإسلامي (Islamic Finance): تستند إلى صيغ شرعية كالمرابحة، والمشاركة المتناقصة، والإجارة المنتهية بالتمليك. هذه في الجملة حلال بشروطها، وهي متاحة في عدد من الدول الغربية، ويجب أن تكون الخيار الأول لكل مسلم حين تتيسّر له.
المشكلة أن التمويل الإسلامي غير متاح في كل ولاية ولا في كل بلد، وأحياناً تكون شروطه مغايرة أو تكاليفه مرتفعة بشكل يُخرجه من دائرة الإمكان العملي. فيبقى السؤال معلقاً: هل يجوز الرهن التقليدي حين يكون هو الخيار الوحيد المتاح؟
ثانياً: المواقف الفقهية — عرض وتقييم
الموقف الأول: التحريم المطلق
ذهب إلى هذا كثيرٌ من العلماء المعاصرين، وهو مبني على أصل راسخ لا خلاف فيه: أن الربا محرَّم قطعاً بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المتواترة. والفائدة الربوية المشترطة في عقد الرهن التقليدي تقع في هذا الباب عند هؤلاء، سواء أكانت مصحوبة بضرورة أم لا، لأن السكن ميسور بالإيجار ولو لم يكن مملوكاً.
وهذا موقف محترم ومعتبر، وينبغي أن يكون نقطة انطلاق الناظر في المسألة لا حائلاً دون التفكير العميق.
الموقف الثاني: الجواز بشروط الحاجة
ذهب عدد من العلماء المحققين إلى القول بجواز الرهن التقليدي للمسلمين في الغرب في حدود معينة. ومن أبرز من تناول هذه المسألة:
- المجمع الفقهي الأمريكي (FCNA) الذي أفتى بالإباحة للمسلمين المقيمين إقامة دائمة في حدود الحاجة المعتبرة.
- العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله الذي توسّع في تطبيق قاعدة الضرورة والحاجة العامة على مسائل الأقليات.
- الدكتور جمال الدين عطية وعدد من الباحثين في فقه الأقليات الذين بنوا على مفهوم الحاجة العامة المستمرة.
- هيئات فقهية في أوروبا وأمريكا الشمالية رأت أن للأقليات المسلمة خصوصية تفقهية لا تُعالَج بمجرد تطبيق فقه ديار الإسلام نقلاً مجرداً.
والحجة الأساسية هنا مبنية على ثلاثة مرتكزات:
المرتكز الأول — فقه الأقليات: المسلم في الغرب يعيش في سياق تاريخي وقانوني واقتصادي مختلف، لا يملك فيه ما يملكه المسلم في بلاد المسلمين من خيارات وبدائل. وقد أرسى العلماء لهذا السياق ما يُعرف بـ"فقه الأقليات"، الذي يراعي مآلات الأحوال ومصالح الجماعة المسلمة في بيئة تختلف عن بيئات التشريع الكلاسيكي.
المرتكز الثاني — قاعدة الحاجة: قرّر فقهاء كالإمام الجويني والغزالي والشاطبي وغيرهم أن الحاجة العامة المستمرة تنزل منزلة الضرورة في رفع الحرج، متى كانت حاجة تمسّ الناس جميعاً لا فرداً بعينه. قال الإمام الشاطبي في الموافقات: "الحاجيات هي التي يُفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، وإذا لم تُراعَ دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، لكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة."
وسكنُ المسلم في الغرب — في مجتمع تُحرِّكه قوانين الملكية الخاصة وتحكمه أسواق العقار المرتفعة — حاجةٌ عامة متكررة تُدرك مداها حين تعلم أن الإيجار في كثير من مدن الغرب يتجاوز في مجموعه الثمنَ الفعلي للمنزل في نحو خمس عشرة سنة.
المرتكز الثالث — المآلات والمقاصد: الناظر في مآلات الإيجار الدائم يجد أن المسلم يُخرج ثروته كاملة دون أن يُوجِد أثراً عائلياً أو اجتماعياً مستدام. أما التملك فيُحقق جملة من المصالح المقاصدية الكبرى، أبرزها: صون النسل بالاستقرار الأسري، وصون المال بالاستثمار في أثبت صور الادخار، وتمكين الحضور الإسلامي في المجتمع الغربي.
ثالثاً: قراءة مقاصدية — السكن في ميزان الكليات الخمس
جرى اصطلاح الأصوليين على أن الشريعة جاءت لصون خمسة كليات: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وبالنظر في مسألة السكن في الغرب نجد أنها تمسّ ثلاثةً منها مساساً مباشراً لا مجازياً:
صون النسل
الأسرة المسلمة التي تسكن في مكان مستقر تُربي أبناءها على الانتماء والهوية وحفظ الذاكرة. حين يكبر الطفل في بيت ثابت تعرف عنوانه وتعود إليه، فإن هذا البيت يصبح جزءاً من تكوينه الهوياتي وبُنيته النفسية.
أما الأسرة التي تنتقل بين إيجارات متغيرة ومدارس متبدلة وأحياء مختلفة، فأبناؤها مُعرَّضون لتشتت الانتماء والهوية — وهذا خطر مقاصدي حقيقي في سياق أقليات مسلمة تجاهد للحفاظ على هويتها.
صون المال
الفقه الإسلامي يُعلِّم أن المال ينمو بالاستثمار والتدوير لا بالتجميد والتبديد. وفي الغرب، العقار من أوثق صور الادخار وأطولها أمداً. المسلم الذي يستأجر عشرين عاماً يُخرج ما يعادل ثمن منزل كامل في أقساط إيجار لا يعود عليه منها شيء، بينما مالكُ العقار يبني رصيداً (equity) ينتفع به ويورثه.
بل إن الفائدة الربوية في الرهن التقليدي — مع تحريمها المبدئي — قد تكون في المحصلة الرياضية أقل بكثير مما يدفعه المستأجر من أموال تذهب كلياً دون أثر.
صون النفس
الطمأنينة النفسية بالسكن المستقر من مقومات الحياة الكريمة التي جاء الإسلام برعايتها. والخوف المستمر من طرد المالك، أو رفع الإيجار، أو انقضاء العقد، ضغطٌ نفسي تراكمي يؤثر في صحة الإنسان وأسرته وتوازنه الروحي.
رابعاً: شروط وضوابط — للمن أخذ بقول الجواز
إذا قُلنا بجواز الرهن التقليدي في حدود الحاجة، فثمة ضوابط ينبغي مراعاتها:
أولاً — البحث عن البديل الشرعي أولاً وجدياً: لا يصح الإقدام على الرهن التقليدي قبل التحقق الجاد من عدم توافر التمويل الإسلامي في المنطقة بشروط معقولة. من وُجد في متناوله بنك إسلامي أو صيغة مرابحة مناسبة فلا عذر له في العدول عنها.
ثانياً — أن يكون المنزل للسكن لا للاستثمار: المُسوِّغ الفقهي مرتبط بحاجة السكن المباشر. أما شراء عقارات بالرهن التقليدي بقصد الاستثمار أو التأجير فلا يندرج في هذه الرخصة التي تعلّقت بالحاجة لا بالكسب.
ثالثاً — الاقتصار على قدر الحاجة: منزل واحد للسكن، بمواصفات تتناسب مع الحاجة الفعلية للأسرة، لا تجاوز مقتضيات الترف والتباهي.
رابعاً — الاستمرار في طلب البديل: إن توافر التمويل الإسلامي لاحقاً، استُحسن الانتقال إليه إذا أمكن ذلك دون ضرر فادح. الرخصة مؤقتة بمقدار الحاجة.
خامساً — نية التخلص والتوبة: أن يكون في نية المسلم الانتقال إلى التمويل الشرعي في أول فرصة، وألا يعامل الرهن التقليدي معاملة الحلال الأصيل، بل يتعامل معه على أنه ضرورة يرجو أن يُعافيه الله منها.
خامساً: ماذا تفعل إن بقيتَ في منطقة الشك؟
إذا بقيتَ معلقاً بين الموقفين ولم تطمئن نفسك لأحدهما، فثمة مسلك عملي سليم:
استشر عالماً مُعتبَراً في فقه الأقليات تربطه صلة بواقع المسلمين في الغرب، لا عالماً من بلاد المسلمين لا يعرف طبيعة السياق الاقتصادي الغربي ولا يعلم ما يعنيه الإيجار أبد الدهر في مجتمعات تتضاعف فيها الأسعار كل عقد.
فرقٌ كبير بين عالم يُفتي عن الربا من بيئة فيها بنوك إسلامية في كل حيٍّ، وعقارات بأسعار في متناول الجميع — وبين عالم يعرف أن المسلم في نيوجيرسي أو لندن أو تورنتو يدفع ثلاثة آلاف دولار شهرياً إيجاراً منذ عشر سنوات، ولن يجد في نهاية هذا العقد غير مفتاح يردّ.
لا تأخذ فتواك من منصة إلكترونية بلا سياق. ولا تستعجل لتهدئة نفسك. الاجتهاد الفقهي يحتاج لمن يُحيط بواقعك لا لمن يحفظ أقوالاً فقط.
خاتمة: ليس البيتُ ترفاً
جاء الدين بالتيسير لا التعسير، قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. والمقاصد الشرعية لم تُستخرج لتكون حيلةً على الأحكام، بل استُخرجت لضمان أن الأحكام تؤدي غايتها في الحفاظ على مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.
البيتُ في الغرب ليس مجرد غرف وجدران. هو مشروع حياة. هو التزام بالاستقرار، وإشارة انتماء للأرض التي تعيش فيها وتسهم فيها، وثروة ترثها الأجيال، ومكان ينمو فيه الإنسان المسلم ويُجذِّر هويته في مجتمع يُريد أن يُقيم فيه إسهامه الحضاري.
قلْ للمسلم الذي يُفكِّر في هذا الأمر: لا تستعجل ولا تتهاون. ابحث عن البديل الشرعي جادّاً. فإن وجدتَه فالحمد لله. وإن لم تجده بعد بحث حقيقي، فلا تظن أن الفقه انتهى عند السطر الأول، وأن الباب أُغلق. فالفقه الإسلامي أوسع مما تُصوِّر الفتاوى المختصرة، والمقاصد أعمق مما يبلغه المفتي المتعجِّل.
هذا المقال طرح فكري للمدارسة والاجتهاد، ولا يُغني عن الفتوى الشخصية من عالم يعرف سياقك وظروفك المحددة.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.