أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
الأسرة والتربية

هدي النبي ﷺ مع زوجاته

لماذا نتبع النبي ﷺ، وما الزواج الذي نريد أن نُحسن فيه؟ آية الروم، ووصية أمٍّ لابنتها، وأول المعايير

د. أحمد أبو سيف•٢٣ أبريل ٢٠٢٤•14 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ٧ ديسمبر ٢٠١٦مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بدأ الدكتور أحمد بأن سأل الله أن يجمع الحاضرين في الجنة كما جمعهم في الدنيا على طاعته، وكرّر الدعاء: اللهم إنا نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم. وذكّر بما قاله ليلة أمس: إنا ما أتينا هذه البلاد المباركة بمن فيها من أهل الخير والذكر والطاعة إلا لنخلّف من ورائنا حسناتٍ تشهد لنا بين يدي الله تبارك وتعالى، وسأل الله أن يكتب خطواتنا في ميزان حسناتنا.

وعنوان الليلة: هدي النبي ﷺ في معاملة أهل بيته. وأول ما أراد أن يصدّر به حديثه سؤال: لماذا نتبع الرسول ﷺ؟ لماذا نقتفي أثره وننظر ما الذي فعل ونحاول أن نقلّده؟

لماذا نتبع الرسول ﷺ؟

ربُّ العالمين يحدّثنا عنه فيقول:

﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[8]

وقد أمرنا سبحانه بطاعته أمرًا صريحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ…﴾.[1] فطاعة النبي ﷺ عبادةٌ في ذاتها؛ أن تبحث عن شيء فعله النبي ﷺ وتحاول أن تفعل مثله، هذه في ذاتها عبادة، «اتفقنا؟».

والأمر الثاني أن النبي ﷺ يمثّل النموذج الكامل من البشر. ولا بد أن نفهم أن هناك فرقًا بين الكمال المطلق الذي هو لله سبحانه وتعالى، والكمال البشري الذي هو للمعصومين من خلق الله، أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام. وربنا جعل لنا في النبي ﷺ نموذجًا لكيفية تطبيق القرآن؛ فالقرآن الكريم نزل، والنبي ﷺ المرآة التي تُرينا كيف يُطبَّق القرآن. فطاعة النبي ﷺ إنما هي محاولة جادة لتطبيق حقيقي للقرآن الكريم؛ فإذا أردتَ أن تطبّق القرآن وتعيشه فعليك أن تعيش حياة من طبّقه أول مرة، وهو رسول الله ﷺ. وسيرته ﷺ تمثّل بالنسبة إلينا ثوابت الحياة.

ثم ضرب لذلك مثالًا: نحن اليوم نتكلم في مجموعة من القضايا يتحدث عنها الناس، مثل مِلك اليمين ومعاملة الرقيق والإماء وما إلى ذلك، مما ننتقَد فيه نحن الآن. وقد غفل هؤلاء عن أن هذه الأشياء برمّتها، أعني عبودية البشر، تحدث في هذه اللحظة في مواطن متفرقة من العالم والناس لا يشعرون بها، ولكنهم يتحدثون عنها بمسمّيات أخرى. أما النبي ﷺ فحين تحدّث عن مثل هذه الأشياء وضع لها الثوابت والقوانين التي تضبطها، فرفعت قيمة الإنسان المملوك إلى كونه إنسانًا، وخفضت من قيمة المالك إلى كونه إنسانًا أيضًا؛ فلا تزيد من مكانة شخصٍ إلى درجة العبودية له أو الألوهية، ولا تقلّل من مكانة شخصٍ إلى درجة الذل وانخفاض المكانة والكرامة.

وهذا مجرد مثال. ومثله المعاملات الزوجية بين الرجل وأهله: فالنبي ﷺ مع كل هذا الفارق من الزمن، ألفٍ وأربعمئة وسبعٍ وثلاثين سنة، ولم نزل نحدّث بكلمات الرسول ﷺ على أنها النموذج الأتمّ لكيفية معاملة الرجل أهلَه، وكيف يتعامل المسلم مع أهل بيته. ذلك ما تركه لنا رسول الله ﷺ، وذلك ما أراد أن يبدأ فيه الآن.

ثم داعب الحاضرين: ما بالكم قد تجهّمت الوجوه فجأةً، وكأنكم تقطّبون؟ لا تقلقوا، سنقول كلامًا عاديًّا جدًّا، فكّوا أنفسكم، وأنا مجرِّب! وسأل: هل هنا من زوجته موجودة؟ فليرفع يده... أو لا ترفعوا أيديكم، أكرمكم الله وأضحك أسنانكم.

ما الزواج؟ آية الروم

وقبل أن يتكلم عن حال النبي ﷺ مع زوجاته وكيف كان يتعامل معهن، سأل سؤالًا بسيطًا جدًّا: ما المراد بمفهوم الزواج عندنا؟ ثم قال: تعالوا نقرأ من قرآن الله ما يعرّفنا معنى كلمة «زوج»:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

وأراد أن يربط بين أمرين، ذكّر فيهما بما قيل بالأمس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ…﴾،[2] وختامُ الآيتين التفكّر. فسأل: هل من قاسمٍ مشترك بين من يتفكر في شأن الدنيا والحياة، ومن يتفكر في شأن الأسرة؟ وما الحياة الكبيرة؟ ما نموذجها المصغَّر؟ إنه الأسرة؛ فإذا أحسنتَ التعامل مع هذه الأسرة أحسنتَ التعامل مع الحياة الكبيرة. وقال إنه يقولها حاشيةً على الهامش، ثم طلب من الحاضرين شيئًا من التشجيع ليكمل.

ثم وقف عند قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ما معنى «من آياته»؟ يعني من نعمه. فالزواج في حد ذاته نعمة أم نقمة؟ نعمة. وسأل: هل نحن مؤمنون من أعماق قلوبنا بأنه نعمة؟ وهل نحن حريصون على الحفاظ على النعمة، أم نتعامل معها على أنها نعمة يمكن أن تُستبدل، نعمة يمكن تجديدها، نعمة يمكن الاستغناء عنها؟

وقال: خذوا بالكم، فإن الله تعالى لما ذكر ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ قال بعدها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾. وربُّ العالمين لما تكلّم عن آياته ذكر منها النوم مثلًا، في آيات سورة الروم. فهل يمكن أن تستغني عن النوم؟ لا. وهل يمكن أن تستغني عن الزوجة؟ لا. وهل يمكن أن تستغني عن لسانك واختلاف الألسنة؟ لا. إذن هي نعمة لا يُستغنى عنها، فإما أن تحافظ عليها وإما أن تُسلَب منك. ولماذا تُسلَب؟ لأن الذي خلقها لم يخلقها عبثًا، وإنما خلقها لتدوم.

ثم وقف عند ﴿خَلَقَ لَكُم﴾: خلق مَنْ؟ الله سبحانه وتعالى. خلق لمن؟ ﴿لَكُم﴾. وقال: هنا خصوصية لحضرتك؛ فكما قال تعالى ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾،[3] فإن الله خلق لأجلك. «الله أكبر!». متخيّل أن ربنا خلق شيئًا مخصوصًا من أجلك؟ هذه ليست مجرد نعمة، بل هدية من الله. وقال: خذوا بالكم، لأننا إذا فهمنا هذا الكلام أعدنا تقييم الموقف الذي نحن فيه.

ثم تدرّج إلى العبارة الأشدّ: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾. «الله أكبر»؛ كأنها جزء من أجزائك. وذكّر بقوله سبحانه في سورة النساء:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾

وسأل الحاضرين: من نفس واحدة؟ من آدم، ثم خلق منها زوجها. يعني المرأة طالعة منك، قطعة منك. وقال: أنا أفهم أن بنتي يمكن أن تكون جزءًا مني، لكن مراتي كيف تكون جزءًا مني؟ ثم أجاب: لا بد أن نفهم أن هذا هو التكوين البشري؛ فهذه المرأة بمجرد اقترانها بك صارت جزءًا لا يتجزأ من كيانك. فإن كنتَ تستطيع أن تضرب يدك بيدك فبإمكانك أن تضرب امرأتك بيدك؛ وهذا لا يصحّ ولا ينفع. وبناءً عليه فلا بد أن أتعامل مع امرأتي على أنها جزء من كياني.

ثم ربط ذلك بما هو عامٌّ جدًّا في قول النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن بنيانٌ يشدّ بعضه بعضًا»، وقوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء… الحمّى».[4] قال: وهذا الكلام ينطبق على عموم المسلمين، وينطبق على البيت على وجهٍ أخصّ. «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم» ثم الآية: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ اللفظان مشتركان بين كلام النبي ﷺ وبين الآية، «متخيّل الربط ده؟ الله أكبر!». فالذي لا يستطيع أن يصنع مودةً ورحمةً في بيته لن يستطيع أن يعيش المودة والرحمة بين المسلمين، فهو إنسان مهمَّش في المجتمع. «تخيّل إنسان مهمَّش في المجتمع!».

«زوج» و«لتسكنوا إليها»

وقال: خلّينا في الآية. ﴿أَزْوَاجًا﴾: كلمة «الزوج» تُقال على شيئين مقترنين ببعضهما لا يستغني أحدهما عن الآخر، فعندما يكون لك رجلان فهما «زوج»؛ وذكر هنا الأحذية في عبارة مشوشة في التفريغ، ثم قال: المهم هعدّيها، أعزّكم الله. تخيّل شيئين لا يستغني أحدهما عن الآخر، فإذا بك تمشي بنصف قوتك، وامرأتك «وراء» (كذا في التفريغ، والعبارة مضطربة). وروى طرفةً عن رجل أراد أن يتزوج مرة ثانية، فقال لامرأته: وراء كل رجل عظيم امرأة، وأنا أريد أن أكون أعظم من كده! وقال: العهدة على الراوي، وليست من رواية أحمد.

ثم قال: يقول الله تبارك وتعالى ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. وأكبر مشكلة في حياتنا، يا إخواني، أننا نريد أن نسكن في زوجاتنا؛ أن ندخل جوّاها فنأخذ كل الخير الذي فيها ونخرج وكأن شيئًا لم يكن. وهذا اسمه الأنانية. والمشكلة الأكبر أنها هي أيضًا تريد أن تفعل ذلك، إلا من رحم الله.

وضرب مثلًا ليفهموا الأمر: حين تبحث عن عريس لبنتك، ما مواصفات العريس الذي تريده؟ وسأل الحاضرين، فجاءت الإجابات: متدين، غني، عنده عمل جيد، عنده فلوس، ابن عائلة، نسب. ثم قال: وماذا أيضًا؟ وماذا أيضًا؟ أنت تريد مئتي صفة في زوج بنتك، مع أنني لم أرَ بنتي جيدًا، وأريدها أن يتزوجها أحسن واحد في البشرية! والبنت لما تريد أن تتزوج ماذا تريد؟ تريد من يُدلّلها ويطبطب عليها ويسكت ويعيشها ملكة. وهو ماذا يريد؟ يريد واحدة تخدمه، وتخدم أمه، وأباه، وأقاربه، وإلى آخره. هو يريد منها كل شيء وهي تريد منه كل شيء. وسأل: هذه اسمها أنانية أم إيثار أم ماذا؟ وقال: هذا هو المفهوم الموجود.

أما الآية: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، وفي المقابل هي تسكن إليك، فلكل واحد من الطرفين عند الآخر احتياج يحتاج إليه وشيء يعطيه إياه؛ ففيها تبادل منافع. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾: الذي جعل هو الله. فإذا انتزعتَ بيدك ما جعله الله فأنت ترد على الله ما جعله بينك وبين امرأتك. يا إخواني، هذا هو الأصل.

ثم دعاهم إلى تذكّر أيام الخطوبة: وأنت تقول لها «ذوقي الليمون ده يا حبيبتي، طعمه جميل، بس خلّي بالك علشان ما تجرحش…»، و«اشفطي براحة لو سمحتِ». فاكرين الكلام ده؟ ولّا ما خطبوش؟ «خلي بالك، هتقعي، هتشرقي»، «تمام، أقفل لك الشباك ده يا حبيبتي جنبك لأنه ممكن يدخلك هوا». لكن بعد الزواج تقول لها: الشباك؟ اكسريه، وماذا أفعل لك في الشباك؟ (واعتذر عن هذه الألفاظ: سامحونا، أكرمكم الله).

وصيّة أمٍّ لابنتها

ثم قال: حين نتكلم عن هذه المعادلات التي ذكرناها وهي موجودة في الآية، فمن يستطيع أن يحقق هذه المعادلات؟ من يستطيع أن يقيم أسرةً لها هذه الجوانب؟ ستقول لي: رسول الله ﷺ فعل ذلك، ورسول الله ﷺ ترك لي منهجًا. لكن خلّينا نشوف مع بعض شيئًا بسيطًا وصغيرًا. وهو أن امرأةً لما جاءت تزوّج ابنتها قالت لها كلامًا. وقال: لأفهم من هذا الكلام أن الذي يستطيع أن يصنع معادلة التوازن داخل البيت، بدايةً، هما الأبوان: الأم والأب.

وأنشد أبياتًا، وقال إن هذه المرأة بنتها اسمها أحلام (حلو الاسم ده ولّا إيه؟) ثم ذكر اسمًا آخر هو «أشرف» (ولم يتضح من التفريغ أهو زوجها المنتظر أم غيره)، وأخبر أن المرأة تصبّ هذه الأبيات في وصيتها لابنتها. تقول الأم لابنتها، وكانت البنت تسألها وهي صغيرة: ما سرّ ما بينك وبين أبي من حبٍّ دائم بعد الزواج؟ فقد قالت لها يومها كلامًا باختصار يناسب سنّها، أما الآن وقد أوشكت البنت أن تتزوج:

أُسدي إليكِ من الفؤاد نصائحي ما لي سوى البيت السعيد مَرامُ

وقال: مفهوم الكلام؟ ثم مضى: تقول لابنتها إن شئتِ أن يبقى الزواج سعادةً… وليبقَ بينكما رضا ووئام. وفي هذا الموضع اضطراب في التفريغ، فلم يثبت منه إلا هذا القدر. ثم:

الزوجُ طفلٌ فوق عرشٍ جالسٌ ومُرادُه التعظيمُ والإكرامُأنتِ الرعيةُ كلُّها في مُلكهِ والطاعةُ العمياءُ منكِ لِزامُ

وعلّق مازحًا: طبعًا أخواتنا دلوقتي هيبدأوا يمشوا… لا، استنّوا، استهدوا بالله ونكمل! وقال إنهم لا يتكلمون عن رجل يقول لابنته، بل عن امرأة تحكي التجربة كاملة. ثم تقول:

وله القيادةُ كلُّها، وبكفّهِ لكِ يا رعيةُ في الحياة زمامُلكنه يُلقي إليكِ زمامَه بالحبِّ فهو به لديكِ غلامُفي الحبِّ سرُّ السحر يفعلُ فعلَه وعلى قواعدِه الحياةُ تُقامُ

وتوصيها أن تكون له زوجًا تُريه حنانها، فالحنان بغيرها أوهام، وأن تكون شريكته الأمينة دائمًا:

كوني شريكتَه الأمينةَ دائمًا إنّ الأمانةَ للزواج قِوامُثقةُ الشريكِ ضرورةٌ حتميّةٌ فقدانُها لكليكما هَدّامُوطموحُ زوجِكِ في يديكِ أمانةٌ هي في ضميرِكِ ذمّةٌ وزمامُ

وقال: نحن متابعون، مدركون تمامًا، الله يبارك فيكم. ثم تصف الأم كيف يطيب لروحه ظلّ روحها إذ يستريح، فتبقى روحها واحةً له، ويبقى عشّها منسّقًا للفنّ في تنسيقه إسهام:

يأوي إليه بعد جهدٍ مُرهقٍ فإذا له فيما حواهُ جمامُ

وعلّق: ليس مضطرًّا أن يذهب آخر النهار إلى مكان آخر (وتتمة الجملة مضطربة في التفريغ). وتتجاوب الأفكار بينهما، وفي البيت حينئذ يطيب مقامه. ومما قالته (على ما فهم من التفريغ المضطرب) أنها تبذل ما استطاعت في إرضائه. ثم:

والضعفُ لا يعني التذلّلَ مطلقًا فالذلُّ للقرينِ حرامُحسبُ القرينِ من القرينةِ رِقّةٌ وصراحةٌ بهما السلامُ يُقامُ

وقال: وصراحة… خلّي بالك. ثم:

ما دمتِ في حرصٍ على أسراره فلا حِرصُه حتمًا عليكِ دَوامُوتبادلُ الإجلالِ بينكما به لكما لدى كلِّ الأنامِ مقامُلا تسمعي وشيَةً في حقّهِ كلُّ الوشاةِ منافقون لئامُ

وقال: الكلام طبعًا للاثنين. وتقول الأم إنها ساقت النصائح كلها لابنتها، ومُناها أن تتحقق الأحلام، وإن وصيتها أن تكون دائمًا مع المتفضّل العلّام:

من عاش وهو مع الإلهِ حياتَه فاللهُ كافلُه وليس يُضامُ

ثم تتحول الأم إلى قرين ابنتها، فتقول: وإلى قرينك إذ أُزجي تحيتي أُزجي رجاءً ما به إبهامُ، هو في مقام أخيك (أشرف) يا ابنتي. وسأل الدكتور: قلنا البنت اسمها إيه؟ أحلام، «يا فارس الأحلام»:

يا فارسَ الأحلام، أحلامُ ابنتي وحبيبتي يا أيها المِقدامُكُن زوجَها وصديقَها وشقيقَها وأبًا حنونًا كلُّه إكرامُكُن راعيَ البيتِ، يُصلِحُ أمرَه باللين لا عُنفٌ ولا إرغامُثِق في أمانتِها، وقدِّر رأيَها وإذا اشتكت فاسمع وأنت هُمامُكُن حاميًا ومُربّيًا ومُواسيًا وبه يتمُّ لما تريدُ تمامُوكُن الرفيقَ على الطريقِ موافقًا فإذا الحياةُ سعادةٌ ووئامُوإذا ببيتِكمُ السعيدِ كأنّه من قوةٍ ومتانةٍ أهرامُ

وختمت: هذا حديث القلب شعرًا صغتُه، ومن الضلوع لفكرٍ أقلامُ، ولئن قضيتُ، أي بعد ما أموت، حتى لو متُّ فإن روحي دائمًا تحنّ إليكما بجناحها، وعليكما مني السلام، تحية عني، «واللسان والسلام ختام».[5]

وسأل الحاضرين: ما رأيكم في هذا الكلام؟ وقال: هذا كلام عاقل، من صاحبة تجربة، وهو يحتاج إلى شرح طويل.

ثم دعاهم إلى تجربة فكرية: لو اطّلعنا على وصية أبٍ لابنته وهو يحدّثها أنها ستنتقل إلى بيت رجل غريب عنه، ما الذي يحتاجه الرجل، وما الذي ينبغي لابنته أن تفعله، وكيف يقدّر اليوم الذي هو فيه الآن، وكيف ينظر إلى الماضي؛ وأنه لو أحسّ بمشاعر أهل امرأته يوم زفّوها إليه كما يحسّ بمشاعره الآن وهو يزفّ ابنته، لو رجع الزمان بالوراء وحفظ في نفسه تلك المشاعر، لأقسم أنه ما كان ليقسوَ عليها يومًا (فيما يبدو؛ فالكلمة مبتورة في التفريغ). ثم يخاطب ابنته فيقول: يا بُنيّتي، والله إني الآن لأتوجّع. وقال: تخيّل أنت أبو البنت، وجاءتك تقول لك: يا بابا، جوزي زعّلني، أو شتمني، وقال لها أبشع الكلام! ماذا يكون حالك؟ أنت الرجل الذي لو افتكر أنه قالها قبل ذلك لامرأته، وهي بنتُ ناس أيضًا، ما كنتَ جلبتها من الشارع، ولا كانت لقيطة. فهو يعبّر بأنه لو استدرك ما فات من زمانه لما كان منه أي إساءة.

من أين سبق النبي ﷺ إلى هذه السعادة؟

ثم قال: النبي ﷺ سبق إلى هذه السعادة الزوجية. والسعادة الزوجية، يا إخواننا، هي حلم الأولين والآخرين. لو كنتَ سعيدًا في بيتك فأنت سعيد في حياتك كلها؛ صحّ ولّا غلط؟ ودعاهم أن يصلّوا على الهادي ﷺ. ثم سأل: لماذا سبق النبي ﷺ؟ ما السرّ في أنه سبق إلى هذه السعادة؟ قال: لأنه اعتبر مجموعة من المعايير في علاقته بامرأته.

وبدأ بالخِطبة: فأنت لما ذهبتَ تخطب أو تطلب يد بنت الناس، لما عملتَ الطلبة الجميلة دي، مع من ذهبتَ؟ أخذتَ معك أعزّ أهلك، الناس الكبار. لماذا؟ لأنك رايح تأخذ بنت الناس، فأخذتَ أعزّ ناس عندك لتطلب يد هذه المكرَّمة. فلماذا تظل مكرَّمةً إلى الدخلة، وليلة الصباحية تسقط من نظرك؟ لماذا يتغير مفهومك عن الحياة أول ما تعيش معها شهرًا أو اثنين أو ثلاثة؟ ولماذا تتدهور الدنيا في العلاقة بينكما أول ما تجيب لك عيّلًا؟ يعني ماذا عملت؟ جريمة؟ مصيبة؟ إنها جابت لك أعزّ شيء في حياتك، وصار عندك عيل، وصار عندك بيت، وصار عندك أسرة. بأي مفهوم نتعامل؟

ثم قال: والمعايير التي وضعها النبي ﷺ… صلّوا عليه… كانت عبارة عن ماذا؟ أكانت مساواةً بين الزوج والزوجة؟ أنحن متساويان؟[6] ثم ذكر قول ربنا سبحانه في كتابه:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾

وقال مازحًا: «خلّيها في سرّك، وما تقولهاش، لأنها هتضرّك». وسأل نفسه كيف تضرّه؟ ثم قال: اهدؤوا شويّة. تعرفون «قوّام» صيغة مبالغة من القيام، فما معنى القيام؟ يعني أنت واقف تنتظر أوامر الست! «أيوه والله العظيم»، وللأسف اكتشفنا هذه الحكاية بعد… «يا مصيبة»! ثم قال: والله ما قلت لك ما تقولهاش؟ أنا قلت لك بلاش تجيب سيرة الآية دي. هل هنا أحد زوجته موجودة؟ وهناك من يسجّل على الهواء.

وعاد إلى الجدّ: فلما تسمع «الرجال قوامون على النساء» فاخفض صوتك وأنت تقول هذه الآية، ولا تجعل امرأتك تسمعها في البيت، فتقول لك: انتباه! بأمر مَن؟ بأمر ربّ العالمين! ثم بيّن المعنى: لماذا؟ لأنك أنت المؤتمن على هذا البيت، وأنت الراعي لهذا البيت، وأنت الكافل لهذا البيت…[7]

--- [1]: توثيق المحرر: تتمّة الآية ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وقد اختلّ هذا الموضع في التفريغ («وأولي الأنبياء») فاكتُفي بشطرها الذي ثبت. [2]: توثيق المحرر: لم ينسب المحاضر الآية إلى سورة، وهي في سورة يونس، وخاتمتها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ وقد جاء في التفريغ مضطربًا: «حتى إذا الض… لا لا تفكّر»، فأُثبت منها ما قاله فقط. وكذلك آية الروم 22 ذكرها بمعناها «ومن آياته خلق السماوات والأرض اختلاف ألسنتكم وألوانكم». [3]: توثيق المحرر: العبارة بنحوها في الجاثية: 13 ولقمان: 20؛ ولم يسمِّ المحاضر السورة. [4]: توثيق المحرر: الأول متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، والثاني متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، ولفظ الأول في الصحيح «كالبنيان يشد بعضه بعضا»، ولفظ الثاني: «تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»؛ وأثبتنا هنا ما نطق به المحاضر. [5]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر ناظم القصيدة، والتفريغ مضطرب في عدد من أبياتها؛ فأُثبتت الأبيات التي استقام نصّها، وصُحِّحت فيها الأخطاء السماعية الظاهرة، وأُغفلت الأشطر التي اختلّت. ويلاحظ أنه ذكر اسمي «أحلام» و«أشرف» في سياق روايته للقصيدة ومداعبته للحاضرين. [6]: توثيق المحرر: هذا الموضع مضطرب في التفريغ («عبارة عن مساواة… بين الزوج والزوجة، احنا متساويين، لا مش متساويين»)، ولا يثبت منه جواب واضح؛ فلم يُنسب إليه حكم في المساواة. [7]: توثيق المحرر: ورد قبل «المؤتمن» لفظ مشوّش («الحائس») لم يثبت، فلم يُثبت. وجاء بعد «الراعي» لفظ «الكافر» في التفريغ، والمثبت «الكافل» تقدير فيما يبدو. وينقطع التفريغ عند قوله «كل المها…» فلا تتمّة للمحاضرة في المصدر. [8]: توثيق المحرر: لم يسمِّ المحاضر مواضع الآيات إلا سورتي الروم والنساء (للآيتين ٢١ من الروم و١ من النساء)؛ ومواضعها بحسب النص المعروف: النساء ٨٠، والنساء ٥٩ (بشطرها الأول)، والروم ٢١، ويونس ٢٤ (بشطرها الأول)، والروم ٢٢، والنساء ١، والنساء ٣٤.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ