بيعة عبادة بن الصامت وتجديد العهد مع الله
بنود البيعة، والحاجة إلى تجديد العهد، ومصير من أخطأ.
المناسبة: تفريغ خاطرة مرئية (لم يُذكر تاريخ إلقائها) المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=d7lNkO8MRM8)
العهد الأول
في بدايات الدعوة، والنبي ﷺ لم يزل بمكة، وبعد جهد طويل وجد مجموعة من الحجاج قد جاؤوا، فجلس إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فما جلس إليهم حتى وافقوه، فأخذ عليهم عهدًا.
وهذا العهد يرويه عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: إن النبي ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ».[1] قال عبادة: فبايعناه على ذلك.
بنود تحفظ الإنسان والمجتمع
البنود الموجودة في هذا العهد تحفظ الإنسان من كل أنواع المعاصي، وتحفظ المجتمع من حدوث أي حادثة: حادثة سرقة، حادثة زنا، حادثة اعتداء، حادثة تزوير، وتحفظه من أي اختراق داخلي. وتحقيق هذه البنود يسلم به المجتمع من أي سوء.
تخيّل أن هذا أول ما عاهد عليه أهل المدينة رسول الله ﷺ، حتى قبل أن ينتقل النبي ﷺ إليهم. وفي هذه البيعة سؤال عن علاقتك برب العزة سبحانه وتعالى، وعن العهد الذي تأخذه على نفسك ألّا ترتكب خطأً. فمغريات الدنيا كثيرة، والشهوات تغلب الإنسان في كثير من الأحوال، لكن التوحيد يقيم صلبه أمام أي مغريات؛ لا ينحني ولا يهتز مهما برق المال في عينيه، فالله تعالى أكبر، ويقينه بأن الله رزّاق يحفظه من أن يفعل شيئًا خطأً.
نجدّد العهد
البنود الموجودة في هذه البيعة نحتاج في هذه الأيام، وبين الحين والآخر، أن نعيد هذه المعاهدة مع النبي ﷺ فيما بيننا وبين الله سبحانه وتعالى: ألّا نشرك بالله شيئًا، وألّا نسرق، وألّا نزني. هذه البنود البسيطة المعروفة في أذهان الناس غابت؛ ترى الغش والتزوير والخداع والكذب والخيانة، سبحان الله!
وتخيّل: «ألّا نعصي في معروف». هذه الجملة تحتاج وحدها إلى شرح. ألّا تعصي في معروف: لا تخترق القوانين، لا تخترق المعاهدات، لا تخترق الاتفاقات، لا تخن كلماتك التي خرجت من فمك ووعدت بها إنسانًا أنك تفعل كذا أو كذا؛ لا تخن في معروف. وأعتقد، والله تعالى أعلم، أننا لا نزال في احتياج إلى إعادة صياغة أنفسنا أمام ما شرعه رب العزة سبحانه وتعالى.
مصير من أخطأ
النص الثاني من الحديث، بعد انتهاء البنود، يحدد المصير لمن يخطئ. فعندنا نوعان من الناس: واحد منهم يغلط ويُدرك في المجتمع أنه أخطأ، فيُمسَك ويُعاقَب، فيقول النبي ﷺ: فهو كفارة له؛ ويُعفى عما سلف. والذي يستره ربنا، ما رأيكم؟ لم يتحمل العقوبة، أليس كذلك؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه.
طبعًا يقيننا في رحمة الله تبارك وتعالى كبير وعظيم، ولكن على كل الأحوال فإن من يتلقى عقوبة مقدورًا عليها في الدنيا أسهل من إنسان يُوكل أمره إلى الآخرة؛ إن شاء رب العزة سبحانه عذّبه، ولو عذّبه الله عز وجل كان أشد من كل أنواع العذاب، وإن شاء عفا عنه. نسأل الله أن يعفو عنا، وأن يحفظ جوارحنا سالمة آمنة من المعصية، ونسأله أن يخلص قلوبنا في إيمان خالص له سبحانه وتعالى، وأن يأخذ بنواصينا وأيدينا إلى ما فيه الرشاد في الدنيا والآخرة. ونسأل الله أن يبارك لكم في يومكم، وأن يحفظ عليكم دينكم وعافيتكم.
--- [1]: توثيق المحرر: أخرجه البخاري (١٨) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه واللفظ له، وأخرجه مسلم بنحوه. وقد اضطرب التفريغ في بعض ألفاظ الحديث (كلمة «بهتان» وعبارة «فمن وفّى منكم»)، فأُثبت لفظ البخاري.