النسخ واحتكار الجنة وحقّ تلاوة الكتاب
وقفات مع سورة البقرة من آية النسخ إلى حقّ التلاوة: شرطا القول بالنسخ، ومرحلية العفو والصفح، وعداوة المتربّصين، وسعة الأفق في مقابل احتكار النجاة.
المناسبة: تفريغ خاطرة بعد الفجر أُلقيت بتاريخ 11 مايو 2022م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=1F8aZd0Rl4E)
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا، اللهم هيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة يا رب العالمين. لا تكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، وارزقنا الإخلاص، ومُنَّ علينا بحسن العمل لدينك، واجعلنا ممن اصطفيتهم في دنياهم ليكونوا من أهل آخرتك.
نبدأ اليوم بإذن الله هذا اللقاء السابع في محاولة لفهم القرآن الكريم بنوع من الاختصار والإيجاز، ونحب أن تكون المصاحف معنا. نبدأ من قول الله تبارك وتعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [1]
السياق الذي جاءت فيه الآية
نجتهد دائمًا في النظر إلى الرابط بين الآيات. لا يوجد عاقل يجتزئ نصًّا من القرآن الكريم فيبدأ به حديثًا أو ينهي به حديثًا؛ بل نتعامل مع القرآن على أنه سلسلة حديث متصل من أوله إلى ختامه. فما الذي كان قبل هذه الآية؟ كان مراجعةَ ربِّ العالمين سبحانه لأولئك الذين ادّعَوا عليه ما لا يليق بجلال وجهه، وما لا يناسب أصول التشريع السماوي المنزَّل من الله إلى الخلق، وما لا يناسب المنطق ولا الواقع. وكان آخرُ ما ارتُكب من جرائمهم بحسب التنزّلات القرآنية أنهم ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [2]، أي خرجوا عن اتّباع المنهج الإنساني إلى منهج مختلف تمامًا، لا هو في منطق العقلاء، ولا هو سائر مع خطّ الإصلاح الإلهي المنشود في كتاب رب العالمين.
ثم جاءت الآية لمجتمع المسلمين أن يتّبعوا ما أُنزل وأن يتّبعوا الهدى بالحرف، حتى الكلمات التي تحتمل معنيين لا بد أن يراعوا نطقها ولفظها: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [3]. وبعدها جاء قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
شبهة اليهود: لماذا هذا التخبّط؟
يتحدث المفسّرون عن هذه الآية فيقولون إن الله تبارك وتعالى أعقب بها قولَ اليهود: ما بالُ محمد يأمركم بهذا الأمر في هذا التوقيت، ثم يأمركم بأمر آخر في توقيت آخر؟ ألا تراه مستقرًّا على نص أو حكم ثابت؟ فلماذا هذا التخبّط؟ وهم إنما يقولون ذلك ليثيروا جملة من الشبهات بين الناس حتى يتردّد الناس في دينهم، وذلك منهج شيطاني عمومًا.[4]
فالشيطان لما جاء آدم قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [5]، كأنه يقول بلسان الحال: إني لك من الناصحين. فيُقال له: كيف تكون هذه شجرةَ الخلد وملكٍ لا يبلى، وربّ العالمين سبحانه أخبرني ألا آكل منها؟ فيبعث الرسالة الثانية: إنما أراد ربك ألا تنازعه في ملكه وسلطانه، وإنه يريد كذا لك وكذا. فتبدأ الشبهات العقلية تُثار. وهكذا قالوا: إن محمدًا يحدّثكم بهذا في هذا التوقيت ثم بهذا في توقيت آخر. ومن ذلك قضية تحويل القبلة، وسيأتي: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ [6]، وسيأتي تفصيل الحديث عنها حين نصل إليها.
ما معنى النسخ عند المفسّرين؟
النسخ في اصطلاح أهل التفسير نوعان: إما أن ترفع الحكم تمامًا، فكان عندك نص فترفعه كليًّا؛ وهو نسخ الإزالة. وإما أن تبدّل، فتأخذ هذا الحكم وتضع مكانه حكمًا غيره؛ وهو نسخ التبديل.
وهل في القرآن الكريم آيات منسوخة؟ فريق من العلماء، وهم كثير، يتحدثون عن آيات كثيرة منسوخة في القرآن. ونحن لا نريد أن نردّ هذا القول، ولكن نريد أن نقول إنه يُشترط حتى نقول إن هذه الآية منسوخة شرطان:
الأول: أن يكون قد نزل بعدها حكم ناسخ لها. فإذا كانت آية تتكلم في موضوع ولم تنزل بعدها آية تتكلم فيه، فلا ناسخ لها. ولا بد لكل منسوخ من ناسخ، وهذا طبيعي جدًّا.
والشرط الثاني، وهو مهم جدًّا: ألّا نحسن التوفيق بين النصّين؛ أي يكون بينهما تعارض بحيث لا أستطيع أن أُعمل الاثنين معًا، فلا بد أن أُعمل أحدهما، وهو الأخير. فإذا تبيّن أنه لا بد أن يعمل واحد فقط، فالآخر لا لزوم له.
هذه هي القواعد، ولا ينبغي لأحد أن يتكلم بغيرها. فقلنا لهم: نحن مسلّمون بما قلتم في قضية النسخ، ولكن دعونا نتتبّع الآيات التي حكم العلماء بأنها منسوخة، وننظر هل نستطيع التوفيق بينها وبين غيرها أم لا.
مثال: آية الوصية وآيات المواريث
أضرب لكم مثالًا، وهو مثال أذكره كثيرًا: آيات المواريث نسخت آية الوصية: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [7]. فلما جاءت آيات المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [8] إلى آخرها، قالوا إن آية المواريث نسخت آية الوصية. وهذا كلام معقول جدًّا. وجاء كلام النبي ﷺ يؤكد هذا المعنى: «لا وصيةَ لوارث» [9]، فكأنّ كلام النبي ﷺ يؤيد أن آية المواريث نسخت آية الوصية، فصارت آية الوصية لا وجود لها في الحكم العملي، لا أستطيع أن أطبّقها بحال من الأحوال.
فيُقال: ولماذا هي موجودة في القرآن إذن؟ فيجيبون: لأن ربنا سبحانه يعلّمنا أنه حصل نوع من التدرّج. فأقول: لو وجدتُ لها عملًا، أيرتفع قولكم إنها منسوخة؟ أليس كذلك؟ أنا أحتاج أن أعرف: أُعمل الثانية أم الأولى؟ فإن استطعت أن أُعمل الاثنتين، وأن أجد لهما ميدانًا للعمل في واقع الحياة، فلننظر ببساطة: هل عندنا احتياج إلى آية الوصية بعد نزول آية المواريث؟ قالوا: لا. قلت: الكلام ليس مضبوطًا؛ أين تعيشون؟ قالوا: نعيش في مصر أو في الأردن أو في فلسطين أو في أي دولة إسلامية. حسنًا، إذا مات واحد منا في دولة إسلامية، فالقاضي يوزّع الإرث بمنهج إسلامي: كم عندك من الأولاد؟ هل لك زوجة؟ هل لك أب؟ فيقول: هذا يأخذ كذا، وهذه تأخذ الثمن، وهذا يأخذ الثلث، وهذا السدس؛ فيوزّع التركة توزيعًا مباشرًا. فأنت لا تحتاج إلى الوصية هناك أصلًا.
لكن تعالَ إلى أمريكا: إذا لم تكن قد كتبتَ وصيتك قبل أن تموت، فقد تسير الأموال في أي مسار لا أدري ما هو. فقالوا لنا: وماذا تفعلون عندكم في أمريكا يا جماعة؟ قلنا لهم: لا بد لكل واحد أن يكون قد كتب وصيته، وأشار فيها إلى توزيع الإرث بحسب التشريع الإسلامي. فأكتب في وصيتي مثلًا: إذا متُّ فيُقسَّم البيت على الأولاد، وتُقسَّم التجارة على الأولاد، وتُقسَّم السيارات على الأولاد، وتُقسَّم الأفدنة على الأولاد، وكل ما أملك. وتخيّل واحدًا ثريًّا جدًّا يقول: يُقسَّم على هذا النحو. ومن أعظم ما يُكتب في هذه الوصية قضية النسب، فيقول: ثلث ما عندي لفلان، وربع ما عندي لفلان، وهكذا.
وقد جاءني أحد الإخوة يريد أن نكتب الوصية، فقلت له: ضع احتمال أن تموت وزوجتك والأولاد أحياء، وضع احتمال أن تموت أنت وزوجتك معًا والأولاد موجودون، وضع سائر الاحتمالات، وضع لكل احتمال أنصبته عند محامٍ مختص، وانتهى الأمر. فإذا وُجد عملٌ لآية الوصية على سبيل المثال، فهل ما زلنا نحتاج أن نقول إنها منسوخة؟ فنحن نقول بالنسخ حين يوجد التعارض، فإذا انتفى التعارض انتفى الحكم بالنسخ.
فما معنى الآية إذن؟
فماذا تقول الآية إذن: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾؟ والذي نراه أن هذه الآية أشارت إلى نسخ الديانات السابقة؛[10] أي رفعنا الأحكام التي كانت موجودة في الديانات السابقة، وأثبتنا ما ورد في الإسلام. فالإسلام بمنهجه اللاحق هو الدين الحق الذي يجب اتباعه من الآن فصاعدًا، فلا يُعمَل بنص يهودي أو مسيحي بحجة أنه نص يهودي أو مسيحي. وإن كان عندي شيء حسن فيما سبق، وعندي ما يقرّه، فحين أُثبت إيقاعه في عمل الناس وحياتهم أُثبته بحكم الإسلام لا بحكم ما سبق من تعاليم شرعية موجودة عندهم. فإن كان عندهم شيء حسن فلا مانع عندي أبدًا، لكني أضعه تحت قائمة الأوامر الربانية في القرآن، والنواهي الربانية في القرآن، وهكذا.
ثم قال ربي سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ثم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [11]. وإثبات أن لله تبارك وتعالى ملك السماوات والأرض فيه دلالة على أنه سبحانه له الحق أن يفعل ما يشاء. فحتى لو وُجدت قضية النسخ في القرآن الكريم بالمفهوم الذي يتحدث عنه مشايخنا، وهو مفهوم نحن مختلفون معه قليلًا، فإننا نسلّم لله تبارك وتعالى؛ لأن له ملك السماوات والأرض، يفعل في ملكه ما يشاء. ونحن قد آمنّا مبدئيًّا بالرسالة لمحمد ﷺ، وآمنّا بمنهج نقل القرآن الكريم إلينا. فإذا اتفقنا أن القرآن منزَّل على الرسول، وأن الرسول قد أدّى هذه الأمانة، وأنها وصلتنا على وجهها الصحيح، فحينئذ مهما قيل إن في القرآن منسوخًا أو غيره فقد سلّمتُ بالمبدأ، فأكون مسلّمًا. لماذا؟ لأن ربي له ملك السماوات والأرض سبحانه وتعالى.
سؤال المتعلّم وسؤال المستعرِض
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ [12]. فلمن هذه الآية؟ إما أنها تخاطب اليهود مباشرة، وإما أنها تخاطب الصحابة، بحيث إذا وردهم سؤال لا يكون سؤالًا اعتراضيًّا، وإنما أسئلةً استفهامية. فهناك سؤال يأتي للتعلّم، وهناك سؤال يأتي لإظهار المهارات. تخيّلوا المسألة: واحد يسألك ليستعرض مهاراته عليك، ويُفهمك أنك لا تعرف شيئًا، فتقول له: أنت مسكين، ما سمعته مني جزء من كثير جدًّا، وانتهى. وهناك شخص يسأل ليتعلّم، فهذا تعطيه كل ما عندك بقدر ما تستطيع. فقال ربي سبحانه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾، سواء كان الكلام لبني إسرائيل أو لأصحاب محمد ﷺ.
حسد المتربّصين والحذر منه
ثم يحدّثنا ربّ العالمين سبحانه قائلًا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [13].
فقد أوقفنا الله تبارك وتعالى على حقيقة وجود عداوة، ووجود أناس يتربّصون بك الخطأ، ويتلمّسون لك ثغرة مهما كانت صغيرة أو كبيرة، يريدون أن يوقعوك في أقرب شَرَك يستطيعون إيقاعك فيه فتحدث لك مشكلة. فالله تعالى أخبرنا بوجود العداوة لماذا؟ لنحتاط أشدّ الاحتياط، ولنكن على أتمّ مستوى من الاستعداد الدائم للحفاظ على أنفسنا وعلى الكيان المسلم في المجتمع الغربي أو الشرقي، أيًّا كان. كأن ربّ العالمين سبحانه يقول: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.
وكلمة «وَدَّ» هذه، هل هي عمل حسّي أم عمل قلبي؟ ودَّ فلان أن يفعل كذا أو أن يتكلم بكذا؛ مسألة لا تزال في إطار النية. فلماذا يقول لنا ربنا هذا الكلام؟ ليقول: لا بد أن تكون صاحب سَبْق في معرفة ما يُخطَّط لك وما يُرتَّب لك. فنحن لسنا أصحاب ردّ الفعل، أن يحدث شيء فنجري عليه.
ولذلك كثير من إخواننا مثلًا، لمّا يرسم أحدهم رسمتين سخيفتين ضد النبي محمد ﷺ، يكون لنا ردّ فعل، لكن لا ينبغي أن يكون مبالغًا فيه؛ لأنه شيء صدر من شخص يُتوقَّع منه ذلك. فلا بد أن نتصرف بحكمة. اجعل عندك ردّ فعل، ولكن لا تجعله ردّ فعل عشوائيًّا هجوميًّا؛ اجعل ردّ فعلك محترمًا أمام عدوك قبل أن يكون محترمًا أمام صديقك، فتتصرف بنوع من العقل والحكمة في ردود أفعالك. فالشيء إذا خرج من معدنه لا يُستغرب. وعندنا مثل في مصر يقولون: العيب إذا خرج من أهل العيب فليس عيبًا. أهو عيب أم ليس عيبًا؟ هو عيب يا جماعة، لكنهم يقولون: لأن فلانًا هو الذي قاله، وفلان لا يُتوقَّع منه أكثر من ذلك.
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾: هل نُسخت؟
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. ماذا يعني: حتى يأتي الله بأمره؟ الجواب: انتبه، لا بد من اعتبار المآلات، ومن اعتبار المرحلة التي تنزّلت فيها هذه الآيات. يتحدث أهل العلم عن آيات يقولون إنها منسوخة، ومنها هذه.[14] فكل آية أمرت بالعفو والصفح والحلم والتعامل مع الناس بالحسنى قالوا إنها منسوخة بآيات القتال. فهل يمكن أن نُعمل هذه الآية أم لا نقدر؟ ما دمتَ تستطيع أن تعمل بها في أرض الواقع، فلا داعي لأن تقول إنها منسوخة بشكل من الأشكال.
فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. إن مرحلية العمل الدعوي لا بد أن تُقاس لا بالاعتبار الزمني وإنما بالمآلات. كانت عندنا مرحلة زمنية في مكة انتهت كمرحلة زمنية، ثم انتقل النبي إلى المدينة، وصار المنهج المتّبع في المدينة هو إثبات الوجود: إثبات الوجود الحسّي. أنا موجود كأمّة، أنا موجود كدولة، وهذه الدولة لها الحق أن تدافع عن نفسها. ومن هنا سمعنا عن غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق وغيرها. ما الذي حصل؟ صار لي كيان سياسي واجتماعي واقتصادي، وهو كيان لا بد أن يؤثّر في الآخرين، وليس وجوده مجرد ردود أفعال؛ لا أكون في مهبّ الريح، من يضربني من هنا أذهب إليه، ومن يضربني من هناك أذهب إليه.
فرب العالمين سبحانه وتعالى قال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾، فهل انتهى العفو والصفح؟ الجواب: انظر أين أنت، ومع مَن تتعامل؟ فإذا فهمتُ الواقع الذي أعيشه عرفتُ مقدار قوتي.
فقضية العفو والصفح لمّا قصرتَ دلالتها على السكوت وعدم الردّ قيل إنها منسوخة. لكن: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ وأنا أتكلم بمنتهى القوة، لكني لا أحمل سلاحًا في يدي، لا أمسك مسدسًا، لا أضرب أحدًا بالنار، ولا أسفك دمًا. أتكلم بمنتهى القوة مع القدرة على العفو والصفح ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وسط الحديث عن المواجهة
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ما وجه وجودها في وسط هذا الحديث السياسي، أو الحديث عن المواجهات بين الأقوام والاعتداءات وما شابه؟ فالانشغال بأصول التعبّد معين للعباد على أن يجيبوا بالمثل. فحين تكون مشغولًا فعلًا بطاعة ربّ العالمين سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يثبّت أركانك، فتكون على قدر قوي من الجواب إن استلزم الأمر جوابًا.
لنراجع معًا أول الأوائل من الأوامر التي نزلت على النبي ﷺ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [15]. لماذا أقوم الليل إلا قليلًا؟ لماذا كل هذا التعب؟ فيُجاب: انتظر، ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. فهل أظل طول الليل قائمًا بين يدي ربي، وأنا أريد أن أعمل؟ فيُجاب: هذا معين لك أيضًا، فإن لك في النهار سبحًا طويلًا. فكان قيام الليل والخلوة مع الله تبارك وتعالى، والدعاء خلال الليل، وقراءة القرآن الكريم، مثبّتًا للأركان حين تخرج إلى الناس فتتكلم معهم.
فقضية إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هي من الدعامات القوية للمجتمع المسلم. ولولا تواجدنا سويًّا في مسجد نصلّي جنبًا إلى جنب، ونستمع إلى الرسالة نفسها من فضيلة الإمام يقرأ القرآن، ونستمع إلى النصح نفسه من الواعظ أو المتحدث على المنبر، لولا هذا الاجتماع لكنّا شتاتًا. فقضية ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هكذا. وأما ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فكيف تساعدني؟ الجواب: أنت حين تلتقي في المسجد، مثلًا، ترى فلانًا يحتاج إلى شيء، وفلانًا عنده علّة، وفلانًا يحسن كذا، وفلانًا يفعل كذا، الله أكبر! فأنت تصنع مجتمعًا متكاملًا. وإذا استنفرتَ الناس، أول ما تستنفرهم تجدهم، وأنت تقول: يا جماعة الخير، عندنا رجل محتاج إلى كذا، تجد الناس يصبّون بين يديك.
﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾: احتكار الجنة
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [16]. هذه واحدة جديدة. تكلمنا من قبل: لا يعجبنا ميكائيل، لا يعجبنا جبريل، وكذلك موضوع السحر وغيره... وهذه واحدة جديدة، أو دعوى جديدة: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾.
ونحن متعوّدون أن ننزّل أي نص على الواقع الذي نعيش فيه. فقضية «لن يدخل الجنة إلا...» هي قضية احتكار السوء: تريد أن تحتكر، تريد أن تأخذ الجنة كلها لحسابك.
فقضية احتكار هذا الكلام، للأسف الشديد، غزت مجموعة من الأدمغة. فبعض الأدمغة ادّعت أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على مذهبنا أو حزبنا: فأنا صوفي، إذن لن يدخل الجنة إلا الصوفي. وأنا سلفي، إذن لن يدخل الجنة إلا السلفي. وأنا تبليغي، إذن لن يدخل الجنة إلا التبليغي. لماذا؟ ماذا تفعل؟ سامحك الله! للأسف الشديد. تخيّل أننا كنا نتكلم في مسألة من مسائل العقيدة، فيقول لك: أنت أشعري أم من أهل السنة؟ فتقول له: كلهم من أهل السنة. فيقول: لا، أنتم الأشاعرة ستذهبون إلى النار. لماذا نذهب إلى النار؟ ونحن نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونقول لك: الجنة حق والنار حق ومحمد حق وعيسى حق، ونحن لا نزال متمسّكين بالثوابت.
والعلماء حين اختلفوا فيما بينهم، بغضّ النظر عن التوجّهات الاستيعابية لقضية العقيدة (لا أريد أن أقول اتجاهات فكرية ولا اتجاهات عقدية، فهذا الكلام غير مضبوط): العقيدة واحدة، وهي ما نصّ عليه كتاب رب العالمين سبحانه وآمن به محمد بن عبد الله ﷺ. هذه هي العقيدة. لكن التوجّهات الاستيعابية: عقلي هذا مقداره كذا أم مقداره كذا؟ كيف استوعبتُ قضية الاعتقاد في رب العالمين سبحانه وتعالى؟ فأن تجعل هذه التوجّهات الاستيعابية للتشريع مبنيّةً على أنك ماشٍ ورائي أو ماشٍ وراء غيري، وتحتكر الصلاح والفساد، وأن هؤلاء ذاهبون إلى جهنم وهؤلاء إلى الجنة، وأن هذا مبتدع وهذا فاسق وهذا كافر، فهذا كلام غير مضبوط. ورب العالمين سبحانه وتعالى يلغي لنا هذه الفكرة حين يعرض لنا هذا الادّعاء عند أولئك الذين قالوا: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾؛ يلغي أيَّ احتكار.
إذا تعارضت دعاوى الاحتكار
﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾. ثم انظروا ما يحدث بعد ذلك، وهي الخطوة التالية في هذا التوجّه العقيم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ…﴾ [17]. وهذا يحدث كثيرًا في كثير من الأحيان حين ترى توجّهين متعارضين، فصاحب هذا يقول لك: ذاك ذاهب إلى الهلاك، والآخر يقول لك: بل أنت الذاهب إلى الهلاك، ونحن أصحاب النجاة وحدنا. فلنَدخل الجنة معًا!
سعة الأفق تحمل العبدَ على استيعاب الخلق، وضيق الأفق يجعل العبد لا يرى إلا نفسه ونفسه فقط.
المساجد ومنهجية بناء المجتمع المسلم
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [18].
لو كان الكلام عن أهل مكة الذين منعوا النبي ﷺ من إقامته في بيت الله الحرام من بادئ الأمر فاضطر إلى الخروج، أو من عودته إليه حين أراد أن يعتمر أو غير ذلك، أيًّا كانت المناسبة التي تنزّلت فيها الآية، فإن ربّ العالمين سبحانه يشير إلى منهجية بناء المجتمع المسلم، وأنها لن تكون إلا في هذه المساجد التي هي لله، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [19]. وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَدًا، فقيل له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ﴾، وقل: إني لا أملك لكم، وإني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملتحدًا، ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾. فمن أين خرج البلاغ؟ من المساجد. فلمّا حدّثنا ربّ العالمين سبحانه وتعالى أن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، حدّثنا عن موطن إقامة الصلاة، والبيوت التي تنصهر فيها قلوب الموحّدين حتى تخرج إلى الناس بهذه الدعوة العظيمة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [20]. وبهذا نكون قد انتهينا من منهجية البناء المسلم، وهو كلام مهم يُقال في لقاءات أخرى.
ادّعاء الولد وقول الذين لا يعلمون
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [21]. هذه مصيبة أخرى من المصائب التي ارتكبوها. ثم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [22]. وهذه مصيبة جديدة أخرى، ولكن ربط الله قولها هنا بقضية عدم العلم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فما الذي أتعلمه الآن؟ أتعلم أنه طالما يحيط بهذه العقول الجهلُ فلن تجد منهم فائدة، بل بالعكس: يَضلّون ويُضلّون، يَضلّون ويُضلّون، لماذا؟ لانعدام المعلومة.
الفقيه ليس من يحرّم على الناس كل شيء
وعندنا أيضًا، للأسف الشديد، بعض الأصحاب أو المنتسبين للدعوة، ينصّب نفسه شيخًا ويحرّم على الناس كل شيء، كل شيء حرام! والناس حولهم كثيرون جدًّا، وكان فيهم من يحب أن يعيش حالة العذاب والرعب والخوف طول الوقت. فإذا جاء يكلّمك في موضوع، قلت له: خفّف، هوّن على نفسك، بسّط الموضوع. فيقول لك: أنتم لا تعرفون شيئًا، أنتم جهلة، هذا حرّمه الله! وما الأمر كذلك، وإنما أنت الذي عقّدتَ الموضوع قليلًا. فلنجعل الأمور بسيطة.
الفقيه ليس من يحرّم على الناس كل شيء، وإنما الفقيه الذي يستوعب حالَ المستفتي ويفتي بما يناسب حاله. وكان النبي ﷺ يدخل عليه الرجل فيسأله السؤال فيمنعه منه، ويدخل عليه الرجل الآخر فيسأله السؤال نفسه فيبيحه له.[23] والقضية مشهورة، قضية ابن عباس [24] لما دخل عليه رجل فقال: يا إمام، هل للقاتل من توبة؟ وأنت تتخيّل أنك تتكلم في قضية جادّة، لا نمزح، هل للقاتل من توبة؟ فنظر إليه وقال: لا. فرجع الرجل دون كلام.
فلما سُئل قال: أتى وفي عينيه نية القتل، فلما قلتُ له: لا، منعتُه من ذلك (وتخيّل لو ذهب فقتل الرجل ثم جرى إلى المسجد يستغيث). فماذا نفعل مع الذي قتل؟ عندنا أحكام تشريعية أخرى نطبّقها معه: فننظر، إن كان للمقتول أهل أعطيناهم الدية، حتى لو أقمنا القصاص، لكن لا نشعر الرجل بأنه قد لقي الله تبارك وتعالى بدم صاحبه، أو بالكفر، أو أنه ذاهب إلى جهنم والعياذ بالله. فنُثبّت عنده الإيمان، حتى لو غُرِّم ماديًّا، أو حتى لو غُرِّمت حياتُه، فيكون لاقيًا الله تبارك وتعالى بنفس مطمئنة مستقرة.
تشابه القلوب: «لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة»
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾، وأنت من جديد: «لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة»، وكنا قد عبرنا هذا من قبل بقليل، فيأتون مرة أخرى فيقولون: لا. ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [25].
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
وخلاصة الكلام، لنختم هذه الملفات كلها: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [26]. حين نذهب إلى المؤتمرات التي نحضرها، وإلى كل الاجتماعات التي يوجد فيها المسلم واليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، لا بد أن تكون على حذر؛ فأنت هناك لتُثبت وجودك الإسلامي، لا لتتّبع غيرك، ولن تستطيع أن تؤثّر فيه إلا بإذن ربّ العالمين سبحانه وتعالى.
وبمنتهى البساطة: جلسنا مرة في لقاء من هذه اللقاءات، فقلت للقسيس: أتتخيّل أنك ستغيّر عقيدتي، وأنا عندي هذا العمر في هذه الديانة؟ فقال لي: وهل تظن أنت أنك ستغيّرني أنا أيضًا؟ قلت له: أنا لم أحاول على فكرة. قلت له: لم أحاول لا لأنني أبخل عليك بالدعوة ولا بالدين، ولكن لأنه ليس عندي استعداد أن أضيّع وقتي؛ فكل إنسان يكون أمامك تعرف منه ما عنده.
فالشاهد: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. ونحن الآن نتعامل مع أشخاص أم مع منهج؟ اتفقنا أننا نتعامل مع منهج. ثم قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [27]. وموضوع حق التلاوة هذا، لقد انتهينا من ملفّ ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ﴾ وأقفلناه، وسنرى بعض الإشارات البسيطة التي ستأتي بعد ذلك. لكن ختامًا لهذا الملف افهم أنه لن ترضى عنك اليهود؛ لن ترضى، وليس المقصود أنها لن تسمح بالوجود، بل ﴿لَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.
حقّ تلاوة الكتاب
ومنهجية التعامل أن لديك منهجًا يسمى الكتاب، لا بد أن تتلوه حقّ التلاوة. فكيف يتلونه حق تلاوته؟ ماذا يعني حق تلاوته يا أستاذنا؟ بعضهم يقول: حق التلاوة أن تجيد قراءة القرآن الكريم بالأحكام التجويدية. لكن قضية حق التلاوة هي فهم أسباب ووسائل التطبيق لهذا المنهج.[28] فمسألة القراءة مسألة أبجدية، معلومة من الواقع بالضرورة، لا يصح أن يكون مسلمٌ لا يعرف أن يقرأ القرآن، هذه بديهية لا ترتقي إلى محل النقاش وإثارة القضايا حولها، فهي مسألة نعلّمها للأطفال الصغار في الكُتّاب.
لكن ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، وقد ترتّب على حق التلاوة: ﴿أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. فربط ربي سبحانه وتعالى بين قضية حق التلاوة وقضية الإيمان: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وأنا هنا أتكلم عن قضية أخرى: الكفر بالكتاب لا يعني إنكار وجوده، وإنما قد يكون الكفر بالكتاب هو إنزال الكتاب في غير منزله أو في غير محلّه، فتؤذي الدين بما تجتهد أن تصلحه به. أتتخيّل نفسك العبقري الذي لم يُوجد مثله؟ اسمع لغيرك يا أخي، افتح عقلك قليلًا للناس الذين حولك، ولا تغلقه وتقول: أنا الوحيد الذي يعيش الإسلام في العالم.
فقال ربي سبحانه وتعالى: ﴿أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
العودة إلى بني إسرائيل
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. لو تذكرون بداية الكلام مع بني إسرائيل كيف كان: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، وبعد ذلك جاءت: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وهذه الثالثة: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [29].
ويبدأ الحديث بعد ذلك عن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، نموذجًا أدّى رسالة الله تبارك وتعالى وبلّغ دعوته على الوجه الأتم. ونستكمل في غدنا إن شاء الله. سلّم الله تعالى لكم يومكم، وبارك عز وجل خطاكم، ورضي عنكم وأرضاكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
--- [1]: سورة البقرة، الآية ١٠٦. [2]: البقرة، الآية ١٠٢. نطق المتحدث بجزء من الآية فقط. [3]: البقرة، الآية ١٠٤. [4]: توثيق المحرر: ذكر القرطبي في تفسير الآية أن سببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة طعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: «إن محمدًا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه»؛ وعند البغوي أن القائلين هم المشركون. [5]: سورة طه، الآية ١٢٠. توثيق المحرر: وقول الشيطان «إني لكما لمن الناصحين» في سورة الأعراف، الآية ٢١، وذكره المتحدث بالمعنى على سبيل الحكاية. [6]: البقرة، الآية ١٤٢. اقتصر المتحدث على صدر الآية. [7]: البقرة، الآية ١٨٠. توثيق المحرر: نطق المتحدث بقدر ما ورد هنا من الآية. [8]: سورة النساء، الآية ١١. [9]: توثيق المحرر: الحديث رواه أبو داود (٢٨٧٠) والترمذي (٢١٢٠) وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». [10]: توثيق المحرر: هذا فهمُ الدكتور أحمد للآية. وحملها الطبري على نسخ الأحكام في القرآن، فقال في معنى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: «ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدّله ونغيّره». [11]: البقرة، الآيتان ١٠٦ و١٠٧. نطق المتحدث بصدر الآية ١٠٧ فقط. [12]: البقرة، الآية ١٠٨. نطق المتحدث بالقدر المثبت فقط. [13]: البقرة، الآية ١٠٩، وقوله بعدها «فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره» من الآية نفسها. توثيق المحرر: ختمت الآية بقوله تعالى «إن الله على كل شيء قدير»، وقد نطق بها المتحدث بعد ذلك. [14]: توثيق المحرر: أسند الطبري في تفسير قوله تعالى ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ عن ابن عباس أنها نُسخت بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التوبة: ٥)، وعن قتادة والسدي أنها نُسخت بقوله ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (التوبة: ٢٩). والتفريغ مضطرب في موضع الآية التي ذكرها المتحدث ناسخةً، فلم تُثبت في المتن. [15]: سورة المزمل، الآيات ٢ و٦ و٧. [16]: البقرة، الآية ١١١. ذكر المتحدث ما ثبت هنا من الآية. [17]: البقرة، الآية ١١٣. توثيق المحرر: انقطع كلام المتحدث عند الشطر الثاني، وتتمة الآية: «لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ»؛ لم تُثبت في المتن. [18]: البقرة، الآية ١١٤. [19]: سورة الجن، الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢ و٢٣ (ومنها «إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ»). توثيق المحرر: الجمل المنقولة في الفقرة بمعناها من هذه الآيات، وبعض الألفاظ في التفريغ مضطرب، فلم تُنقل إلا بحسب ما ثبت. [20]: البقرة، الآية ١١٥. [21]: البقرة، الآية ١١٦. [22]: البقرة، الآية ١١٨. [23]: توثيق المحرر: من ذلك ما رواه أبو داود (٢٣٨٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخّص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخّص له شيخ، والذي نهاه شاب. [24]: توثيق المحرر: ذكر القرطبي في تفسير سورة النساء (الآية ٩٣) من رواية سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا، إلا النار. فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة! قال: إني لأحسبه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا. فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. واقتُصر في المتن على ما يوافق هذه الرواية. [25]: البقرة، الآية ١١٨. [26]: البقرة، الآية ١٢٠. [27]: البقرة، الآية ١٢١. [28]: توثيق المحرر: هذا فهمُ الدكتور أحمد لحقّ التلاوة. وأسند الطبري في تفسير الآية عن ابن عباس قال: «يتبعونه حق اتباعه»، وعن ابن مسعود قال: «إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه». [29]: البقرة، الآيتان ١٢٢ و١٢٣. توثيق المحرر: ذكر المتحدث قبلهما الموضعين السابقين من النداء، وهما في البقرة: ٤٠ و٤٧.