أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

الخوف من الله شرط الإيمان، ودرس الخطأ الواحد في غزوة أحد.

د. أحمد أبو سيف•١٣ أكتوبر ٢٠٢٥•4 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=7-MeBhFDynk)

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار يا رب العالمين.

الخوف من الله شرط الإيمان

بالأمس تحدثنا عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.[1] وقلنا إن الخوف من رب العالمين سبحانه شرط لتحقق الإيمان واكتمال المنظومة الإيمانية في نفوس أهل الإسلام؛ لا يحصل إلا إذا كان خوفهم من الله وحده. وبناءً على ذلك لا يملأ أعينَهم أحدٌ على الأرض من حيث الرهبة، فلا يخافون أحدًا ولا يخشون أحدًا ولا يُرعَبون من أحد.

وقفة عند «إن كنتم مؤمنين»

يستوقفنا مثلُ هذا الختام في قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.[2] وكأن ربّ العالمين سبحانه، إذا أردنا أن نربط بين النصين، يبيّن لك أن من خاف الله رفعه الله، ومن خاف الله أعلى الله مقامه ومكانته، ومن خاف الله رفع الله قدره ومكّن له الأسباب كلها بين يديه.

أحد: خطأ واحد

ينزّل ربّ العزة هذه الآيات في أعقاب الحديث عن غزوة أحد في سورة آل عمران، وفي الحديث عن أحد دروس كثيرة جدًّا. بدايةً: أن أهل الإيمان لما تعلّقوا بالله تبارك وتعالى مكّن لهم. وقلنا كثيرًا إن خطأ واحدًا قد يؤدي إلى انهيار المجتمع كله، أو إلى عقبة كبيرة، أو إلى هزيمة، أو إلى تعطّل.

وهذا موجود في حياتنا كلنا. قد يفتعل طفل من أطفال البيت، أو واحد من أفراد الأسرة، مشكلة مع جار، والبيت كله ممتاز، لكن واحدًا فقط أحدث مشكلة مع أحد الجيران أو مع ضابط أو أي شيء، فتجد حركة البيت كلها تتعطّل حتى نُنهي هذه المشكلة ونتخلص من هذه الإشكالية. وقد يضطرنا الأمر إلى أن ندفع أموالًا، أو نجلس جلسة نقول فيها فلان فعل وفلان فعل، فيأخذ ذلك من أذهاننا وأوقاتنا وأموالنا وبالنا، وكل هذه الأشياء تعطّلت بسبب خطأ شخص واحد.

وفي الأمة قد يكون ألفًا أو أكثر. فلما حصل خطأ واحد في غزوة أحد تعطّلت حركة الإسلام لهذه الفترة، وجُرح النبي ﷺ وسال دمه عليه الصلاة والسلام، وتعرّضت الأمة كلها لنوع من الهزيمة النفسية بسبب شيء واحد. وفي أعقاب هذا الكلام يواسي ربّ العالمين سبحانه المؤمنين ويسلّيهم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾؛ أي خفّفوا عن أنفسكم، فقد كفى ألمًا، ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

إحالة إلى ضمير كل فرد

أرى أن في هذا النص إحالةً للمسألة عند كل واحد، إحالةً للأمر إلى ضمير كل فرد من أفراد الأمة: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ فأنت حرّ، تعامل أنت مع ربّ العالمين سبحانه.

والأمر الثاني أن ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ترتبط بتحقيق الأهداف الحقيقية المطلوبة منكم. ما المطلوب من المؤمنين في غزوة أحد؟ وما المطلوب في كل موطن تم الاعتداء عليه ويريد أن يتحرر نفسيًّا وجسديًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا؟ المطلوب الوصول إلى هذه الغاية. وكيف نصل إلى هذه الغايات؟ أولًا وقبل كل شيء: تمكّن الإيمان من القلوب. فمن لا يؤمن بقضية لا يعمل لها، ومن لا يؤمن بقضية لا يبذل لها، ومن لا يؤمن بقضية لا يتحرك من أجلها ولا خطوة واحدة.

كيف نفعل ذلك؟

ما أراه، والله تعالى أعلم، أن النبي ﷺ لما تحدّث عن البدء بالنفس ثم بمن يعول، كان يُحيل مسألة نصرة الأمة أيضًا إلى عمل الأفراد داخل البيت. فكل واحد منا عنده ولد أو اثنان جاء بهما إلى صلاة الفجر مثلًا، وراقب ربَّه في زوجته وأولاده وأسرته ودينه، واتقى الله في عمله وأتقنه وبذل فيه، إلى آخره. هذه هي النصرة للإيمان، النصرة الفردية التي تكون لَبِنات المجتمع المؤمن، حتى إذا كثر أهل الإيمان كانوا هم الغالبين.

ومن ثَمّ فالخطأ الذي حصل في غزوة أحد صحيح أنه أدى إلى تعطّل المجتمع، لكنها لم تكن هزيمة بالمفهوم المطلق؛ لم تكن نصرًا محققًا مؤديًا نتائجه كما كانت في غزوة بدر، لكنها لم تكن هزيمة.

والشاهد في القول أن تحقق الإيمان في قلوب أفراد الأمة هو السبب المباشر والأول لتمكّنهم عقليًّا واقتصاديًّا ونموّهم سياسيًّا وحركتهم: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وهو الشرط الأساسي لتحقق أي رفعة في داخل المجتمع.

على المستوى الفردي

وعلى المستوى الفردي: إن كنتم مؤمنين جعل الله لك رفعة في عملك، تأخذ مرتبًا أحسن وموقعًا أفضل. إن كنتم مؤمنين يبعث الله تبارك وتعالى لك رزقًا أفضل. إن كنتم مؤمنين يحبّب الله فيك الخلق. إن كنتم مؤمنين يبارك الله تعالى لك فيما بين يديك. إن كنتم مؤمنين كنتَ الأعلى، حتى لو لم تكن كذلك ماديًّا، فأنت الأعلى بينك وبين الله وأمام نفسك، تشعر بعزة الإيمان وتتحرك في داخله.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يمكّن الإيمان من قلوبنا، وأن يجعلنا أهلًا لنصرة هذا الدين، وأن يجعلنا أهلًا لرفعة شأنه، اللهم آمين يا رب العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٧٥. [2]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٣٩.

اسأل الشيخ