أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

الإمامة خدمةٌ للناس

من سُقيا موسى عليه السلام لقومه إلى قضاء النبي ﷺ حوائج الناس: وكلُّ مسلمٍ إمامٌ في موطنه

د. أحمد أبو سيف•١٢ فبراير ٢٠٢٦•4 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٢ فبراير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=IRwUYNTdhBQ)

استعرضنا في التلاوة مشهدَين كبيرين لموسى على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، وهناك ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.[1] فأتساءل: موسى يمثّل إمامًا لهؤلاء الناس في ذلك التوقيت، فما هو دور الإمام على الحقيقة؟

الإمامة خدمةٌ للناس

كثير من الناس يظن أن صنعة التلاوة في المحراب، أو حسن الأداء على الكراسي، هو ما يعنيه منصب الإمام. لكنّ النظر إلى موسى وخدمته لقومه يُري أن المهمة الأساسية للإمام هي خدمة الناس: قضاء حوائجهم، والنظر فيما بين أيديهم، والترفّق بهم، والتلطّف بأحوالهم، والإشفاق عليهم، ومعالجة مشكلاتهم على الوجه الأتمّ بقدر ما مكّنه ربّ العالمين سبحانه وتعالى.

فالأصل أن موسى عليه السلام يدعوهم إلى الله، ويأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الفاحشة، ويمنعهم عن المعصية، ويحضّهم على التقوى، وتنتهي مهمته. لكنه يسير معهم في الطريق، ويتحرك معهم وسط الصحراء، وينفّذ لهم مرادهم، حتى حين أساؤوا الأدب فقالوا له: «ادعُ لنا ربّك»، وكأنه ليس ربَّهم سبحانه جلّ في علاه. فهم حتى في الطلب كانوا سيّئي الأدب، ومع ذلك تجاوب معهم وتلطّف بهم وأحسن إليهم بالقدر المتاح لديه عليه الصلاة والسلام.

النبي ﷺ وحاجات الناس

وننظر فإذا بنموذج آخر في نفوسنا جليلٍ عظيم، هو منصب النبوة في مقام النبي محمد ﷺ. يحدّثنا ربّ العزة سبحانه وتعالى على سبيل المثال بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾.[2] رسول الله ﷺ يأخذ من وقته ومن حياته زمانًا ليجلس إلى امرأة أتت تشكو إليه موقفًا حصل بينها وبين زوجها، وينصت إليها إنصاتًا شديدًا جدًّا. وتتكلم المرأة بسرّية تامة، حتى إن عائشة رضي الله عنها حدّثت أنها كانت تتسمّع فلا تسمع. فسبحان من يسمع الأصوات كلها، حين يقول ربّ العالمين: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾. والشاهد أن النبي ﷺ جلس إلى المرأة وأنصت إليها واستمع إليها، والتمس حلًّا جذريًّا لهذه القضية من عند ربّ العالمين، فأنزل الله تبارك وتعالى الفضل من عنده.

وتقول بعض الروايات إن الجارية كانت تأتي إلى النبي ﷺ فتأخذ بيده فتطوف به المدينة، وما ينزع النبي ﷺ يده من يدها.[3] فما دلالة ذلك؟ كانت تذهب لقضاء حوائجها عند الناس، تريد أن تشتري من هذا وأن تأخذ من ذاك وتفعل كذا؛ فبمن تستنصر على هؤلاء الناس؟ بمن تشعر أنها صاحبة قوة؟ كأنها تقول لهم: إياكم أن تخادعوني فإن النبي معي. تأخذ بيد رأس الدولة كلها! ورسول الله ﷺ في تمام تواضعه وقمّة تأدّبه عليه الصلاة والسلام يسعى معها لقضاء حوائجها، مع كل ما عنده من شواغل الأمة بأكملها. ذلك هو دور الإمام.

في البيت وفي المشاهد الكبرى

وإذا رأينا تلك اللقطة، فلا نطيل فيها؛ فالنبي ﷺ كما يُحدَّث عنه في بيته كان في خدمة أهله، حين يقول ﷺ: «خيركم خيركم لأهله».[4] وتحدّث عائشة رضي الله عنها وزوجات النبي ﷺ عن كمّ التضحية المنزلية التي كان يبذلها رسول الله ﷺ في بيته، لتشعر معي أن النبي ﷺ إنما كان يمثّل إمامًا في خدمة الناس.

ولم نرَ الناس يفعلون شيئًا في مجتمع المسلمين من المشاهد الكبرى العظيمة ونرى النبي ﷺ قد تخلّف عن هذا المشهد. ففي حفر الخندق ترى الناس يربطون حجرًا وهو ﷺ معهم قد عصب بطنه بحجر.[6] وترى الناس في مشهد أحد يفرّون من القتال والنبي ﷺ ثابت حتى يُدمى وجهه الشريف، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام. ترى رسول الله ﷺ في المشاهد كلها، حتى في وقت الفزع: حين يسمع الناس صوتًا غريبًا جدًّا أو صوتًا قويًّا يفزع الخلق، فيخرجون لينظروا ما الأمر، فإذا النبي ﷺ يلقاهم عائدًا، وكأنه استشعر الخطر من قبلهم فانطلق إليه قبل أيّ أحد، ووحده ﷺ، وهو يقول: «لن تُراعوا، لن تُراعوا»،[5] أي لا تقلقوا، لن تصابوا بضرر ولا أذى ما دمت فيكم. ذلك هو دور الإمام.

أنتم أئمة في مواطنكم

ولا أقول هذا لأحد، ولا أحدّث عن نفسي أو عن فلان، وإنما أحدّثكم أنتم أيضًا: فأنتم أئمة في مواطنكم، وأنتم مصابيح الهدى حيث كنتم، وأنتم منارات التشريع حيث كانت وظائفكم، وأنتم أمثلة الحق أمام الخلق حيث كنتم ومع من تصاحبون. فالتمسوا يدًا تعين الخلق، وعقلًا ينصح الناس، وأذنًا تستمع إلى البشر ومشاكلهم، وقلبًا يستوعب الجميع من حولكم. كونوا عبادًا لله بقدر ما تكونون أعوانًا لخلق الله تبارك وتعالى. كونوا رحمة للبشر، كونوا أذنًا تسمع الناس بعقل واعٍ وإنصاف وحكمة وهدوء.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يبلّغنا وإياكم مواطن رضاه، وأن يبصّرنا بعيوبنا جميعًا، وأن يفتح بين أيدينا أبواب فضله ورحماته، اللهم آمين. وأسأل الله العليّ القدير في هذا اليوم لنا ولكم رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه.

--- [1]: توثيق المحرر: الآيتان من سورة البقرة: الأولى (٦٠) والثانية (٦٧). ولم يُتمّ المتحدث الآية الأولى بأكثر مما ذُكر في المتن. [2]: توثيق المحرر: سورة المجادلة، الآية ١. وفي سنن ابن ماجه (١٨٨) عن عائشة رضي الله عنها: «لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ»، وفي روايةٍ عنده (٢٠٦٣): «إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ»، وصحّحهما الألباني. ولم يسمّها المتحدث. [3]: توثيق المحرر: نقل المتحدث هذا بصيغة «تقول بعض الروايات» ولم يعزه. وفي صحيح البخاري (٦٠٧٢) معلّقًا عن أنس رضي الله عنه: «كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ»، ورواه ابن ماجه (٤١٧٧) وفيه: «فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا»، وصحّحه الألباني في صحيح ابن ماجه. وفي صحيح مسلم عن أنس أن امرأة قالت: إن لي إليك حاجة، فقال لها ﷺ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ». [4]: توثيق المحرر: الحديث: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، رواه الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها وصحّحه الألباني، ورواه ابن ماجه (١٩٧٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [5]: توثيق المحرر: أصل الحديث عن أنس رضي الله عنه في فزع أهل المدينة ليلًا وخروج النبي ﷺ على فرس أبي طلحة، وهو في الصحيحين؛ ولفظه في سنن ابن ماجه (٢٧٧٢): «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَنْ تُرَاعُوا». [6]: توثيق المحرر: في صحيح البخاري (٤١٠١) من حديث جابر رضي الله عنه في حفر الخندق: «ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ». أما أنه ﷺ ربط حجرين فقد ورد عند الترمذي (٢٣٧١) من حديث أبي طلحة، وقال: غريب، وضعّفه الألباني، فلم يُثبَت في المتن.

اسأل الشيخ