أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا

من مشهد ندم الكافر يوم القيامة إلى محاسبة النفس في آخر كل يوم.

د. أحمد أبو سيف•٢٢ سبتمبر ٢٠٢٥•3 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 2025-09-22م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=4dSpE_z_6yo)

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، واحفظ علينا عافية قلوبنا. اللهم إنا نسألك للمستضعفين من المسلمين في كل مكان نصرًا وعزًّا وتأييدًا، اللهم كن لهم سندًا وظهيرًا يا رب العالمين، واحفظ دماءهم وأعراضهم، وسلّم عيالهم وأطفالهم وكبارهم. اللهم أعنّا على مزيد من العمل في سبيل طاعتك.

سورة النبأ وخاتمتها

حيّا الله الجمع الكريم، وأسأل الله أن يديمنا وإياكم في طاعته. سورة النبأ سورة عجيبة جدًّا، تسمعها في كل مرة وكأنك تسمعها لأول مرة في حياتك. فإذا برب العالمين سبحانه يختمها بهذا الاعتراف والندم الشديد: يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾[1].

في هذه اللقطة شدة. تتصور أمثال هؤلاء الكبار جدًّا في العالم اليوم، الذين يستشعرون نفوذًا وقوة وطغيانًا وقدرة، يملكون الأرض وما عليها، ويملكون الأموال والحياة كلها، وإذا به يوم القيامة يقول: يا ليتني كنت ترابًا. وفي الصور التالية تستشعر مزيدًا من اللقطات التي يعطيك إياها رب العالمين سبحانه في تصوير حال هؤلاء يوم يمثلون بين يدي الله. لكني في هذه اللقطة تحديدًا أريد أن أتصور فقط مشهد إنسان بسيط جدًّا في الدنيا لم يملك شيئًا، لكنه يأتي يوم القيامة رافعًا يده بكتابه بيمينه ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾[2]، ثم يعقّب القرآن: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾[3].

ما هو التراب؟

وتتصور في المشهد الآخر أحد الناس يقول: يا ليتني كنت ترابًا. والتراب ما هو؟ بمنتهى البساطة، التراب موطئ أقدام الناس. فالناس يدوسون بأحذيتهم فوق هذا التراب، فعندما يقول: يا ليتني كنت ترابًا، كأنه يتمنى لو كان في الدنيا تحت أقدام الخلق.

ورب العالمين سبحانه لما وصف المؤمنين وصفهم بأنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾[4]: رحمة فيما بينهم، روح فيما بينهم، ودّ فيما بينهم، تواضع فيما بينهم، لين من القول فيما بينهم، إحسان في الموعظة فيما بينهم، لطف في الرشد فيما بينهم؛ قلوب تتعلق، وعقول تتفهم، وأبدان تتعاون وتتكامل. على خلاف ما عليه هؤلاء الكفار الذين يشعرون دائمًا بالذاتية والأنانية المفرطة التي تجعل كل واحد منهم يستشعر وكأن الدنيا إنما هو وحده فقط.

فرب العالمين سبحانه يحدثنا: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[5]، وفي سورة النبأ: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾[6].

ينظر المرء ما قدمت يداه

دعونا نتصور معًا: ينظر المرء ما قدمت يداه، وهو ينظر إلى الحصيلة الختامية التي حصلت بين يديه على مدار الأيام والأعوام التي مضت.

من المشهد الكبير إلى يومي

دائمًا ننتقل من المشاهد الكبرى إلى المشاهد البسيطة في حياتي. كيف أنقل هذه اللقطة القرآنية إلى حياتي الشخصية؟ فأقول: كل يوم يمرّ علينا نحصّل فيه مزيدًا من الأعمال؛ أذهب إلى شغلي، وأتحرك مع الناس، وأتكلم مع فلان، وأبيع وأشتري. كل يوم يمرّ عليّ أحصّل كمًّا من الأعمال. والهدف الكبير عندي اليوم، وعند كل عاقل، أن يمرّ اليوم دون أن يوجد فيه ما أندم عليه في آخر النهار: لماذا عملتُ هكذا؟ لماذا صغّرتُ نفسي؟ لماذا كنت مهانًا إلى هذا الحد؟ لماذا حصل هذا وما ينبغي أن أفعل؟

فإذا شاء رب العالمين سبحانه لنا في هذا اليوم توفيقًا، كان في آخر النهار الشعور بالاطمئنان والسعادة والهدوء والرضا عن النفس بإذن رب العالمين، والرضا عن الله عز وجل. نريد أن ننقل هذا التراكم اليومي، اليوم وغدًا وبعد الأسبوع القادم وهكذا، إلى حصيلة كلية نلقى الله بها يوم القيامة عندما نمثل بين يديه، ولا نريد أن نكون من النادمين.

للمتقين مفازًا

أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من أهل المفاز، وانتبهوا إلى أن ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾[7]، والمفاز مصدر فوز؛ فلهم المفاز ذاته، لا يندمون على شيء أبدًا فعلوه في حياتهم، لأمرين، وأعتذر أنني أطلتُ قليلًا: الأمر الأول حسن النية في أثناء أداء الأعمال، والأمر الثاني أنه حتى لو حصل الخطأ غير المقصود فإن الاستغفار يجبّه. أسأل الله لي ولكم السلامة والعافية وحسن المنطق وحسن السداد.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة النبأ، الآية ٤٠. [2]: توثيق المحرر: سورة الحاقة، الآيتان ١٩–٢٠. [3]: توثيق المحرر: سورة الحاقة، الآية ٢١. [4]: توثيق المحرر: سورة المائدة، الآية ٥٤. اقتصر الشيخ على «أذلة على المؤمنين». [5]: توثيق المحرر: الآية بهذا اللفظ في سورتي المزمل (١٩) والإنسان (٢٩)، أما ختام سورة النبأ ففيه «فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبًا» (٣٩)، والتفريغ مضطرب هنا. [6]: توثيق المحرر: سورة النبأ، الآية ٤٠. [7]: توثيق المحرر: سورة النبأ، الآية ٣١.

اسأل الشيخ