أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ: أول خطبة للنبي ﷺ في المدينة

ثلاث نقلات في أول خطبة نبوية في المدينة: التخطيط للغد، والتنبّه اللحظي، والنظر في تبعات الأعمال.

د. أحمد أبو سيف•١٨ سبتمبر ٢٠٢٤•6 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت في لقاء دروس السيرة النبوية الأسبوعي، وتاريخها غير مذكور في المصدر المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=c_PVRp84tVk)

هذا لقاؤنا الأسبوعي مع دروس سيرة النبي ﷺ وما نتعلمه منها من دروس أخلاقية. كنا قد مررنا ببعض أحداث الهجرة، وأريد أن أختصر إلى دخول النبي ﷺ المدينة. بعد الجمعة دخل النبي ﷺ المدينة، ومن ذلك اليوم سُمّيت بلدة يثرب «مدينة الرسول ﷺ».

أول خطبة في المدينة

لكن قبل الجمعة، أو في أثنائها، يُروى أنه كانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أن قام فيها فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ. تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ، لَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ الْعَبْدُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَنْظُرُ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ تُجْزَى بِأَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ.[1]

هذه خطبة جمعة لو قرأناها مرة أخرى لاستوعبت معنا ثلاث دقائق أو أربعًا بالكثير، ولكنها تضمنت أسباب النجاة بين يدي الله تعالى يوم القيامة، وعرفنا من خلالها خطة عمل متكاملة يستطيع العبد أن يسير في ظلها إلى لقاء ربّ العالمين سبحانه.

أولًا: التخطيط للغد

يقول النبي ﷺ: «قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ». هذا حديث عن العمل للمستقبل: كيف نعدّ أنفسنا للغد، وكيف نتبع الأسباب على أحسن وجه وأفضل حال. ثم ينقلنا رسول الله ﷺ نقلة كاملة من الدنيا إلى الآخرة، في لحظة الحسم، حيث يُترك كل شيء وراءه.

ثانيًا: التنبّه اللحظي

يقول: «تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ». تخيّل أن الإنسان يُؤخذ في لحظة من اللحظات فيترك كل شيء وراءه. وهذا التصوير لو لم يكن لنا في المنظومة الدعوية سواه لكفاني أن أتقي الله في كل لحظة؛ فأحدنا لا يدري أيعود إلى بيته أم لا يبلغه، ولا يدري أيقوم من فراشه بعد نومه أم ينام نومةً طويلة، ولا يدري متى ولا كيف ولا أين يُختم له. ومن ثَمّ كان هذا التحذير الشديد اللهجة من النبي ﷺ لهؤلاء الخلق: «تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ»، فهو يُقسم ﷺ لإثارة انتباه السامعين.

فالنبي ﷺ يعلّمنا هذا المفهوم: مفهوم التنبّه اللحظي، وهو مقاربة بين مصطلحين: «قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» التي تعني التخطيط، و«تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ» التي تعني الحذر في كل لحظة. أي أن الحديث يجمع بين منظومة التخطيط المستقبلي المتكامل، الذي يعدّ الخطط والاستراتيجيات على مدى الزمن، وبين الحذر من الوقوع في الخطأ بين اللحظة والأخرى. وهذا منتهى تمام التصميم؛ والمهندسون أفهم منا في هذه المسألة: أن تصنع ماكينة تسير معك مسافة طويلة، وأنت على منتهى الحذر من وقوع خطأ في لحظة ما، فتجمع بين الأمرين.

وهكذا يعلّمنا النبي ﷺ كيف أن الدنيا رخيصة في عين المؤمن، بحيث يفارقها في لحظة أو تفارقه في لحظة، ولا يستطيع العبد أن يمدّ هذه اللحظة إلى لحظة أخرى، لأن الأجل قد أتى ووعد ربّ العالمين قد حان.

ثالثًا: النظر في تبعات الأعمال

ثم يقول: «ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ…». هذه نقلة ثالثة إلى النظر في تبعات الأعمال. يمكن أن نشتغل في هذه الخطبة النبوية على التخطيط الاستراتيجي كله: فنحن نتكلم في مرحلة التخطيط للمستقبل، ثم في مرحلة المتابعة والحذر الشديد، ثم في ملاحقة التبعات التي يمكن أن تحصل في يوم ما. يقول ﷺ: «لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، أَلَمْ أُؤْتِكَ مَالًا وَأَتَفَضَّلْ عَلَيْكَ…» وكذا وكذا. وفي هذا استشعار لوجود الإمكانات المتاحة لصناعة المستقبل.

وإذا نقلتَ هذا التصوّر الأخروي إلى تشبيه دنيوي، وهو صناعة ماكينة للتخطيط المستقبلي، فإن أول ما تستدعيه الأدوات التي سأستخدمها: هل عندي هذه الإمكانات أم لا؟ عندي برغي ناقص، لا أعرف أن أجد له وقتًا في الإنتاج. فكأن ربّ العزة سبحانه على لسان النبي ﷺ في هذا الحديث يشعرني بكمّ الإمكانات المتاحة لي في هذا الكون، التي تتيح لعملية الإنتاج أن تستمر نافعةً إلى يوم القيامة. ثم يعلّمني أن أكون حذرًا في هذه الصنعة، فلا تسقط مني في لحظة من اللحظات. ثم يخبرني بمآلات الأمور: تخيّل، أعزّك الله، أنك ذهبتَ إلى من يضبط لك العجلة أو الإطار، فربط لك برغيًّا بالغلط. ما تبعات ذلك؟ أن تنخلع العجلة، أو يخرج الإطار من مكانه. فكأني أنظر في الإمكانات المتاحة، وهل الماكينات التي ستساعدني موجودة أم لا؟ وإذا ركّبتُ كنتُ في منتهى الحذر من الخطأ، واستحضرتُ في ذهني التبعات التي يمكن أن تترتب عليه. فإذا استحضر العامل هذه الأشياء واستجمعها سارت صنعته إلى ما قدّر الله لها.

الإنجاز الحقيقي

يذكّرنا النبي ﷺ أن العبد بين يدي الله يوم القيامة لن يرى إلا عمله الذي قدّمه واستعدّ به للقاء الله تبارك وتعالى. أما الفلسفات الموجودة في الحياة فمجرد كلام يُردَّد ثم يذهب في الهواء. فما الذي ننجزه؟ ما الذي يخرج بين أيدينا آخر النهار كمنتَج؟

تخيّل رجلًا فتح مطعمًا كبيرًا جدًّا فخمًا، إمكاناته رهيبة، وهو طوال اليوم ممسكٌ بالفرشاة ينظّف. يدخل الزبون فيقول: عندك شيء من الطعمية؟ عندك فول؟ فيجيبه: أنا أنظّف. ثم يدخل زبائن ويخرجون، ويدخلون ويخرجون، وفي آخر النهار يقول لصاحبه: انظر يا أخي إلى الجمال الذي صنعناه طوال اليوم! فيقال له: نريد مالًا، نريد إنجازًا. ما الذي عاد به إلى بيته؟

وفارقٌ بين رجل يتكلم مع الزبون كثيرًا ولا يقضي له حاجته، فلا يقبض منه شيئًا، وبين آخر لا يعتني بهذه المجاملات اللفظية وإنما يُتقن عمله، فيأتيه الناس من كل صوب. فتقول لأحدهم: ما الذي يذهب بك إلى هذا الرجل؟ إنه لا يبتسم! فيقول: لكن أكله جيد، وصنعته متينة، وجودة المنتج عنده ليست عند غيره.

فكأن رسول الله ﷺ يخبرني أنه لا بد أن أنتبه إلى المنتَج الحقيقي الذي أخرج به، أي إلى الإنجازات الحقيقية في واقع الدنيا. ما الذي أنجزتُه في آخر النهار لهذا المسجد، لبيت الله تبارك وتعالى؟ في آخر ستة أشهر؟ في آخر السنة؟ ما الذي فعلت؟

شقّ التمرة

ثم يقول ﷺ: «ثُمَّ يَنْظُرُ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ». وكلما ذكرتُ هذا النص أسأل: أين الشقّ الأول؟ أين النصف الآخر؟ يستحيل أن تجد شقّ تمرة في يد أحد إلا إذا كان قد التهم النصف الأول وقضمه. فلن تجد في يد أحد شقّ تمرة وليس معه غيره، على أنه لا يملك من حطام الدنيا إلا هذا. فما بالك بمن يملك أكثر؟ ومن يملك أكثر من ذلك فهو أغنى بمراحل من صاحب شقّ التمرة. فإذا تصدق أحدهما بشيء وترك الآخر، فلا نقول للغني: ما شاء الله، فعل إنجازًا؛ بل صاحب شقّ التمرة إنجازه أكبر. فما بالك إن كان يملك الكثير، ثم يقتّر على بيت الله، ويقتّر على نفسه وعلى حاله؟ سبحان الخلّاق العليم.

فبكلمة طيبة

يقول ﷺ: «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». سبحان الله، وكأنها إشارة إلى أن المؤمن لا يُحصي ما ينفقه؛ فإذا لم يكن مال فكلمة، أو ابتسامة، أو نصيحة، أو مجاملة رقيقة، أو مشاعر ودّ وثقة تشعرك بالأمان حين تلقى صاحبك. لن نعدّ ما ننفقه في سبيل الله تبارك وتعالى. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾.[2] القضية ليست مرتبطة بالأرقام، بل بنفسية مانحة أو نفسية مانعة. النفسية المانحة تبذل أي شيء: إما أن تضع يدها في جيبها فتُخرج، وإما أن تجد الابتسامة على وجهها دائمًا، ومزحةً مع الآخرين، وكلمة طيبة. أما الشخصية المانعة فتقطّب وجهها، وتبخل حتى بالمشاعر، فلا تعبّر عمّا عندها.

لعلنا نكتفي بهذه الكلمات التي تمثّل بالنسبة لنا، كما ذكرتُ، دستورًا نمضي به في حياتنا، ونستكمل في الأسبوع القادم إن شاء الله تبارك وتعالى. جزاكم الله خيرًا، ورضي الله عنكم وأحسن إليكم وسلّمكم جميعًا، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: نُقل نص الخطبة كما رواه المتحدث وفق التفريغ الآلي؛ وردت «ليصعب» في التفريغ وأُثبتت «لَيُصْعَقَنَّ» بحسب نطقه لها لاحقًا («يصعق»). وقد وردت عبارة غير واضحة قبل «أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» في التفريغ فأُثبتت العبارة دون مقدار المضاعفة الأول. ولم يذكر المتحدث مصدر الرواية؛ وأما ما ذكره من راويها ومن نقلٍ عن «الرحيق المختوم» فلم نقف عليه في مصدر مفتوح، فحُذفت النسبة وبقي الخبر بصيغة الرواية. [2]: توثيق المحرر: اقتصر المتحدث على قوله «ومن يوقَ شحَّ نفسه»؛ والآية في سورة الحشر (٩) وسورة التغابن (١٦)، وتتمتها لم ينطق بها.

اسأل الشيخ