فرعون وهامان وقارون في مواجهة موسى
من سورة غافر: غافر الذنب وقابل التوب، وفرعون وهامان وقارون في مواجهة موسى عليه السلام.
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ ٢٠ فبراير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=Rnr6oXUVNf8)
بين الترغيب والترهيب
مع الحواميم، وفي سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، ففي الوصف الإلهي ترغيب وترهيب معًا. ثم يأتي قوله سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.[1]
وفي السورة مشهد حملة عرش الرحمن سبحانه: تسبيح لله، واستغفار للمؤمنين. وفي سورة الشورى نظير ذلك: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.[2]
ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾.[3] وفيها مشهد يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾، ثم: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.[4]
موسى بين فرعون وهامان وقارون
ثم قصة موسى عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.[5] فرعون وهامان وقارون: قارون هو الممول، يغذّيهم ويضع في أفواههم؛ وفرعون يتصدر المشهد. وقد ذُكر قارون مع فرعون في سورة العنكبوت أيضًا.[11]
وقالوا: «ساحر كذّاب». وهي كلمة الاتهام الجاهزة، كما هي اليوم كلمة «الإرهاب»: إذا لم يُعجبهم أحد وصموه بها. و﴿سُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي الحجة المبيّنة التي تتضح، وهي الآيات التسع التي وردت في موضع آخر.
ثم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾.[6] فالقتل حصل مرتين: قبل موسى، واستمر بعد موسى عليه السلام. وهو سلاح سهل في أيدي الناس، يقضون به أمرهم؛ فلما لم ينفع في المرة الأولى أكملوا بالطريقة نفسها، لأنهم لا يعرفون غيرها.
وقولهم ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يستوجب متابعة تامة لمن آمن معه: هذا عمل أجهزة الاستخبارات، تعمل ليأتوا بالأخبار، والمرشدون يتحركون يمينًا وشمالًا، والأمن يجمع الأسماء والقوائم ويرفع التقارير والقصص. وهم في الأصل ناس بسطاء جدًّا، ومع ذلك تُسلَّط عليهم أجهزة الدولة كلها، وتقوم الدنيا وتقعد لمجرد رصد حركتهم. لماذا؟ لأنهم خطر على الأمن العام! وما حكاية الخطر على الأمن العام؟ أنه سيغيّر المزاج العام لدى الناس؛ قد أُنفقت أموال طائلة، وقارون بذل فيها ما بذل لنوجّه الناس هذا التوجه، فيأتي هذا ليغيّره في خمس دقائق؟
ويصل الأمر إلى العقوبات العلنية، كما في قصة البروج: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.[7] فتخيّل أن يصل الأمر إلى مرحلة الهجوم العام: ارموهم في النار.
لماذا ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾؟
الأبناء يُقتلون، و﴿اسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾. لماذا؟ لأن النساء وسيلة عظيمة من وسائل الإذلال لأزواجهن. فنحن أمام واقع مؤلم. ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.[8]
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ﴾
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.[9] «ذروني» أي اتركوني؛ وكأن أحدًا يمسك به! وأحيانًا نحتاج إلى محاولات إقناع: نُقنع الناس بحقيقة غير موجودة، أو نوهمهم بها، فنعظّم من شأن شيء صغير حتى نقنعهم أن هناك خطرًا كبيرًا جدًّا داخل المجتمع. والقيادة العليا نفسها تحتاج إلى أن تتحرك، فلا يكفي أن نبعث جندًا.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: سيغيّر المفاهيم، ونحن نحتاج إلى المحافظة عليها. ولذلك هذه الجملة المشهورة في الدنيا كلها، في كل الدول الكبرى والصغرى والمتوسطة: تغيير يؤثر في السلوك العام وفي النمط العام.
وقال موسى عليه السلام: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.[10]
--- [1]: توثيق المحرر: سورة غافر: الآية ٣ لقوله «غافر الذنب...»، والآية ٥ لقوله «كذبت قبلهم...». وقد ذكر المتحدث الأولى مجملةً بما يقارب هذا القدر. [2]: توثيق المحرر: سورة الشورى، الآية ٥. في التفريغ «من فوقنا»، والمثبت هنا لفظ الآية المعروف. [3]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآية ١٣. [4]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآيات ١٧ و١٨ و١٩. [5]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآيتان ٢٣ و٢٤. [6]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآية ٢٥. [7]: توثيق المحرر: سورة البروج، الآيات ٦ إلى ٩. [8]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآية ٢٥ (تتمة الآية). [9]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآية ٢٦. [10]: توثيق المحرر: سورة غافر، الآية ٢٧. [11]: توثيق المحرر: في قوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣٩].