مفاصل البناء: النداءات الإيمانية في البقرة وآل عمران
النداءات الإيمانية مفاصلُ بناء المجتمع المسلم في سورة البقرة، ثم الثبات بعد التمام في سورة آل عمران حتى نداء البطانة.
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 21 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=ts-1BcS09kY)
نبدأ بمنطقٍ آخر، هو منطق بداية التنزّل القرآني. فثمّة نهجان: إمّا أن يبدأ الناظر مع بدايات التنزّل ليرى كيف أنشأ ربّ العالمين سبحانه مجتمعًا وكيانًا وثقافةً وحياةً مسلمة، وإمّا أن يبدأ من أول المصحف، لأنه الترتيب الختامي الذي ارتضاه ربّ العالمين للناس. فإن أردنا أن نجمع بين المنهجين، فكيف يكون ذلك؟
من التنزّل إلى الفاتحة
ننظر في أولهما، وهو ترتيب التنزّل. أول ما نزل «اقرأ»، لتبني الجانب المعرفي عند الإنسان. ثم «القلم» لتبني الجانب الأخلاقي. ثم «المزّمّل» لتبني الجانب النفسي عند الإنسان المسلم. ثم «المدّثّر» لتبني الجانب الدعوي. فإذا توفّرت هذه الأربعة: علمٌ وخُلُق وطمأنينة ولسانُ إنسانٍ داعٍ إلى الله، كان للعبد حينئذٍ أن يحمد الله تبارك وتعالى، وتلك خامسة التنزّلات القرآنية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فوجدنا أنفسنا من خلال هذا التسلسل في بداية القرآن بمقتضى الحال. فالحمد لله مفتاح القرآن، وخاتمتها «اهدنا الصراط المستقيم».
سورة البقرة: هيكل البناء
فإذا نحن أمام سورة البقرة، وهي كما ذكرنا سلفًا تمثّل هيكل البناء الجَمْعي للمسلمين. نزلت على النبي ﷺ في مفتتح المرحلة المدنية، وهي المرحلة التي انتقلت فيها الدعوة من بناء الأفراد إلى بناء المجتمع، فجاءت هذه السورة لتصنع هذا السياق. وأراجع معكم ما سبق (سامحوني، فإني أرى وجوهًا جديدة) أن سورة البقرة يمكن أن نقسمها قسمين كبيرين: قسم المتلقّي، وقسم منهجية العمل.
أما المتلقّي فأنواع ثلاثة: إمّا على الإيمان، وإمّا على الكفر، وإمّا على النفاق. فإمّا أن أتعامل مع مجتمع مسلم، أو مجتمع كافر، أو مجتمع منافق. والذي يخصّنا في بناء الدعوة في هذه المرحلة هو المجتمع المؤمن، المتّقون. فنحن أمام خطاب لهؤلاء المتقين يعلّمهم ثلاثة أشياء.
الأول: ما طبيعة النموذج البشري المستقبِل للدعوة؟ كيف تكوينه؟ ما الذي يصدر عنه؟ ما الذي يمكن أن يفعله في حياته؟ فيعطينا ربّ العالمين نموذجًا للمتلقّي الأول، وهو آدم عليه السلام. وما أسمى الصفات التي وُجدت فيه؟ أُوتي العلم كلّه، وأُوتي الإيمان بتمامه، أليس كذلك؟ هو في حضرة الملائكة، ويرى الجنّ والشيطان، ويتلقّى الأمر مباشرةً من ربّ العزّة سبحانه، وتسجد له الملائكة بأمر الله. فبين الإيمان اليقيني والعلم المكتمل، هل هناك ما هو فوق ذلك؟ اللهم لا. ومع هذا يصدر عنه ذلك الخطأ، مع قلّة التكليف. فالتكليف الذي كُلّف به آدم لم يكن خمس صلوات، ولا أداء زكاة، ولا صيام أيام وساعات وشهور، ولا ذهابًا إلى الحج؛ لم يكن التكليف عنده بشيء إلا: لا تأكل من هذه الشجرة. تكليف في منتهى اليُسر. لم نجد في تكليفات آدم «افعل»، وإنما وجدنا «لا تفعل»، ولم تكن منعًا له عن غرائزه ولا شهواته، وإنما عن شيء يسير جدًّا. ومع ذلك رأينا ما سمّاه ربّنا معصية: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾، ونسأل الله السلامة. فما الفائدة من هذا؟ أن هذا الكيان الإنسانيَّ يصدر عنه الصواب، وتمامُ الحكمة وتمامُ المعرفة وتمامُ الإيمان، ويصدر عنه الخطأ وإن قلّ التكليف. فاستقرّت في أذهاننا طبيعةُ هذا الكائن.
والنوع الثاني هو القابل لصدور المعصية عنه، فيُرينا ربّنا في سورة البقرة أسوأ أنواع المتلقّين للدعوة، وهم بنو إسرائيل. فماذا فعلوا؟ ردّوا كلام الله، وقتلوا الأنبياء المبلّغين عن الله، وأنكروا وعابوا وتجرّؤوا على ربّ العالمين سبحانه، ونسأل الله السلامة والعافية. فما وفّوا بعهد، ولا حفظوا أمرًا، ولا التزموا بتكليف، وإنما صار منهم ما ترونه في سورة البقرة. وأرانا ربّنا بعد ذلك أحسنَ أنواع المتلقّين لهذه الدعوة، متمثّلًا في إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام. فرأينا النموذج الأساسي الذي يمكن أن ينتج عنه هذا وذاك: فأرانا أسوأهم وأحسنهم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
منظومة التكاليف
بعد هذا العرض المطوّل المفصّل الشارح المبيّن لأنماط الناس وأنواع التلقّي وردود الأفعال وما يصدر عنهم من تصرفات وأحوال، يأتي القسم الثاني من سورة البقرة، فيعرض علينا ربّنا سبحانه منظومة التكاليف الشرعية التي إذا أخذناها اكتملت مسيرة البناء لهذا الكيان الجَمْعي، الذي يمكن بعدها أن نسمّيه دولةً وأمّةً ومؤسساتٍ وحضارة. وتُختم السورة المباركة بقول الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ثم يقف المؤمنون أمام ربّ العالمين سبحانه فيعتذرون عمّا صدر عنهم من تقصير: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى آخر ما ذكر ربّ العالمين سبحانه.[1]
المفاصل: النداءات الإيمانية
غير أن لكل بناءٍ مفاصل، إذا انفكّ واحدٌ منها قد ينهدم البناء بأكمله. وللبناء مكمّلات، فهناك جدار وهناك نافذة وهناك باب؛ إذا فسد أحد الأبواب بدّلناه، لكن إذا سقط أحد الأعمدة فقد يتسبّب ذلك في انهيار البناء كلّه. وهذه المفاصل تتمثل في النداءات الإيمانية، حيث يكلّف الله المؤمنين دون غيرهم. فعندنا نداءات أخرى، «يا أيها الناس» مثلًا، و«يا بني إسرائيل» مثلًا، لكن محلّ انعقاد الأمر كلّه هو حين أكلّم أهل الثقة الذين هم محلّ قبول التكليف دون شك.
ومثال ذلك أني إذا أردت أن أطلب شيئًا من بلدٍ بعيد، فأقول للرسول الذي يخرج من عندي: اذهب إلى بلدة كذا، فابحث عن فلان وقل له: أتيتك من طرف فلان، فإذا هو مُلبٍّ لكل ما تريد، أليس كذلك؟ فإذا لم يوجد لي هذا الشخص هناك، فليس لي أحد، ولا تنقضي لي حاجة، ولا أحصل على منفعة من هذا البلد إلا على نحو عشوائي. فمن هم أهل الثقة في الأرض عند ربّ العالمين سبحانه؟ هم أهل الإيمان. فيكلّفهم ربّ العالمين في سورة البقرة بأحد عشر تكليفًا لأهل الإيمان.
نبدأ بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد فصّلنا القول في ذلك بما فيه الكفاية، وقلنا، والله تعالى أعلم، إن هذا التكليف يمثّل ما يسمّى بتقديس المرجعية. فلا لَعِبَ مع المرجعية، وإن كان بتبديل اللفظ أو تغيير مجرى الكلمات. انتبهوا: هناك مرجعية لا بدّ أن تحترموها بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ.
ولمّا كان تقديس المرجعية سيصطدم اصطدامًا مباشرًا باحتياجات الناس وشهواتهم، فالمرجعية تقول: لا تسرق، لا تزنِ، لا تسُبّ، التزم بهذا الأدب، وكن صادقًا وكن أمينًا؛ المرجعية تملي عليّ تكاليف قد تصطدم بشهوتي وغريزتي، فإذا بربّ العالمين يناديني نداءً إيمانيًّا آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾. فالصبر على تقديس المرجعية قد يبلغ بصاحبه في مرحلة من المراحل أن يبذل روحه لأجل الله، فلا نقول له إنه مات لشيء آخر، وإنما هو شهيد بين يدي ربّ العالمين سبحانه وتعالى. فكان تقديس المرجعية إلى الحدّ الذي تُبذل فيه النفس.
وأول ما يصطدم مع تقديس المرجعية: أكلُ الحلال أو أكل الحرام. فالطعام في طلبه غالبٌ على مقيّدات النفس؛ «أكل العيش مُرّ» كما نقول في مصر، يحملك على أن تتنازل عن بعض مبادئك في بعض الأحوال. فيأتي النداء الثالث في السورة الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ الآية. ولمّا كان خوض الناس في مسألة الطعام والشراب، وما يصحبه من حِيَل وتزوير وغشّ وخداع وتحايلات، قد يحملنا إلى مرحلة التصادم، إلى درجة أن يقتل أحدُنا أخاه، جاء قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. فالموضوع لن يمرّ بالسهل؛ ربما تبذل عنقك.
ولأجل التربية الحقيقية يأتينا تكليف متجدّد لأهل الإيمان: كيف نربّي هذا المجتمع حتى لا يصل إلى مرحلة التصادم المبلغة به حدَّ التقاتل؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. فيربّيهم على ألّا يمدّوا أيديهم إلى الحلال، تدريبًا لهم على أن يبلغوا مستوى ألّا ينظروا إلى الحرام. ولذلك ترى أن آيات الصيام خُتمت بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. إنها النتيجة المرجوّة من وراء هذا التعبّد الكبير. فكل ما جاء من آيات الصيام إنما هو منهجية تربوية تدريبية: أن نبلغ حدّ الالتزام عند الحدّ المفروض لنا، فلا نتجاوزه ولا نتأخر عنه.
ثم تمضي الآيات تُريك «يا أيها الذين آمنوا» في مراحل متفاوتة من تعليم الناس الإنفاق. في البداية كنا نُحذَّر من أن تمتدّ يدك لتأخذ الحرام، أما الآن فنحن في مرحلة تربية أن تمتدّ يدك، ولكن للإنفاق والعطاء غير المشوب بالمنّ ولا بالأذى للناس. وإذا بلغنا مرحلة الإنفاق فإننا نبلغ الإنفاق من أحسن ما عندنا: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾. سبحان الخلّاق العليم.
وتمضي معنا الآيات لتبلغ بنا منهجية التعامل في الحياة. لمّا كانت لدينا احتياجات للأخذ والردّ، إذا بربّنا يربّينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ الآية. هذه الآية الطويلة تفرض علينا، لا أقول رسالة، وإنما نظامًا، نظام انضباط وسياجًا نتحرك في إطاره، لا ينال أحدُنا أكثر مما له، وقد يترك اختيارًا بعضًا من حقّه. أحد عشر أمرًا في سورة البقرة تمثّل بالنسبة للمجتمع المسلم مفاصلَ الحياة الإيمانية، من التزمها التزم الإيمان.[2]
آل عمران: الثبات بعد التمام
انتقلنا من سورة البقرة التي بنت معنا البناء حتى بلغ تمامه، فإذا نحن أمام سورة آل عمران التي تعلّمنا كيفية الثبات بعد بلوغ التمام. فبناء المبنى، كما ذكرنا سلفًا، ليس بأصعب من صيانته. بنيتَ مبنى، فما خطتك فيه؟ إلى متى تريده أن يستمر؟ بنيتَه ليعيش مدة من الزمن: قدر ماذا؟ مئة سنة؟ خمسين؟ مئة ألف؟ فما مرادك من بناء مجتمع الإسلام: أن يموت بعد يوم، أم أن يبقى إلى يوم الدين؟ أن يبقى إلى يوم الدين. فكيف تصونه؟ تعرفون الصيانة؟ لديك دعامتان أساسيتان، أولاهما الجناح الأول لطائر الأمة المسلمة. فلنسمِّ سورة البقرة: الأمة التي تطير، وجناحها الأول المرجعية الدينية. والثاني: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، ثم يعرض عليك قصة عيسى عليه السلام، ليس من بداية ميلاد عيسى فقط، وإنما من بداية مولد أمّ عيسى وحمل أمّها بها، فيأتي لك بالموضوع من أساسه حتى لا تختلط عليك المفاهيم وأنت تتعامل مع قضية التوحيد.
والأمر الثاني الذي نتحدث فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. تأمّلوا: لو قلتُ لك «لا تخرج من عندي إلا وأنت طالب في هذه المدرسة»، فمعنى ذلك أنه قد يصدر عنك ما يُخرجك من إطار الطلبة أصلًا. فما الذي يُخرجني من إطار الإسلام؟ ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. إذن سوف نتلقى من الله أمرًا إذا لم نفعله لم يكتمل إسلامنا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ما الأمر؟ وأين الخلل؟ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾، فإذا انفرط حبل الاعتصام نقص إسلامنا. فإذا وُجدت أمة الإسلام تختلف هذا الاختلافَ الأعوج فليسوا على تمام الإسلام. لا نرفع عنهم مصطلح الشهادة، فهم مسلمون بالشهادة، ولكن في علم الأصول ما يُسمّى مثلًا «مُطلق الإيمان» و«الإيمان المطلق». ما المراد بهذين اللفظين؟ مطلق الإيمان: عندك منه نسبة، ثلاثون بالمئة، تسعون، عشرة، عندك إيمان. أما الإيمان المطلق فأن تبلغ تمامه. فأيّ درجة من الإسلام لدينا؟ فمن الناس من هو مسلم بالشهادتين، ومن الناس من هو مسلم إلى حدّ الإحسان بين يدي ربّ العالمين سبحانه وتعالى. فإذا بربّنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. وهذا هو النداء الثاني في آل عمران.
أما النداء الأول في آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. وذكرنا في ذلك اختيارَ لفظ الطاعة. فالذي يطيع أحدًا: أنا أطيعك، لماذا أطيعك؟ إمّا لأني لا أُحسن مقاومةَ ما تأمرني به فأطيعك راغمًا، غصبًا عني؛ وإمّا لأني مقتنع مولَعٌ بما تعطيني فأطيعك طواعيةً. فما موقفكم من أهل الكتاب؟ هل أجبروكم على الطاعة فأطعتموهم، فأنتم حينئذٍ مغلوبون؟ أم أنكم لهثتم وراءهم فأطعتموهم طوعًا فاقتنعتم بما عندهم؟ فأيُّ عقلٍ لديكم إذن؟
البطانة
ثم يأتيني النداء الثالث الذي هو محلّ الكلام، وبه نختم بكلمتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. ربّنا يبيّن لنا ما وراء الثياب وحقيقةَ ما تتضمّنه النفوس والصدور والقلوب، ويُبرز لنا ما في الأعماق حتى تكون المرآةُ نافذةً عندنا إلى عمق ما في الطرف الآخر، فيكشف لك ربّك سِترَ ما عنده. فما الذي يمنعك من الانصياع لله سبحانه؟
ونأخذ كلمة «بطانة»، وردت بهذا اللفظ في القرآن الكريم مرةً واحدةً فقط، هنا. أما أصل الكلمة فموجود: ﴿بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، وبطن، الظاهر والباطن، موجود. لكن «بطانة» ما معناها؟ كلمة معبّرة عن أناسٍ التصقوا بك حتى بلغوا حدَّ اللُّحمة معك. تعرفون بطانة السترة؟ عندك ظاهرٌ تُبدّله، لكن في الداخل بطانة، وهي دائمًا ناعمة، تناسب جسدك تناسبًا كاملًا، تغطّيه من الداخل. وفي الغالب بطانة السترة فيها جيوب، تضع فيها المحفظة والنقود، فتضع فيها ما تريد إخفاءه عن الناس، لا ما تريد إظهاره لهم. فإذا بربّنا يحدّثنا أن ثمّة مرحلة من مراحل الالتصاق من المجتمع المسلم بعدوّه إلى درجة أنهم يجعلونهم بطانة، فيُخفون عندهم أسرارهم ويكونون هم مصدر الأمان بالنسبة لهم: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾، أي من غيركم. فالأصل أن تكون بطانتنا منّا، من جِلدتنا، غير أننا فقدنا الثقة فيما بيننا. لماذا؟ لأنه انفرط عقد الاعتصام الذي ورد في الآية السابقة.
نُكمل بعد ذلك الأسبوع القادم إن شاء الله.
دعاء
أسأل الله تعالى أن يبصّرنا وإيّاكم بمراده عزّ وجلّ في كتابه، وأن يقيمنا على ما أراد لنا ومنا في أوامره سبحانه. أسأل الله العليّ القدير أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يمنّ علينا بنعمة الصدق فيما ندّعي من الإيمان، وأن يقيم أبداننا حيث يريد أن يراها. اللهم آمين يا ربّ العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ٢٨٦ (بجزأيها)، والمتحدّث ختم الاقتباس بـ«إلى آخر ما ذكر». [2]: توثيق المحرر: النداءات المذكورة من سورة البقرة: الآية ١٠٤ (راعنا)، ١٥٣ (الصبر والصلاة)، ١٧٢–١٧٣ (الطيبات)، ١٧٨ (القصاص)، ١٨٣ (الصيام) ثم ١٨٨ (﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم…﴾)، ٢٦٧ (الإنفاق)، ٢٨٢ (الدَّين)؛ وفي سورة آل عمران: الآيتان ٢–٣ (التوحيد)، والآية ١٠٠ (الطاعة)، والآيتان ١٠٢–١٠٣ (التقوى والاعتصام)، والآية ١١٨ (البطانة)؛ و﴿بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ في سورة النحل، الآية ٧٨؛ و﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ في سورة طه، الآية ١٢١؛ و﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ…﴾ في سورة البقرة، الآية ١٢٤. وفي الآية ١٧٨ لا ترد عبارة ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (هي في الآية ١٨٣) وقد خلطها المتحدث فحُذفت من المتن. والنداءات بـ«يا أيها الذين آمنوا» في سورة البقرة أحد عشر نداءً كما قال المتحدث، وهي في الآيات: ١٠٤، ١٥٣، ١٧٢، ١٧٨، ١٨٣، ٢٠٨، ٢٥٤، ٢٦٤، ٢٦٧، ٢٧٨، ٢٨٢؛ ولم يفصّلها جميعها في هذه الخاطرة.