أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

معركة الخبز: دعاء المؤمن إذا خرج من بيته

استعاذةٌ من أربعة أخطاء، وحفظٌ من الداخل بالرضا والذكر، وألّا يُهدر المرء حقه بالعجز

د. أحمد أبو سيف•١٢ مايو ٢٠٢٥•7 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 12 مايو 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=GUDpYfoUFfk)

الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم اجبر خواطرنا، ويسّر أمورنا، واقضِ حوائجنا، ودبّر معايشنا، وألهمنا رشدنا، وتقبّل سعينا. اللهم لا تجعل لنا طمعًا إلا فيما بين يديك، ولا رجاءً إلا فيما عندك، ولا توكلًا إلا عليك، ولا خوفًا إلا منك. هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

وبعد، فحيّا الله الجمع الكريم، وأفاض علينا وعليكم من نعمه وعظيم عطائه، ونسأله سبحانه ألّا يحرمنا نعمة الهدى، وألّا يقطعنا عن بيوته، وأن يجعلنا من أهل صلواته.

معركة الخبز

العنوان الذي معنا منذ يومين هو «معركة الخبز». عنوان مثير، لكن تأمّل ظلاله: النبي ﷺ حين كان يخرج من بيته في صبيحة يومه كبقية الناس يبتغي فضل الله وخيره، فلنا أن نتصور حاله. إن كان همّه هو هم الدعوة، فليس كل أحد في المجتمع يحمل هذا الهم؛ فكثير من الناس يحملون همّ الأرزاق والأرقام والأعباء. فهناك إذن نوع من المغالبة الداخلية: يخرج الإنسان من بيته وهو يريد أن يغالب الحياة، كأنه يريد أن يفترس الأشياء افتراسًا.

والنبي ﷺ يعلّمنا هنا: اهدأ قليلًا. وقبل أن تتحرك بيد أو قدم، سمِّ الله، فقل: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله». ثم يعلّمنا أن نقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أَزِلَّ أو أُزَلّ، أو أَضِلَّ أو أُضَلّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَم، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليّ».[1]

أربعة أخطاء يستعيذ منها المؤمن

سبق أن تكلمنا حول هذا الدعاء، وهو أن النبي ﷺ يعلّمنا أن نستعيذ بالله من الخطأ في التصرف، ومن الخطأ في التصور، ومن الخطأ في التقييم، ومن الخطأ في ردّ الفعل. فأنا أستعيذ بالله أولًا أن أخطئ في تصرفي فلا يصدر مني سوء أبدًا. ثم تأتي تصورات العقل حول ما أفعله وما أنجزه، ثم يأتي تقييمي أنا للأشياء أو تقييم غيري لها، ثم ردّ الفعل الصادر عنه.

والمراد النبوي من وراء هذا أن النبي ﷺ لا يريد من الدنيا في ذلك اليوم شيئًا إلا أن ينجو؛ لا يريد أكثر من أن ينجو بنفسه. يدخل في زحام الحياة ومعركة الدنيا، وينافس الناس على الأرزاق، لكنه يرجع سالمًا. وليس ينجو هو فقط، بل ينجو غيره معه أيضًا؛ فلا يتأذى من أحد، ولا يؤذي هو أحدًا من الناس.

الملَك الذي يختم على جواز مرورك

ثم يرينا ﷺ أن ردّ الفعل الحاصل بعد هذا الشعور لن يكون من الناس فقط، وإنما لك أن تتصور أن هناك ردّ فعل من الملَك. وما علاقة الملَك بالموضوع؟ يقول لك الملَك الموكَّل بك: «هُديتَ وكُفيتَ ووُقيتَ». هذه الكلمات الثلاث تصدر من ملَك؛ تخيّل أن الذي يدعو لك بهذا الدعاء ملَكٌ سخّره الله تبارك وتعالى.

فالملَك يعطيك ختمًا كالختم الذي تأخذه على جواز السفر، فتمرّ، ولا يستطيع أحد أن يوقفك؛ لا ورقة مزوّرة ولا ختم مضروب. وكأنك أخذت الختم من الملَك، فتعبر رحلة الحياة بإذن ربّ العالمين سبحانه وتعالى. وفي أثناء رحلة الحياة تتغير النفوس: فواحد يقول لك كلمة، وثانٍ يؤذيك بتصرف، وثالث يريد أن يأكل عليك مالًا، وهكذا.

ونحن أمام دعاء علّمنا إياه النبي ﷺ حين يقول: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحَزْنَ — أي الصعب — سهلًا إذا شئت».[2] ولماذا يقول النبي ﷺ هذه الكلمة؟ ليستشعر أحدنا في نفسه نعمة الله في حفظه وصيانته، نعمة الله تبارك وتعالى في صيانته وحفظه من داخله؛ فليس هناك مهلِك لك ما دمتَ مستعينًا برب العالمين.

الحفظ من الخارج والحفظ من الداخل

لكن عندنا مسألة أخرى: هذا الشعور بنعمة الله في الحفظ والصيانة، أهو من الخارج أم من الداخل؟ أي: يحفظني الله من الخارج، أم يحفظني من الداخل؟ فتقول لي: ولِمَ لا يكون الاثنان؟ طيب، اسمع. مما يُدعى به إذا ضاق على المرء أمر معيشته واشتدّ به أن يقول إذا خرج من بيته: «بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي فيما قُدِّر لي، حتى لا أحب تعجيل ما أخّرتَ ولا تأخير ما عجّلتَ».

ثم نرى نتيجة ذلك. سبحان الله العلي القدير! أنت تتحدث عن إنسان يريد الله تبارك وتعالى أن يُطمئنه من الأعماق. فالذي ينظر فيما عنده، إن كان قليلًا قال: الحمد لله، وإن كان كثيرًا قال: الحمد لله، وإن لم يكن عنده شيء قال: الحمد لله.

وربما جاءك في يوم من الأيام رزق وأنت متوقع قدرًا معيّنًا، وفي اليوم نفسه جاءك مصروف يزيد عليه من حيث لا تدري، فتقول: يا ربّ لك الحمد. ثم تعود إلى بيتك فتشعر بالحسابات الدنيوية، وكأنك مدين: رُزقتَ بكذا، وجاءك مصروف أكبر منه من حيث لا تدري. لكن نفسية المؤمن المطمئنة التي استقرّت مع قضاء الله وقدره في كل أحوالها، نفسية مطمئنة حتى إن المؤمن ليقول: «اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي فيما قُدِّر لي»، أيًّا كان الرقم عندك، قلّ أو كثر، «حتى لا أحب تعجيل ما أخّرتَ ولا تأخير ما عجّلتَ».

أشقّ ما يلقاه الإنسان: التعامل مع الخلق

أتعرفون أشقّ ما يلقى الإنسان في حياته في يومه وهو يخرج إلى عمله؟ هو العَنَت الذي يلقاه من التعامل مع الخلق؛ العَنَت أو المشقة التي نلقاها ونحن نتعامل مع الناس. نفسيات الناس ليست على حدّ سواء. (وقد طوّلنا عليكم اليوم قليلًا؛ فدرس اليوم ودرس أمس لا بد من تعويضهما، فصلّوا على الهادي النبي ﷺ.)

فأشقّ ما يلقى الإنسان أنه إذا خرج لقي نفسيات رديئة، يتعامل مع نفسيات سيئة؛ ناس حقدهم بادٍ على وجوههم، والعياذ بالله، ولسانهم لا يحسن أن يتكلم إلا بالسيئ، فيؤذيك ويجرحك من داخلك. أنت رجل أنعم الله عليك: توضأتَ في صبحك، وخرجتَ للصلاة، وسمعتَ آيتين فاطمأننتَ، جلسنا نتكلم قليلًا فانفتحت أذهاننا، وخرجنا إلى الدنيا بقلوب سليمة، ونسأل الله أن يقينا شرّ الناس، وبعد ذلك يأتي واحد فيكدّر عليك. سبحان الخلّاق العليم!

سبحان الملك القدوس

ومما يُكثَر منه في هذا الحال: «سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، جلّلتَ السماوات والأرض بالعزة والجبروت». وانتبه إلى الإكثار؛ قُل هذا الكلام كثيرًا، ولا سيما عند الوحشة. والوحشة نوع من الغربة والتأذّي يحصل في نفس الإنسان، وكأنه يقول: أنا مخنوق، أنا متضايق، أشعر أني لا أقدر على التعامل مع الناس.

وماذا تفعل هذه الكلمات؟ تُسكّن ما في النفس، وتعيد إلى النفس البشرية رونقها مرة أخرى حتى تعود إلى أصلها. فيقول صاحبنا: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، جلّلتَ السماوات والأرض بالعزة والجبروت.

ولو حاولنا شرح مفردات هذا الذكر وألفاظه، لوجدنا أن هذا العبد يدعو الملك الذي يهيمن على كل شيء، القدوس الذي لا يعجزه شيء. فمفاتيح قلوب الناس بيد من؟ ومغاليق قلوب الناس بيد من؟ ومفاتيح عقول الناس أيضًا بيد الله سبحانه وتعالى. فيفتح الله عز وجل قلب إنسان فترتاح إليه، ويشرح تبارك وتعالى عقله فيحسن أن يتعامل معك. فأنت إذن تسأل ربّ العالمين سبحانه أن يُحسن من يتعاملون معك التعامل.

وإن لم تجد ما توقّعت

فتقول لي: طيب، والله أنا دعوتُ بهذا الدعاء ألف مرة، ومع ذلك جاءني واحد سيئ جدًّا وأتعبني. لا، انتبه: إن هذه الرذالة المتصوَّرة التي أصابتك لم تكن أسوأ ما عنده، فقد كان يمكن أن يعطيك وقتًا أصعب من هذا بكثير؛ فيخفّف ربّ العالمين ذلك بسبب الدعاء. والأمر الآخر أنك إن تعبّدتَ لله بأمر ولم تجد ما توقعتَ، فذلك اختبار من الله تبارك وتعالى لنفسك ولديمومتك على المستوى نفسه من الطاعة.

لا تُهدر حقك قبل أن تجلس للمحاسبة

تخيّلوا اثنين دخلا على من يقضي بينهما في مشكلة، فقضى لأحدهما بالحق وقضى على الآخر، أي أن أحدهما مخطئ. فقال المقضيّ عليه، الذي ظهر الحق عليه، لما ولّى: حسبي الله ونعم الوكيل. والعجز مَلوم، والمطلوب الكَيْس، أي العقل والعزم والحزم والمثابرة؛ فإذا غلبك أمر بعد ذلك فقل: حسبي الله ونعم الوكيل. يعني: أنت أخذتَ بالأسباب على أتمّ وجوهها أم لا؟

ولنقرّب المسألة: مرة وقعت عندنا إشكالية بين اثنين، كلاهما من أصحابنا وأصدقائنا وأهل الفضل، وظهر الحق في كلامنا مع أحدهما. فقلنا: أين أوراقك يا ابني؟ فإذا أوراقه مرتّبة بدقة من الأول إلى الآخر، كما يقول الكتاب: مكتوب بالضبط أنه حصل كذا في يوم كذا، وعملنا كذا في يوم كذا، والحكاية كذا وكذا، كله مكتوب والورق لا يكذب. ثم ذهبنا إلى الطرف الثاني فوجدنا نقطة من هنا وكلمة من هناك، وليس عنده شيء مجموع ولا مثبت. ولو كان معك مليون حق فلا تستطيع أن تثبته. أليس كذلك؟ فصار الحق في يد صاحب الكَيْس، صاحب العقل والعزم والحزم، الذي كتب أوراقه.

تخيّل أن عندك هذه الحالة بين شخصين، وواحد منهما مرتِّب أوراقه، حتى لو كان يكذب فلا تستطيع أن تُلزمه بشيء، لماذا؟ لأن أوراقه سليمة كلها من الألف إلى الياء. وهات لنا بعد ذلك مدقّقين وانظر في المحاسبات، فهو مشوار طويل جدًّا. لكن لو استوى الأمر، أي صار هناك تعادل بين الكفّتين في مستوى تقييم الأمور وتقييد الأرقام، ساعتها تتكلم في مستوى آخر من النقاش.

فالمقصود أن يحذر الواحد منا أن يُهدر حقه من قبل أن يناقش الطرف الآخر. نقول مرة أخرى: انتبه، لا تُهدر حقك قبل أن تجلس للمحاسبة، لأنك جئتَ غير مستعد: واحد جاء ومعه أدلته وبراهينه، والثاني جاء بيدين فارغتين، فمن أول الأمر سيكون الكلام في حق مَن؟ الرجل الذي كتب الأرقام بهذه الدقة أولى بأن يُحكم له، لأنه لم يُعطك فرصة أن تقيّد عليه خطأً صغيرًا أو كبيرًا.

العجز شعور قاتل

والعجز مَلوم، والشعور بالعجز شعور قاتل، لدرجة أن النفس قد تُخذَل به: حين يسير ابن آدم في وسط الناس، فهذا يصدمه وهذا يظلمه وهذا يتعدّى عليه، فيشعر بالعجز، وهذا العجز قد يُقعده عن مزيد من العمل، أو عن أن يستمر في نمط الحياة.

لا أثقل عليكم أكثر من ذلك، ولكن نستأنف بإذن ربّ العالمين سبحانه وتعالى، ونسأل الله العلي القدير أن يرزقنا التوفيق وأن يلهمنا الرشد. اللهم آمين. سلّم الله لكم يومكم، وبارك الله تعالى خطاكم.

--- [1]: توثيق المحرر: روى أبو داود (5095) والترمذي (3426) من حديث أنس رضي الله عنه: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله»، وفيه: «يُقال حينئذ: هُديتَ وكُفيتَ ووُقيتَ»، وصحّحه الألباني. والاستعاذة رواها أبو داود (5094) من حديث أم سلمة رضي الله عنها بلفظ: «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليّ»، وصحّحه الألباني. [2]: توثيق المحرر: رواه ابن حبان (974) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحَزْنَ إذا شئتَ سهلًا»، ونقل ابن علّان في «الفتوحات الربانية» تصحيحه عن ابن حجر.

اسأل الشيخ