إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ
قارون وبغيه: غسيل المخ، والاقتصاد حين يلعب بالناس، ولماذا كان الخسف.
المناسبة: خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 22 أكتوبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=XHq6PTKRLEc)
افتتح الدكتور خاطرته بالحمد والصلاة على النبي ﷺ، ثم بدعاءٍ يسأل فيه الله خير هذه الليلة وخير ما فيها وخير ما بعدها، ويستعيذ به من شرها وشر ما فيها وشر ما بعدها. ثم انتقل إلى سورة القصص، وقصة قارون فيها.
المعركة بين الحق والباطل
السورة، كما ذكر، تعرض المعركة بين الحق والباطل: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. وفيها ذكر موسى عليه السلام، ثم قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾، وفيها قوله سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.[1]
غسيل المخ حتى يكبر المرء في عين نفسه
وقف عند قول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، وقال: إننا نسمّي هذا في زماننا «غسيل مخ»؛ فقد ظلّ المحيطون به يَنفخون فيه حتى كبّروه في عين نفسه، فبلغ ذلك الموقف الذي رأى فيه نفسه كبيرًا. وجاءه الردّ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾.[2]
ثم ذكر ما كان من افتتان الناس به: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ…﴾، في مقابل أهل العلم الذين ثبتوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.[3] وكان أولئك الناس مخدوعين بهذه البهرجة الحاصلة، ثم جاء الحسم: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
أيّ بغيٍ بغاه قارون على قومه؟
تساءل الدكتور: أيّ نوعٍ من البغي بغاه قارون على قومه؟ وما معنى «بغى»؟ ثم أجاب: البغيُ هو العدوان وتجاوز الحدود، وفيه جمعٌ بين الظلم والتعدّي وبخس الحقوق، وكل ذلك مندرج تحت قوله: ﴿فَبَغَىٰ﴾، والعياذ بالله.
وقال إننا نستطيع أن ندرك ذلك حين ننظر اليوم؛ فالدنيا كلها تتحدث عن حركة الذهب صعودًا وهبوطًا، فمن الذي يلعب بالناس إلى هذا المستوى وإلى هذا الحد؟ وإذا سمعتَ هذا المثال أدركتَ دلالة ﴿فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾. فالاقتصاد يلعب بالناس في كثير من الأحوال إذا لم يُصفَّ على وجهه الصحيح وناحيته المستقيمة ودلالاته الشرعية المصلحية، وصار وسيلة تدمير داخل البشر وداخل المجتمعات.
لماذا الخسف؟
قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾. ولماذا هذه الخاتمة؟ إننا نقارن دائمًا بين خواتيم الأقوام الظالمين: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾، ومنهم ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، فعندنا في الآية أربعة أنواع من الإهلاك، منها الخسف الذي كان من نصيب قارون.[4] فلماذا اختير الخسف لقارون دون قومه ودون غيره؟ ولماذا اختيرت أنواع الإهلاك للأقوام الأخرى دون قارون؟ ولماذا لم يلقَ قارون النهاية نفسها التي لقيها قوم عاد أو ثمود؟
وجوابه، فيما يرى الدكتور أحمد: لأنه كان ببهجته على الأرض وأغرى بها الناس، فأراد الله سبحانه أن يريَهم هذه المبهرجات كلها تحت الأرض لا فوقها، ليتعلّموا أن مالات الدنيا وإن كثرت، ونعيمها وإن تزيّن وتبهرج، سيأتي يومٌ يكون فيه تحت هذا التراب، وتحت أقدام الخلق.
من الذين مَنَّ الله عليهم؟
ثم أشار إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ…﴾.[5] ثم سأل: بماذا مَنَّ اللهُ عليهم؟ لقد كانوا فقراء، وكانوا ضعفاء، وكانوا مستهدَفين في إطار السياسة التي نسج أصولها وثوابتها فرعون وقارون معًا، وكانوا مهضومي الحقوق؛ غير أنهم نجوا من الاغترار بالدنيا، ونجَوا من أن تُفتَن عقولهم أو تلتفت إلى ما بين يدي أولئك المغرورين بما عندهم من المال والجاه والسلطان. نجَوا بإنجاء الله عز وجل لهم.
ومن هنا رأى أهمية أن نردّد كل يوم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ فاحتمال أن تلتفّ العقول أو تلتفت من الصواب إلى الخطأ، ومن الحق إلى الباطل، ومن الإيمان إلى الكفر، احتمالٌ وارد، ولا يضمن أحدنا نفسه أن يكون يومًا في هذا الموطن، غير أن الإنجاء من ربّ العزة سبحانه وحده.
فرعون وهامان وقارون: منظومة واحدة
قصة قارون تمثّل جزءًا كبيرًا من قصة فرعون؛ فلا يُقال فرعون دون هامان، ولا فرعون وهامان دون قارون، ولا قارون دون فرعون. السلطة تُثبّته وتمنحه المنح وتفتح له المصارف ليأخذ منها ما يشاء، وتفتح له البنوك ليأخذ منها القروض التي يشاؤها. فالسلطة تهيّئ الأسباب للمال، والمال يخدم السلطة، وتكتمل الأركان وتتكامل المنظومة، ويكون الضحية الأمثل ذلك المواطن الذي يُدهَس تحت الأقدام، إذا لم تنصلح هذه الأمور الكبيرة وتتوجّه نحو مراد ربّ العالمين سبحانه.
ختامًا للسورة
ثم ختم بقراءة آخر السورة: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾.[6] وقال: ربما تحدّث المفسرون عن المعاد الأخروي حين نقف بين يدي الله تبارك وتعالى، وربما تحدثوا عن ردّ الله رسولَه ﷺ إلى مكة فاتحًا لها يومًا ما. ويمكن أن نضيف أن الذي فرض عليك وعلى أمتك القرآن لرادُّك ورادُّهم إلى موعدٍ لانتصارٍ حقيقي لقيمٍ أسّس لها ربّ العزة، ومثّل الناس بين يديها، وجعلها لهم قيادةً وريادة.
وختم بسؤال الله العلي القدير أن يرزقنا حسن الفهم عن كتابه وحسن التناول من مراده.
--- [1]: توثيق المحرر: الآيات من سورة القصص، وهي على الترتيب: الآية 4، ثم 76، ثم 75. وقد اضطرب التفريغ في المقطع الذي بين الافتتاح وذكر قارون (نحو الدقيقتين 1 إلى 6)، فلم يُنقل منه إلا ما اتضح. [2]: توثيق المحرر: القصص 78. والسياق: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ…﴾. [3]: توثيق المحرر: القصص 79 و80. وفي التفريغ اضطرب لفظ «ما أوتي»، فأُثبت قدر ما نُطق به ووُضعت علامة الحذف. [4]: توثيق المحرر: العنكبوت 40، وفيها كذلك ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾، ولم ينطق بها المتحدث في التفريغ؛ ولفظ المصحف ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالواو. والخسف بقارون في القصص 81. [5]: توثيق المحرر: القصص 82، وتتمتها ﴿عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾. وقد قرأ المتحدث ما قرأ ثم سأل عن «مَنّ الله عليهم»، فأُثبت قدر ما نُطق به. [6]: توثيق المحرر: القصص 85. وقد أورد ابن كثير في تفسيره أقوال السلف في «المعاد»، ومنها قول مجاهد: «يحييك يوم القيامة»؛ وروى البخاري (4773) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ قال: «إلى مكة».