الأنفال مصنع الرجال
النصر هبة من الله، وحين يتمكّن الإيمان من القلوب تهون الدنيا.
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=5QednKwoTiA)
لا تزال سورة الأنفال مصنعًا للرجال، تعيد صياغة الأمة نفسيًا ومعنويًا قبل الجاهزية البدنية عمومًا. فافتتاحية السورة أمرٌ معجز حقًّا، وذلك كلام الله سبحانه.
أناس وضعوا أرواحهم على أكفّهم
فإذا بنا أمام أناسٍ بذلوا أغلى ما يملكون في حياتهم، بذلوا أرواحهم، أو وضعوها على أكفّهم ساعين بها إلى الله سبحانه، لا يستجيبون لشيء إلا لأمر ربّ العزة؛ حين أمرهم رسول الله ﷺ بالخروج إلى بدر فخرجوا معه، وهم لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا. والمعادلة البشرية تقول إن ما يحدث على أرض الواقع يمثّل انتحارًا.
وأصل الخروج هيّنٌ في الصورة الظاهرة أمام الناس: مجموعةٌ من العير والإبل سنذهب إليها؛ فنحن أصحاب غلبة في البداية، ذاهبون إلى ناسٍ يسوقون إبلًا، نأخذ منهم ما عندهم ثم نعود، في محاولةٍ للتجفيف الاقتصادي لدى جند العدو. وهي مسألةٌ يغفل عنها كثير من الناس: النبي ﷺ لم يخرج ليحصّل أموال قريش؛ فلو أرادها لأخذ أموالهم معه حال الهجرة أصلًا. لكنّ ذلك كان جزءًا من الخطط والاستراتيجيات الحربية الموجودة في ذلك الوقت، وقضية الحرب الاقتصادية. وهذه مسألة كبيرة، لكن شاهدي أن أصل خروج القوم مع النبي ﷺ للحصول على العير كان ذهنيًا معتبرًا ومنطقيًا مقبولًا.
غير أنهم لمّا واجهوا العدو جاء الفاصل، وهنا كانت مرحلة البيعة التي عاهدوا فيها ربّ العالمين ورسوله ﷺ أن يبقوا معه مهما كانت النتائج. فعندنا معادلة: كم إنسانًا من المسلمين وكم من المشركين؟ إنها معادلة غير متزنة. ومن كان ينظر إلى هؤلاء في ذلك التوقيت كان يسمّي ذلك انتحارًا.
لماذا يُعاتَب المنتصرون؟
وحين نتكلم عن أهل بدر، أنتكلم عنهم بالمدح أم نعاتبهم في شيء؟ الأصل أنهم انتصروا انتصارًا مبهرًا لحياة البشر؛ ليس هناك مقاييس مادية تقول بأن هؤلاء أهل غلبة، ومع ذلك ـ لعِظَم ما كان في قلوبهم من الإيمان والثبات والتضحية في سبيل ربّ العزة سبحانه ـ أعانهم الله عز وجل وانتصروا بين يدي عدوّهم وهزموهم. فإذا بالقرآن ينزل ليعاتب هؤلاء الناس. لماذا يعاتبهم؟
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[1]. الله تبارك وتعالى حين يحدّثني بهذه الجملة ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ﴾، كيف أفهمها؟ سنضعها في يد النبي عليه الصلاة والسلام. وها هو الرسول: فكأنه ذلك الرسول الذي أطعته حين أمرك بمواجهة هؤلاء الناس، هو نفسه الرسول الذي تضع بين يديه كل ما تملك من الأموال. لا تدّعِ لنفسك جهدًا؛ فإنما حصل ما حصل باتباع ذلك الرسول، وإن مردّ هذه الأموال ينبغي أن يكون بين يدي ذلك الرسول، فيعطي أو يمنع، ويبسط أو يقبض، ويفعل ما يشاء عليه الصلاة والسلام بأمر ربّ العالمين سبحانه.
والتشريعات الواردة بعد ذلك ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم …﴾[2] إلى آخره تشريعاتٌ تنظيمية مستقبلية. أما هنا فعلى ماذا يُعاتَبون؟ لم يكن لديهم تشريعٌ يخبرهم بأن هذه أنفال. وهنا مسألة مهمة جدًّا: هل كانت أنفالًا أم غنائم؟ الأصل أنها غنيمة. والفرق بين الأنفال والغنائم ـ كما ذكرنا سلفًا ـ أن الأنفال ما يحصّله المحارب دون الدخول في حرب أو دون معاناة الحرب؛ يذهب فيجد الناس قد جرَوا فيجمع الأشياء ويرجع مثلًا، أو يدخل مكانًا فيحصّل منه كذا. أما إذا حصل نوعٌ من التصادم الحقيقي فلا يسمّى ذلك نفلًا، وإنما يسمّى غنيمة. فبماذا سمّاها ربّ العالمين هنا؟ سمّاها أنفالًا. فكيف نجمع بين الفهمين؟[7]
أصل التمكين لك من عدوّك هبةٌ من ربّ العالمين؛ ليس بجهدك أنت، ولا بصنيعة عقلك ولا جسدك، وإنما هي نعمةٌ من الله سبحانه. فانتصارك في حدّ ذاته نعمةٌ من الخالق، هبةٌ من الله، هديةٌ من ربّ العزة سبحانه. فإذا حصّلتَ ذلك فلا تدّعِ أنك صاحب جهد، وإنما الأصل في المسألة كلها من عند ربّ العزة سبحانه.
جنود الله ومعادلاتٌ لا يحسبها البشر
في السورة دروس لا تنتهي حقًّا، لكننا نتوقف عند قول ربّ العالمين: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾[3]. أيُّ جندٍ يعمل في هذه المعركة! هناك أيدٍ أخرى تُضاف إلى أيدي المؤمنين، تضرب معهم وتضرب بقوةٍ مضاعفة لقدرتهم. فهل هناك مقارنة بين قدرة الإنسان وقدرة الملَك؟ إذا ضرب الإنسان بقدرته مهما كانت، فهناك ضربةٌ من الملَك. فانظر كيف قوة ربّ العالمين يمنحها لمن يشاء: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[4].
والمعادلة التي تحدث بين أهل الإيمان وغيرهم مستحيلٌ أن تنعقد بحسابات البشر. هناك معادلات يصنعها ربّ العالمين في جنده، لا يحصيها الإنسان بفهمه، ولا يستطيعها بقدرته، ولا يقدر حتى على فهم التبعات المترتبة عليها؛ إنما هو صنيع ربّ العالمين سبحانه. هذه المعادلات لا يحسن فهمها إلا من قرؤوا القرآن الكريم بتدبّرٍ عظيم جدًّا.
حين يتمكّن الإيمان تهون الدنيا
نسأل الله سبحانه أن يمكّن الإيمان من قلوبنا. فإذا تمكّن الإيمان من القلوب ـ أقسم بربّ السماوات والأرض ـ هانت الدنيا بين يدي الناس، وصغرت في أعين الناظرين إليها، لأنك حينئذٍ ستنظر إلى الدنيا بعين الله. وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن الدنيا لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافرَ منها شربة ماء[5].
ثم تأمّل: من أين نبدأ العدّ؟ انتبه؛ ما السقف الذي نعدّ منه ونحن ننزل من عند جناح البعوضة؟ تخيّل أنك تنزل: ما هو أهونُ من جناح بعوضة؟ البعوضة كلها غير مرغوب فيها، مقزّزة، تطردها بأي طريقة وتصرفها كلها عن نفسك، فما بالك بجناحها الذي إذا سقط لن يُلاحَظ إلا تحت الميكروسكوب! فهنا ننزل، وهنا نطلع؛ فما الذي يعطيه ربّ العالمين للكفار؟ سبحان الله القدير! كلما هانت الدنيا في عين ربّ العزة سبحانه ـ إذا تمكّن الإيمان من قلب المؤمن ـ هانت عليه، فنظر إليها بعين خالقها سبحانه.
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[6].
أسأل الله أن يمكّن الإيمان من قلوبنا، وأن يحيينا بهذا الإيمان، وأن يجعل عاقبة أمرنا كلها خيرًا. اللهم آمين، رضي الله عنكم وأرضاكم.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ١. وقد ورد في التفريغ «قل الأمثال لله» وهو خطأ ظاهر في السماع. [2]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ٤١. اقتُصر على ما نطق به المتحدث. [3]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ١٢. [4]: توثيق المحرر: سورة الفتح، الآية ٤ (وتكرّرت في الفتح ٧). ذكرها المتحدث مجملةً. [5]: توثيق المحرر: نقله المتحدث بالمعنى. ولفظه عند الترمذي (٢٣٢٠) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»، وقال الترمذي: حديث صحيح غريب من هذا الوجه. [6]: توثيق المحرر: سورة الأعراف، الآية ١٢٨. [7]: توثيق المحرر: هذا التفريق بين الأنفال والغنائم من المتحدث. وذكر ابن كثير أن البخاري علّق عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «الأنفال: الغنائم»، وأنه قول مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة وغير واحد.