أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

الطاغية الكبير والطاغية الصغير

عبرة سورة الفجر في الطغاة، والتفات الخطاب إلى من لا يكرمون اليتيم.

د. أحمد أبو سيف•١٣ يوليو ٢٠٢٥•4 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٣ يوليو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=99Bd-ztLpc0)

الاستبشار بسورة الفجر

وبعد، حياكم الله ورضي عنكم وأدامكم بكل خير وفضل. كنت أتأمل مرة أخرى في سورة الفجر، ونحن دائمًا نستبشر بها خيرًا، ومن جملة الأسباب التي تجعلنا نستبشر بها ورودُها بعد سورة الغاشية. وكما سبق أن ذكرنا، فكلمة «الغاشية» في حد ذاتها تفيد المصيبة الكبرى التي ليس فوقها مصيبة أخرى؛[3] فكأني برب العزة سبحانه وتعالى يعبّر عن هذا الظلم القائم في الكون كله، في كل أرجائه ونواحيه وطبقاته ومستوياته. نسأل الله السلامة والعافية يا رب العالمين. ومع ذلك يخرج علينا بعد هذا فجرٌ.

الإهلاك العام ليس غايتنا

ومن المؤشرات المهمة أن سورة الفجر تفيد عبرةً عامة لهؤلاء الظلمة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.[1]

والنتائج الحاصلة، كما سبق أن ذكرنا، أن الله تبارك وتعالى مُهلكٌ هؤلاء إهلاكًا عامًّا وإبادة تامة. فهل هذا مستحَبّ عند أهل الإيمان؟ هل الأَولى عندنا أن يبيد الله تبارك وتعالى الناس، ومن على الأرض ممن يُحتمل منهم التوحيد ولو بشكل ما في وقت من الأوقات؟ أتقول: سبحان ربي، ما أعظم شأنه سبحانه وعز وجل؟ ليست تلك هي الغاية عندنا، وإنما الغاية عندنا «أسلمة الخلق»؛ الغاية عندنا هي أسلمة الخلق. هؤلاء الطغاة ننظر إليهم على أنهم منعوا وصول الخير إلى الخلق، أليس كذلك؟

ولِمَ تتعجبون؟

لكن المفاجأة أن الخطاب القرآني يلتفت إلينا: فلِمَ تتعجبون يا من تدّعون الإيمان وأنتم تفعلون مثل ذلك؟ الله أكبر. فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. فأنت تنظر دائمًا إلى الملك أو الحاكم أو الرئيس أو غيره على أنه رجل يحول بين الخير الذي في يده، وهو المتحكم في مصادر الدولة، وبين حقوق الشعوب البسيطة الصغيرة. وإذا أنت مخوَّل أيضًا، مستأمَن أيضًا، مكلَّف أيضًا بإطعام الفقير وذي الحاجة والمسكين والأرملة وابن السبيل؛ هؤلاء جميعًا في ذمتك.

ولننظر، إن كنت تريد أن تقارن بين حاكم ظالم أحال الناس إلى معتقل أو سجن كبير أو إلى آخره، فانظر أيضًا إلى كمّ الأموال الموجودة عندك في البنك، في حسابك، المحتفَظ بها ادّخارًا للزمن؛ وهؤلاء المساكين الذين حبسهم المرض في غرفهم فلم يخرجوا منها، وهؤلاء الذين حُبسوا في أقساط مالية صغيرة وضعيفة. عندما تأتي امرأة فتقول: لا أجد ما أدفع به إيجار هذا الشهر، وسأُطرد من سكني بعد حين، وعندك أنت من الأموال ما هو مرقوم برقم معيّن في الحساب، فكيف تستطيع أن تحسب هذه الحسابات؟

الطاغية الكبير والصغير

ولذلك ترى أن رب العزة سبحانه وتعالى يضع بين المشهدين صورةً للعقلية المفكرة التي يمكن أن تشترك بين ذلك الطاغية الكبير وبين ذلك الطاغية الصغير؛ بين هذا العاتي على مستوى الأمة وهذا العاتي على مستوى الأسرة، أو على المستوى البسيط جدًّا. يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾.

إذًا هناك عقلية تربط العلاقة بالله بقدر العوائد المتأتّية من رب العالمين سبحانه وتعالى: بقدر ما يعطيني الله أُظهر له الولاء وأفخر بانتمائي إليه، وبقدر ما يأخذ مني أغضب منه وأتجهّم وآخذ جانبًا، وبقدر ما يقتّر عليّ رب العالمين أقتّر في مشاعري واندفاعتي نحوه واستجابتي لأمره ونهيه. ولذلك يأتي نداء آخر من رب العالمين سبحانه وتعالى في سورة الحج، وهو يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾، فيعقّب رب العالمين سبحانه وتعالى بقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾.[2] ونسأل الله السلامة والعافية يا رب العالمين.

وجلٌ، ولكن بحمل هَمّ البشر

المؤشرات الموجودة تجعل أهل الإيمان يخافون؛ هناك نوع من الوجل. عندنا كوارث ومشاكل في أماكن متعددة؛ فما الذي ينبئ به كل هذا؟ أنا لست ممن يرفعون الشعارات ويجهرون بأصواتهم: هذا ظلم الظالمين، وهذا انتقام الله من الجبابرة. هذا الكلام في ذاته صحيح، لكن ينبغي أن يُضبط بمسحة إيمانية مهمة عند من يحملون همّ البشر كما يحملون همّ الرسالة. فإن قلتَ لي: كيف تقارن بين الرسالة والناس؟ أقول لك ببساطة: أنا أحمل همّ البشر لأنهم محلّ وضع الرسالة؛ فلولا الناس ما كانت الرسائل، ولولا الرسائل ما كانت هداية الخلق. ومن ثَمّ فأنت تشفق على كل نَفَس يخرج من كل إنسان، وتحرص على وجوده إلى يوم القيامة، لأنه هو المستقبِل لدعوتك.

التقصير موجود عندنا يا أحبّتي؛ نحن لم نُحسن بلاغ دعوة الله تبارك وتعالى لهذه الخليقة. أردتُ فقط أن أشارككم الفكرة التي وردت إلى ذهني. جزاكم الله خيرًا، رضي الله عنكم.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الفجر، الآيات ٦–١٤، ثم الآية ١٧ (﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾)، ثم الآيتان ١٥–١٦ (وقد نُقلتا في المتن في موضع لاحق). وفي التفريغ الآلي «صوت عذاب» والمثبت «سوط» على نص المصحف. [2]: توثيق المحرر: سورة الحج، الآية ١١. اقتصر المتحدث على الجزء المنقول. [3]: توثيق المحرر: هذا فهمٌ للمتحدث. وقال ابن كثير في تفسير سورة الغاشية: «الغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد؛ لأنها تغشى الناس وتعمهم».

اسأل الشيخ