الاتزان في البيوت
كيف نُقيم بيتًا يستقر فيه الزوجان ويشبّ فيه الأبناء: من هدي النبي ﷺ في مهنة أهله إلى الاحتساب
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ١٢ ديسمبر ٢٠١٧مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا، ونسألك ربَّنا أن تُرضينا بما ترضي به عبادك الصالحين. اللهم إنا نسألك أن تجعل جمعنا هذا جمعًا مبرورًا، وأن تجعل تفرّقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وألّا تدع فينا ولا منا ولا بيننا شقيًّا ولا محرومًا، برحمتك يا رب العالمين.
وبعد، فكما أعلنّا فإن لقاءنا اليوم يشتمل على عدد من الفقرات. الفقرة الأولى فيها: كيف كان النبي ﷺ في خدمة أهله؟ وهذه مسألة نحتاج أن نقف عندها لنُحدث نوعًا من التوازن داخل البيوت.
حضراتكم لا يخفى عليكم كمُّ المشكلات الكائنة في البيوت بين الرجال والنساء، وكمّ المشكلات التي تؤدي إلى فساد البيوت، أو إلى خرابها بالمعنى الأدق. والذي يترتب مباشرةً على خراب هذه البيوت هو ضياع الذرية، وضياع الجيل التالي. أبٌ وأمٌّ يختلفان، فينفسخ البيت أو ينهدم، ويذهب الأولاد إلى الشارع. ثم ندّعي: لا، أنا سأزورهم كل أسبوعين. لا، أنا سأراهم كل ثلاثة أشهر خمس دقائق. أنا سأطمئن عليهم بين الحين والآخر، أنا لن أتركهم وسأنفق عليهم. كل هذا الكلام يُعَدّ كأنه لا شيء؛ لأن الطبيعي جدًّا أن ينشأ الولد أو البنت بين جناحين يطيران معًا ويحملان هذا البدن في وسطهما، وهذان الجناحان هما الأب والأم؛ الاثنان يتكلم أحدهما مع الآخر، والاثنان يتعاونان، وبناءً على ذلك يحصل هذا التكامل الذي يعين على تربية هؤلاء الأولاد.
لماذا نحتاج إلى الاتزان؟
لماذا نحتاج إلى تحقيق التوازن في بيوتنا؟ لمجموعة من الأهداف. أولها أن تكوني مستقرةً نفسيًّا. فحالة القلق الدائمة في البيت تجعل كلا الطرفين غير مستقر نفسيًّا، وبناءً عليه يكون في الحياة خلل، وإذا استشعر الإنسان الخلل فإنه لا يستطيع أن يؤدي صلاته حتى. حين تطبخ المرأة فليس طبخها كالعادة، وحين تتكلم مع الأولاد فليست الطبيعة ولا الطريقة كالعادة، وحين تتعامل حتى مع مصروف بيتها تتعامل معه على غير العادة. فانفلات الثبات النفسي، أو التوازن النفسي، أو الطمأنينة داخل البيت، مسألة تؤثر في كافة المجالات، حتى في مجال العلم والعبادة.
وننطلق من هنا إلى المستقبل، إلى صحتنا. الإنسان حين يعيش حياةً مستقرة ولو نسبيًّا يجد أمامه، كما نقول، جسمًا سليمًا ومستقبلًا طويلًا بإذن الله تبارك وتعالى. أم نقول إننا من كثرة الضغط في البيت جاءها السكّر وجاءها الضغط وصارت تعبانة مريضة وكذا وكذا؟ الله أكبر! أنا أبني أم أهدم؟ أنا أطبّب أم أمرّض؟ ماذا أصنع بالضبط؟ إن مسألة الاتزان داخل البيوت مسألة مهمة، ونستطيع أن نقدّم النموذج الحقيقي فيها من خلال النبي عليه الصلاة والسلام.
«كان في مهنة أهله»
«كان النبي ﷺ في خدمة أهله»؛ هذه الجملة تسوقها لنا أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وهي تتحدث عن هدي رسول الله ﷺ في بيته. الإمام البخاري رحمه الله تعالى يروي لنا عن عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت: ما كان ﷺ يصنع في بيته؟ فقالت الآتي: «كان يكون في مهنة أهله» أي في خدمتهم، «فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة».[1] لو وقفتُ مع هذا الحديث وحده فسأجد أن عندي شيئين يفعلهما النبي ﷺ في وصف السيدة عائشة.
لكن قبل أن نكمل أريد أن أضع في اعتباري عمّن أتكلم: أتكلم عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهو نبيٌّ، فهو مشغول بقضية الوحي، ومشغول بتبليغ الرسالة، ومشغول بالدعوة، ومشغول بوعظ الناس، ومشغول بإيجاد الحلول الإيمانية لهذه النفوس. هذا جانب. والجانب الثاني أنه رئيس تنفيذي داخل الدولة، أو داخل الأمة، داخل المجتمع المسلم. فمن أراد وظيفة جاء يطرق بابه، ومن عنده مشكلة في عمله جاء يطرق بابه، ومن حصلت بينه وبين جاره مشكلة جاء يطرق بابه، فهو يحلّ كل هذه المشاكل. فأخذنا الجانب الأول وهو الجانب الدعوي، وأخذنا الجانب الثاني وهو الجانب التنفيذي، فلنأخذ الجوانب الاجتماعية الأخرى، وزياراته ﷺ، ومعالجاته لأحوال الخلق من حوله. فهل نتعامل مع النبي ﷺ باعتباره رئيس دولة، أم نتعامل معه باعتباره داعيةً مهمومًا بمشكلة الدعوة؟
خلّونا نتكلم عن جانب الداعية أكثر قليلًا. تخيّلوا أننا انتهينا من صلاة العشاء ويكون عندي ارتباط مع فلان، فأذهب معه إلى بيته لأن عنده مشكلة مع زوجته، ونظلّ قاعدين مع هؤلاء الناس حوالي أربع أو خمس ساعات، لنحلّ مشكلة صغيرة فقط، وليست كبيرة؛ فلو كانت كبيرة لأخذت معنا عشرين أو ثلاثين ساعة موزعةً على أوقات متفرقة، ولكن هذه مشكلة صغيرة فقط في يوم واحد. فنحن صلّينا الفجر وبدأنا شغلنا طوال اليوم حتى صلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء ذهبنا عند الأخ لنتكلم معه ونتكلم مع زوجته، وانتهينا من الكلام بعد أربع أو خمس ساعات، فدخلتُ بيتنا في ساعة متأخرة من الليل. وأقول: السلام عليكم يا ولد! هل في أحدٍ هنا في البيت، أم الناس نائمة؟ لأننا تركناهم في الصباح نائمين ورجعنا إليهم نائمين.
وأنت تتكلم عن إمامٍ في مسجد في وسط جالية، وهذا لا يعدل شيئًا في وسط العالم، ومع ذلك هو مشغول إلى هذه الدرجة وبهذا المستوى. فلو تكلمنا عن النبي عليه الصلاة والسلام وهو يؤسس لدولة مسلمة، يؤسس لأمة مسلمة، يؤسس لعالم إسلامي، فنحن نتحدث عن شغل أكبر، ومع ذلك كله كان النبي ﷺ في خدمة أهله.
من النبي ﷺ إلى الزوج: فارق القدرات
لماذا ذكرتُ الجانب الأول؟ صلّوا على النبي. ذكرتُه لأن الجانب الأول الذي تصورته عن النبي عليه الصلاة والسلام أريدكِ أنتِ أيضًا أن تتصوريه عن زوجك، مع فارق القدرات. فالنبي ﷺ يمدّه ربُّه بعافية من لدنه، ويعينه بعونٍ خاص. أما نحن فموطن اختبار وابتلاء في الحياة؛ فأنا إنسان عندي صحة محدودة، وعندي أمراض معلومة، وعندي جهد محدود، كما عند كل واحد من بني آدم.
عينان تنظران بالرحمة
فتصوّري ما هي المسؤوليات المنوطة بزوجك. فتقولين: وماذا يفعل يعني؟ يذهب إلى الدكان صباحًا ويجيء آخر النهار، ماذا يفعل يعني؟ لا، معلش، نغلق حكاية «ماذا يفعل». دعونا نذهب إلى الزبائن الذين دخلوا عليه: وكم واحدًا أغضبه اليوم، وكم واحدًا حاول أن يسرق من ورائه من غير أن ينتبه، وكم واحدًا لم يأت بالمال الذي عليه، وكم واحدًا لم يبع البضاعة في وقتها، وغير ذلك من هذه الأشياء. ثم تضعين كل هذا الكلام في كفة وتقولين: خلاص، زوجي نرميه هنا.
وتعالَوا الآن نرى المرأة الموجودة في البيت، لأننا سنرميها هي أيضًا في مكان ما. هو يقول لها: ماذا تفعلين يعني؟ ما أنتِ طوال النهار قاعدة في البيت! ماذا فعلتِ؟ ما الجديد؟ أنا كما تركتُ البيت في الصباح رجعتُ فوجدته كما هو. فنقول له: نعم، وجدتَه كما هو حقًّا، كما تركتَه في الصباح، لأنها أعادت بناء هيكلة هذا البيت مرةً أخرى. في الوقت الذي تغسل فيه الأواني أو تطبقها، وتصنع الطعام، وتشتري الحاجات، وتركّز على احتياجات الأولاد، وتنظر من المريض ومن السليم، وتفعل كذا وكذا وكذا وكذا. كل هذا الكلام. أنا موجود في عالمي، وحضرتك موجودة في عالمك، ولما نأتي لنتقابل فنظرتنا إلى بعضنا هي التي تحكم كيف سنتقابل.
فإن كنت أراها لا تفعل شيئًا، وتضيّع وقتها في كلام فارغ، وتضيّع عليَّ المصروف، وتُنفق أكثر من اللازم، وهي امرأة مسرفة، وأقول: ما الذي أوقعني في هذه الورطة؟ حرام عليّ، لماذا تزوجتُ هذه الزَّوجة؟ ما هذه المرأة؟ وهي ترى: ما هذا الرجل؟ لا يوجد تعاون، لا ينظر إلينا، لا يفعل ولا أدري ماذا. فلما نأتي لننظر إلى بعضنا فالعيون ستتقابل بأي منظر. لكن لو أنني راجع وأقول: يا رب، الله يُعين زوجتي على الذي بين يديها في داخل البيت كله، وهي تقول: الله يُعين زوجي على الذي تركه وراء ظهره وهو جاء إلى البيت، فنظرة العيون إلى بعضها مختلفة. إذا حصل هذا التصور مبدئيًّا وجدتُ نفسي أعيش حياةً متزنة نسبيًّا، كل طرف فيها مقدِّرٌ لجهود الطرف الآخر. متفقون إلى هنا؟ صلّوا على النبي عليه الصلاة والسلام.
فكان النبي ﷺ في خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. نحن مبدئيًّا نفرّق بين نوعين من العمل: عمل داخل البيت وعمل خارج البيت، وكل واحد منهما له مسؤولياته.
قاسم مشترك بين الداخل والخارج
كنا نتكلم قبل أيام مع مجموعة من الأصدقاء حول سلوكيات الأولاد، وكيف يكون أولادنا تحديدًا في المجتمع الذي نحن فيه: إذا ذهب الولد إلى المدرسة كان شخصيةً، وإذا جاء إلى البيت كان شخصيةً أخرى تمامًا. فكيف نستطيع أن نعالج هذه الإشكالية؟ كان هذا سؤالًا مطروحًا على ساحة النقاش، وكان أحد إخواننا، الله يكرمه، يتكلم فيقول: والله أنا أخاف أحيانًا أن أجد عندهم انفصامًا في الشخصية، «شيزوفرينيا». الولد شخصيةٌ في المدرسة وفي المجتمع الأمريكي، وشخصيةٌ ثانية تمامًا في البيت وفي المسجد؛ يأتيك في المسجد في منتهى الأدب والحياء، ما شاء الله، وعيناه في الأرض، يقوم فيتوضأ ويصلي، حتى تحسّ أنه ﴿قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا﴾ مسلمًا، تكاد التقوى تتطاير من عينيه. وأول ما يخرج من البيت يصير شيئًا مختلفًا تمامًا. وهكذا فكيف أقدر أن أضع القاسم المشترك في نفسية هذا الطفل: يا حبيبي، أنا مسلم بطبيعة حالي، أغضّ طرفي إلا عن الحرام؟ افهم هذا الكلام. فهو في البيت لا ينظر إلى منظر غير حسن في فيلم، أو يحضر مسلسلًا أو نحوه، فيتصنّع الأدب ويغمض عينيه؛ وإن أردتَ أن يغمض عينيه فليحصل ذلك هناك أيضًا، لا لأنه لا يشارك الناس، بل هو يشاركهم، ولكنه يعلم في ذاته ذلك الجانب.[2]
وهذه النقطة التي كنا نتكلم فيها قبل قليل: قضية الاختلاط بين الرجال والنساء. الشيخ قاعد يعطي الدرس، يتكلم مع مجموعة من الأخوات: هل هذا الكلام حرام أم حلال؟ انظروا إلى موقف النبي ﷺ، الشخصية التي قدّمها لنا رسول الله ﷺ وهو ينطلق إلى جمع النساء فيقول: «يا معشر النساء، اتقين الله...»، ويتكلم مع صاحباته رضوان الله تعالى عليهن جميعًا، وكل واحدة منهن تنظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتتعلم منه؛ يتعلمن من سَمْته، ويصفن حاله ﷺ، وهو ﷺ يغضّ من طرفه، ويعرف حدود نظره، ويُقيم حاله في وسط الناس. فبالإضافة إلى الشخصية المتزنة التي أريد أن أصنعها، إذا قيّمتُ حال النبي عليه الصلاة والسلام كيف هو في الخارج وكيف هو في الداخل، خارج البيت وداخل البيت، وجدتُ قسمًا مشتركًا من المبادئ والأخلاق.
عندي قسم مشترك للمبادئ بين المبادئ والأخلاق، هو ماذا؟ التعاون، مثلًا. خارج البيت وداخل البيت. فأنا اليوم دخلتُ من الخارج فوجدتُ هذه الطاولات التي نجلس عليها مرميّةً في الشارع، فلا مشكلة عندي أبدًا، لأن عندي مبدأً اسمه مبدأ التعاون، فقمتُ حاملًا واحدة وداخلًا بها إلى الداخل. وهذا هو الذي يجعلني أيضًا أحمل طبقًا وأنا داخل إلى المطبخ؛ نفس الذهنية هي التي تجعلني أفعل هذا هنا وأفعل هذا هنا.
فإن كان عندي واحد قد تعوّد أن أمه تعمل له كل شيء، متربٍّ على ذلك، لا يعرف في حياته أن يعمل هذا الأمر أبدًا، لكنه شاطر جدًّا في قضية التسويق عبر الإنترنت مثلًا، على سبيل المثال. أنا لا أتكلم عن فلان بعينه، ما جبتُ سيرته، ونحن نبحث عن العروسة فنريد أن نتكلم عنه بكلام طيب، خلاص، الله يبارك لك فيه. صلّوا على هدي البشير. فلو أن عندي ولدًا ربّيتُه هذه التربية بهذا النسق في داخل ذلك البيت، وخلاص هذه طبيعته، فلما يأتي يتزوج فمن الأمانة أن أقول للبنت التي سأذهب لأجيئها من بيت أهلها الكرام: يا بنتي، هذا الولد هذه طبيعته، فما رأيك في الموضوع؟ فتقول: والله نعم أنا موافقة، من أجل عيون هؤلاء، أو تقول: لا، أنا لا أقدر أن أتعامل بهذا الشكل. فنأتي ونقول له: يا عم، لو سمحت، أنت عندك سيادة يا ابني أن تتعاون بهذا الشكل أم لا؟ ويكون ذلك من الأول، والمسلمون عند شروطهم في هذه المسألة.
وهناك فرق كبير جدًّا بين أن يقول لك زوجك: لو سمحتِ ناوليني كوب الشاي، لأنه راجع من الشغل آخر النهار تعبان، يريد أن يرمي جثته على الكنبة ويستريح قليلًا، فيقول لك: ناوليني، أو أعطيني؛ وبين أن يكون قاعدًا واضعًا رِجلًا على رِجل طوال النهار أمام التلفزيون وهو يأكل ما تسمونه «كاوتش بوتيتو» — هكذا تسمونه — قاعدًا هكذا، آخر حلاوة، «ليزي بوي»، يعني ولد كسلان. ففرقٌ كبير جدًّا بين شخصية تقول: لو سمحت أعطني، لأنه هو أيضًا يُعطي في جانب آخر، لو سمحت ناولني، لأنه يُناول في جانب آخر؛ وبين من يقعد هكذا يريد أن يشتغل الناس خدّامين تحت يديه. فرقٌ كبير جدًّا بين الشخصيتين. فهناك زوج قاعد مرتاح مبسوط، اليوم إجازة ومرتاحون، ويقول لزوجته: أعطيني وناوليني، ليس بلغة الأمر التي فيها استعباد، وإنما بلغة الأمر التي فيها حبٌّ وفيها دفء وصداقة وروح من الأريحية. فرق كبير جدًّا بين الشخصيتين.
«تعدل ذلك كله»
ولما أتكلم عن الزوجة التي تُناول أولادها الصبيان وتُناول أولادها البنات وتُناول زوجها، وحماها أو حماتها إن كانت موجودة، وما أدري ماذا، الزوجة التي تفعل كل هذا: فهي من أين تكفي نفسها؟ أقول لها: تعالَي، لو كانت هذه ظروفك وأنتِ تحتسبين عند الله سبحانه وتعالى، فتعالَي تفرَّجي على الثواب الذي أعطاه الله لك في الآخرة بين يدي الله تبارك وتعالى. حين تأتي واحدة من صاحبات النبي ﷺ إليه وتقول له: يا رسول الله، الرجال فُضّلوا علينا. فيقول لها: كيف فُضّلوا؟ فتقول: يا رسول الله، إن الرجال أصحاب مجالات كثيرة جدًّا يستطيعون من خلالها أن يحصلوا على الأجر. فيقول لها: كيف يعني؟ فتقول: يا رسول الله، يخرجون للجهاد معك، ويحضرون صلوات الجماعة معك، ويعملون كذا وكذا، وتُعدّد للرجال. فيقول لها النبي ﷺ: ألا إن طاعة إحداكن لزوجها تعدل ذلك كله.[3]
أخواتنا الكريمات، بعضهن أخذ الكلام وزعل منه جدًّا. زعلتِ لماذا يا حاجة؟ فقالت: أنتم الآن تريدون أن تسخّرونا تحت أيدي الرجال، وتريدون أن تجعلونا فقط خادمات في البيوت، وبحجة أن طاعة الواحدة لزوجها ستُدخلها الجنة! فأقول لها: طيب، ما تعالَي نفكر في الموضوع بالراحة مرةً ثانية. «طاعة إحداكن لزوجها تعدل ذلك كله» — ذلك كله ما هو؟ من جملته الصلاة. فهل أنا لما طلبتُ منك أن تطيعي زوجك قلتُ لك: أطيعيه فقط، وهذه الطاعة ستعدل كل شيء حتى الصلاة؟ أم لا بد أن تصلي أنتِ أيضًا؟ ما رأيك؟ لا بد أن تصلي أنتِ أيضًا، مضبوط؟ طيب ممتاز. تعدّد ذلك كله، وهو صام الصيام عليه وحده، أم حضرتك ستصومين أيضًا قدر ما تستطيعين؟ ستصومين أنتِ أيضًا. طيب ممتاز. لو كان من واجباته أن ينفق على أبيه وأمه، فهل مطلوب منك أنتِ أن تنفقي على أبيك وأمك إن استطعتِ ذلك؟ وكنا في كذا؟ إلى آخره. فإذن ما هي هذه الطاعة التي ستعدل هذا الثواب كله؟
فيكون صاحبنا من خلال كل هذا الكلام قد أخذ عشرة. وأنتِ من خلال كل هذا، ما عدا الجماعات وكذا، أخذتِ ثمانية. وبعد ذلك بالطاعة التي منك تأخذين عشرة أخرى، فتصبحين كم؟ ثمانية عشر.[4] وهو لا يزال فين؟ عند العشرة الغلبانة! فمن يخرج الخسران فينا؟ يخرج أنا الخسران. ولذلك يقول لي: طيب، ما رأيك أن أنالَ أنا أيضًا ثوابًا لو بررتُ أمي؟ فأقوم وأذهب أبرّ أمي، فلما أبرّ أمي أصل إلى أين؟ أصل إلى الثمانية عشر التي أخذتها أختي، التي أخذتها زوجتي. تمام، ونحن الاثنان نبدأ نتنافس في الباقي. متخيّلين المعادلات تمشي كيف؟
القوامة: قيامٌ على الخدمة
لكن تَرْبَسُ دماغنا حين نُقفل رأسنا فنقول: لا، أصل القرآن قال: «قوّامون»! يا جماعة الخير، ما نفهم الموضوع فقط: ما تصوراتكم عن لفظ القوامة؟ حين نأتي نتكلم فنقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾،[5] فما تصوراتك عن هذه الكلمة؟ ماذا تعني كلمة «قوامة»؟
فمفهوم القوامة عند بعض من أراد التسلط: أنا سأعطيها بالقديمة وهي تسمع الكلام، أنا الرجل وهي ست، وكما آمر تفعل. طيب، اتفقنا، أنت تأمر، لكن من أي منطلق تأمر؟ من منطلق المحبة الزوجية والعلاقة الحميمية الموجودة بين زوجين تعاهدا بين يدي الله سبحانه وتعالى على أن يكملا مشوار الحياة وأن يصلا معًا إلى الجنة؟ أتأمر من هذا المنطلق، أم من منطلق السيد، وأنها لازم تعمل ما تريده حتى لو غصبًا عنها؟ فلا فرق إن كانت عيّانة أو مريضة أو تشتكي أو مشغولة، المهم أن تنفّذ الأوامر. أنت ذاهب في أي اتجاه؟ لو ذهبتُ في الاتجاه الأول فسأحملك أنت أيضًا على رأسي وأقول لك: أنا محترمك ومحترم زوجتك؛ لكن لو مشيتَ في الاتجاه الآخر فأقول لك: تعال.[6]
فلفظ «قوّام» المطلوب هنا من «القيام»: واقف على خدمة هذا البيت. النبي ﷺ يقول — صلوا على الهادي البشير — «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».[7] خلّينا فقط نأخذ هذه التفصيلة: كيف فصّلها النبي عليه الصلاة والسلام؟ كيف فصّل النبي ﷺ الموضوع؟ فقال لي: هنعمل تخصصات. ماذا يا جماعة الخير؟ تخصصات. التخصص الأول: فالرجل في أهل بيته راعٍ. فيبقى الرجل مسؤولًا عن ماذا؟ عن الأشخاص الموجودين، فالرجل مسؤول عن الأشخاص، مسؤول عن الكيانات البشرية.
وكان أحدهم يقول لك: عندنا في الصعيد في مصر الرجال يأكلون أولًا. هذا الكلام قديم، طبعًا، الرجال يأكلون أولًا، ثم ما يتبقى من الأكل في الصينية يذهب إلى مَن؟ إلى الحريم. — لا، أنتم عندكم هذا الكلام؟ لحقتم شيئًا منه، ما عندكم كلام، طيب الحمد لله. — فكان في بعض الأماكن هذا الذي يحصل، فقال له الآخر: يعني أنت ماذا ترى؟ قال: أرى أن هذه منتهى الإهانة. قال له: يعني المرأة عندكم آخر من يأكل؟ قال: نعم، لأن الرجال يأكلون، ثم الأولاد، طبعًا، ثم... ثم من؟ المرأة. فقال له: يعني عندك المرأة آخر من يأكل؟ قال: نعم. قال له: طيب ممتاز. لو أن غارة أغارت على بلدكم، من يخرج لها أولًا؟ قال له: نحن الرجال. قال له: اسمع، أنت تعرف ماذا تعني غارة؟ تعني رماحًا وسيوفًا وضربات وطعنات وخبطًا، واحتمال الموت. فمن يخرج أولًا؟ ألا تخرج المرأة التي لا لزوم لها؟ قال له: لا، هذه عِرضي، هذه شرفي. قال له: آه، شفتَ بقى! يعني في مسألة الأكل قلتَ لها: لو سمحتِ كوني الأخيرة، وأما في الموت فقلتَ: أنا الأول. شايفة المعادلة تمشي كيف عند بعضهم، حتى في الصور؟[8]
لكننا لما نأخذ الصور القشور، فنخلع هذه الحتّة هكذا ونضعها على وسائل الإعلام، فيُقال: الإسلام يُهين المرأة، والمرأة عندنا محتقَرة وليس لها مكان ولا مكانة! لا، بل أنا قد أروح فيها في سبيل أن أحمي شرفي. من يقدر أن يدخل بيتي ويطّلع على حرماتي ونسائي؟ هيه، ما رأيكم؟ حضرتك واقفة طوال اليوم في المطبخ تعملين العَشاء لماذا؟ لأن فلانًا جاء ومعه الشيخ ومعه مجموعة من الشباب؛ طوال اليوم أنتِ التي تشتغلين، لكن لما يأتي الأكل يُقدَّم. أنتِ لا تطلعي على الناس، ولا يجرؤ أحد أن يقترب من ناحية مطبخك، ولا هؤلاء الناس لهم حمّامهم، اتفضلوا اغسل يدك هناك بالخارج، هنا منطقة الحريم. هذا الكلام فيه نوع من الحَجْر، أم الجاهلية القديمة، أم الحماية والصون؟ يا عين يا جماعة! طيب، حد يقول لي أي شيء؟ حد يعبّرني يعني؟ حد يقول لي: شكرًا يا عم، أنت عملتَ شيئًا؟ جزاكم الله خيرًا؟ وطبعًا عندنا دعوة المشايخ حين يذهبون إلى الغداء في أي مكان — أنتم تعرفونها، لا، نحن فقط الذين نعرفها — فنقول ماذا؟ فتقوم تدعو فتقول: اللهم أخلف على من بذل، وبارك في يد من عمل، وارزقنا غيره بالعَجَل بالعَجَل بالعَجَل، لنأكل مرةً ثانية. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم.
البيت ليس مكتبًا ثانيًا
فكان النبي ﷺ في خدمة أهله، وفي صلاته. متى يكون في خدمة أهله؟ حين يكون في بيته. طيب، وفي نفس التوقيت أنا موجود في البيت ومروّح بيتنا ولم أخلص شغلي بعد، ولا زلت أعمل بحثًا، أو ورقة عملية، أو كذا، أيًّا كانت الألفاظ المعبّرة عن الموضوع. سألني أحدهم سؤالًا مهمًّا ولا بد أن أردّ عليه بعد نصف ساعة، فقلت: بدل ما أقعد هنا في الغرفة والدنيا ظلمة بالليل والمنطقة مقطوعة، خلّيني أروح أقعد في وسط عيالي وأكمل شغلي. فدخلتُ من الخارج: السلام عليكم يا جماعة، وأخذتُ حاسوبي وقعدتُ في زاوية هكذا. فتقول لي صاحبتنا: هل أنت ما بطلتَ شغل؟ هو ما وراءك غير هذا الذي في يدك؟ ما تنظر إلينا قليلًا، العيال، وما أدري ماذا. طيب، حضرتك لو سمحتِ، هل نستطيع أن نوازن بين هذه الحالة وبين حالة أنني كنت في الخارج أتفرّج على فيلم وأروّح لأكمله في البيت، وأترك أولادي يخبطون رؤوسهم في الحائط؟ هل الصورتان متحدتان؟
قابلتني مشاكل كثيرة بهذا السبب: أن بعض الناس يشتغلون أغلب شغلهم على هذا الحاسوب، فلما يذهب إلى بيته — أنا أتخيّل مثلًا أنه لم ينته بعدُ من عملية التسويق عنده، يشتري بضاعة، وبعد ذلك يروّح، أوه، يكلمه أحدٌ في الهاتف فيقول له: هناك صفقة في المكان الفلاني يمكن أن تحجزها على الإنترنت، الذي لازم. فيدخل من الخارج: السلام عليكم يا حاجة، إزيك، حد يديني ورقة وقلم يا ولد. وقعد كذا كذا كذا. لكن مسألة البحث عن أحسن صفقة استغرقت معه ساعتين أخريين. أنا قاعدة في البيت منذ اثنتي عشرة ساعة وأنت في الخارج، وجاي تكمل لي هنا لماذا؟ ونفتح موشّحًا — نخسر الصفقة التي يعملها وننغّص، ولا نقضي وقتًا طيبًا معًا، وكل شيء يخرب في نفس التوقيت.
صفحتان لا صفحة
أنا لا أريد أن أصل إلى شيء بعينه. حدّدي ماهية زوجك: هل هو إنسان محترم أم لا؟ هل هو إنسان متقٍّ لله أم إنسان فاجر؟ هل هو إنسان مؤمن أم كافر؟ هل هو إنسان مصلٍّ أم لا يصلي؟ هل هو يشرب الخمر، والعياذ بالله؟ ما هو؟ ضعي هذا هكذا في الإطار. ثم ماذا بقي عندنا؟ أين اتفقنا، حضرتك الله يكرمك بالراحة كده؟ روحي على الصفحة التي في وجهك، تعرفين الصفحة في الكشكول الأبيض هذا، فاقعدي واكتبي: هذا رجل كويس ومؤدب، وما أدري ماذا، ويصرف على البيت ويعمل كذا كذا كذا كذا، لكن يتأخر في الشغل، لكن حين يمسك الهاتف لا أدري ماذا يفعل، لأن كذا كذا. فضعي تقييمًا. ثم اذهبي إلى الصفحة التي قبلها واكتبي لنفسك أنتِ أيضًا. طبعًا ستجدين أن تقييمك مرتفع جدًّا؟ أنا متأكد أنه لا، طبعًا لا، لأنه ما من أحدٍ في الدنيا قدّر الله تعالى له الكمال؛ الكمال المطلق لله عز وجل، والكمال البشري للأنبياء والمرسلين. المسألة واضحة تمامًا: كل من دون ذلك فالمسألة أنني بني آدم وأنا بشر، عندي إيجابيات وعندي سلبيات، وأعدّل منها ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.[9]
لكن السؤال بقي لأخواتي الكريمات: ما هي خطة العمل الموجودة في ذهنك لتستطيعي أن تطوّري من شأن البيت وتطوّري من أحوال هؤلاء الناس؟ يعني مثلًا: اليوم إجازة، وقاعدون مع بعض، فأقوم أُخرج لزوجي مشكلة، أو أُخرج لزوجتي مشكلة، حتة هكذا: أنتِ شايفة العنكبوت الذي في هذا؟ وأنتم ناس مُهملة وما تنظّفون وما أدري ماذا. فأفسدتُ على نفسي يوم الإجازة، وأفسدته على زوجتي، وأفسدته على العيال. ما رأيكم في هذه الفكرة؟ هل أنا كنت أصلًا فعلتُ ذلك لأوفّر مالًا، فلن نخرج نتغدّى بالخارج؟ «إتس سمارت»، نعم، لكن للأسف نعم، راحت علينا حقًّا. صحيح، وللأسف أنني أخذتُ ذنبي بهذه الحكاية لأن نيتي ليست سليمة.
ولو أنكِ أنتِ أيضًا، حضرتك، تقولين: هو لازم نذهب إلى المكان؟ ما نحن كل مرة، أنت دائمًا تفعل هكذا، ونخرج برضه في نفس الموشّح الذي نخرج فيه! فأفسدتِ مزاجه، وأفسدتِ معنوياته، وأفسدتِ على الأولاد اليوم، وأفسدتِ الدنيا كلها، وأنتِ ما كنتِ تقصدين إلا كلمتين. لماذا يحصل هذا الكلام؟ طيب، لو أن عندي خللًا في حياة الرجل وتصرفاته، وأنه مشغول في اليوم والليلة بهذا الشكل، وعندي يوم أقدر أن أستغله بشكل ما...[10]
الاحتساب: ماذا تنتظرين؟
عارفين يا أخواتنا الكريمات، بسم الله الهادي يا رب العالمين، عندنا مفهوم غائبٌ عن تسعين بالمئة من بيوت المسلمين اسمه الاحتساب. ما معنى الاحتساب؟ أن أحتسب ما أفعله لله سبحانه وتعالى. اتفقنا؟
فأنا الآن جاءني الولد الذي عندي، أو الولدان، أو الثلاثة، أو الأربعة، أو الخمسة، أيًّا كان الرقم الموجود، وحضرتك ترين نفسك مهانةً في خدمة هؤلاء العيال، وتعبانة جدًّا، ووقتك كله ضائع، وصحتك تضيع، وكذا وكذا، وبعد ذلك في آخر النهار حتى لا يأتي أحدٌ فيقول لك: شكرًا. أنا سأسأل بقى سؤالًا: حضرتك لما عملتِ هذا الكلام، عملتِه من أجل «شكرًا»؟ أم من أجل أنك تنتظرين العيال يردّوا الجميل؟ أم من أجل أنك تنتظرين ألا يتزوج عليك زوجك؟ أم تنتظرين من ربنا سبحانه وتعالى أن يحفظ لك هذه المنظومة كلها ويعطيك كذلك ثوابًا؟ أنتِ تنظرين إلى أين؟ هل أنا أنظر تحت حذائي، تحت رجلي فقط؟ أم أنظر إلى مستوى رؤوس العيال؟ أم طلعتُ فوق هكذا ونظرتُ في عين زوجي وقلتُ: هو هذا الأمل الذي ينتظرني؟ أم كنتُ أكبر من هؤلاء الناس كلهم، فرفعتُ عينيّ إلى السماء ونظرتُ إليها، ورجوتُ من الله تبارك وتعالى فضلًا؟ ماذا أعمل وإلى أين أذهب بالضبط؟ هذه هي المنظومة.
ما حدٌ فينا في جملة الحياة يشعر بالارتياح. أنا أنظر إلى السيارة في الشارع فأتمنى أن أركب مثلها، يا سلام، أمنية حياتي! وعندي واحدة أخرى في نفس... أنا غير راضٍ، خلاص غير راضٍ، أنا تعبان جدًّا جدًّا، حزين، مشكلة حياتي كلها أن أغيّر هذه السيارة. في نفس التوقيت هناك واحد آخر يركب دراجة ويمشي بها مشوارًا قدر الذي أمشيه أنا بالسيارة، ويتمنى أن يكون في الدنيا كائن عنده أربع عجلات يركبها مهما كان نوعه، ومهما كانت طريقته. وهناك واحد ثالث ينظر إلى صاحب الدراجة ويقول له: يا سلام، هذه تمشي بك بسرعة خمسة كيلومترات في الساعة؟ أنا أمشي على رجليّ. وهناك رابع أو خامس ينظر إلى صاحبنا الماشي فيقول له: يا ه، أنت تمشي هذا المشوار كله؟ أنا رجلاي فيهما روماتيزم. وهناك خامس ينظر إلى صاحب الروماتيزم لأن رجليه أصلًا مقطوعتان. متخيّلين المسألة ماشية كيف؟
فاخبطي على بيوت الجيران — كلنا عندنا جيران، صح؟ — اخبطي على بيوت كل البلد الذي تعيشين فيه، واسألي كل بيت، وقولي له: هل أنتم مرتاحون في حياتكم، مبسوطون، راضون، ما فيش شيء ناقصكم أم لا؟ فلن تجدي بني آدم في الدنيا كلها ليس عنده شكوى. الفرق بين الناس أن شكوى المؤمنين مختلفة في نوعها وكمّها عن شكوى غير المؤمنين. فأنا أعتبر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يشكو إلى الله سبحانه وتعالى: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس».[11] هذه دعوة، وهذه شكوى، ولكنها شكوى في موطنها بين يدي من يستحق أن يُشتكى إليه، وشكوى من ماذا؟ ليس لأنه تعبان أو راجع مضروبًا من الرحلة التي كان فيها، لا، وإنما شكوى لأنه خائف على الناس الذين حوله أنهم لم يؤمنوا بعدُ ولم يبلغوا سبيل النجاة. هنا الفرق بين هؤلاء وهؤلاء.
فهناك من يشتكي لأن المال لا يكفي، والقروش يريد أن يزيدها قليلًا ويريد أن يعمل رحلة، إلى أين يروح وأين يذهب. وهناك من يشتكي لأنه يريد أن يتمّ بالكاد دفعات تعليم أولاده. وهناك من يشتكي لأنه يريد أن يغيّر الحذاء لأن في رجليه منذ عشر سنين. وهناك من يشتكي لأنه يريد أن يستر عورته، لا يريد أن يكون مكشوفًا أمام الناس وثيابه مرقّعة. وهناك من يشتكي لكي يرحمه ربنا من البرد الذي هو فيه، الناس الذين في الملاجئ، واللاجئون الذين على الحدود. الأحوال مختلفة، وشكاوى الناس مختلفة.
وبقَدَر الله سبحانه وتعالى، من خلال شغلنا أحيانًا، نقعد مع الناس الأغنياء جدًّا، الذين يتكلمون عن ستة أرقام وسبعة أرقام، والكلام الكبير هذا بجانب الألف، قصدي بجانب الواحد، فلما نقعد مع الناس: كيف حالك؟ يقول لك: والله يا شيخ تعبان جدًّا، والبضاعة الفلانية متأخرة. فتحسّ أنه يتكلم بنبرة الهمّ نفسها. ثم نروح إلى زوجته فنسألها: ما رأيك في الحياة؟ فتقول لك: والله الحياة كلها مللٌ، وأنا لا أعرف ماذا أفعل، وتعبانة جدًّا جدًّا. الشغالة هذه طلّعت عيني، والولد السفرجي هذا مزهقني آخر حاجة، وسائق السيارة هذا ولد ممل، أقعد أناديه أكثر من ثلاث دقائق حتى يردّ عليّ. يا ضناي، يا غلبانة، يا عيني! تحس أنك ستبكي وأنت مشفق عليها: يا ستي هذه غلبانة قوي! ما هذا يا حاجة؟ كل النعيم الذي أنت فيه هذا! وهو يبيّن أن في النفس البشرية: ما فيش قناعة.
ولذلك لا بد أن نفهم ما هي الأساسيات التي نحتاج إليها في حياتنا. سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يتعب ويريد أن يرتاح ماذا يفعل؟ يقول لبلال: «أرِحنا بها يا بلال».[12] أرحنا بماذا؟ بالصلاة. فأنا تعبان جدًّا؟ ركعتان في جوف الليل، الله أكبر، صليتُ فارتحتُ. تعبان جدًّا، وسايق، ومضغوط، ومتضايق، والدنيا... فأقوم وأشغّل الاستغفار: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. حسّ هكذا أنك تُخرج كل ما بداخلك في الاستغفار؛ تدفع به وَغْر الشيطان، تدفع به وَغْر النفس، تدفع به كل ما يؤذيك. فإذا بك تستغفر الله، وبعد قليل تشعر بأريحية وطمأنينة وحسن استقرار، وتشعر أنك رجعتَ مرةً ثانية حابًّا الحياة التي أنت عايش فيها، وتشعر أنك مرةً أخرى تحتاج أن تروح البيت وتشوف الناس الذين خرجتَ منهم زهقان أو متضايقًا منهم، إلى آخر ما يكون في ذلك الشأن. أسأل الله تبارك وتعالى البركة لنا ولكم يا رب العالمين.
المفتاح بيد المرأة
كان النبي ﷺ في خدمة أهله، ولكن قبل أن ننادي الرجال أن يفعلوا ما نطلبه منهم، لا بد أن نناشد أنفسنا أيضًا أن نبذل ما نستطيع عليه من الرحمة التي رب العالمين سبحانه وتعالى نشدها داخل البيوت المسلمة. ونقطة الارتكاز الأولى فيها عند الستّ، عند المرأة. تقولين لي: أنتم دائمًا تكلّفونهن! فأقول لك: هذا تكريم لك؛ أنتِ التي تمسكين المفتاح، أنتِ التي تقدرين أن تُدخلي الخير، وأنتِ التي تقدرين أن تمنعي الخير، أنتِ التي تقدرين أن تتفهمي الموقف.
هو دماغه — ماذا أقول؟ — أقول: مثل «الصَّرْمة القديمة»، طالع داخل، طالع داخل.[13] دماغه فيها أرقام، وفيها مشكلات، وفيها حالات، وفيه مشكلة مع الجامع والشيخ، ومضايقنا مش عارف في إيه، والإدارة مش عارف عملت، وهناك الشغل مش عارف، والبزنس كذا، والأرقام. هذه الدماغ متعبة ومربوط عليها. وحضرتك في البيت أنتِ أيضًا أوفر عندك مشكلاتك وعندك حاجاتك. ولكن سبحان الله القدير، الله سبحانه وتعالى «خلق لكم من أنفسكم»، علشان ماذا؟[14] من بقى الذي سيُسكّن الرجل، ومن السكن؟ تخيّلي حضرتك أنك أنتِ الجدران الأربعة والسقف والتدفئة والتكييف، أنك أنتِ المصدر الذي هو ما إن يدخل عندنا يجد عندنا كل هذه الأريحية التي ينبغي أن تكون. سبحان الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذا الموطن وفي هذا اللقاء. اللهم آمين.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه البخاري. [2]: توثيق المحرر: عبارة المحاضر في هذه الفقرة مضطربة في التفريغ، وثبت منها المعنى العام: أن يكون المسلم هو نفسه داخل البيت وخارجه، ولا سيما في غض البصر. و﴿قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا﴾ لفظ قرآني ورد في وصف إبراهيم عليه السلام في سورة النحل: ١٢٠، واستعمله المحاضر وصفًا للولد. [3]: توثيق المحرر: هذا المعنى رُوي من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها عند البيهقي في شعب الإيمان وفي إسناده ضعف، ولم يعزُ المحاضر الحديثَ ولم يُسمِّ الصحابية، وصيغته في المحاضرة منقولة بالمعنى؛ فيُراجع تخريجه قبل الاستشهاد. [4]: توثيق المحرر: الأعداد (عشرة وثمانية وثمانية عشر) على سبيل التمثيل، وهي مضطربة بعض الاضطراب في التفريغ؛ والمحاضر يمثّل بها لمعادلة الأجر بين الزوجين. وعبارة «يقول لي: ما رأيك أن أنال أنا أيضًا ثوابًا لو بررت أمي» غير واضحة في التفريغ من حيث من القائل، وثبت منها ما يوافق السياق. [5]: توثيق المحرر: الآية من سورة النساء: ٣٤، ولم يذكر المحاضر موضعها. [6]: توثيق المحرر: عبارة «لو مشيتَ في الاتجاه الآخر فأقول لك: تعال» مضطربة في التفريغ، وثبت المعنى الظاهر منها فقط. [7]: توثيق المحرر: متفق عليه. [8]: توثيق المحرر: بقيّة الحوار مأخوذة من حكاية المحاضر، وصياغتها في التفريغ مرتبكة؛ وجاء في عباراتها الأخيرة ما يحتمل قراءتين في تعيين المتكلم، فاعتُمد ما يوافق سياق الحكاية. [9]: توثيق المحرر: عبارة التقييم (كم تنال المرأة من الدرجات) والأرقام فيها مضطربة في التفريغ، فلم تُثبت أرقامها. [10]: توثيق المحرر: انقطع الكلام هنا في التفريغ دون إتمام الفكرة، ثم انتقل المحاضر إلى مفهوم الاحتساب. [11]: توثيق المحرر: يُروى هذا الدعاء من دعائه ﷺ في الطائف، ذكره أهل السير، وفي إسناده ضعف، ولم يعزه المحاضر؛ وقد ذكره المحاضر بصيغة الجزم بأنه شكوى لله. [12]: توثيق المحرر: رواه أبو داود بلفظ «يا بلال، أقم الصلاة أرحنا بها». [13]: توثيق المحرر: «الصرمة» في العامية المصرية الحذاء، ولم يتضح تمامًا في التفريغ مقصود التشبيه، وظاهره الدلالة على كثرة الذهاب والإياب. [14]: توثيق المحرر: لم يتل المحاضر الآية كاملة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.