من أسئلة الصحابة إلى بناء الأسرة: وقفات مع سورة البقرة
الخمر والميسر والإنفاق واليتامى، ثم بناء البيت: النكاح والمحيض والإيلاء والعدة والطلاق والخلع
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بعد الفجر بتاريخ 19 مايو 2022م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نلقى الله تبارك وتعالى في كل صباح متجدّد بمجموعة من الآيات المباركات، نتناول جزءًا من فهمها ومضمونها، ونسأله سبحانه أن يبصّرنا بعيوبنا وأن يفتح بين أيدينا أبواب الخير والسلامة. وموضع هذه الخاطرة عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.[1]
التسليم فارقُ الأمة، ومن ثمّ كثرةُ الأسئلة
أخبرنا ربّ العالمين سبحانه أن قضية التسليم له عزّ وجلّ هي الفارق بين أفراد الأمة المحمدية وبين الأمم التي سبقتها، وأن ذلك الجحود وذلك الجدال والعناد والكفر والتكبّر والاعتداء الذي صدر ممن سبقكم لا ينبغي أن يكون فيكم. ولعلّ هذا هو السبب المباشر وراء هذه الأسئلة المتكاثرة من أصحاب النبي ﷺ؛ فهم يسألونه عن الأهلّة، وعن الخمر والميسر، وعن ما ينفقون، وعن المحيض، وعن اليتامى. أورد الله تعالى عدّة أسئلة على ألسنة الصحابة في هذه السورة المباركة، منها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾.
وفي الربع الذي سبق رأينا أن الله تبارك وتعالى أخبر النبي ﷺ بالجهات التي ستكون بينه وبين كل من اختلفوا على منهجهم: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾. حدّثتنا الآية عن أناس لم يسلّموا حقيقة التسليم لمراد ربّ العالمين سبحانه، فكان الوازع عندهم كثرةَ المال، أي الوازع المادي المحض.
الخمر والميسر: نفعٌ ماديٌّ يصاحبه إثم
هنا قد يتعرّض المسلم لهذا السؤال: قد سمعنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فماذا عن مصادر المال، ومصادر التكسّب التي بين أيدينا؟ فيأتي السؤال: يسألونك عن الخمر والميسر، ويحدّثنا ربّ العالمين سبحانه بقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
وقد ذكرنا مرارًا أن الإسلام دينٌ منطقيّ واقعيّ، لا يتحدّث بلغة الخيال، وإنما بلغة الواقع، يتحدّث بما يتحدّث به لسان الناس في الشارع. فإذا نظر أيّ أحد إلى متاجر الخمر التي نراها أمام أعيننا في الممرّات والطرقات أدرك أن هؤلاء أصحاب المصادر الكبرى في تكسّب الأموال واغتنامها وتخزينها وادّخارها. فربما يسيل لعاب المسلم وراء هذا الكمّ العظيم من الأموال فيقول: لعلّ لي من ذلك نصيبًا. فالله تعالى يقرّ بأن في ذلك نفعًا ماديًّا حقًّا لكثير من الناس، لكنّ هذا النفع يصاحبه إثمٌ بين يدي ربّ العالمين سبحانه.
والآية التي قبلها تحدّثنا عن ناسٍ لا يرجون إلا رحمة الله تبارك وتعالى، ولا يرجون من الدنيا أكثر من أن يعبروا إلى مراد ربّ العالمين. وغنيمتهم في هذه الحياة الدنيا تتمثّل في أمرين رئيسيين: إرضاء ربّ العالمين، وإعمار الأرض التي نحيا عليها. فإذا وُجد سببٌ دون ذلك من مطامع الحياة الدنيا ومدّخراتها فليس لنا فيه نصيب كبير، خشيةَ أن نتعرّض لشيء من عذاب الله تبارك وتعالى أو نقمته يوم القيامة.
ماذا ينفقون؟ العفو وتعدّد الفهوم
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. وفي الآيات السابقة لما سألوا النبي ﷺ ماذا ينفقون قيل: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾. وبعد هذا البيان التفصيلي في الآية السابقة، إما أن يكون المراد بالعفو ما تعفو به نفوسكم في هذا الإخراج لأولئك الأشخاص أو لغيرهم، أو ما كان من عفو المال عند من بخلت نفوسهم، أو ما كان زائدًا عن الحاجة. وعلى حسب الفهم بين أهل العلم يختلف المراد.
والعجيب أن هذا الاختلاف في المفاهيم يجعلنا أكثر استيعابًا للواقع وأكثر تعاملًا معه. فربما نرى رأيًا يقول: العفو هو ما زاد عن الحاجة؛ فإن كان الرجل ينفق على نفسه وأهله من دخله ويبقى عنده بعد ذلك فائض، فهذا الفائض هو العفو عنده، ففي حالات الشدائد والكوارث نطالبه بأن يُخرج العفو. وربما كان العفو الذي تطيب به نفسه جزءًا من ذلك الدخل لا كله، فنطالبه بهذا. وربما كان العفو هو ما عفت به نفسه ولو كان مقدارًا يسيرًا. والشاهد أن الله تبارك وتعالى فتح الباب بعد أن قيّد أنواع المستحقّين الآخذين لهذه النفقات في الآية السابقة.
اليتامى: الإصلاح غايةُ التعامل
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾. اتفقنا على أن المسلم إنما يهدف إلى إعمار الأرض، وأن الوقوف بجانب الضعفاء هدفٌ رئيسي لإحياء المجتمعات كلها، ومن ثمّ ورد هذا السؤال. فلا يتكسّب الإنسان من مصدر حرام للتمويل، ولا يتكسّب من استغلال شخص ضعيف؛ ولذلك وردت الآيات: يسألونك عن الخمر، ويسألونك عن اليتامى. والله تبارك وتعالى لمّا أجاب أجاب بالمستهلّ في التعامل معهم، وهو قضية الإصلاح: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. وكأني بربّ العالمين سبحانه يريد أن يجيب عن نفوس كثيرة تتظاهر أمام الناس بأنها حريصة على أموال اليتامى وأنها في خدمتهم وتعمل لصالحهم، وغرضها الأساسي في داخلها ليس كذلك، والعياذ بالله.
من العلاج المجتمعي إلى البناء الأسري
ثم يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾. ودائمًا نتساءل فيما بيننا: ما الرابط بين هذه الآية وما سبقها؟ الموضوعات السابقة تتحدّث عن انطلاقة إلى الحج وتخلٍّ عن الدنيا وامتثال بين يدي ربّ العالمين، وعن كمّ المواجهات التي سيتعرّض لها المسلم في حياته وهو يدافع عن الحق، وعن امتناعه عن أخذ الحرام سواء كان من مصدر حرام أو من شخص لا يجوز الاعتداء عليه. فما العلاقة بين هذا وذاك؟ لقد انتقلنا من مراحل العلاج المجتمعي في التعاملات الإنسانية إلى مرحلة أخرى، هي مرحلة البناء الأسري.
ومن البداية ينبغي أن يكون البناء الأسري على نقاءٍ وطهارة؛ فما ينبغي أن تُوضع نطفة مسلم في رحم تشرك بالله تبارك وتعالى، وما ينبغي أن يستوعب رحمُ مسلمةٍ نطفةً تأتي من بدن لا يؤمن بالله تبارك وتعالى. ومن ثمّ كان التحريم لكلا الطرفين: لا تنكحوا المشركات، ولا تُنكحوا المشركين.
وهذه الولاية التي لأولياء الأمور على بناتهم تعطيهم السلطة، أو القدرة، على أن يقولوا: نعم، أو لا، مع إبداء الرأي كما هو مطلوب من البنات في ذلك. وقد يتساءل أحدهم: لماذا مسألة الولاية أصلًا؟ ولماذا يوجد وليّ للمرأة؟ أليست قادرة على اتخاذ القرار؟ أليست لها سلطة وكرامة ومكان؟ هذا موضوع نتناوله فيما بعد، ولكن الخبرة الأنثوية تختلف عن الخبرة الذكورية، ولكلٍّ منهما ميدانه ومجاله. ومن ثمّ كان للوالد الذي ربّى ويعرف طبيعة هذه الفتاة أن يختار من الرجال من يعرف طبائعهم، وأن يدرك حقيقة ما عندهم، ويستبين طبيعةَ هذا الداخل إلى بيته: أصادقٌ هو أم كاذب، مخادعٌ أم مخلص، وهكذا.
والشاهد أن الله تبارك وتعالى فتح لنا بابًا آخر هو باب البيوت: كيف تُبنى وكيف تكون. فمن البداية هناك تحريمٌ مشترك بين الرجال والنساء: ألّا يتزوّج الرجل من مشركة، وألّا تتزوّج المرأة من مشرك. ثم حصل استثناء بعد ذلك ورد في سورة المائدة لأهل الإيمان من الرجال أن يتزوّجوا من نساء الكتاب بالشروط الواردة هناك. والموضوع أيضًا ليس مفتوحًا كما يتصوّر بعضهم، أن يلقى بنتًا تشتغل في المكان فيذهب فيتزوّجها وينام معها على اعتبار أنها «كتابيّة»؛ فهناك شروط، منها الإحصان وغيره، لكن هذا يأتي في بابه وميدانه إن شاء الله تبارك وتعالى.
المحيض: معايير التعامل بين الزوجين
ولمّا كانت العلاقة الخاصة بين الرجل والمرأة أدقّ علاقة بينهما، وربما كانت هي تحديدًا السبب المباشر لأكبر كمٍّ من المشكلات التي نجدها حين نتعرّض للإصلاح بين الزوجات والأزواج، جاء الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن هذه الحالة الحرجة: يسألونك عن المحيض، ماذا نفعل فيه؟ يمكن أن نبتعد، يمكن أن نقترب؟ فجاء الجواب من ربّ العالمين سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
في هذه الآية يضع الله تبارك وتعالى معايير التعامل بين الرجل والمرأة في هذه الحسابات الدقيقة جدًّا بين زوجٍ وزوجته في فراشهما، في الحلال الذي أحلّه الله، باستثناء بعض الحالات الزمنية التي يمكن أن يحصل فيها الأذى لكلا الطرفين. فيقول الله لكليهما: توقّفا حتى تستردّ المرأة عافيتها النفسية والصحية، وحتى يكون الرجل بعيدًا عن أيّ مصدر من مصادر الميكروبات، أو ما يتحدّث به أهل الطب في هذا الميدان. ثم يقول الله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وسبحان الله! كأني بربّ العزة سبحانه لا يريد أن يلقى الرجلُ امرأته إلا وهي في أحسن حال وأعظم شأن، ولا يريد للمرأة أن تستقبل رجلها وهي غير مستعدّة نفسيًّا أو بدنيًّا لاستقبال هذا الإنسان في هذه الحال.
ثم يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾. إنه فتحٌ لباب الاستمتاع بين الطرفين بما هو سائغ لهما، بشرط ألّا يكون هناك تعاملٌ في الحرام، كأن تُؤتى المرأة من دبرها مثلًا، والعياذ بالله، أو أن يكون هناك أمرٌ شاذّ في التعامل بينهما. ويقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ﴾، لكن قبل ذلك يقول: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾ ـ وهاتان كلمتان تحلّان معنا معظم مشاكل العلاقات الخاصة بين الرجال والنساء ـ أن يقدّم الرجل لنفسه بين يدي امرأته، وأن تتهيّأ المرأة لاستقبال الرجل.
ضبط الكلمة: الأيمان والإيلاء
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. وكأني بهذه العلاقات الخاصة قد تُنتج في بعض الأحيان نوعًا من الخلاف، وفي بعضها نوعًا من الاتفاق، فإذا بربّ العالمين سبحانه يأمر لا بضبط النفس فحسب، وإنما بضبط الكلمة أيضًا؛ فيحدّثنا أن الألفاظ الخارجة من ألسنة الناس ينبغي أن تكون محسوبةَ العواقب. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
ومن جملة هذه الأيمان أن يقسم الرجل على امرأته ألّا يطأها، فيضع الشرع لذلك حدًّا؛ إذ لا ينبغي أن تُمسَك المرأة ضرارًا، كما سيأتي معنا في قوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾؛ فلا هنّ متزوّجات ولا هنّ مطلّقات، وهذه حالة لا ترضي الله تبارك وتعالى. وهنا يأتي الخطاب لكثير من الأزواج الذين يسافرون فترات طويلة من الزمن ويتركون نساءهم، لا تدري أهي معلّقة أم متزوّجة أم مطلّقة؛ لا تستطيع أن تستمتع بزوجها الغائب، ولا تستطيع أن تنصرف إلى رجل آخر لأن ذلك محرّم عليها، ولا تستطيع أن ترى نفسها طليقةً حرّة تختار رجلًا آخر، ولا هي محصِّلة للنفع المطلوب من الزواج الذي هو حقّ لها لا تُعاتب عليه ولا تُلام فيه. وكذلك رجال كثيرون هم متزوّجون مع إيقاف التنفيذ؛ يُهلك نفسه في العمل طوال النهار، حتى إذا عاد إلى امرأته في آخر الليل رأى نفسه لا يستطيع أن يعطيها بعضًا من حقّها. وقد تكون هذه حالة طارئة كيوم أو يومين أو عشرة، لكن إذا استمرّ الحال لأشهر أو سنوات فإن الأمر يضيق ذرعًا بالنساء.
يقول الله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ أي إذا حصل هذا وآليتَ على امرأتك ألّا تمسّها، فإن الشرع يعطيك فترة زمنية أربعة أشهر تراجع فيها نفسك: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي لا اختيار آخر؛ لا ينبغي أن تبقى المرأة معلّقة هكذا أكثر من هذه المدة.
العدّة وأحكام الطلاق
ثم تبدأ الآيات تشرح بعض الأحكام المتعلقة بالطلاق، فينتقل الحديث إلى العدّة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. وكأن ربّ العالمين يحدّثني عن هذه العدّة التي تستمرّ ثلاثة قروء، أو ثلاث حيضات، أو ثلاثة أشهر عند من لم تحض، نوعًا من براءة الرحم، ونوعًا من الراحة النفسية والطمأنينة. وفي مدة العدّة، إن كان الطلاق رجعيًّا كما تعلمون حفظكم الله، تكون هناك فسحة من الزمن وفرصة لكلا الزوجين أن يراجع نفسه في القرار الذي اتخذه؛ فلربما عادت المياه إلى مجاريها بعد أن نزغ الشيطان بين الطرفين.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾؛ يعني حرامٌ على المرأة إذا أدركت أنها حامل ألّا تخبر زوجها، فإن لم تخبره فذلك حرام عليها. ثم يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. ومسألة الحمل توسّع دائرة العدّة أو تضيّقها؛ فإذا كانت العدّة في الحال الطبيعية ثلاثة قروء، فلربما كانت المرأة حاملًا وزوجها لا يدري، وهي من النوع الذي لا يكبر بطنه كثيرًا، فلم تخبره لأن الحياة فيها نوع من القلق أو الاضطراب أو عدم الاستقرار. هنا إذا حدث طلاق يحرم عليها ألّا تخبره بذلك. ولربما كانت عدّتها بعد يومين أو ثلاثة أن تضع حملها، ولربما كانت في بداية الحمل فتكون عدّتها عدة أشهر، إلى أن تصل إلى التسعة أو الثمانية أو السبعة، على حسب الحال.
ثم يقول الله تبارك وتعالى في تأصيل قضية الطلاق: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي من حقّ الرجل أن يطلّق امرأته مرتين ثم يردّها إلى عصمته، لكن إذا طلّقها الثالثة فليس هناك مجال لأن تعود إليه إلا إذا تزوّجت من رجل آخر.
لا مساومة على حقّ المرأة
وبعد أن نهى الله الرجلَ أن يأخذ من حقّ امرأته شيئًا ـ فبعض الرجال إذا أرادت المرأة أن تطلّق، وهو في الحقيقة ظالم لها، يقول لكي يخلّي سبيلها: تنازلي عن كل شيء ـ وهذه الجملة في ذاتها محرّمة إذا لم يكن هناك خطأ من الزوجة. وإذا كان الرجل هو المعتدي وعليه الحق في الأمر كلّه، أو هو الراغب في الطلاق، فلا ينبغي أن يساوم امرأته على مهرها أو متاعها أو نفقتها: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وفي حال افتداء المرأة نفسها بما تتركه لزوجها من مال، هذا ما نسمّيه الخُلع، أو ما سمّاه الشرع الخلع: أن تختلع المرأة نفسها من زوجها بأن تتنازل له عن مهرها، أو تردّ عليه ما أعطاها إياه.
الطلاق الثالث، والإمساك ضرارًا
ثم يخبر الله تبارك وتعالى أنه إذا حصل الطلاق ثلاث مرات ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ تنكح نكاحًا حقيقيًّا، أي تتزوّج وتتعرّض لتجربة جديدة من الزواج قد تنجح وقد تفشل. فإذا فشلت وأدركت خطأها وأنه كان لا بدّ لها أن تصبر أكثر، أو هو أحسّ بالفقد فأراد أن يراجعها مرة أخرى بعد أن تُطلَّق، فلا بأس: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾. لأنها إذا تزوّجت رجلًا آخر صارت محرَّمةً عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ فالله تبارك وتعالى جعل لكل رجل حرمةً في أهل بيته، وجعل لكل امرأة حرمةً إذا تحصّنت برجل، سواء كان زوجًا لها أو والدًا لها، فللنساء حرماتهن، وكذلك للرجال حرماتهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾. يعني: لا تعلّق المرأة فتقول لها: لن تُطلّقي، ولن تخرجي، وإنما سوف تبقين هكذا ـ وفي مصر نقول: «زي البيت الوقف»، لا أنتِ متزوجة ولا أنتِ مطلّقة. والعلماء يقولون: ﴿لَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. والخطاب إما موجَّه للأزواج الذين يمسكون النساء، وإما موجَّه لأولياء الأمور: عندي بنت أو عندي أخت لا أريد أن أزوّجها إلا لمن يدفع لي أكثر ـ لا لمن يدفع لها، وإنما لمن يدفع لي ـ فأسعى على حسابها. فإذا أتيتَ لتتزوج أختي أو ابنتي قلتُ لك: لا، لن أدفعها لك حتى تدفع لي، فصارت هي في مقابل هذا المال. أو يكون بيني وبين شخصٍ ما شيءٌ من الإشكال، مسألةٌ نفسية أو شخصية، فلا أعطيها إياه مع أنهما يرغبان في بعضهما أو هو كفءٌ لها، فأمتنع عن تزويجها لهذا الشخص فقط لأن بيني وبينه أمرًا شخصيًّا.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ثم: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني إذا خاضت المرأة التجربة الثانية ثم فشلت، ثم أرادت أن ترجع إلى الأول، فلا تمسكها بحجّة أنها سوف تعود إلى زوجها الأول. وأنتم تعلمون أن إمساك النساء يكون بطرائق متعددة: فمن الناس من يقيم عليها دعوى قضائية، ومن الناس من يأخذ عليها مثلًا مكتوبًا ماديًّا، ومن الناس من يكون قد أمسك عليها سرًّا من الأسرار، إلى غير ما يحصل معه من الاعتداء.
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم. نسأل الله تعالى لنا ولكم الهداية والسلامة والعافية والأمن، وإلى لقاء متجدّد بإذن ربّ العالمين، نستودعكم الله، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
--- [1]: توثيق المحرر: الآيات الواردة في الخاطرة من سورة البقرة (الآيات ٢١٣ و٢١٥ و٢١٨ و٢١٩–٢٣٢)، ومعها قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ من سورة النساء، الآية ٢٤. وقد اقتُصر في المتن على القدر الذي نطق به المتحدث من كل آية، ولم تُتمَّم الآيات التي ذكرها مجملةً. واقتُصر في قوله «فأتوا حرثكم» على هذا القدر من الآية (٢٢٣).
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.