A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Familia y Educación

العلاقات الأسرية في بيت النبي ﷺ

كيف عالج النبي ﷺ مواقف بيته بالحلم والمنطق لا بالعنف، وسبع وقفات لبيتٍ هادئ

Dr. Ahmed Abouseif•٨ مايو ٢٠٢٤•19 min de lectura
المناسبة: تفريغ محاضرة بعنوان «العلاقات الأسرية» أُلقيت بتاريخ ٨ ديسمبر ٢٠١٦م، ضمن لقاءات متتابعة في المسجد، وهي تعليق على ما قيل في الليلة السابقةالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بدأ المحاضر بالحمد والصلاة على النبي ﷺ، ثم قال: إن الله سبحانه وتعالى ائتمننا على الحياة، وجعل قوامها التقاء رجل وامرأة ليخرج من خلالهما جيلٌ يحمل اسم دينه. ولأجل أن يتربى جيل يحمل اسم الدين لا بد أن يتربى في بيئة مناسبة، لكي يخرج مكتملًا نفسيًّا ومكتملًا عقليًّا ومكتملًا بدنيًّا. ونحن نناقش الموضوع اليوم تعليقًا على ما قيل بالأمس.

جذور المشكلات: بيتان يتصادمان

تسعون في المئة من المشكلات التي تأتينا، إن لم تكن تسعة وتسعين، حين تقول للزوجة أو للزوج: معذرةً، لنهدأ قليلًا ثم نرجع نتحدث معًا، وتبدأ تعود بالذاكرة إلى الوراء شيئًا فشيئًا، تجد المشكلات كلها جذورها في مرحلة الطفولة. هي كانت ترى أباها يعامل أمها بطريقة معينة، فهي تريد أن تؤدي الدور نفسه، أو هي متخيلة أنه سيُفعل بها ما كان يفعله أبوها بأمها. فمن أول ليلة تريد هي أن «تذبح له القطة»، فيكون هو بطبيعة الحال رجلًا لا يخضع لهذا، فتحاول هي، ويمارس هو طبيعته كذَكر. وليس مستحيلًا أن يلتئم الأمر. فنقعد نهدّئ فيها، حتى نقول لها: طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة كذا وكذا، وأساسيات التربية كذا وكذا.

وفي الوجه المقابل، لو تصورنا المشهد نفسه: الأخ، الله يفتح عليه، كان يرى والده الله يحفظه قائدًا للحال، ما شاء الله، لا يملأ البيت بحسّه فقط، بل بصوته وبيديه وبعصاه وبكل شيء. فهو متخيل أن الزواج هكذا. فأول ما تأتيه بنت الناس، بعد أن تربّت وتعب أهلها فيها وعلّموها وما إلى ذلك، يريد أن يمارس الدور السلطوي نفسه الذي كان أبوه، الله يكرمه، يمارسه بالضبط وبالحرف. فيحصل صدام بين بيئتين مختلفتين، ومستحيل أن تستمر الحياة بهذا الشكل.

النبي ﷺ ونساؤه: لا عنف ولا صراخ

النبي ﷺ لما تزوج إحدى نسائه ومكث عندها ثلاثًا وأراد أن ينتقل إلى بعض نسائه الأخريات، قالت له: فلتبقَ عندي أسبوعًا. فقال لها: «لو سبّعتُ لكِ لسبّعتُ لبقية النساء».[1] فما رأيكم؟ هل في هذا الكلام عنف؟ هل فيه صوت عالٍ؟ هل فيه منطق؟ نحن لم نبدأ حياة جديدة بعد! هذا هو الأصل: أن يحصل نوع من التعامل بين الرجل والمرأة بالمنطق، بالعقل، بالمعروف، بالحكمة، بالهدوء.

وقد سألتُ أمس سؤالًا: هل وردتْ لكم رواية واحدة، من التي ينقلها من ينقل، صحيحة أو ضعيفة أو موضوعة أو غير ذلك، أن النبي ﷺ عنّف نساءه؟ وخلوا بالكم يا إخواننا، أنا أتكلم من الجهة نفسها التي نحن فيها كلنا: نحن رجال مثل بعض.

وفيما يبدو من كلام المحاضر المضطرب في موضع آخر أن عائشة رضي الله عنها كانت تتكلم في حق السيدة خديجة، وهذا من الغيبة؛ فأنكر عليها النبي ﷺ ما تفعل وبيّن لها أنه غلط، لكنه لم يكن ينتصف لشخصه.[2] وتساءل: أكانت مخطئة في حقّه هو، أم في حق نفسها أمام الله؟

ومشكلتنا كلها، يا إخواننا، أننا ننتصر لأشخاصنا. كل المصائب التي حصلت في بيوتنا بسبب هذا: يقول لك: هذه ما أعطتني، هذه ما اعتبرتني، أو تقول: هذا لم يفعل، أو لم يقل، أو لم يحترم. كل المشكلات القائمة بسبب «أنا»، أو هي تقول أيضًا: «أنا». فكلمة «أنا» و«أنا» تجعل الدنيا تشتعل داخل البيت، أليس كذلك؟

لكن لو اعتبرنا ما كنا نتحدث عنه بالأمس، وهو قضية الاحتساب: أننا نتزوج لله، ونعيش مع زوجتنا لله، وننجب أطفالًا لله، ونربّي العيال لله، ونصبر على أذى الطرف الآخر. أنا لا أقول إني سأحمل الموضوع كله على رأسي، ولا أقول إني سأتحمل كل النتائج والأسباب، لكن لي شقٌّ من الموضوع لا بد أن أتحمله. مرة ثانية: نحن عايشون، نريد أن نعيش سعداء أم تعساء؟ سعداء يا إخواننا. والعنف مطلقًا لا يولّد سعادة، مستحيل أن يولّد العنف سعادة. وكفانا عنفًا مع الحياة، فإذا دخلتَ بيتك فحاول أن تعيش شيئًا من السلام.

«غارت أمكم»: قصة الصحفة

لننظر في مرة من المرات إلى سيدنا النبي ﷺ في الحديث الذي يرويه أنس رضي الله عنه، يقول: كنا عند النبي ﷺ فأتاه غلامٌ بطبق فيه طعام، فلما دخل به جاء من عند سيدته صفية، فلما نظرت إليه عائشة رضي الله عنها أمسكت بالإناء.[3]

انتبهوا معي قليلًا. ... فالسيدة عائشة قامت ماسكةً الإناء وقامت رامية به على الأرض فكسرته. وأنا أستأذنكم قبل أن نكمل: تخيّل أنه جاءتك هدية من أي أحد، أي أحد، وقامت زوجتك وقالت لك: ألم أقل لك إني لا أحب هذا النوع؟ ثم رمتْها على الأرض محطِّمةً لها، وتلخبطت الدنيا، والشيء وقع على الأرض، والطبيخ... فسيدنا النبي ﷺ ماذا فعل؟ وقبل أن أكمل أريد أن أسأل كل واحد: ماذا يمكن أن تفعل في موقف كهذا؟

فسيدنا النبي ﷺ، أمام الشباب الصغار الذين كانوا موجودين، يقول لهم: «غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم» ثلاث مرات. لماذا يقول ذلك ﷺ؟ نحن لا نعرف بالضبط، لكننا نحاول أن نفهم. أراد النبي ﷺ ألّا يُنزل من مكانتها امرأتَه أمام أطفال يرون علاقة بين رجل وزوجته. لا نريد أن نكسر المفاهيم عندهم وهم صغار، نريدهم أن يكبروا وهم فاهمون العلاقة على وجهها. «غارت أمكم»؛ فكبّر من شأنها في عين الصغار. والصغار في الغالب لا يفهمون دلالات مصطلح الغيرة بالشكل المطلوب، خصوصًا بين النساء وبعضهن أو بين الرجل وامرأته. ولكن كلمة الغيرة تحديدًا كانت موجَّهة إلى زوجته، ليُريها موطن الخلل حقيقةً والسبب الذي انطلق منه التصرف: هي عملت هذا لماذا؟ لأجل الغيرة. طيب، الغيرة هذه ستبقى معك إلى متى؟ ستبقين غيرانة إلى متى، وعلى أي أساس؟

والسيدة عائشة رضي الله عنها تنظر إليه وتقول: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ ونحن لما نسأل أنفسنا: طيب، ما العقوبة؟ انتبه، إنها تجاوزت مرحلة الاعتذار؛ نحن في الأول نقول: آسفة، أنا آسفة، ثم: كيف أُصلح ما أفسدت؟ فهي تجاوزت المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، لأن الاثنين على الخط نفسه من الفهم. نحن لا نريد عتابًا أمام العيال الصغار، فلا مجال للاعتذار أمام الصغار، فنتجاوز إلى المرحلة التي نربّي فيها الصغار أيضًا أنه لما يغلط يُكفّر عن خطئه، ويدفع نتيجة المصيبة التي حصلت، ولازم يصلحها بيديه. فنحن الاثنان نربّي حتى ونحن في مشكلة صغيرة.

فسيدنا النبي ﷺ يقول لها شيئًا ظريفًا جدًّا: «طعامٌ بطعام وإناءٌ بإناء».[4] مرة ثانية: كأنها تقول له: يكفي ما عاتبتُ به نفسي، فأرجوك لا تعاتبني، وقل لي ما الذي يمكن أن أفعله لأكفّر به عن خطئي. فقال لها: طعامٌ بطعام وإناءٌ بإناء. ونحن إلى الآن، هل شفنا أي دماغ تكسّرت أو عين خُرمت؟ إلى الآن لم نرَ في الرواية أي عنف في المعاملة، مع أن الموقف ليس هيّنًا.

ثلاث نساء ومؤتمر

كان في ثلاث نساء، «إن صحت الرواية، والرواية على عهدة الراوي»، قلتُها لشباب في مسكيت قبل ذلك، لكن أحد الإخوة لم يكن موجودًا، فنحكيها ونحن ماشون في السيارة... صلوا على الحبيب. يقول لك: كان في ثلاثة منهم، وهذا مصري، قالوا: اتفقوا في المؤتمر النسوي هذا على ألّا يعملن شغل البيت لمدة ثلاثة أو أربعة أيام ويشاهدن ردّ أفعال أزواجهن. فقالت الأولى، وهي «خواجايه»، يعني أمريكية أو غيرها، في الاجتماع التالي قالت: أنا اليوم الأول لم أعمل شيئًا، واليوم الثاني لم أعمل شيئًا، واليوم الثالث وجدتُه يقول لي: أحس أنك مرهقة قليلًا، تعالَي نتغدى بالخارج اليوم. فأخذني وغدّاني بالخارج ودلّلني أقصى دلال، ثم رجعنا إلى البيت. وجاءت الخواجايه الثانية تقول: اليوم الأول لم أعمل شيئًا، واليوم الثاني لم أعمل شيئًا، واليوم الثالث وجدتُه قام من نفسه وأخذ نفسه ومضى إلى المطبخ وبدأ يُنهي عمله بالراحة ويهدّئ الدنيا، لكنه إلى الآن لم يكلمني. وجاءت المصرية بتاعتنا فقالت: اليوم الأول لم أعمل شيئًا، واليوم الثاني لم أعمل شيئًا، واليوم الثالث بدأتُ أرى بعين... اليمين، بمنتهى البساطة، وضحك الحضور.[5]

العقوبة المصلحة

إذن نحن لا نزال إلى الآن في الرواية لا نرى أي عنف في المعاملة. فيقول لها النبي ﷺ كفارةَ ما صنعتِ: طعامٌ بطعام وإناءٌ بإناء. وحكاية «إناءٌ بإناء» سهلة أم صعبة؟ كان مصنوعًا من الفخار، وثمنه كم؟ نقدر أن نشتري غيره، نشتري غيره من أي مكان إن شاء الله. لكن الطعام كيف تصنع مثله؟ نحن كلنا نعرف أن السيدة عائشة رضي الله عنها لم تكن تُجيد الطبخ، وكانت هذه نقطة غيرة عندها؛ وهذا من حقها، وليس خارج إطار البشرية، بل هو طبيعي في الناس. فكيف تقدر أن تصنع الطعام؟ يستحيل أن تأتي بطعام مثل ذلك الطعام إلا أن يكون الصانع واحدًا. فمن الذي سيصنعه مرة ثانية؟ التي صنعت الأولى. إذن الاعتذار ليس لي أنا، الاعتذار للسيدة التي أسأتَ في حقها، لكي تقدر أن تصنع لك مرة ثانية.

فما رأيكم في هذه العقوبة؟ هادئة أم عنيفة؟ تُصلح أم تُفسد؟ تديم العلاقة أم تقطعها؟ ولو ذهبت هي فحكت لأبيها رضي الله عنه أنه حصل كذا وكذا وكذا، فجاء يعاتب الزوج ويقول: كيف فعلتَ هكذا في بنتي؟ أم يضحك من هذا المشهد الجميل ويقول لبنته: أنتِ غلطتِ في كذا وكذا وكذا ولا بد أن تتعلمي؟

يا إخواننا، عندنا شيء اسمه أعراف وتقاليد ومبادئ. وسأروي لكم رواية لنرى كيف نحن نشتكي من نسائنا حين يجئن إلى أمريكا ويتغيّرن.[6] وتبدأ إحداهن تقول: ليس من حقّه، وليس له عندك شيء، أنت تُدخله في داهية، protection order، وتوديه لا أدري أين. وقد حصل هذا طبعًا، ونحن قاعدون في المساجد نتكلم في هذا الكلام. صلوا على الحبيب.

حديث عمر: ثقافةٌ تنتقل

بسم الله الرحمن الرحيم. دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يُؤذن لأحد منهم. نحن متصورون الموضوع، ففي الأول كان ناس كثير جاؤوا ليدخلوا على النبي ﷺ فلم يُؤذن لأحد أن يدخل عليه، فالناس قاعدة، أين يا إخواننا؟ قاعدة بالخارج على الباب. فجاء أبو بكر فاستأذن (وأقول لك: ستعرف بعد قليل)، ثم أقبل عمر، والناس قاعدة، فاستغرب الموضوع، فاستأذن فأُذن له، فوجد النبي ﷺ... سأستأذنكم، لكن أؤجّل هذه النقطة، أقول الرواية التي قبلها. الأول أنا غلطت، معذرةً، سامحوني. ستسامحونني أم لا؟ طيب.

عمر بن الخطاب يقول، رضي الله تعالى عنه: «كنا معشر قريش نَغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم». خلّي بالك من هذا. «كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء»، أقصد في البيت: الرجل داخل من الخارج، وكل عيل يدوّر على جُحر يدخل فيه، واحد يختبئ تحت الكنبة وواحد تحت السرير، حتى يطلع أبوهم في اليوم التالي! مضبوط، كنا نغلب النساء. «فلما قدمنا المدينة قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم». ومن الحاكم في البلد الذي نعيش فيه اليوم؟ الحريم طبعًا، أليس كذلك؟ لا، لا، لأنها لم تفز في الانتخابات!

فيقول رضي الله عنه: «فطفِق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار». بدأن يتعلمن الجرأة على الرجال. فما رأيكم في هذه الورطة؟ ومن عاش في وسط الناس هؤلاء كلهم هو سيدنا النبي ﷺ. فهل أنزل قانونًا تشريعيًّا يحرّم أن تفتح المرأة فمها ما دام زوجها في البيت؟ أنزل قانونًا يمنع المرأة أن تتحرك أو تتجول داخل إطار البيت ما دام السيد موجودًا بالداخل مثلًا؟ لكن أبدًا لم يحدث شيء من ذلك مطلقًا.

اسمعوا: «كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار». قال: «فصخبتُ على امرأتي يومًا فراجعتني». أي صاحبنا يزعق لها وصوته عالٍ، فقالت له: لماذا تزعق هكذا؟ يقول: «فأنكرتُ أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتَهجُره اليوم إلى الليل». قال: «فأفزعني ذلك، وقلتُ لها: قد خاب من فعل ذلك منهن». قال: «ثم جمعتُ عليّ ثيابي فنزلتُ حتى دخلتُ على حفصة، فقلتُ: أي حفصة، أتُغاضب إحداكن النبي ﷺ اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلتُ: قد خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله ﷺ فتهلكي؟» ... إلى آخر الحديث.

والشاهد: أن قضية انتقال الثقافات قضية قديمة جدًّا، ليست موجودة اليوم فقط. فالذي أنت قلقان منه لا تتخيل أنه جديد، إنه موجود من زمان. فما وسيلة النجاة؟ وسيلة النجاة أن تتبع النموذج الأول، الذي نزل عليه التشريع.

وهنا قاعدة نختم بها: المرأة هي المرأة، فلا تحاول تغييرها من الأساس، ومن لم يتزوج بعدُ فليعرف هذا وليتب إلى الله سبحانه وتعالى من هذا الهاجس.[7] ونحن نقول لهم ونقول لهم ونقول لهم، وهم مصرّون، الله يعينهم. صلوا على الهادي.

الضحكة التي أطلقت النفقة

نعود إلى الحديث الذي قلناه في الأول: دخل أبو بكر يستأذن على النبي ﷺ فوجد الناس على الباب، فاستأذن... فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه وهو ساكت واجم، مجلسٌ فيه حالة نفسية لا تسمح لأحد أن يتكلم. وهذا الوجوم أن تخاف أن تقول شيئًا تتخيل أنه صحيح فيطلع غلطًا، وتتخيل أنك لو سكتَّ فهو أفضل، بدل أن تقول شيئًا لا زمان له ولا مكان. فقال أحدهم:[8] لأقولنّ شيئًا أُضحك به النبي ﷺ. قال في نفسه: أقول شيئًا من المزاح بحيث يضحك النبي ﷺ. فقال: يا رسول الله، لو رأيتَ بنت خارجة، سألتني النفقة. ثم يتخيل المحاضر قولها: ما تزوّد لنا المصروف! هو أنت يعني صرتَ ماركة مسجّلة منذ سنين، تعطينا مصروف الشهر قدر كذا؟ زِدْ شيئًا. هل قالت لأحدكم زوجته يومًا: زِدْ المصروف شيئًا؟ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقها، أي ضربتُها في عنقها. فضحك النبي ﷺ وقال: «هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة». فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وفي رواية: ليضربها، وقام عمر إلى ابنته، وفي رواية: قام عمر إلى حفصة، يقول: تسألن رسول الله ما ليس عنده؟

وفرقٌ بين أنها تحاول أن تحمّلك أكثر من طاقتك وبين أنها تحاول أن تحصل على احتياجاتها الأساسية. أنا أعرف أن مشكلتنا الكبيرة أننا نجد نساءنا يسرفن كثيرًا في أشياء لا لزوم لها، لكن لازم تفهم أن رب العالمين جعل الرجل قوّامًا على البيت لأنه هو الذي عنده القدرة على ترتيب الأولويات، ولازم تفهم، أكرمك الله، أنها غير مطّلعة على كل شيء عندنا. فتخيّل أنك تتعب وتجلب المال، وتذهب إلى عملك صباحًا وتشتغل لتحصّل المال، ثم آخر النهار ترجع، ولأن ليس بينكما ثقة كاملة تخبّئ قُفّة الفلوس بالخارج، ثم تدخل لها فاضي اليدين وتقول لها: ما عندي شيء. ولهذا تجد بعض النساء تقلب جيوب زوجها عندما يدخل، والأشدّ من هذا أنها... [9]

وأذكر حكاية كنا قلناها ونحن في السيارة: رجل يقول للشيخ: يا شيخ، أنا حاسس هذين اليومين أن زوجتي، ما شاء الله، إيمانها مرتفع جدًّا جدًّا، وأنا أحس من أولياء الله الصالحين، والله العظيم يا شيخ، أنا أصحو من النوم وأتلفت حولي فأجد نورًا طالعًا من تحت اللحاف، ووجهها منوّر! فقال له الشيخ: هذا الكلام يحصل كم مرة؟ قال له: يجيء ساعة... فرد عليه بما يفيد أن النور ليس إيمانًا بل تليفونها.[10]

واعتزلهن شهرًا

قالوا: «فقلنا: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده». ثم اعتزلهن النبي ﷺ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.[11]

والإشكالية أننا لسنا متفقين مع زوجاتنا على مبدأ أننا كلنا نعيش لله. هذا المفهوم غير موجود داخل البيوت، والعيال غير مؤمنة به معنا، فهم عايشون للدنيا. والمشكلة الأكبر أن تكون أنت كمان عايشًا للدنيا. لكن لو كنا نرجع نصلّي مع بعض، ونختم الصلاة معًا، وحد منّا يدعو بدعوتين، ونتذاكر لله سبحانه وتعالى شيئًا، وحد يحفظ آيتين في البيت وأنت تصحّح له (جزى الله خيرًا الناس الذين أخذوا شهادات اليوم، بارك الله في الجميع يا رب العالمين)، لو كنا نفعل هذا لكان أهل البيت يتعلّقون بك إيمانيًّا. فإذا قلتَ لهم: ما عندي، صدّقوك. وإذا قلتَ لهم: نحن في ضيق هذه المرة، آمنوا، فيما يبدو، بأن الأمر بيد الله. وإذا قلتَ لهم: يمكن أن نأخذ هذه الخمسمئة أو المئة نتغدى بها في المكان الفلاني بالخارج، أو إخوانكم في أحد المساجد محتاجون، فنعطيهم، قالوا لك: نعم، اجعلها في سبيل الله.

فتخيّل الفرق بين أن أصنع طابعًا إيمانيًّا في البيت، وبين أن يكون كل واحد في البيت عايشًا لنفسه. ولا تحاول أن تجعل ودّك يؤثرك على أنفسهم، فإنهم سيؤثرون أنفسهم عليك وعلى فلوسك وعلى مستقبلك وعلى كل شيء. لماذا؟ لأن قضية الإيمان منعدمة من داخل الجو. ولذلك نقول إنه لا بد أن يكون عندنا مُحضَن تربوي. تعرفون هذا المحضن التربوي؟ كالمدرسة عندنا.[12]

سبع وقفات لبيتٍ هادئ

الوقفة الأولى: خلاصة القول في الذي قلناه أمس والذي نقوله اليوم: أن رب العالمين سبحانه وتعالى أنعم على كل زوجة برجل هو في حدّ ذاته نعمة، وأنعم على كل واحد منا بزوجة هي نعمة من الله سبحانه وتعالى. كان عندنا أحد إخواننا يتكلم مرة عن الرفق بالزوجات والإحسان إليهن، وعن أنك إذا رجعتَ متأخرًا لا توقظها من النوم لتصنع لك أكلًا، ولا تكن رجلًا مفتريًا. فقال له أحدهم: يا شيخ، أنا أدخل الساعة اثنتين صباحًا فأقول لها: قومي اعملي لي أكلًا، وإذا قمتُ جائعًا في الليل لا أذهب إلى الثلاجة وحدي، بل أوقظها لتسعى لي في الثلاجة! فقال له: يا أخي اتق الله! فقال: يا شيخ، احمدوا ربنا… الرجال زي الورد… [13] فنحن في نعمة أم ماذا؟

ثم سؤال بسيط جدًّا: واحد منا، من أهل المساجد، الحمد لله، متزوج بواحدة حتى لو كانت خشنة شيئًا ما في التعامل، هل يشك في لحظة من اللحظات أن باب بيته يمكن أن يُفتح وهو بالخارج لأحدٍ غريب؟ لا يمكن أن تتخيل. هل تتخيل أنها يمكن أن تعرّض بنتك لفتنة؟ لا. هل يمكن أن يضيع شرفك معها؟ يا شيخ تتكلم عن ماذا، عيب هذا الكلام أصلًا! أنت مستبعد أن تسمع هذا. يا ترى الشرف والعفة وكرامتك وسمعتك أغلى عندك أم أنها ردّت عليك، أو أنك قلتَ لها كلمة، أو كُسرت الكوباية، أو وقع الطبق، أو زِيد الملح؟ يا عم، الكلام الخفيف هذا الذي تتكلم عنه. والسؤال ببساطة: هل تسعة وتسعون في المئة من مشاكلنا إلا هذا الكلام الفارغ؟ والله إنها عبارة عن الكلام الفارغ. صلوا على الهادي.

الوقفة الثانية: اعلم أنك السدّ المنيع لانهيار البيت، وأن عقلك وإدراكك لأبعاد حياتك سبيلك الأول لحسم الخلافات. حاول أن تفهم زوجتك يا أخي، حاول أن تفهم كيف «تضحك عليها»، حاول أن تفهم كيف تدخل من مداخل معيّنة فتسكّتها. ولا كلمة. صلوا على النبي.

الوقفة الثالثة: حسم الخلافات بالصوت العالي يزيد الأضرار التي تأتي إلى البيت؛ إنه كالنار تحت الرماد، من الخارج رماد ونحن سكتنا، لكنها من الداخل تغلي، وعمرها ما تنسى لك. تقول لك: أتذكر في سنة ١٩٧٣، يوم أربعاء، الساعة ٣:٤٥، أنت زعقتَ لي وقلتَ لي: اطلعي بره الأوضة؟ وأتذكر في سنة ١٩٤٧ كنتَ نائمًا وأنا لم أصحُ من النوم، فقمتَ من النوم مُضيّقًا ومكشّرًا وقلتَ لي: ألم أقل لك لا أريد أن أرى وجهك؟ وأنت لم تقلها إلا مرتين في عشر سنين! حرام عليك يا رجل، أنا عمري ما رأيتُ معك يومًا حلوًا! فإذا حسمتَ الخلافات من البداية بعقلك الرزين وحكمتك فإنك تُطفئ النار كلها. وإياك أن تعمل رمادًا فوق نار تحت الرماد، إياك أن تتركها هكذا. صلوا على الهادي.

الوقفة الرابعة: امرأتك شريكٌ لك في حياتك، وليست أمَّةً عندك ولا جارية. وكذلك يقال للزوجة: زوجك كرئيس العمل، يعطيك توجيهًا فتتبعينه. وليس معنى ذلك أنك عبدة وهو سيد، لا، لكن اعتبريه المدير في العمل، تقولين له: لو سمحتَ، وتعاملينه كما تتعاملين مع الرأس الكبيرة بالنسبة لك هناك. صلوا على الهادي. ولازم كل زوجة أن تفهم أن زوجها ليس عقابًا من ربنا عليها، ولازم أنت كمان أن تفهم أنك لما تعاقب زوجتك تأخذ سيئات، كما تأخذ حسنات لو أحسنتَ إليها.[14]

الوقفة الخامسة: أمور بسيطة جدًّا يمكن أن تغيّر ديكور البيت. مثلًا: أنت داخل البيت والصالة مكركبة، فتقول: الصالة مكركبة هكذا لماذا؟ فتقول لك: والله العفش هكذا. فأقول لك: لا، لو جئتَ بالكنبة إلى هذه الناحية وأزلتَ هذا من هنا وعملتَ كذا، ونجرّب. ما شاء الله، شكلها جميل جدًّا! اعلم أن علاقتك بينك وبين مرأتك مثل هذه الصالة؛ لو تكرمت أعد ترتيب الأشياء التي فيها: الحب فين، والحنان فين، والغضب متى، والانتقاد كيف، وطريقة التعامل مع المواقف، وكيف نقدر نتصرف لما يكون عندنا مشكلة. كل هذه كراكيب متكركبة على بعضها داخل دولاب حياتك. لو قعدتَ ونظّمتَ وحطيت البلوزات في ناحية والجلاليب في ناحية والبناطيل في ناحية، تجد الدولاب يترتب ويصير شكله حلوًا وتقدر أن تُخرج منه ما تريد. وأسلوب الحياة عبارة عن هذا بالضبط. وكما أن الدنيا تُكتب أمامك على مكتبك، فتضع الفايلات في ناحية والأوراق في ناحية والأرقام في ناحية، وبهذا تجد الدنيا ترتّبت، فكذلك الحكاية في البيت. صلوا على البشير النذير.

الوقفة السادسة: لا تنسوا أن خير رجال هذه الأمة خيرهم لمن؟ ... يعني هنا وسكتوا! ما شاء الله عليه، النبي هو الذي قال: خير رجال هذه الأمة خيرهم لنسائهم.[15] يقول النبي ﷺ مفاخرًا بينهم: «وأنا خيركم لأهلي». «خيركم خيركم لأهله».

الوقفة السابعة: لا تنسوا أن الشيطان يتربّص بالبيوت، يقف خلف الستارة، فهو لا يريد أن يترك بيتك هادئًا، لأن كل ما يُقرِفك في بيتك ويُقرِف زوجتك سيخرج منه عيال معقّدون للمجتمع، يخرّبون الدنيا، ولا يستطيع نادي الحق أن يصل إليهم بأي حال.

الأبناء يشاهدون

ولا تنسوا أيضًا أن الأبناء (هكذا يُفهم من السياق) يشاهدون، ولو من طرف خفي.[16] وأقول لك على شيء تفعله وتتحمل نتائجه: لو عندك أولاد، واحد أكبر من واحد، وصِّ الكبير أو الكبيرة أن تقول لبقية العيال الصغار: ما رأيكم نقلّد بابا وماما؟ فيقوم أحدهم يقول: أنا سأقلّد بابا، ثم يقف هكذا: أنتِ يا بنت في المكان الفلاني كذا. يقلّد بابا! تخيلوا الموضوع: تجد الولد يقلّد بابا. ومعنى هذا أنه متشبّع بشخصيتك وأنه متابعك، المعلّم متابعك بالملاحظة.

وأكبر مشكلة أنه ممكن تكون أنت تتكلم في موضوع فتجد ابنك يرد عليك بمعلومة ناقصة. فتقول له: يا ولد، أنت سمعتَ هذا الكلام منين؟ فيقول لك: أه يا بابا، أنت كنت تتكلم مع ماما أمس في المكان الفلاني. العيال شايفينك كويس قوي. فعلى قدر ما أنت تريد أن تجد من عيالك بعد عشرين سنة، على قدر ما ينبغي أن تصبر وتغرس فيهم من اليوم. فلنراجع، ولننظر ما بين أيدينا، ولنحتسب عند الله سبحانه وتعالى.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظ علينا وعليكم أمر بيوتنا، آمين، وأن يلهمنا الرشاد، وأن يحفظ علينا السعادة، وأن يتمم علينا معالم الإيمان في بيوتنا، وأن يجعلها بيوتًا آمنة بذكر الله سبحانه وتعالى، محفوظة بكتاب الله تبارك وتعالى. وأسأله أن يبارك في هذا المسجد وفي أهله ورواده والقائمين عليه والمتبرعين له. جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم، سلّمكم الله، والله أحببناكم في الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون عند ظنكم في كل وقت وحين. أسأل الله أن يبارك لنا ولكم. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: يشبه هذا ما جاء في قصة أم سلمة رضي الله عنها في صحيح مسلم، لكن المحاضر لم يسمِّ الزوجة؛ وأثبتُّ الكلام بحسب ما قال، والمحاضر ذكر أنه أقام «ثلاثًا» ثم طلبت أسبوعًا. [2]: توثيق المحرر: لم يُسمَع بوضوح كيف نبّهها النبي ﷺ؛ فقد وردت في التفريغ ألفاظ مضطربة («كزها»، «فكسها»)، فاقتُصر على أنه بيّن لها أن ما تفعله خطأ ولم ينتصر لنفسه. [3]: توثيق المحرر: أصل القصة في صحيح البخاري من حديث أنس، وفيه «غارت أمكم»، لكن الروايات اختلفت في تسمية صاحبة الطبق، وتسمية المحاضر هنا هي ما سُمع في التفريغ. أما عبارة «طعام بطعام وإناء بإناء» فوردت بلفظها في رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها (ينظر سنن أبي داود)، وقد أورد المحاضر العبارة ضمن سياق رواية أنس. [4]: توثيق المحرر: في التفريغ «ما كفرت ما صنعت» والمراد بحسب سياق شرح المحاضر: ما كفارة ما صنعتُ. [5]: توثيق المحرر: خاتمة النكتة مضطربة في التفريغ («بدأت أشوف بعين… اليمين»)، فأثبتُّ ما سُمع ولم أزد عليه. [6]: توثيق المحرر: عبارات هذه الفقرة مضطربة في التفريغ؛ ثبت منها شكوى المحاضر من تغيّر بعض النساء عند مجيئهن إلى أمريكا وذكر «protection order»، أما سائر التفاصيل ففيها اضطراب فاقتُصر على ما ثبت. [7]: توثيق المحرر: عبارة «من الأخير اللي ما تجوزش يعرف كده ويتوب… من هذا الهاجس» غير واضحة المراد في التفريغ، ولم أُضف إليها معنى. [8]: توثيق المحرر: لم يُسمَّ القائل في التفريغ؛ والمعروف أن الحديث في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه وفيه أبو بكر وعمر. [9]: توثيق المحرر: انقطع الكلام هنا بسبب اضطراب التفريغ («تقلم في التل…»)، ولم يتبين تمام الجملة. [10]: توثيق المحرر: خاتمة هذه الدعابة مضطربة في التفريغ؛ والمثبت ما يفيده السياق من أن النور مصدره الهاتف. [11]: توثيق المحرر: الآية من سورة الأحزاب (٢٨)، وموضعها من المحرر لا من المحاضر، وقد ذكر المحاضر الآية كاملة بحسب التفريغ (وفيه كلمة «صباحًا» والمثبت «سراحًا» على نص الآية). [12]: توثيق المحرر: سمّى المحاضر هنا مدرسة بعينها يشرف عليها أحد الحاضرين ودعا إلى مساندتها، فحذفت التسمية لأنها إعلان خاص، وأبقيت المعنى العام. [13]: توثيق المحرر: جاء في التفريغ بعد قوله «احمدوا ربنا من جوزين الرجاله…» كلام مضطرب لم يثبت. [14]: توثيق المحرر: العبارة في التفريغ («لما تعاقد مراتك بتاخد سيئات…») مضطربة والمثبت أقرب ما يفيده السياق. [15]: توثيق المحرر: المعروف في كتب الحديث «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي وغيره)، وقد نقل المحاضر الأولى بلفظ «خير رجال هذه الأمة خيرهم لنسائهم» بحسب التفريغ. [16]: توثيق المحرر: ورد في التفريغ «الشيطان يشاهدون» ولا يستقيم مع السياق، فأثبتُّ «الأبناء» لأن ما بعده كله في مراقبة الأولاد؛ وهو موضع غير مؤكد.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque