فقه المآلات قبل الكلام والتصرف
قبل أن تتكلم أو تتصرف أو تفتي: إلى أين ينتهي هذا؟
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في حلقة من حلقات نادٍ للكتاب الإسلامي، وتلاها حوار مع الحاضرين، بتاريخ 14 أبريل 2019م المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم. اللهم إنا نسألك خير هذه الليلة وخير ما فيها وخير ما بعدها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما بعدها. اللهم أصلح لنا قلوبنا وعقولنا، وأنطق ألسنتنا بما يرضيك، ولا تفضحنا في دنيانا ولا في آخرتنا. بارك الله جمعكم، وشكر سعيكم إلى هذه المواطن المباركة، ونسأله تبارك وتعالى أن نكون ممن تغشاهم الرحمة وتتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده.
تصرفاتنا على حسب ما يتربى عليه الإنسان: إما تصرفات مدروسة معقولة، وإما تصرفات عشوائية. ومن العشوائيات التي نلحظها أن يأتيك الرجل باكيًا يقول: أدركني يا شيخ، فقد خرجت مني كلمة الطلاق، طلّقتُ امرأتي! فما الذي تعنيه هذه الكلمة؟ وما الذي يترتب عليها؟ وإلى أي شيء تؤول الأمور عند مثل هذه الكلمات؟ تؤول في الغالب إلى دمار في مستقبل الأولاد، وتفكك في هذه الأسرة، وتعسّر في مستوى الإنفاق على أفرادها، إلى آخر ما يمكن أن يترتب على كلمة واحدة خرجت بطريقة عشوائية غير مدروسة: قال «أنت طالق» وانتهت المسألة!
وخذ مثالًا آخر: رجل في شجار مع آخر، فأخرج مسدسه وأطلق رصاصة على من أمامه. ما الذي ترتب على هذا التصرف؟ إلا أن عائل الأسرة ذهب إلى حيث تعلمون، وأن فردًا من أفراد المجتمع غاب، وأن عائلة تشرّدت. وما الذي يترتب على شجار يحصل بين طرفين لسبب تافه، أو لمسألة تعنّ لواحد من الناس فتكبر في رأسه فيخرج ليتصرف تصرفًا عشوائيًّا؟
من بدايات الدعوة: النبي ﷺ يعلّم النظر في العاقبة
أبو ذر الغفاري رضي الله عنه. رأينا في بدايات الحركة الدعوية في عهد النبي ﷺ موقفًا بارزًا من المواقف: أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، رجلٌ من غفار، جاء ليسلم فدخل على النبي ﷺ وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فما الشرط الذي اشترطه عليه رسول الله ﷺ؟ هل تذكرون؟ اشترط عليه أن يخرج في الناس مجاهرًا بإسلامه[1]. فماذا فعل أبو ذر؟ خرج بين الناس مجاهرًا بإسلامه. فما الذي ترتب على ذلك؟ ضربوه ضربًا شديدًا جدًّا، حتى جاء العباس أو غيره فقال: ويحكم، تقتلون رجلًا من غفار، وتجارتكم تمرّ عليهم ذهابًا وإيابًا؟ ثم جعل يحذّرهم من عواقب ومآلات التصرف الذي يتصرفونه حين يضربون رجلًا مثل أبي ذر، وهو من قبيلة غفار، وقد علمتم أن غفارًا كانت تقطع الطريق على المسافرين. فهذا رجل، ولو لم يكن مسلمًا، فهو من قبيلة الأصل فيها أنها تهاجم الناس، فكيف تعرّضون أنفسكم لمثل هذه الأمور؟ وأرى في هذا الموقف أن النبي ﷺ أراد، من خلال تحديده الأول لأبي ذر، أن يعلّمه ما يسمى بفقه المآلات: ما الذي ستؤول إليه الأمور؟
الخندق وحذيفة رضي الله عنه. وفي يوم الخندق يقول النبي ﷺ: «من يأتينا بخبر القوم؟» تخيلوا المشهد: المسلمون من وراء الخندق، والمشركون قد اجتمعوا عن بكرة أبيهم خلف الخندق، والنبي ﷺ يريد أن يدرك أبعاد ما تؤول إليه الأمور هناك: ما الذي يحدث؟ فأرسل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من أصحابه، فانطلق إلى القوم. وحين أمره النبي ﷺ أن يستقصي له معالم الموقف قال له: لا تُثِر علينا القوم، أو كلمة نحوها قالها النبي ﷺ معناها: لا تُثِر ضغائنهم علينا[2].
يقول حذيفة: فخرجتُ، وبينما أنا أتطلع إلى القوم إذا بأبي سفيان يصلي ظهره بنار، والليل شديد البرد، والريح شديدة، والرجل يستدفئ، راكنًا ظهره إلى النار حتى يدفأ. يقول: فنظرتُ إليه من بعيد، ووضعتُ سهمي في كنانتي، ولو أطلقتُه لوقع بين كتفيه، أي في صميم رقبته، ولكني تذكّرت كلام النبي ﷺ: لا تُثِر الناس علينا.
لماذا قال النبي ﷺ ذلك؟ لأن القوم إنما أتوا لمحاربة الإسلام، وهم الآن يدرسون الواقع ويراجعون: ماذا نفعل؟ هل نكمل؟ هل نرجع؟ نخطط ونراجع. وتخيلوا أن أبا سفيان يُقتل في مثل هذا الموطن! هؤلاء الناس كانوا سيقتحمون هذا الخندق كالأسود طلبًا للثأر، لأن رئيسهم وزعيمهم قد قُتل غدرًا وهو في وسطهم، ولكانوا يعيّرون المسلمين بذلك طيلة الدهر، ولما سكتوا عن مثل هذا الثأر أبدًا. فالنبي ﷺ حين أطلق الكلمة الواحدة أطلقها معتبرًا ما يترتب على التصرف الواحد. يقول حذيفة: فتذكرتُ كلام النبي ﷺ، فوضعتُ سهمي في كنانتي ثم استكملتُ مسيري. هكذا سخّر الله تبارك وتعالى لهذا الرجل عقله حتى ضبط تصرفه ونظر إلى مآلات الأمور بين يديه.
وإذا ذكرنا أبا سفيان فما الذي نعقّب به؟ هل نقول «رضي الله عنه»؟ لو أنه قُتل في مثل هذا الموطن ما قلنا «رضي الله عنه»، لأنه كان سيموت كافرًا.[3] ولكم أن تتخيلوا كل ما كان سيترتب على ذلك.
صلح الحديبية. ومثلُه صلح الحديبية، الذي سمّاه ربُّ العالمين فتحًا مبينًا. يسمع النبي ﷺ من ربّ العزة سبحانه قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾[4]، ويتنزل في هذه السورة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[5]. خرج المشركون إلى النبي ﷺ يمنعونه من دخول مكة، والنبي ﷺ ما جاء إلا معتمرًا، جاء وهو يسوق الهَدْي بين يديه، ولكن المشركين منعوه. وجلس سهيل أمام النبي ﷺ ليضع مؤشرات هذا الاتفاق ومتضمناته، فكتبوا مسودة اتفاق مبدئي: أن تعودوا من حيث أتيتم، فرضي النبي ﷺ. وألّا تقبلوا أحدًا من قريش أتى إليكم، ونقبل نحن من يأتي من عندكم إلينا، فرضي النبي ﷺ. وأن تكون كذا وأن تكون كذا، وكل هذا يرضاه النبي ﷺ.
وأشدّ من ذلك أن النبي ﷺ لما أمر بكتابة «بسم الله الرحمن الرحيم» اعترض سهيل على هذه الجملة وقال: «باسمك اللهم»، فهذا الذي نعرفه. ولما قال النبي ﷺ: «هذا ما بين محمد رسول الله» قال سهيل: لو علمناك رسولًا لاتبعناك، فامحُ هذه. وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يرفض أن يمحو كلمة «رسول الله»، والنبي ﷺ لا يقرأ، فيأمره قائلًا: أين هي؟ فيشير إليها، فيأخذ النبي ﷺ الصحيفة ويمسحها بيديه ﷺ[6]. لماذا فعل النبي ﷺ ذلك كله وهو يغضّ الطرف عن كثير من الأخطاء التي تحدث بين يديه؟ لأنها أمور محتملة، ومن أصحابها، لأنه ينظر إلى المآلات.
ثم حدث بعد ذلك أن خرج رجل من مكة يريد النبي ﷺ لأنه أسلم، وفي إطار الهدنة، وفي وقت الصلح، وتحت هذه البنود، خرج رجل من مكة إلى المدينة يقصد النبي ﷺ: أبو جندل. فجاء إلى رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ يقول له ما معناه: قد علمتَ أن بيننا وبين القوم عهدًا. تخيلوا الأمر: واحد يخرج من مكة إلى المدينة مسلمًا، والنبي ﷺ يردّه مرة أخرى! تخيلوا هذه المسألة. فماذا فعل أبو جندل؟ ذهب إلى قارعة طريق، على طريق البحر كما يقولون، وعسكر هناك، وعلم الناس به، فكان كل من أسلم من مكة ينطلق إلى أبي جندل ولا ينطلق إلى النبي ﷺ، حتى صاروا عصبة، فصاروا يتربصون بمن أتى من مكة، وصار كأنه كمين معمول في وسط الطريق[7]. والشاهد أن مكة هي التي أرسلت إلى النبي ﷺ ليجمع أصحابه إليه، فعاد الناس إلى النبي ﷺ مسلمين دون أن يكون منه إخلال بالعهد. وتخيلوا لو أن النبي ﷺ قبِل مثل هذا الرجل، لقامت عليه قريش بمن فيها ومن حولها بأنه رجل ينقض العقود، وأنه كذا وأنه كذا، ولفاحت رائحة الكفر والفساد بادّعاءات ليس لها أصل من الصحة. وهكذا ينبغي على أهل العقل أن يتجنبوا.
المستضعفون في مكة. ويحدثنا ربّ العزة سبحانه في قوله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ﴾[8]. وهذا أيضًا متعلق بقضية صلح الحديبية. النبي ﷺ أخبره ربه سبحانه أنه لو أراد أن يغير على مكة لأعانه الله عز وجل على ذلك. ولكن تخيلوا، على سبيل المثال، أن في مكة ناسًا مسلمين لم يجاهروا بإسلامهم؛ فلو دخل النبي ﷺ مكة محاربًا لقُتل بعض الناس، وقد يكون منهم مسلمون، وحينها يُعيَّر النبي ﷺ بقية حياته بمن قُتل من المسلمين.
وهنا أود أن أتوقف دقيقة واحدة أراجع فيها أن الله تعالى إنما حافظ على دماء مسلمة داخل المجتمع الكافر. أراد الله تعالى أن يحافظ على دماء مسلمة داخل المجتمع الكافر، والنبي ﷺ كان له الحق في ذلك الوقت أن يقتحم هذا البلد: أتينا معتمرين ومُنعنا، ونريد أن ندفع عن ديننا وننطلق. لكنه منع وامتنع ﷺ حفاظًا على دماء بعض المسلمين الذين يمثلون أقلية مسلمة داخل المجتمع المشرك.
ولو صدق ادّعاء من يقتلون الآن في بلاد مختلفة، ويفجّرون المواقع، ويصنعون ما يسمّى الإرهاب، هذا إن صحّت تسميتهم بأنهم مسلمون، أو كانوا حقًّا مسلمين، وليسوا مجموعة مستأجَرة يُطلق عليها هذا اللقب... فأنا لا أظن أبدًا أن عاقلًا مسلمًا يمدّ يده بالأذى لأحد. فإن صُدِّق أنه مسلم، أو أنهم ينتسبون إلى هذه الديانة، فأين هم من مثل هذا الموقف الذي عمد إليه النبي ﷺ، وأنزل الله على رسوله ﷺ فيه آيات من السماء تُتلى إلى يوم القيامة تشير إلى الحفاظ على الدماء المسلمة داخل الأقليات؟ إن الاعتداءات التي تحدث هناك وهنا، في مواطن كثيرة، تؤثر سلبًا: كم من النساء يخلعن الحجاب لأنها لا تريد أن تُتَّهم بالإرهاب بعد أن فجّر مسلمون في مواطن معينة! وكم من الشباب يرجعون عن دينهم أو يتخفّون منه! وكم من الرجال المسلمين يغيّرون أسماءهم! إلى آخر ما يترتب على ذلك من تضييق على المساجد وعلى المؤسسات الإسلامية ومؤسسات الإغاثة، وفي انتقال الأموال من الخارج إلى الداخل ومن الداخل إلى الخارج. أعمال ضخمة لا نستطيع حصر أرقامها ولا مسمياتها تتأثر جميعًا، بل وتنهدم، تحت شعار واحد يريد أن يقول: أنا أرفع شعار «لا إله إلا الله»، وهذا هو الجهاد! والله كذبتَ.
مواقف أخرى. وعلى كل الأحوال، ونحن نسوق هذه الأدلة، نرى مثلًا قول ربّ العزة سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[9]. شفتم شغل المآلات هذا؟ وتعرض للنبي ﷺ قصة زواج زينب رضي الله عنها بعد أن كانت زوجة لزيد رضي الله عنهم أجمعين، وربّ العزة سبحانه يحدثنا بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾[10]. لماذا؟ لكي لا. أترون؟ إنه انتباه إلى مسألة ما يترتب على التصرف.
هذه مجموعة من الشواهد والأدلة التي تثبت لنا مصداقية ما نتحدث عنه من المواقف المشهورة في حياة السيرة النبوية. ومنها أن رجلًا أعرابيًّا دخل المسجد، مسجد النبي ﷺ، فانطلق إلى ناحية من نواحي المسجد وبال هناك، فانتفض الصحابة! مشهد مريب، ما الذي يفعله هذا الرجل؟ مجنون! تخيّل أنت واحدًا في المسجد، في ناحية منه، يبول ويُغرق المكان، الله أكبر! والصحابة همّوا به، وإذا بالنبي ﷺ يقول كلمة: «لا تُزْرِموه»، وفي رواية: لا تقطعوا عليه بولته[11]. وما إن فرغ الرجل حتى أخذه النبي ﷺ بيده، وقال له: إن مثل هذه المساجد لا تصلح لمثل هذا، وعلّمه في كلمات قليلة، فإذا بالرجل ينصح حاله بعد ذلك ويتعلم، مع أنه انتهك عددًا من الحرمات: حرمة وجود النبي ﷺ، وحرمة مسجد النبي ﷺ، وحرمة وجود هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، وكشف العورات في الأماكن العامة. تخيلوا ما الذي كان يمكن أن يترتب على أن يُزجَر هذا الرجل وهو يبول، وأن تقطع الناس عليه بولته، وربما أدى ذلك إلى نوع من الخلل الجسدي أو المرض، أيًّا كان!
ولا أزال أذكر كلمة لأحد أصدقائي، أسأل الله له البركة، وهو طبيب. يومًا من الأيام رفع ولده، تعرفون حين تهزّ ابنك هكذا وتلاعبه، ترفعه فوق رأسك، طفلًا صغيرًا. فيبدو أن المكان أراح صاحبنا الصغير كثيرًا، فبدأ يبول، فالبول ينزل على رأس أبيه. وكانت جدّة الولد جالسة، أي حماته، أمّ زوجته، فقالت له: أنزِله، إنه يفعلها على رأسك! قال لها: لا، خلاص، دعيه حتى يخلص. فانتظر صاحبنا حتى فرغ الطفل، فأكرمه الله واستوت المسائل بين يديه، وفرغ ما عنده، فأخذه وضمّه إلى صدره، ثم وضعه، ثم انطلق وعاد، وقال لها: يا حماتي، أتعرفين كم عملية نجري في المستشفى لطفل لا يستطيع أن يُخرج البول من بدنه؟ لا تقل عن ست عمليات متوالية حتى نيسّر لطفل أن يخرج الماء من بدنه. فأن يكون ولدي يبول بخلقة الله تبارك وتعالى، هذا ليس فقط فوق رأسي، بل فوق رأسي وفوق رأسي. هذه مآلات الأمور، وهذا هو العقل الذي يفكر في المسألة قبل أن يتصرف أو قبل أن ينطق.
ونقول بين أيدينا ما كان من عبد الله بن أبي بن سلول، وما تعلمون من النفاق الحاصل حينها، والنبي ﷺ يُشار عليه بأن يقتله، فيقول ﷺ: «أتريدون أن يُقال: محمد يقتل أصحابه؟»[12]. والله الذي لا إله غيره، هذه الجملة وحدها لو اعتبرها العاملون للإسلام في المجتمعات الغربية تحديدًا: أتريدون أن يُقال إن المسلمين يفعلون كذا؟ أو إن المسلمين يختلفون حول كذا؟ أو إن المسلمين يتشاجرون في كذا؟ والله لسلّم كلٌّ منا رقبته للناس مستسلمًا، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾[13]. وذلك هو المنطق الذي يمكن أن نتعامل من خلاله.
المآلات داخل البيوت
ومن المآلات المهمة قضية الحرص على المستقبل. ندخل قليلًا داخل البيوت، بين الأزواج. الطلاق ليس كلمة، وإنما هو قرار مشترك يصدر بعد تأنٍّ وتؤدة. تخيلوا صيغة الطلاق المعتبرة في الإسلام: أن يطلّق الرجل امرأته طلقة واحدة، في طهر لم يأتِها فيه. يعني تكون المرأة، أكرمكم الله، أتتها الحيضة مثلًا، ثم طهرت من حيضتها، ثم يمسك نفسه عنها، ثم يطلقها، ثم يمضي عليها شهر فتحيض فتطهر، فيطلقها، ثم يمضي شهر. هذا قرار مع سبق الإصرار والترصد، وليس مجرد كلمة في موقف: كُسرت الكوباية، أو لم تعمل الشاي مظبوطًا، أو الطبيخ طلع مملحًا أو كذا. صحيح أن الطلاق قد يكون كلمة، وهو فعلًا كلمة، ولكن ما الذي يترتب عليه؟ هذا هو الخطاب الذي ينبغي أن نناشد به أفراد المجتمع المسلم، ليدركوا أنها ليست كلمة، وإنما هي قرار ينبغي أن يكون بعد استحالة العيش، وبعد التماس كل الأسباب والوسائل التي يمكن أن يُجمع بها بين الطرفين.
لماذا؟ لأن بين أيدينا أولادًا نريد أن نربيهم للمستقبل. فإذا انكسر البيت انكسرت قلوب هؤلاء العيال، ثم بعد ذلك تنكسر عقولهم، لأنهم يتشتتون بين فكرين متناقضين، ويختلف الأبوان، وليس ذلك الاختلاف المؤدَّب. وقليل من الحالات التي نراها حين يطلق الرجل والمرأة، فنرى كلًّا منهما يحرص على سمعة صاحبه. سبحان الله القدير! تحدثتُ مع أحد الإخوة بالأمس، فقلت له: والله الذي لا إله غيره، لما تكلمتُ عنك مع امرأتك قالت: إنه أحسن رجل في الدنيا، ولو أن امرأة تطلب زوجًا الآن لرشّحتُك لها! وقد طلّقتما خلاص. ولما تكلمتُ معك قلتَ إنها أفضل إنسانة في الدنيا، ولو أن رجلًا يبحث عن امرأة للزواج ما وجدتُ خيرًا منها لأشير عليه بها! سبحان الله، كلاكما يقول ذلك عن صاحبه، فأين الخلل؟ قال: عدم التوافق. فقلت: آمنتُ بالله، انتهت المسألة. عدم التوافق، هم ليسوا متوافقين، لكن يبقى الاحترام، وتبقى القواسم المشتركة، ويبقى عدم الإهانة، وعدم التشنيع، وتبقى الكلمة التي تحفظ ستر الأيام الغابرة وتؤمّن مستقبل العيال الذين سيخرجون.
تخيّل: أنا اليوم أتكلم عن امرأتي بكلمة، نصف كلمة أو أي كلام، وبعد عشر سنين يأتي واحد يخطب بنتي، فتُستخرج هذه الكلمة من أرشيف الذاكرة عند الناس، ويقال له: لا، اسمع، هذا كان يقول عن أمها كذا وكذا! الله أكبر، بعد كل هذه السنوات تُستخرج هذه الكلمة من أرشيف الذاكرة وتُسجَّل في ذهن الخُطّاب الذين يترقّبون بابي ليخطبوا ابنتي. وهكذا تمرّ الأيام، سبحان الله العلي القدير.
أيها الإخوة الكرام، الخلافات الزوجية، حين يتعصّب أحدنا فيعمل خناقة داخل البيت، ليست «ملح الحياة»، وإنما هي تعاسة الأولاد. الأولاد الذين يعيشون في جو يعمّه الشجار ليسوا أسوياء على أي حال. فلا تتخيل، يا حضرتك، أنك بِتَّ الليلة وأنت منتصر، أو بدأت ليلتك وأنت تقول: أنا أعطيتُها كلمتين في جنابها، أنا فعلت، أنا المنتصر! لا تتخيل ذلك، فإنما المهزوم الحقيقي في هذه المعركة ليس الطرف الآخر، وإنما الطرف الثالث: عيالك. سبحان الله القدير!
ولو تخيلنا أن أغلب الأسر يصدر فيها ما يسمى بالصراع المادي، سواء على مصروفات يومية تُقضى بين الناس: الزوجة عايزة كذا، والزوج يقول ما عندي، أو ما معي، أو يبخل عليهم أو كذا. هذه الصراعات المادية البسيطة التي تحدث داخل الأسر إنما تُنشئ عندنا جيلًا ماديًّا. والله الذي لا إله غيره، إن هذه الصراعات المادية هي تخطيط مع سبق الإصرار والترصد لجيل يعقّنا بعد اليوم.[14] لماذا؟ لأني حين أربّي ابني على العقلية المادية البحتة، ثم أجيء بعد خمسين سنة، أو بعد عشرين سنة، أكلمه: يا ابني، أنا عجزتُ، لا أقدر على الشغل، لو سمحت أعطني عُشر مرتبك، يقول لك: أنت مين؟ أنا لا أعرفك! لماذا؟ لأني ما تحدثت بين يديه إلا عن المال، وما رآني أتكلم عن المال لتدبير أو حرص، وإنما رأى أنانية وإفراطًا في محاولة الأخذ قدر ما استطعت، حتى لو كان من شريكة حياتي.
وكذلك النميمة داخل البيوت، هي صناعة لمستقبل بذيء داخل المجتمع المسلم، لأن الأولاد يسمعون الأب يتكلم عن فلان، والأم تتكلم عن فلانة، والكذا والكذا. فتخيّلوا إلى ما ستؤول إليه أمور عيالنا في مثل هذه الأجواء.
درس معروف الكرخي
لو تخيلنا قضية المآلات في عالم العاملين في الحقل الدعوي... صلّوا على النبي عليه الصلاة والسلام. قبل أن أسوق الجواب على هذه الجزئية أريد أن أذكّر بموقف حصل لرجل من السلف يسمى معروفًا الكرخي، وهو من أهل العراق، هناك في المنطقة على شاطئ دجلة، يجلس وحوله مجموعة من المريدين. تخيلوا المشهد: شيخ من السلف الصالح يجلس وحوله مريدوه. فقال أحد مريديه: يا إمام، أما رأيتَ هؤلاء الشباب في هذا القارب؟ يسمعون الموسيقى ويعزفون ويتغنّون، ويبدو أنهم في شيء من السُّكر. مجموعة شباب خرجوا في الليل، وهيصة ومعهم، يغنّون وهم مبسوطون. فلو دعوتَ عليهم! فنظر إليهم، ثم رفع يديه إلى السماء وبدأ في الدعاء. بِمَ يدعو الآن؟ على هؤلاء الشباب الفسقة؟ على هؤلاء الشباب العصاة؟ قال: «اللهم كما أسعدتَهم في الدنيا فأسعِدْهم في الآخرة». فعاتبوه فيما قال، فأجابهم قائلًا: لو أسعدهم في الآخرة لأسلمهم إلى دينه في الدنيا. اتفقنا؟
أنا أتخيل المآلات هنا، وأريدكم أن تتخيلوا معي: لو أن صاحبنا رفع يديه ودعا عليهم، ربنا ينتقم منهم ويخرّب بيوتهم وكذا، ثم قابله أحدهم في الصباح التالي وهو سكران. تقول له: أنت سكران؟! ليه؟ يقول لك: أنا سكران طول حياتي بسبب دعوة مولانا، دعا علينا فنحن نظل سكرانين طول العمر. أرأيتم؟ النتيجة قد تكون مترتبة هكذا. وهنا نقف: ولو أن أحدًا بلّغ هؤلاء الشباب دعاء ذلك الإمام لهم، وأنه دعا لهم بسعادة الآخرة وسعادة الدنيا، ألا يكون ذلك باعثًا لهم على البحث عن أسباب الهداية وارتياد مجالس الشيخ والاستماع إليه؟ تخيلوا فقط. وهذه مجرد صورة واحدة قبل أن نخوض في مسألة العاملين في الحقل الدعوي وفقه المآلات بالنسبة لهم.
(وقد قاطعني أحدهم بسؤال، فمازحتُه: لماذا تستعجلون؟ أنت لا تعرف المآلات التي ستحصل بعد سؤالك! ثم قلت: نكمل يا شباب، أم عندكم سؤال؟ طيب، بسم الله.)
المآلات عند الدعاة
حفظ الرمز. أتكلم هنا عن الانحرافات الأخلاقية الحاصلة في مسيرة الدعاة، وأتكلم عن نفسي وعن الإخوة الذين هم في ميدان الدعوة. يعني لو تخيلنا مثلًا: هل يحتمل أن يصدر مني الخطأ كإنسان؟ طبعًا، ما المانع؟ لكن أتدرون ما المانع؟ المانع أن جيلًا من الشباب، كالشباب المحترم الموجود هنا، ينظرون إلى أحدنا على أنه قامة داخل المجتمع، وجيلًا من الشباب يتربى على يد أخينا هذا، وجيلًا يتربى على يد أخينا ذاك ويستمع إليه في مواطنه المتعددة، وجيلًا ينظر إلى فلان، وهكذا. فأحول بيني وبين ما أشتهيه، اتقاءً لانحراف هؤلاء الشباب عن مسيرتهم، لأنهم يرون أمامهم داعيةً انحرف: أيَّ نوع من أنواع الخلل، سواء كان خللًا من جهة المال، أو النساء، أو الكذب، أو الخداع، أيًّا ما كان الخلل. فأحيانًا تحصل الشهوة في داخل الرجل أو الإنسان عمومًا، ويمكنه أن يفعلها وفي الحلال، ومع ذلك يمتنع عن بعض ما يريد اتقاءً لردود الأفعال الحاصلة عند جيل الشباب.
وسواء كانت انحرافات أخلاقية، أو كانت تجاوبًا مبالغًا فيه في عالم السياسة: كم من الناس كانوا يثقون في الإمام العلّامة الشيخ الفلاني، أو الإمام الكبير الذي يمثل قامة علمية في الموطن الفلاني، ولكنه ينحاز إلى جانب في السياسة، فإذا هو يهدر دماء البشر، أو يلمز فلانًا، أو يفعل كذا، فتنهدم القيمة كلها. وحينها ينظر الشباب إلى مرجعياتهم فيرونها هباءً، فتسقط معها الرموز، أو تسقط عندهم الرموز، وتسقط معها كلمة «لا إله إلا الله» والالتزام بالأحكام. تخيلوا مثلًا حين يرى الناس صاحب العمامة الكبيرة، بهذه الهيئة والجبة وكذا وكذا، يسير خلف السياسة بكذا، فما الذي يسيّر المرأة خلف الحجاب؟ وما الذي يجعلها تعصم نفسها وهي تستطيع أن تفعل وتفعل؟ ما الذي يحميها من ذلك؟ هذه هي مآلات الأمور.
الخطاب البعيد عن حياة الناس. الأمر الثاني: نمط خطاب الدين، والحديث عن أمور بعيدة تمامًا عما يعايشه الناس، يخلق بين أيدينا جيلًا يشعر أن الديانة في جانب والحياة في جانب آخر، فينفصل تمامًا عن مسائل الدين، فقليلًا ما يسأل إلا عن أمور معينة. سبحان الله! نحن نصلي، فأخونا الكريم يقول للأخ: لو سمحت، ضع رجلك بجانب رجلي. قلت: سبحان الله، ما أهمية هذه المسألة الآن؟ إلا أن الله تعالى جعل منها نوعًا من التدريب على النظام العام في الأمة، ولو حصل الإخلال بهذه الجزئية لربما حصل الإخلال في النظام العام للأمة. لكن الواقع والحاصل أنه يتاجر في المحرمات، ثم يأتي ليقول: هذه اللحمة ذبيحة أم ليست ذبيحة؟ فينفصل تمامًا بين قضايا لها ثقلها وخطرها على حياة المسلمين، ويتابع مسائل لا أستطيع أن أقول فرعية، ولكنه يفصل بين حياة يمارسها وطعام يأكله.
ولا أزال أذكر أحد الإخوة يقول لي، والله: دخل عليّ ومعه فتاة، ما شاء الله، على جمال بارز، ويقول لي: أخي، هذه اللحمة حلال؟ وهو يحدثني بذلك ويقول: والله ما استحيت. دخل متجرًا الأصل فيه أنه متجر للمسلمين، فسأل كأنه يريد أن يتحقق. أنا حين أدخل متجرك وتكون مسلمًا، فالمفترض أن لا أحتاج إلى السؤال؛ وكان المنطقي لو جئتَ إلى بيتي لتأكل عندي، وتعلم أني مسلم، أن لا تسأل. لكن هذه السفاهة، أو هذه السفاسف التي نتكلم عنها، في مواطننا... لا أتكلم عن قضية الحلال والحرام في الأكل، لكني أتكلم عن منطق الناس في التعامل مع بعض الجزئيات وتركهم للكليات الأخرى. الخطاب البعيد عن حياة الناس، الذي يصدر من الأئمة أو من الدعاة أو من المشايخ، أيًّا كانت المصطلحات المعبّرة، الخطاب البعيد عن الواقع يخلق هذا الجيل الذي يتصور أن الديانة في جانب، وأن الحياة التي نمارسها في جانب آخر.
خلافات الدعاة أمام الناس. عندنا مسألة أشرت إليها إشارة يسيرة: الخلافات الحاصلة بين الدعاة. نحن نتكلم الآن عن الدعاة وما آلت إليه الأمور بسبب خلافاتهم. أنا الآن عندي مشكلة مع أخي، ونتكلم في وسط الناس، فنجعل الأولاد يتفرجون علينا. فكيف يتفرجون علينا؟
عدم مواكبة ما يعيشه الخلق: الهلال. وعندنا مسألة ثانية أخطر، وهي مسألة عدم مواكبة ما يعيشه الخلق، مع كامل الاحترام لمن يتشبثون بأن نرى الهلال بأعيننا، ومع كامل تقديري واحترامي لهذه المسألة، لكني سأعيد عليكم مرة أخرى ما الذي قاله أولادي وأبنائي المسلمون في الجالية التي نعيش فيها في العام الماضي في رمضان. صام الناس يوم الثلاثاء، وصام آخرون يوم الأربعاء؛ فاكرين، ولا نسيتم؟ العيال قالوا: مبروك للنصف الثاني من المسلمين. تخيلوا، ما الذي وراء هذه الجملة؟ أين القسم الأول؟ القسم الأول صام يوم الثلاثاء، وهم يوم الأربعاء يقولون: مبروك للنصف الثاني. والله أنا سمعت هذه الكلمة بأذني من بعض الشباب الصغار. تخيلوا ما الذي يتبع ذلك: بداية عدم ثقتهم فيما نفعل نحن، وعدم قدرتهم على التمييز بين الصواب والخطأ فيما بين أيديهم، وشعورهم بأننا عاجزون عن أن نواكب. ولا أريد أن أتحدث عن قضية الهلال الآن، وأتذكر كلام أخينا الدكتور عبد الحميد وهو يجلس في هذا المجلس المبارك، وهو يحدثنا عن هذه المسألة. لكن على كل الاحتمالات، في ظل تطور الحياة والحركة التي نعيشها حولنا، نستطيع أن نجمع شمل الأمة، وأن نوحّد كلمة المسلمين، وأن نجمع الناس على صعيد واحد في يوم العيد، وفي بداية رمضان، وفي التكبيرات، إلى آخره.
المآلات عند القائمين على المؤسسات الإسلامية
تكلمنا عن الدعاة، فتعالوا نرَ المآلات عند العاملين في الحقل الدعوي من المسؤولين عن المؤسسات الإسلامية. كان النبي ﷺ إذا صعد على ظهره الحسن أو الحسين رضي الله تعالى عنهما وهو ساجد، يطيل في سجوده حتى يفرغا وينزلا[15]. أنتم متخيلون ما الذي حاصل؟ تخيلوا المشهد معي: النبي عليه الصلاة والسلام ساجد في صلاة جماعة، فمعنى هذا أن الصحابة كلهم ساجدون. (واحد يتحرك معنا؟ واحد يتكلم؟ صاحبنا عايز يسمع أي صوت منكم! طيب، صلوا على النبي.) فالمجتمع الإسلامي كله ساجد، والمجتمع الإسلامي كله متوقف في حركته على صوت من النبي ﷺ، والنبي ﷺ متوقف في حركته على هذين الطفلين الصغيرين اللذين يلعبان. وتخيلوا بقى أن طفلًا داخلًا يجري عندنا في الجامع، فزعق فيه أحدهم وطردناه...
وذكّرنا بعض الإخوة بما كان من أمر داعية مبجَّل معروف اليوم، كان في بدايات نشأته في بلدته طفلًا شقيًّا يتحرك في المسجد، والإخوة يتحدثون معه ويقولون له: اسكت. أسأل الله له أن يحفظه ويسدد خطاه ويبارك فيه ويحفظ عليه نفسه ودينه وإخلاصه. تخيلوا أن مثل هذا الطفل يكون ذلك الداعية المبجَّل! لو أنهم طردوه خارج المسجد، فكره ذلك المسجد وكره من فيه وتحوّل إلى شيء آخر، تخيلوا المسألة.
طيب، وهذا سلوك، وهناك أمر آخر: أحدُ من يستشعرون أنهم يملكون المراكز الإسلامية، يقول: أنا أكبر متبرع للمسجد، فالمسجد هذا بتاعي. فالناس لما تدخل تدخل على حسب هواي وما يرضيني. فما الذي يترتب على ذلك؟ يقول لإحدى النساء: أنت كيف تضعين هذا هنا؟ لا يصح هذا، لو سمحتِ. فتنظر إليه المرأة وتقول: ما الذي يزعجك؟ ولماذا لا يصح؟ هذا قلة ذوق! ثم تقوم هي وصاحبتها، تأخذ حذاءها وتمضي في اتجاه الدرج، والحمد لله... ومن ورائها أولادها يقولون: ماما، نحن جئنا لنرى أصحابنا في المسجد! ما الذي حصل؟ وخرجت الأم غاضبة منتفخة الأوداج. (وأنتم تعرفون طباعنا نحن المصريين، لكنها مداعبة فقط.) فما الذي يؤثر به هذا الموقف وحده في نفسية هؤلاء العيال إذا كبروا، وأصبحوا يعتبرون أن هذا الموطن إنما هو الموطن الذي تُهان فيه أمُّنا إذا أتت إليه؟ مجرد شاهد على التحكم الحاصل عند بعض القائمين على أعمال المساجد، والتضييق والتقييد على الناس: الحركة بحساب، والكلمة بحساب. سبحان الله، مسألة تحتاج إلى إعادة نظر.
أسلوب الوعظ. ونمط الخطاب الذي كنا نتكلم عنه من شوية يؤدي إلى أن... تخيلوا مثلًا الجماعة أصحاب الفضائيات، ربنا يحفظ الجميع ويبارك، (وكأنما يقول أحدهم): أنا عمري ما أكلّمكم إلا عن عذاب القبر والنار، وأنك ستذهب في ستين داهية. يجيء الناس فيهرب الناس منهم، لأن الناس الأصل عندها محبة الخير. نحن بطبيعة الحال متكدّرون في حياتنا، سواء من البيت، أو من الشغل، أو من الأمور المادية، أو تسيير أمور الحياة والحركة المعيشية، الناس في كدح وفي كبد. وجاء أنت تسوّدها عليّ أنت كمان؟ يا عم، اقفل! خلّينا نشوف حاجة ثانية تفرح القلب! اقلب على القناة الأخرى. وبهذا المنطق يحصل الخلل.
الوصاية على الخلق. وعندنا بعض الدعاة، للأسف الشديد، ونحن نتكلم أحيانًا بنظرة الوصاية على الخلق: أنا الإمام، أنا الزعيم، أنا الذي هنا، لا تستطيع أن تخرج عن كلمتي، ولا تستطيع أن ترد عليّ قولي، ولا تستطيع أن تثني عليّ فيما أدّعي، أنا الإمام. هذه الوصاية على الناس تجعل الناس يفرّون من المحيط الذي تكون أنت فيه، فينطلقون إلى محيط آخر، وأيُّ محيط آخر؟ إلا محيطات الشيطان وما يتبعها من الهوى والنزوات، إلى آخره.
الوالدان والجار
ولو تخيلنا، على سبيل المثال، ونحن نتكلم عن فقه المآلات، وقد بقيت لي دقيقتان: لماذا الوصية بالوالدين إلى حد الاقتران بالتوحيد لله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[16]؟ لماذا كل هذه المبالغة في الوصية بالوالدين؟ ولماذا يجعل النبي ﷺ حق الجار حقًّا أشبه ما يكون بالحق المقدس، فيقول ﷺ: «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيو…»[17]؟ الله أكبر! لماذا؟ لأن المآلات: لو صرختُ في الليل، أنا، وقلت: آي بطني! فمن يكون أقرب إليّ: أمي التي تسكن في موطن آخر، أو أبي الذي في قُطر آخر، أم جاري الذي بابه في بابي؟ وهكذا تكون مآلات الأمور عند التعقل ومحاولة التفكر في الكلمة أو التصرف قبل أن نتجاوزها.
هذا ربما قليل من كثير في هذا الموضوع. والحمد لله سبحانه وتعالى أن صرنا نتكلم في هذه الموضوعات. وعلى فكرة، الكلام في هذه الموضوعات من فترة قريبة كان بدعة وحرامًا: إيه موضوع المآلات؟ وإيه موضوع المقاصد؟ وإيه الكلام الفارغ اللي أنتم تتكلمون فيه ده؟ فالحمد لله أن الله سبحانه وتعالى سخّر العقول الآن لتتحدث في هذه الموضوعات بكثرة، وصارت هناك مادة علمية جيدة حول هذا الموضوع، ويتكلمون فيه كثيرًا. لكن نريد، بفضل الله وبإذن رب العالمين، أن نزيد أيضًا من الحديث عن أنواع أخرى من الفقه، مثل فقه تأليف القلوب، وفقه التعامل مع النفسيات المتقلبة، وفقه الحوار وإكساب الخلق مزيدًا من الثقة في أنفسهم. كل هذه أنماط من الفقه نحتاج أن نستوعبها وأن نتحدث فيها كمجتمع مسلم، عسى الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا، وأن تتطور نظرتنا للأمور وتقييمها. والله تعالى أعلم. ومع أسئلتكم إن تكرمتم علينا، بارك الله فيكم.
الحوار مع الحاضرين
قضية الهلال. بدأ الحوار بقضية الهلال، وهي قضية نعيش فيها كل سنة، والمآلات فيها واضحة، ومن عليه المسؤولية؟ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم. منذ أكثر من عشرين سنة، فيما يبدو، كان أحد المشايخ المشهورين ضيفًا عندنا في بلدتنا البسيطة الغلبانة في مصر، قرية أو بندر، فسُئل: ما حكم الصور، التصوير؟ فقال: حرام. فقالوا له: يا مولانا الإمام الأكبر، نحن الآن مضطرون أن نتصور من أجل البطاقة وجوازات السفر وهذه الأشياء المبتدعة كلها، فماذا نفعل؟ فقال: هذا حرام معفوّ عنه! وأنا ساعتها في مرحلة الدراسة، أقلّب دماغي: حرام معفو عنه؟ أجيبها يمين وشمال، ولم أجد هذا المصطلح قبل ذلك. من أين جاء به؟ ماشي، خلاص. وبعد شوية نفس هذا الرجل، من عمالقة الفضائيات، وصوره ما شاء الله على اللوحات والبانرز الموجودة في الدنيا كلها، مليئة بصور الإمام الأكبر الذي كان منذ قليل يتحدث عن الحرام المعفو عنه! فما الذي حصل؟ إذا أحسنّا الظن قلنا: حصل نوع من التطور الفكري عند الأشخاص، والحمد لله، وعفا الله عما سلف، والحمد لله وصلنا إلى هذا المستوى.
ومن فترة قريبة كنا نتكلم عن أن الحساب الفلكي منكر في ذاته، ولا ينبغي أن يُستعمل أبدًا؛ المهم الرؤية. وتطورت الأمور الآن فنسمع أن لا مانع من اعتباره، انتبه يا عبد الحميد، لا مانع من اعتباره! حلو الكلام، ممتاز جدًّا. وبعد عدد من السنوات ستجده يقول لك: إن الحساب الفلكي هو المعتمد الآن. نشوف المسألة ببساطة: الحساب الفلكي الذي كان منكرًا قديمًا إنما كان يقوم على علم التنجيم. هل أحد منا من الناس الموجودين يؤمن بعلم التنجيم؟ لا أحد يعتبر أن هناك مصداقية عند هؤلاء المنجّمين مطلقًا. لكن هناك ما يسمى بالتنجيم، وهناك ما يسمى بالعلم. ما معنى كلمة علم؟ أصول وثوابت وضوابط وأدلة واستشهادات وتجارب واستنتاجات. علم، اتفقنا؟
الاعتراض الأول: من الذي يعمل الحساب الفلكي؟ ليسوا مسلمين، وبناء عليه فنحن لا نثق فيه ولا في قولهم ولا في كلامهم. ليه؟ لأنهم كفار، إن شاء الله، يا عم! أنت مش واخد بالك؟ طيب، ماشي. إذا جاءني كافر يحدثني برؤية الهلال، هل أقبل منه أم لا أقبل؟ (سكت الجمهور وروّح الناس.) لو أتاني كافر يحدثني برؤية الهلال، هل أقبل منه أم لا أقبل؟ الأصل أن أطلب معه شاهدًا آخر، أو أن أقبل الشهادة من مسلم، وهذا هو الأَولى. طيب، متى أردّ شهادته؟ بداية، إذا كان لم يبحث في المسألة إلا لأمر شرعي عندي، فأنا أحتمل سوء النية عنده، وأنه يريد أن يلخبط لنا الدنيا، فساعتها أقول له: اركن أنت جنب شوية لو سمحت، وخلينا نشوف المسلمين. ما فيش عندنا حد بيشوف الهلال غيرك؟ ده نحن عندنا في الصعيد واحد طلع قال: يا جماعة أنا شفت الهلال، فقال له الناس: مكافأة ألف جنيه. طلع واحد كمان: وأنا شفت، وواحد كمان هناك: أهو، عشان ياخد الألف الثانية. طبعًا نحن نلعب، ولا إيه؟ عندنا ناس كثير بتشوف.
لكن لو تخيلنا مثلًا هؤلاء الناس، وما فيهم من المسلمين الموجودين في هذا العلم، وهل عندنا منهم مشاهير؟ طبعًا الحمد لله. طيب، لماذا أصلًا يبحثون في حركة الهلال؟ عشان خاطركم أنتم يا مسلمين؟ كم واحد منكم؟ أنتم أصلًا كم واحد في عالم الدنيا؟ ما الذي يمثله موضوع هلال رمضان تحديدًا بالنسبة لهم؟ لا شيء. أمّال هم ليه بيتابعوا حركة الهلال؟ بيتابعون حركة الهلال علشان الملاحة الجوية التي في السماء، بيتابعون حركة الهلال عشان المدّ والجزر وما يجري في البحار، وهذه البضائع الضخمة التي لا تُقدَّر إلا بمليارات، بيتابعون حركة الهلال علشان كذا وعلشان كذا، كلها بعيدة عن موضوعك. فأنا الاستئناس عندي برأيهم هو مجرد استئناس برأي أناس ثقات في ميدانهم، ثقات في ماذا؟ في ميدانهم، ليس لهم علاقة أصلًا بقضية هلال رمضان أو هلال العيد، الأضحى، الصغير أو الكبير، أيًّا ما هو، ليس له دعوة بهذا الموضوع. هو يبحث مسألة أخرى.
الأمر الثاني: النبي ﷺ حين كان يستخدم بين يديه الوسائل المتاحة، لو استجدّت بين يديه ﷺ وسائل أكثر حداثة، بالله عليكم، بمعلوماتنا البسيطة المتواضعة، أنتخيل أن النبي سيستخدم أي وسائل مستحدثة تخرج بين يديه، أم يرفضها؟ (قلتُ مازحًا بنبرة صاحب الوصاية: لا، هيرفضها! عارفين ليه؟ أنتم موافقون معي أنه سيرفضها أولًا ولا لا؟ ده أنا الإمام، ينفع كده؟ ولا نحن لسه بنتكلم على الوصاية الدينية؟ اللي أقوله يتسمع!) يقول صاحب هذه النبرة: عارفين ليه يرفضها؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نحن أمة أمية، لا نقرأ ولا نكتب، والشهر عندنا كذا وكذا»[18]. فالنبي حين كان يقول «نحن أمة أمية» كان يقولها إخبارًا عن حالة كانت قائمة خلاص؟ أم كان يقولها قرارًا تشريعيًّا بأنه لا بد أن تبقى الأمة في أميّتها لا تقرأ ولا تكتب؟ ما رأيكم؟ هو يتكلم عن الذي نحن فيه الآن: العدّ عندنا كذا، وإذا اكتمل الشهر... ويشير بأصابعه ﷺ. اتفقنا؟
وتخيّل حين يقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِ…﴾[19]. أنتم متخيلون كلمة «مواقيت»؟ كلمة، وما الذي يرتبط فيها؟ طيب نشوف كده: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا … وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ …﴾[20]. «ولتعلموا عدد السنين»، الله أكبر. وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾[21]. هذه الجمل القرآنية كلها تشير إلى أنه ما إن يتم التوصل إلى معيار يستطاع من خلاله أن تنضبط حركة الزمن، فاتباعه أولى، بالإضافة إلى ما يترتب على ذلك من وحدة المسلمين ولمّ شملهم واتحاد كلمتهم. وعلى كل حال فلو أننا نظرنا إلى المآلات ورأينا أن الدنيا الآن تسخر منا ولا نستطيع أن نجمع وحدتنا، والله لكان في ذلك سببًا كافيًا.
وإن كان الرجل يأتي من آخر الدنيا يقول للنبي ﷺ: قد رأيتُ الهلال، فيجيز الصيام لأصحابه... مسألة لا أريد أن أقول إنها نسبية، ولكن الأمر أبسط من أن نعقّد. أن نجد أناسًا يقولون: لا، نحن لن نصوم، لأن إخواننا لما شافوا، ده شاف الهلال، فعل ماضي، بس أصلهم شافوه بالتلسكوب، ما شافوش بالعين المجرّدة! يا الله! يرفض الصيام لأن الناس رأوا الهلال بالتلسكوب ولم يروه بالعين المجرّدة! فتقول له: أنت كنت لابس نظارة؟ يقول لك: أه. تقول له: النظارة تلسكوب برضه، من نوع تاني صغنن شويه، ولا أنا غلطان؟ مش التلسكوب دي حاجة مكبّرة برضه؟ والنظارة برضه تقرّب وتبعّد وتظبّط المسائل! يعني تمام. المسألة مسألة الفهم وإدراك التبعات والنظر في المآلات، والله تبارك وتعالى أعلم. (جاءنا من يريد أن يغلق المكان، لكني أرجو أن يكون في هذا جواب.)
اتباع المسجد القريب. وسأل أحدهم: العام الماضي أخبرنا الشيخ عن الصيام أن الأمر لا يرجع إلينا، وانتظرنا كثيرًا وفي الآخر تبعنا أقرب مسجد لنا، وكان بالنسبة لنا فيه مشكلة، وساعتها كان قرارًا فرديًّا؛ فهل هذا صحيح حتى لو تكرر في العام الحالي؟ فقلت: الله يسعدك ويرضى عنك ويبارك فيك. مسألة اتباع الناس لأقرب مسجد مسألة معتبرة ديانةً، والحمد لله سبحانه وتعالى، وذلك أيضًا لجمع شمل الأمة في مجتمع أو في محيط بسيط. وأما جوابًا على السؤال: الأصل عندنا التحري. يعني ماذا التحري؟ التماس الأدق، التماس الأحوط. والأحوط أن أصوم أم أن أفطر؟ تمام. وبناء عليه فإذا كانت بين أيدينا الوسائل التي يمكن أن نتعرف من خلالها على خروج الهلال أو عدم خروجه، فالأَولى اتباعها. فإذا لم تكن لك وسيلة... وعندنا مشكلة: نصوم تبعًا للمسجد الذي بجانبنا أم نفطر؟ أصلًا نحن لسنا في البلد... (كلام مضطرب في التفريغ) الناس كلها صايمة، ولو أنا فطرت ستكون كارثة؛ أو الناس كلها مفطرة ولو أنا صايم سأشق على المسلمين! ده نحن في أمريكا! Welcome to the United States! يعني معنى ذلك أنك أصلًا ما حدش عارف ما الذي يجري داخل بيتك، ولا حتى جارك يعرف من أين باب المدخل عندكم، ولا الدنيا ماشية إزاي؛ كل واحد هنا على ربه جملة، كما نقول في الفلاحين عندنا. لحظة واحدة، تمام. الأصل في المسألة ديانةً: من اعتبر أنه إذا صام تابعًا لمسجده الذي بجواره فذلك على الصواب، فالله تعالى يقبل منه ولا نشدد ولا نشق على الناس؛ ومن اعتبر الوسائل وتابع المحيط الموجود… وأشهد الله سبحانه وتعالى أني واحد من الناس، في العام الماضي على سبيل المثال، والله تواصلتُ مع نحو تسعين في المئة من المشايخ الموجودين حولنا في المنطقة، لنحاول أن نجمع كلمة المسلمين. ومنهم من كان مستجيبًا، ومنهم من قال: والله عندي رأيي ووجهة نظري التي لا أستطيع أن أخرج عنها بين لحظة وأخرى. فأمّنّا على ذلك، والمسألة انتهت، ونسأل الله لكم القبول.
تعقيب أحد الحاضرين. وذكر أحد الإخوة أن الصحابة والسلف كانوا يختلفون ثم يصبّون في النهاية في رأي واحد، وأن الوحي كان يتدخل أحيانًا، وطلب أن نتفق على شيء واحد على الأقل، وأشار إلى أن المشايخ متفقون على الذبيحة. وعلّق آخر أن عالمًا في تركيا ذكر أن المسلمين تمسكوا بحديث واحد وتخاصموا عليه وتجاهلوا حديثًا آخر، وهو «الصوم يوم صومكم والفطر يوم فطركم»، فكان ينبغي أن يتوحدوا على الصوم مع حكومة بلدهم. فقلت: أخي الكريم، الصوم عبادة زمنية، عبادة مرتبطة بالزمن؛ فمتى اتفق المسلمون على آلية فالأَولى أن يتبعها جميع الناس. والإشكالية عندي ليست في ذلك، وإنما في أمر آخر: النبي ﷺ عندما قال: «صوموا لرؤيته»، فكل الإشكاليات حول هذه الجملة، حول هذه الكلمة وحدها: ما دلالة الرؤية؟ وأنا دائمًا أضرب مثالًا فأقول: والله قلتُ لابني أنس: لو سمحت، اقف على الباب وشوف عمّك أبو حمزة جاي من بعيد ولا لا. فأبو حمزة كلمني بالتليفون وسأل: أنت فين؟ وأنس لسه ما شافش عمه دخل ولا ما دخلش، والراجل بيكلمني من داخل الموضوع! فالمفترض أن أثق في كلام الولد الواقف بره، أم أثق في كلام الذي كلمني بالتليفون؟ فالجماعة اللي بيتكلموا في رؤية، أو في متابعة للهلال فلكيًّا، هم أصلًا راكبين فوق على القمر، على فكرة! هم قاعدون فوق يكلمونا من فوق. ده بكلمك من فوق، ده الرجل من فوق، حضرتك ماشي بالقمر تحت مثلًا، الله يكرمك. فهو متابع الحركة بدقة شديدة، واللي طالع يشوف ليس معتمدًا على حركة الأقمار، معتمد على عين، قد تكون ضعيفة أو قوية. والله تعالى أعلم. فلو اعتبرنا أن الآليات الحديثة في تتبع القمر إحدى الوسائل التي تُعتمد بها الرؤية لخرجنا من كل هذا الخلاف. لكن الإشكالية أننا نرد هذا الكلام ونقول: لا، ما ينفعش، وإن عينينا بس هي اللي تنفع. والله أعلم.
وقال أحد الحاضرين: لفت انتباهي أن علاقتنا نحن المسلمين بالدين قد لا تتبع دائمًا المنطق أو الحساب أو الرياضيات؛ فنرفض العلم تمامًا في أمر كهذا ونقول إن النص القرآني قال كذا، ثم تأتي حادثة كالتي حصلت من أيام فنقول إنها مذكورة في القرآن من أربعة عشر قرنًا، وأضاف أننا نصوم ونفطر على الساعة، فمن الذي ضبط الساعة إلا الحساب الفلكي، ومن الذي قال إن الفجر في الساعة كذا وكذا ثانية. فقلت: أنا متفق معك جدًّا جدًّا. نحن حين تظهر عندنا مسألة حديثة نخرج فنقول: واو!… (عبارة مشوشة في التفريغ) لكن حين نأتي لنتعامل مع مثل هذه المسائل... هي طريقة تفكير، والله أعلم. وأنا من خلال المتابعة، والله تعالى أعلم، أرى أنها تتحرك شيئًا فشيئًا، أو تُجبَر على الحركة بين الحين والآخر، حين تجد الحائط سدًّا أمامها فلا تجد لها مخرجًا، فتتحرك معك في التطور إن شاء الله إلى الأحسن. نسأل الله الثبات والعافية.
التوازن في العمل مع الشباب. ثم عاد سائل إلى المآلات عمليًّا: دائمًا الإنسان يفكر في كل شيء يعمله ماذا سيحصل، سواء نتيجة سلبية أو إيجابية، وخصوصًا حين العمل مع الشباب، فتعمل بعض الأنشطة، فيأتيك من طرف من يقول: هذا حرام ولا يجوز، وفيه اختلاط، والبنت كذا والشاب كذا؛ ومن الطرف الثاني من يقول: إن لم تكن لينًا معهم فسيذهبون. فكيف يمكن للإنسان أن يعمل بتوازن؟ فقلت: الله يرضى عليك، سؤال في غاية الأهمية، الله يحفظك. الجواب: أن الإنسان يعمل بتوازن. لكن سؤالك: كيف يقدر أن يعمل هذا التوازن؟ المسألة تعتمد على كل حالة. هناك رواية تقول إن الجارية كانت تأخذ بيد النبي ﷺ تطوف به المدينة وتقضي بها حاجتها[22]. تعرفون معنى هذا؟ واخدة بيده كده! حين كنا نذهب فنجمع تبرعات للمسجد مثلًا، فأنا أخذ أخي عبد الرؤوف معي لأن الناس يعرفونه، فأنا أقضي به حاجتي. والجارية تأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به إلى الناس، فيديني اثنين كيلو لحمة… النبي ﷺ! متخيّل المسألة؟ ولكن تتخيل لو كان هذا اختلاطًا بين رجل وامرأة، حتى لو كان النبي ﷺ وهو المعصوم ﷺ، إلا أنه يمثل صورة أمام المجتمع. أليس كذلك؟ وتأتي مسألة الصحابة رضوان الله عليهم، حين كان الفضل ينظر إلى المرأة الحسناء، وفيما يبدو كان النبي ﷺ يصرف وجهه عنها.[23]
نحن نتكلم الآن على قضية الاختلاط، والاختلاط أثناء العبادة وكذا، ومعايير هذا الاختلاط وضوابطه. لا بد من تعليم أولادنا وبناتنا الثوابت. يعني إيه الثوابت؟ أن الحوار أو الكلام له حدود وله معالم. أنت متخيل مثلًا أن بنتًا وولدًا واقفين يتكلمون في موضوع مهم، مواجهات... أليس هذا اختلاطًا؟ ولكنه اختلاط يُشرَّع لهذه الحالة. لكن قعدنا بقى وحكّينا كتفنا في كتف بعض، فنحن كده ما عادش في اختلاط؟ دي بقت بهدلة يا عمّ الحاج! مظبوط الكلام هذا. ولو تخيلتَ مثلًا أن الأولاد والبنات يجلسون في جلسة لأنهم يعملون مشروعًا. وكنا في موقف من المواقف قريبًا، والبنات والصبيان يلعبون ويتنططون، فقالت إحدى البنات، الله يحفظ الجميع: والله نحن لما بنعمل كده، بيخلّوا الأنشطة بنات لوحدهم، يتنططوا ويطلعوا وينزلوا ويرسموا، فيصطدمن ببعض، والصبيان لوحدهم، شباب بقى ورجال، وصراخ... أنت عارف العيال بقى! فلما نعزل، فنحن نعمل الأنشطة... مسألة التوازن، يا أخي الحبيب، مسألة مرتبطة بالموقف وبعقل منفِّذ النشاط. ولذلك يُشترط في كل قائم على عمل من أعمال الدعوة أن يكون حافظًا عالمًا، يعني عنده العلم الذي يستدرك به المواقف، وعنده الأمانة التي يحفظ بها الحرمات، فيقدر أن يتصرف مع الشباب من جيلهم ومن سنّهم وبطبيعتهم وبطريقتهم، ويقدر أن يتعامل مع المواقف بشكل ما، وفي نفس التوقيت لديه من الديانة ما يحفظ به أمانات الناس وعوراتهم. قضية التوازن ليس لها جواب عندي، وإنما جوابها في عقل المنفِّذ للنشاط. شغلتي أنا أن أقول له: اعمل. والله أعلم.
تغيّر الفتاوى. وسأل آخر: قضايا فقه المآلات فقه عملي، يعني نحن كمسلمين الواحد يلتزم بالدين والفقه، ولكن الفتاوى تخرج، فمنذ أربعين سنة كثير من الأمور، منها الإنشورنس ومنها الترانس بلانت، زراعة الكلى وغيرها، كانت حرامًا كليًّا، فيموت المريض ولا يأخذ كلية، ثم بعد عشرين سنة تصير حلالًا، فالمآلات هنا راح فيها ناس ضحية. صعوبة الحياة من ناحية الإنشورنس أو من ناحية شراء البيوت، تحتاج إلى فهم من المفتي حين يفتي لقضية ما: ما الأثر على الناس؟ يحتاج نظرًا قبل أن يفتي: ما الذي سيصير بحياة الناس من صعوبة؟ والله المستعان. فقلت: سبحان الله. في المؤتمر الأخير لأمجا، وهو آخر مؤتمر لمجمع فقهاء الشريعة من أمريكا الشمالية، وجدنا قامات علمية في البلد، ربنا يحفظ الجميع، يحلّون كل أنواع الإنشورنس، بكل أنواعه حتى اللايف إنشورنس[24]. لماذا لم نسمع هذا الكلام من عشر سنين أو من خمس عشرة سنة؟ هذا رقم واحد. رقم اثنين: التعامل مع البنوك بشكل مختلف، وشراء البيوت تحديدًا والمانعون لها، وجدنا أناسًا الآن يحلّون كل أنواع التعاملات علنًا، وفي المؤتمر، عينك عينك. وبناء عليه، يا أخي، التطور الحاصل يستوعب زمنًا، لكن للأسف الشديد، كما تفضل أخونا، هناك أجيال تُهضَم حقوقها في هذا الإطار.
وموضوع اللايف إنشورنس أنا لا أفتي فيه، ولا أتكلم في هذه المسألة الآن، لكن افترض فقط حالًا: كل الناس الموجودين في أمريكا، حتى لو كانوا دكاترة والدخل بتاعهم كثير، وكل ما نجمع تبرعات نخبط على بابهم ويعملون معروفًا ويعطوننا، ما شاء الله أغنياء جدًّا جدًّا، ومع ذلك... إذا وقف عن الشغل الصباح: متشكرين جدًّا، نوّرتنا! انسَ بقى الدخل والقصص دي كلها، مظبوط، إلا إذا كان عاملًا استثمارات وكلامًا من هذا. وانتقلنا بكده للكلام عن إطار آخر: أنا واحد من الناس أشتغل شيخًا، الدخل الذي عندي آخر الشهر، لو طلعنا من آخر الشهر وما عندناش ديون، فنحن مستورون والحمد لله، كافين بيوتنا، نعمة وفضل. طيب، لو بكرة الصبح حصل لك مشكلة في صوتك ولا بتتكلم، يا أبو حمزة، هتفضلوا مخلّيننا عندكم إمامًا، أم هتردّوا؟ هنجيب حد تاني؟ يعني، ما دام أنك ما بتعملش «ذين ميك سنس» ومش هتصلي بالصامت! يعني مش عيب! عينك أمام ظهر وعصر بقى! حاجة بس، مجرد مثال. طيب، صاحبنا، الله يرحمه، الشيخ أحمد، كان كويس، ماشي الكلام، مراته هتروح فين؟ هتروح على الشيخ عبد الرؤوف تعمل معروف، أنتم بتتكلموا في الإغاثات، اعملوا معروف، أعطونا حاجة للعيال، مش أنا برضه مرأة الشيخ الذي كان... والله يا أختي جزاك الله خير، وإحنا تحت أمر أبو حمزة، أعطونا حاجة، جوزي كان إمام عندكم، فلان، اعملوا معروف! هتجمع كام من الناس دي كلها في الشهر؟ هيدوها بقى لمدة كم شهر، والناس هتسأل: إلى متى؟ وإلى أين؟ ونحن متصورون أنه لازم نفضل نحن اللي بنشحت! مجرد مثال.
وسألني أحد الإخوة منذ فترة: هل يجوز لولدي أن يقترض قرضًا ليكمل دراسة الطب؟ فقلت له: لا طبعًا! فقال لي: ليه؟ قلت له: عشان نحن مسلمون لازم نحن اللي نفضل عيانين طول حياتنا، عمرنا ما نبقى أطباء أبدًا! أهو يروح يأخذ قرضًا وينجح ويبقى طبيبًا ومتفوقًا ما شاء الله ويُشار إليه في الجرائد والصحف أنه طبيب مسلم مشهور؟ يا عمّ، خليه مرمي على السرير، خلينا نحن العيانين، ينوّر! فإلى متى تبقى هذه العقلية تفكر بهذه الطريقة؟ نحن عايشون في سيستم الأصل أن نتبع منه ما لا يتعارض مع الثوابت. وكلمة «ثوابت» دي بقى كل واحد فينا هيفهمها بمزاجه، عشان يقول لك: أه، ده ثابت ولا متغير. ومن هنا لا بد أيضًا من دراسة فقه الثوابت والمتغيرات، حطّها على اللستة يعني، والله تعالى أعلم. فمسألة التحرك مع المجتمع لا بد من وجودها، وإلا فنحن نُحاصَر بين الحين والآخر في منطقة لا نجد منها خلاصًا إلا أن نقول: سلّمنا، ما كنا نحرّمه بالأمس أصبح حلالًا اليوم. فتفكر من دلوقتي وتضع، حتى لو كنت ستواجه المجتمع. أنا ما عنديش مشكلة أن أخرج بكلمات يقول الناس عليّ فيها: أنت مش كويس، لكن بعضهم يتبع، وبعد عشر سنين يقول: الله يرحمه، كان ده سابق زمان. والله تعالى أعلم.
المآلات في الزواج الأول والنية. وسأل أحد الإخوة عن المآلات في الزواج: (في كلام مضطرب) عن مآلات الزواج الأول والمشاكل التي تتعلق بالأسرة، وهل من اختيارات معينة حتى لا يقع الخطأ في المستقبل، وهل من طريقة لتنبؤ المستقبل؟ فقلت: أستأذنك أن أصيغ السؤال بطريقة ثانية: هل يحاسبنا الله سبحانه وتعالى على مجرد الأعمال، أم على الأعمال التي تم تدبيرها والتفكر فيما آلت إليه؟ فلو أني تزوجتُ إنسانة لظروف معينة، ثم قدّر الله بنيّة صالحة وبعقل واثق، ثم قدّر الله سبحانه وتعالى أن نختلف، فكيف نختلف الآن، ومتى نختلف، وإلى ما سيؤدي هذا الاختلاف؟ إذا حُسمت هذه المسائل في العقد، فالله تبارك وتعالى يكافئ العبد على قدر ما عنده من العلم والنية. اتفقنا؟ واضح الجواب، ولا لسه شوية؟ نحن لسنا متزوجين لكي يُحكَم علينا بالإعدام: أننا لازم نفضل موجودين مع هذه الست طول الحياة، أو هي تفضل تحت يد هذا الرجل طول عمره. لا، نحن عايشون في إطار حياة بين الأخذ والردّ، بين السلام وكذا. لكن ما قصدك؟ أنا متزوج عشان أروح أطلّقها بعد شوية بعد ما آخد الجنسية أو آخد الورق أو آخد العرشين اللي هي ورثتهم؟ نيتي كده؟ أم نيتي أن أعيش، لكن اختلفنا، اختلفنا، اختلفنا، دون وجود أي وسيلة من وسائل الإصلاح؟ فحينها إذا اتُّخذ قرار الطلاق بالهدوء المطلوب وبالإحسان الذي نشده رب العالمين سبحانه وتعالى، فليس هناك جرم نستغفر منه. اتفقنا؟ وإذا أتت لتقول: أنا لا أستطيع أن أعيش مع هذا الرجل حياتي المتبقية، طيب لماذا؟ فنحصّل المسألة ونتفكر في الموضوع وكذا وكذا. ولذلك عندنا للرجل حق الطلاق وللمرأة حق الخلع؛ هذا بين يدي المرأة تطلبه، وهذا بين يدي الرجل يمارسه. ولما كانت المرأة تطلب الخلع، وكان لها من يتولى أمرها حال الزواج، وجب أن يكون لها من يتولى أمرها حال الخلع، أن يكون قاضيًا أو ولي أمر المسلمين أو إمام الجالية أو أيًّا من يكون في هذه المسائل. والله تبارك وتعالى أعلم. فالله عز وجل يحاسبنا على التصرفات العشوائية، أو يحاسبنا على النية السيئة. أما إذا اتزن العقل وضُبطت الحركة، فالله تبارك وتعالى قد علّم نبينا ﷺ أن يحدثنا: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ…»[25].
الطلاق والأولاد. وسأل آخر على النقطة نفسها: الطلاق كان يصير في أيام الرسول والصحابة وما كانت تعتبر جريمة. فقلت: لا، ما هو مش جريمة. قال: قصدي أن المآلات على الأولاد مرات أن يستمر الزوجان في الزواج وهن مثلًا الاختلاف فيهم كثير، فيمكن أن تكون المآلات أسوأ على الأولاد، يتصورون أن هذا هو نموذج الزواج وهذا هو الوضع الصحيح؛ وأضاف أحدهم أن الأولاد حتى بعد الطلاق ينبغي ألا يكونوا سلاح حرب بين المطلقين، لا الأب يقصّر في أولاده لأنه طلّق أمهم، فهؤلاء أولاده في الآخر وفي الأول ونفقتهم عليه، ولا الأم تستخدمهم كسلاح تحرّضهم على أبيهم لأنه طلّق. وأضاف أن المآلات ليست في الطلاق بحد ذاته، وأن عندنا نصوصًا كثيرة في هذا الموضوع لو درسناها بحكمة، لأن فكرة الطلاق أصلًا قائمة على أن بين الناس مشاعر سيئة، فوضع الإسلام ضوابط، ولو حكّمنا الإسلام في حياتنا بصحٍّ لما كانت المآلات سيئة على الأولاد. فقلت: مظبوط؛ حين تكلمنا عن مآلات الطلاق ما قلنا إن الطلاق في حد ذاته مآلاته دائمًا وخيمة، لا، وإنما تكلمنا عن كيف سيُتَّخذ القرار، ولماذا، وما الذي سوف يترتب عليه. فإن كان الطلاق إنما يترتب عليه المصلحة…
الطلاق بالثلاث. وسألت إحدى الأخوات: إذا قال الزوج «أنت طالق بالثلاثة»، نحن درسناه زمان أنه تقع طلقة واحدة، لأن من شروط الطلاق أن يكون بين ثلاث طلقات في ثلاثة مواقف، لكن الذي أسمعه الآن أن الناس يقولون: لا، هي «طالق بالثلاثة» تُعتبر طالقًا بالثلاثة. فقلت: المسألة أصلًا عندنا فيها رأيان. الرأي الذي قال إن طلاق الثلاث إنما يقع طلقة واحدة هو رأي ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومسألة أن الطلاق المترتب على الكلمة مرتبط باللفظ مسألة أيضًا معتبرة؛ فمن قال بذلك فليس على خطأ، ومن قال بذلك فليس على خطأ. نحن بقى ماذا نفعل؟ نشوف الكيس، عارف المحامي كده الشاطر اللي بيشوف إزاي يقدر يخرج بأقل النتائج خسارة؟ أقل الخسارة المرتقبة من المشروع؛ فإذا كان هذا هو المفيد نستعمل هذا الرأي، وإن كان هذا هو المفيد نستعمل هذا الرأي. فمن قال لك ذلك فهو على صواب، وما درستَه سابقًا هو كما هو لم يتغير، لكنه يمثل رأيًا في جملة آراء. (وسُئلتُ: أليس هناك رأي راجح؟) فقلت: لا، كما قلت لحضرتك، لا بد أن نفرّق بين هذه كأحكام شرعية موجودة. هي عاملة كده بالضبط زي إيه؟ زي الأدوية التي يوصفها الطبيب، لكن من يُخرج الدواء المناسب؟ الصيدلاني. فالصيدلاني يقول لك: أنت عندك كذا، يقول لك: ده هيعمل سايد إفكت، ما تأخدش ده، وخد ده، أديك ده الجينيريك. فالشيخ الموجود، المفترض أنه يفتي في الجالية أو في المجتمع المسلم، المفترض أنه عارف بأحوال جاليته ومتابع لحركة هذه البيوت داخليًّا وخارجيًّا وكل حاجة، فإذا عُرضت عليه مسألة فهو أولى الناس بمعرفة أين يطبّق وماذا يطبّق، وما هو الحكم المتَّبع أو ما هو الرأي الذي سوف يأخذ به. فكل كيس كده بتتفصّل لوحدها ويُحكَم عليها لوحدها، لكن الآراء في حد ذاتها موجودة. الله يبارك فيكم.
وختم المجلس بقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، وبقراءة سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا…﴾.
--- [1]: توثيق المحرر: هذا ما قاله المحاضر وأُثبت كما ورد. والمعروف في روايات قصة إسلام أبي ذر في الصحيحين أن النبي ﷺ أمره أن يرجع إلى قومه ويخفي أمره حتى يأتيه أمر الله، فأعلن إسلامه فضُرب. فالمسألة تحتاج إلى مراجعة العزو. [2]: توثيق المحرر: قصة حذيفة في الخندق رواها مسلم، وفيها قوله ﷺ: «وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ». وقد قال المحاضر إن اللفظ بنحو ما نقل ومعناه ألا يثير ضغائنهم. [3]: توثيق المحرر: هذا من كلام المحاضر في تقدير قتله قبل إسلامه؛ وقد أسلم أبو سفيان رضي الله عنه بعد ذلك عام الفتح. [4]: توثيق المحرر: الفتح: 1. لم يذكر المحاضر رقم الآية. [5]: توثيق المحرر: الفتح: 27. لم يذكر المحاضر رقم الآية. [6]: توثيق المحرر: القصة في صحيح البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وغيره. وذكر المحاضر اسم سهيل مجردًا لاضطراب التفريغ في نسبه. ولفظ الصحيح في الكتابة: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وقد ذكره المحاضر «هذا ما بين محمد رسول الله». [7]: توثيق المحرر: نسب المحاضر معسكر الساحل إلى أبي جندل وحده، والثابت في صحيح البخاري من حديث المسوّر ومروان أن أبا بصير رضي الله عنه هو الذي فرّ فنزل ساحل البحر، ثم لحق به أبو جندل وغيره حتى صاروا عصبة. أُبقي نص المحاضر وهذا تنبيه. [8]: توثيق المحرر: الفتح: 25. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [9]: توثيق المحرر: الأنعام: 108. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [10]: توثيق المحرر: الأحزاب: 37. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [11]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه، وفيه «لَا تُزْرِمُوهُ»، وفي لفظ: «دَعُوهُ». وعبارة «لا تقطعوا عليه بولته» ذكرها المحاضر في الرواية الأخرى. [12]: توثيق المحرر: لفظه في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه: «دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ». وقد أورده المحاضر بصيغة السؤال كما جاء في التفريغ. [13]: توثيق المحرر: المائدة: 54. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [14]: توثيق المحرر: في التفريغ «يعطنا»، ولعلها «يعقّنا» بدلالة السياق، وهو غير مؤكد. [15]: توثيق المحرر: روى نحوه النسائي والحاكم من حديث عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنه، وذكره المحاضر بالمعنى. [16]: توثيق المحرر: الإسراء: 23. لم يذكر المحاضر موضع الآية. [17]: توثيق المحرر: متفق عليه من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم. وانقطع التفريغ عند «سيو»؛ وتمام اللفظ المعروف «سَيُوَرِّثُهُ». [18]: توثيق المحرر: اللفظ المعروف في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». وقد أورده المحاضر بلفظ «لا نقرأ ولا نكتب» فأُثبت كما قال. [19]: توثيق المحرر: البقرة: 189. وقف المحاضر عند «مواقيت ل»؛ وتمام الآية: ﴿لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. [20]: توثيق المحرر: الإسراء: 12. ذكر المحاضر الآية إلى «لتبتغوا… ولتعلموا عدد السنين»؛ وتمامها: ﴿فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. [21]: توثيق المحرر: يس: 40. ذكرها المحاضر مجملة. [22]: توثيق المحرر: ورد نحوه في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه في أن الأَمَة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. وذكره المحاضر بالمعنى. [23]: توثيق المحرر: القصة في الصحيحين في حجة الوداع، وفيها الفضل بن عباس والمرأة الخثعمية. وكلام المحاضر عنها مشوش في التفريغ فأُثبت على الإجمال. [24]: توثيق المحرر: هذا نقل المحاضر لما شاهده في المؤتمر، وليس فتوى منه (وقد صرّح بأنه لا يفتي في التأمين على الحياة). ولم يُحرَّر في التفريغ تعيين القرار أو المؤتمر؛ فيُراجَع قرار المجمع قبل الاعتماد. [25]: توثيق المحرر: متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد توقّف المحاضر عند «وإنما لكل امرئ»؛ وتمامه المعروف «مَا نَوَى».
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.