الأسرة المسلمة: تحديات وحلول
حين تصير الفجوة بين الزوجين بابًا يدخل منه الشيطان، وكيف تُرَدّ الأمور إلى أصل الوحدة
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في مسجد كولدواتر بولاية ميشيغن بتاريخ 12 يوليو 2024مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
أحسن الله إليكم، ورضي عنكم، وأدامكم بخير وعافية وأمن ورضوان منه وكرم. أسأل الله العليّ القدير أن يفتح لنا ولكم أبواب رحماته، وأن يُسبغ علينا نعمه الظاهرة والباطنة، وأن يهيّئ لنفوسنا خيرًا يُطمئن قلوبنا، وأن يرشد عقولنا ويحفظ عافيتنا. اللهم آمين. وبعد، فهذه ليلة مباركة نستنير فيها بنور هذه الوجوه المضيئة والابتسامة الوضّاءة. ولولا ذكر الله ما استقرّت لنا حياة، ولولا الإيمان ما استشعرنا لوجودنا في هذه الدنيا معنًى. وصمّام الأمان في حياتنا هو ديننا، لا شيء غيره: ديننا أولًا وآخرًا، قبل كل شيء وأثناءه وبعده، في البدء والختام.
الأصل الذي نبدأ منه
لا بدّ أن نؤصّل لهذا قبل أن نتكلم عن أي نوع من أنواع المشكلات: ما مرجعيّتنا؟ مرجعيّتنا الدين. آمنتُ بالله، فما يقوله الدين نلتزم به. وأكبر مشكلة في حياة الناس، وهي التي تتولّد منها كل المشكلات التي تأتي بعدها، أن يجعل الإنسان نفسه ندًّا لله عز وجل: يقول الله وأقول، ويريني الله وأرى، ويأمرني الله فأردّ. لا أقول إنه يعترض صراحةً، لكنه على الأقل يزعم أنه أعلم بحاله من غيره. فيقال له: قال النبي، فيتكبّر. والتكبّر لا يكون قولًا فقط، بل يكون فعلًا ووسيلة. وهذا المبدأ يجري على الرجال والنساء جميعًا.
تحديات أم مشكلات؟
وحين نقول «الأسرة المسلمة: تحديات وحلول»، كنت قد حسبتُ أننا سنتكلم عن مشكلات وحلول. فهل بين الكلمتين فرق؟ نعم، فرق كبير. التحدّي يعني أن اثنين موجودان معًا، وأمامهما شيء يتحدّيانه؛ أنا وأنت نتحدّى فلانًا. أما المشكلات فليس بيننا فيها هذه الوحدة ولا هذا التناغم، لسنا على نسق واحد ولا خط واحد، نحن مختلفون أصلًا، فنتحدّى بعضنا قبل أن نتحدّى غيرنا. فهل بين كثير من الأزواج والزوجات تحديات أم مشكلات؟ ماذا تختارون؟ ما تقولونه نمشي عليه. اخترتم المشكلة؟ حسنًا، هم الذين اختاروا.
فما المشكلة؟ المشكلة باختصار كلمة تعبّر عن فجوة بين طرفين. قد يكون الطرف الأول زوجًا والثاني زوجة، وقد يكون أبًا وابنًا، أو شريكًا وشريكة، أو جارًا وجارة، أو أخًا وأخًا، أو أختًا وأختًا. فجوةٌ في مساحة وُجدت بعد أن كان الأصل هو الالتحام والاتحاد. فهمنا أن المشكلة فجوة حصلت. فما سبب الفجوة؟ وما الذي أدّى إليها؟ وكيف نعيد الأصل إلى مكانه؟ هذا كله سيأتي، لكني أريد أولًا أن أفهم معنى «مشكلة». والفجوة قد تكون نفسية: نحن متفقون في كل شيء، متعاونون متكاملون، لكننا لسنا مستريحين لبعضنا، لا نشعر بالأمان ولا بالراحة ولا بالطمأنينة. وقد تكون عقلية: أنا أحبك جدًّا، أنت حبيبي وجاري وأخي وتصلّي بجانبي، لكننا مختلفان في وجهة النظر ولا نستطيع أن نلتقي؛ أحبك ولا أتفق معك. فإذا تُركت هذه الفجوات أفسدت العلاقات، وقسّمت القواسم المشتركة، حتى لا يبقى بيننا شيء.
ما الأسرة؟ وحدةٌ بعقل وقلب وبدن
ثم ماذا تعني الأسرة؟ الأسرة وحدة. انتبهوا إلى التعريف: ما معنى «وحدة»؟ مجموعة أشياء اجتمعت لتكوّن شيئًا واحدًا، تكاملت حتى صارت شيئًا واحدًا. هذا الهاتف مثلًا وحدة: فيه الشاشة واللوحة الداخلية وبطاقة الشريحة وغير ذلك، تجمّعت كلها لتكون شيئًا واحدًا. ولذلك لا نقول عن الله سبحانه وتعالى «واحد» كبقية الآحاد، وإنما نقول «أحد». فما الفرق بين الواحد والأحد؟ الأحد غير متكوّن من أجزاء. أما الواحد فيمكن أن تقول فيه نصف وربع وخمس؛ الواحد قابل للتجزئة، والأحد غير قابل لها. والأسرة مجموعة أفراد اتفقوا من البداية على أن يكمّل بعضهم بعضًا، فيعيشون معًا كأنهم شيء واحد.
ولذلك فإن رب العالمين سبحانه وتعالى حين يصف العلاقة بين الزوج والزوجة يصفها بأنها ميثاق غليظ[1]. لماذا وصفها بأنها ميثاق غليظ؟ لأنه ميثاق لا ينفكّ ولا ينقطع، بشرط أن تُبنى العلاقة على أصل كلمة الله تبارك وتعالى. وبناء العلاقات على كلمة الله موجود عند الناس كلهم: يضع العريس يده في يد المأذون فيقول له المأذون: على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمّى. كلام جميل جدًّا، لكنّ كثيرًا من الناس لا يُدخله في الموضوع حقًّا. فلا بد أن أفهم أنني لأصنع هذه الوحدة آتي بالرجل بعقله وقلبه وبدنه، وآتي بالمرأة بعقلها وقلبها وبدنها، وأضعهما معًا.
وانظروا ما الذي يدور في أذهان الشباب الصغار، أول ما تأتي كلمة «ليلة الدخلة» يضحك وينبسط ويتخجّل، ويجيئه في رأسه مشهد واحد فقط. ولم نفهم أن هذه الوحدة كما هي في الفراش هي في المطبخ، وعلى المائدة، ونحن نتكلم ونأكل ونشرب، وهي موجودة ونحن نفكّر للمستقبل ونحن نربّي أولادنا. فالوحدة اجتماع عقلين، واجتماع قلبين، واجتماع بدنين. وللأسف الشديد، الصورة الظاهرة عند الناس كلهم، إلا من رحم الله، في قضية الزواج هي اجتماع الجسدين فقط.
التحصينات النبوية قبل الاقتراب
ولذلك كانت التحصينات النبوية المبدئية: قبل أن تقترب من الموضوع، انتبه وأنت لا تزال عند عتبته. «تُنكَح المرأة لأربع»[2]، وهذه هي الغرائز البشرية والدوافع النفسية المحتمل وجودها: لمالها وجمالها ونسبها ودينها. فماذا يقول النبي ﷺ؟ «فاظفر بذات الدين». لماذا؟ حتى تكتمل الوحدة، حتى إذا جاءتك ذات الدين أطاعت الله فيك. وما معنى «أطاعت الله فيك»؟ أهو أن تقول لها: تعالَي إلى الفراش فتقول: حاضر؟ ليس هذا، الموضوع أبعد من ذلك بكثير. أن ترجع زهقانَ الخُلق عالي الصوت فتتحمّل، هذا إطاعةٌ لله فيك. أن يكون اليوم آخر الشهر وليس عندنا مال، فتصبر، هذا إطاعةٌ لله فيك. أن يأتي أحمد يجمع التبرعات فيأخذ ما معك من مال الجالية، وهو يبني المسجد، ثم يأخذ منك الغوشتين، وهي مع ذلك تُطيع الله فيك. أن يكون عندي فكرة طلاق تطوف في رأسي، وتُطيع الله فيّ في تلك اللحظة. فالمسألة ليست مسألة فراش، المسألة أن اجتماع هاتين النفسين وهذين البدنين وكلا العقلين معًا هو الذي أدّى إلى هذه الوحدة.
الأسرة وحدة اجتماعية كبيرة
فهمنا إذن أن الأسرة وحدة. ويسمّونها وحدة اجتماعية، فما معنى وحدة اجتماعية؟ هي التي تتكوّن من مجموعة من الأفراد. ومن هؤلاء الأفراد؟ زوج وزوجة في الأول، لكن قبل الزوج والزوجة عندي أب للزوج وأم للزوج، وأب للزوجة وأم للزوجة، وأخ للزوج وأخت للزوج، وأخ للزوجة وأخت للزوجة، وأولاد عمّ من هذه الناحية ومن تلك الناحية. فنحن حين نتزوج هل نتزوج أم نقيم فرحًا؟ نحن في الحقيقة نقيم فرحًا، ولماذا؟ لا لنتعرّى ونستعرض، بل لأننا ناس كثيرون، لأننا عدد كبير، ولأن لي حقًّا في زوجة أخي، كما أن لأخي حقًّا في أمي وولدي وأختي، وكذلك العائلة كلها. هذه هي الوحدة، أن يجمع الله تبارك وتعالى بين هؤلاء الأطراف حتى يمثّلوا كيانًا واحدًا.
ولنجرّب: أقرب الناس إليّ في الاتصال، إذا احتجتُ شيئًا الآن، مَن هو؟ ابني أم زوج ابنتي؟ ما رأيكم؟ والله على حسب. زوج ابنتي أكبر سنًّا من ولدي وأعقل منه، وهذا هو الأصل والطبيعي، وعنده علاقات اجتماعية ومكانة وعمل. فإذا كلّمتُ في مسألة من المسائل فمَن أكلّم؟ أكلّم زوج ابنتي. ونحن قاعدون معًا لا أقول له: ناولني الكأس، فإن الابن هو الذي يقوم بهذه المهمة. فالمسألة إعمال العقل في توظيف هذه العلاقات بعضها مع بعض، وهذه التوليفة تحتاج إلى فهم وإدراك لأبعاد أنواع التعاملات الموجودة.
ما يشترك فيه البشر كلهم
وصلنا حتى الآن إلى كلمتين: المشكلة فجوة بين طرفين، والطرفان قد يكونان عقلين لا يتفاهمان. وأنواع المشكلات الموجودة بين كل البشر، سواء أكانت المرأة إيطالية أم أمريكية أم أفغانية أم يمنية أم مغربية أم أردنية أم تونسية أم جزائرية (وأترك المصريات حتى لا تغضب بعض السيدات)، اطلبوا لي واحدة من هذه كلها لا تغار على زوجها. أيّ جنسية في العالم فيها امرأة لا تغار؟ ليس في الكون واحدة. بل تغار، والغيرة تصنع انفعالات، وهي أمر محمود في المرأة، فإذا زادت عن حدّها انقلبت إلى ضدّها، وكل ما زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، اتفقنا. وأخرى: اطلبوا لي واحدة في الأرض كلها لا تحب التزيّن والتبختر، والأصل أن يكون ذلك عند الرجال، أن يغار على امرأته. فعندنا قواسم مشتركة بين البشر جميعًا في أصل الخِلقة الإلهية. ولهذا حين يقال: إياك أن تتزوج أمريكية، وإياك أن تتزوج إيطالية، فأنت إنما تتكلم عن البُعد الثقافي والعادات والتربية، وهذا قسم؛ أما القسم الخلقي الذي خلق الله الناس عليه فهو أمر آخر مستوٍ بينهم جميعًا.
عدم الاتفاق: عقول مختلفة
ما أنواع المشكلات الموجودة بين الناس كلهم؟ أولها عدم الاتفاق. لماذا لا نتفق؟ يقول لي أحدهم: لا نتفق بسبب مستوى الثقافات؛ الزوجة غير متعلمة أصلًا، وصاحبنا الذي تزوجها معه دكتوراه، أو هي درست الجغرافيا حتى نالت جائزة نوبل وهو يشتغل في الفيزياء. نحن نقول دائمًا: انظر إلى نوع العقلية التي تتعامل معها. تعالوا نضع أمامنا مشكلة واحدة، ونحضر طبيبًا ومهندسًا وتاجرًا. المهندس ينظر إلى الحسبة فيرى خطوطًا مستقيمة ومتعرّجة. والطبيب ينظر دائمًا إلى الآثار الجانبية: لو فعلنا هذا فقد يحدث كذا. والتاجر يقول: لا، هذه القصة ستخسّرنا، قف هنا، فسيزيد معي خمسة دولارات. الله أكبر! لماذا؟ لأن عقليات الناس مختلفة. فتخيّلوا تاجرًا متزوجًا من مهندسة، تسير بالبيت على القلم والمسطرة، وهذا يكلّفه مالًا، فلا يتفقان. أو طبيبة، من طبيعتها أن تنظر إلى موضع الداء وتجتهد في وصف الدواء.
وعقلية الطبيب على فكرة قريبة جدًّا من عقلية الشيخ الإمام، إن كان الإمام واعيًا ومدركًا لأبعاد مهمته: أنه معالج لكل هؤلاء الناس على اختلاف أحوالهم وأمراضهم ونزعاتهم وشهواتهم. فهو يتعامل بمنطق الطبيب: ينظر إلى الأمراض، يقيّمها ويعالجها. ويزيد الإمام شيئًا بسيطًا جدًّا هو الموائمة بين الأطراف المتناقضة، فهو يحاول دائمًا أن يجمع بين الناس. ولذلك فإن آخر قرار يمكن أن نأخذه، والشيخ محمود يشهد معي، أن نوافق الناس على الطلاق. دائمًا نحاول أن نوفّق بينهم ونصلح ونضبط. وإن كانا شريكين في عمل وكان الأمر صعبًا جدًّا قلتُ لهما: فُضّا هذه الشركة وأريحاني، فنحن لا نعرف أن نفعل غير ذلك. لماذا؟ لأن دماغي هكذا رُكّبت. فتخيّل أنك تتعامل بين طرفين، زوج وزوجة، ولكل منهما رأس مختلف في توجهاته وحساباته وديناميكية العمل في داخله، وفي الطرق والدهاليز التي تتحرك داخل الدماغ؛ أنا أمشي هكذا وهي تمشي هكذا. وعلى فكرة، حتى لو اتفقت التخصصات فلا بد أن عقلية الرجل تختلف عن عقلية المرأة.
وهذه لا أقولها انتقاصًا، فأسأل الله أن يبارك لنا في أهلنا جميعًا. لكن انظروا إلى أخواتنا أكرمهن الله: كما يقول الناس، تجد إحداهن تسوق السيارة وتأكل شطيرة وتتحدث في الهاتف، وتمنع الولد الذي في المقعد الخلفي من الشغب، وتتابع كل شيء، حتى الأولاد في البيت: أنت، نزلتَ عن السرير فاصعد مرة ثانية. عندها ملَكات رهيبة جدًّا، لا تكاد تفهم كيف يعمل هذا الدماغ. وهي في البيت كذلك: تطبخ وتتكلم وتتابع. وصاحبنا الرجل المحترم دخل بيته راجعًا من العمل، الحمد لله، فماذا يفعل؟ يجلس على الأريكة ينظر إلى التلفاز، فتتكلم هي: الولد ضرب البنت، والبنت اصطدمت بكذا، وصعدنا ونزلنا. فيقول: آه. نقول له: ما رأيك؟ آه. هل استمعتَ؟ آه. هذا لا يتجاوب، ليس معنا في الموضوع إطلاقًا، صاحبنا في الهواء. وهذا دماغي: حين أركّز في شغلي أكون في عملي، وهي تتكلم من المحيط الأطلسي ثم تنتقل إلى الناحية الأخرى.
قصة الأربعين سنة
وعندي صاحب رجل طيب جدًّا كريم جدًّا عائل جدًّا، يحكي للناس فيقول: لي أربعون سنة ما حصلتْ بيني وبين زوجتي مشكلة. قالوا له: هاتِ لنا مثالًا، كيف ذلك؟ قال: اتفقتُ معها من البداية أن المشاكل الكبيرة لا شأن لنا بها، والمشاكل الصغيرة لا شأن لي بها. قالوا: حسنًا، هات مثالًا. قال: أمثلة الأولاد: الأولاد أكلوا، الأولاد شربوا، الأولاد ناموا، الأولاد اغتسلوا، الأولاد ذهبوا إلى المدرسة، دخلوا الجامعة، تزوجوا، طلّقوا، وأنا ما لي دخل، مشاكل صغيرة. قالوا: ما شاء الله، فما مواضيعك الكبيرة إذن؟ قال: يعني موضوع أمريكا وأفغانستان، وما لي أنا ولهذا؟ فصاحبنا ليس هنا، صاحبنا في الطراوة، آخذ جانبًا ومنعزل.
فالشاهد أن اختلاف العقليتين أمر لا ندركه. أنا دائمًا أتكلم مع زوجتي وأنا متخيّل أنها معي على المستوى نفسه، نتكلم كلمة بكلمة، والدماغ مختلف. لا أرفع من شأنها ولا أحطّ منه، أقول فقط: ربنا ركّب هذا الدماغ على هذا النحو وذاك الدماغ على ذاك النحو. أنا أعرف التعامل مع الأرقام، وأتعامل مع الناس في الشارع، وأشدّ وأربط وأحسب، هذه طبيعتي، وعضلاتي جزء من تكويني؛ أما هي فحنيّتها جزء من تكوينها، ودمعتها القريبة جزء من تكوينها، واستشعارها جزء من تكوينها. وأريد رجلًا، رجلًا من الرجال، يرفع يده ويقول: أنا أصبر على طفل يبكي على كتفي من الصباح إلى آخر النهار. ترفع يدك أم تحكّ رأسك؟ يا شباب، أنتم غير متزوجين، فلْنعقلْ ولنصلّ على الهادي. من فينا يقدر أن يصبر على طفل عنده مغص وهو يبكي من الصبح إلى آخر اليوم؟ لا نقدر. أنت عندك شغلك من الصباح إلى آخر اليوم، ثم جئتَ فوجدتَ طفلًا يبكي، أتقدر أن تسهر معه ثم تكمل شغلك في الغد؟ أما أختنا فتقدر؛ تقضي النهار كله في مطبخها ذاهبة آتية، ثم تجد آخر النهار الولد يتقلّب يمينًا وشمالًا، فتظل جالسة بجانبه تطبطب وتغيّر وتمسح وتنظف، الله يرضى عليها، حتى الصباح، ثم تبدأ جدولها في الصباح عاديًّا. أي قدرة خارقة هذه! كيف فعلتِ ذلك؟ أنا لا أقدر.
فالرجال ضعاف جدًّا في جوانب وأقوياء جدًّا في جوانب، وأخواتنا ضعيفات جدًّا في جوانب وكبيرات جدًّا في جوانب. والمشكلة أننا حين نتعامل معًا أستخدم مواطن القوة عندي وأنا أتعامل مع الطرف الآخر وكأن عنده مثل مواطن قوتي، فإذا تعاملتُ مع مواطن ضعفي كان عندها مثل ما عندي: لا يا حبيبي. والحكاية نفسها منها هي.
العلاج: الفهم والصبر، ثم الخلاف المؤقت
فحين نقول إن عدم الاتفاق قاسم مشترك في المشاكل بين البشر كلهم، فلا بد أن أرى له حلًّا. ما الحل؟ الفهم: أن أفهم أن عندي طبيعة مختلفة عن طبيعة الطرف الآخر، وأننا لا بد أن نتجاوب مع هذه الجزئيات ونتعامل معها بعقل. فهل أنا عاقل؟ لا، أنا أُجَنّ وأحلف بالطلاق وأقول لها: أبوك وأمك وخالتك ومن راح ومن جاء، وعلى لسان سفيه الجدود الذي لا أعرف ما شأنه، وأغضب وأثور وأتنطّط. يا عمّ اهدأ، وقاك الله، اهدأ يا حاج! لو أن أحدًا طبطب على هذا الرجل. ثم تغضب الأخت وتلمّ حاجتها وتذهب، فأقول: أنا أترك لك البيت يا ستّ! توقّفوا قليلًا، وانظروا إلى العيال والمكوّنات هذه، إلى أين نحن ذاهبون؟ ولماذا أقرب شيء يأتي إلى أذهاننا هو الغضب والانفصال؟ والأخت التي تعمل في وظيفة لا تستطيع أن تفعل ذلك مع رئيسها في العمل إذا قال لها كلمة ضايقتها. وأخونا كذلك، لو كانت معه في العمل امرأة وفعلت حركة «نصف كومب»، فيا سلام على التلطّف والنعومة والكلمة الحلوة! اخرجْ من هذا؛ اصبر قليلًا كما تصبر في العمل مع الأموره التي هناك، اصبر في الدار قليلًا.
فعدم الاتفاق قاسم مشترك بين جميع الخلق، بين كل الأزواج والزوجات، لكن الفرق بين الناس أن هناك عاقلًا يجمع شمل هذه الفرقة ويجعلها اتفاقًا مرة أخرى، ويجعل عدم الاتفاق مؤقتًا لا دائمًا.
ألوان الانفصال
والأمر الآخر في القواسم المشتركة قضية الانفصال. الانفصال إما مؤقت أو متتابع أو دائم. فإذا زعلتم في البيوت ماذا تفعلون؟ نظل زعلانين. وبعدين؟ لا، نكمل زعلانين عاديًّا. ومتى تلتقون؟ لا يهم، لو قدّر الله والتقينا بعد شهر أو نحوه. والدنيا خربانة هكذا! فهناك ما يسمونه الزواج مع إيقاف التنفيذ، أو الطلاق مع إيقاف التنفيذ، وهو الطلاق الصامت. ودلالته أننا الاثنين نعيش تحت سقف واحد: السلام عليكم، عليكم السلام، كيف حالكم اليوم؟ الحمد لله بخير، طبختِ؟ نعم. معاملة رسمية جدًّا، كلمة بكلمة، السلام عليكم، وعليكم السلام، لا «ورحمة الله وبركاته»، هذه الزيادة غير موجودة. طيب أعطِنا مصروف البيت. حاضر، المال موجود. وأنا بقي لي كذا. وعلى فكرة، ذهبتُ إلى الطبيب اليوم وقال كذا. هذه اللغة الناشفة، لماذا نتعامل بلغة كلغة الصعايدة؟ أنا أتكلم عن الصعايدة عندنا في مصر، لا أعرف ما عندكم أنتم؛ وما تسمونهم عندكم، البدو؟ الله يفتح عليك.
فنجد الانفصال، مؤقتًا كان أو متتابعًا، مشكلة من المشكلات الدائمة أو القواسم المشتركة بين البشر كلهم. أما الانفصال الدائم فأن نأخذ القرار: الناس لا يصلحون لبعضهم ونخشى على الأولاد، فنجلس معًا في البيت، وإن لم نقل لفظ الطلاق، فالرجل يعرف غرفته والمرأة تعرف غرفتها، وهو ينام الساعة كذا وهي تنام الساعة كذا، وانتهينا بلا إزعاج. وفي هذه الأثناء من هو الوسيط المحترم الذي يجري بين الطرفين؟ الشيطان. يذهب إلى هنا فيهدّئ قليلًا، ويذهب إلى هناك فيُشعل قليلًا، ويجنّن هنا، والدنيا شغالة. وهو الكسبان، ونحن الاثنان محروقان، والعيال هم الخاسرون. وأنا حتى الآن ما زلت أتكلم عن المشكلة فقط.
الأسباب الخارجية: الانطباعات المرسومة منذ الطفولة
فما أسباب المشكلات التي في حياتنا كلنا؟ ما الذي يجعلنا مختلفين، سواء لم نتفق، أو حصل انفصال مؤقت أو متتابع أو دائم؟ عندنا أسباب خارجية، أي من خارج هذا الإطار الزوجي. أولها الانطباعات المرسومة في الذهن منذ أيام الطفولة. أحيانًا يأتيني أخ وأخت، زوج وزوجة، عندهما مشكلة: حلّ يا مولانا. أهلًا وسهلًا، نوّرتمونا، تفضّلوا. أول ما أفعله أن أعطي الزوج ورقة بيضاء جميلة وقلمًا ظريفًا، وأقول له: تفضّل، وحضرتكِ تفضّلي، أنتِ تعرفين القراءة والكتابة؟ تفضّلا، كل واحد منكما يكتب لي في هذه الصفحة، في الوجه والظهر، سلبيات الطرف الآخر وإيجابياته، وانتبها فربنا يراكما، واكتبا بالعدل والإحسان. ويفعل الاثنان ذلك، ثم نجمع الورقتين ونقارن: الإيجابيات المشتركة والسلبيات المشتركة. وأحيانًا تجد تناقضًا في الكلام، فتفهم أنه يكذب. والخطوة الثانية: احكي لي يا أموره عن بابا وماما، كيف كانا زمان مع بعضهما؟ احكي لي عن طفولتك، حين كنتِ في الثالثة والرابعة والخامسة والتاسعة والثالثة عشرة والسابعة عشرة، وبدأتِ تصيرين شابة، وبعدين بدأتِ تنظرين إلى ولد يمشي في الشارع، وتقولين أريد أن أتزوج، وفاتتك الأحلام. احكي لي تاريخ حياتنا من الأول إلى اليوم. فتجد أن بابا كان يضرب ماما بالعصا، معلش، أو كانت ماما متعنّتة وكانت صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في البيت. فتجد انطباعات قديمة جدًّا ترسّخت في ذهن هذه الفتاة، فلما جاءت تتزوج أرادت أن تُفرد عضلاتها مثل ماما. ولا يصح أن تمشي ماما على خط والبنت على خط آخر، ثم تقول: أنا لم أعد بنت ماما.
وصاحبنا الأول مثلًا كان أبوه رجل البيت، وفي أيامنا الأولى كان الأب إذا قال الكلمة لا تسمعها الزوجة وحدها بل الشارع كله يسمع، قال كلمة فانتهى الأمر، لا نقاش. فصاحبنا جاء بهذه الاستحقاقات، والأخت جاءت بعقليتها هي كذلك، فكل واحد منهما يريد أن يُفرد عضلاته على الآخر. أتذكرون عندنا في مصر ماذا يقولون؟ «اذبح لها القطة في ليلة العرس». وعندكم أيضًا مثله، فقد ضحكتم كلكم. أنا آخر مرة نزلتُ مصر لم أجد قطة واحدة في الشارع، ربما الإخوة قضوا عليها. المهم أن كل واحد من الطرفين يأتي بانطباعات سابقة. وعلى شبابنا أن يفهموا أنك حين تتزوج امرأة فلا بد أن تحترم تاريخها الذي كان في بيتها قبل أن تأتيك.
ولهذا حين يأتيني أحدهم فيقول: يا شيخنا أريد أن أخطب فلانة، أقول: والله والنعم، أهلًا وسهلًا، متأكد؟ أجد يا ولد أم لعب؟ فيقول: جدّ يا مولانا. فأقول له: اتركنا قليلًا، وللشيخ طرقه التي يجري بها «الإنستجيشن» الخاص به. فنسأل: إذا كانت الأم تدير الدار بحكمة ولا تلخبط الأمور، والأب يقعد على الأريكة من المغرب ولا يتكلم، فهل هذه طبيعة الأسرة؟ أنا أمزح، الله يجزيكم بالخير.
فالشاهد أننا قبل أن ندخل في هذه العملية المعقدة التي ستستمر معنا إلى نهاية الحياة، لا بد أن أفهم عقلية الطرف الآخر ومن أين أتى. وللخلاصة كلمة واحدة، والله العظيم، لخّصتْ هذا كله: يقول النبي ﷺ: «تخيّروا لنطفكم، فإن العِرق…»[3]. فالنبي ينهي لك المسألة كلها في هذه الكلمة. ما معنى «تخيّروا لنطفكم»؟ اختر التي ستقابلها في يوم من الأيام في بيتك، وسيخرج منها لك عيال (فيما يبدو من التفريغ المشوَّش)، لأن العِرق دسّاس: الوراثة الذهنية التي جاءت بها من عند أبيها وأمها في الدار ستأتي معها إلى هذا البيت.
الأم والأب: إخلاص بلا فهم للبيئة المختلفة
والإشكالية الأكبر أننا بعد أن تزوجنا وجلسنا واختلفنا وجئنا ننظر من الذي سيمضي، تقوم الأم طائرة من عندهم وتأتيك إلى البيت، سواء بالهاتف أو بالرسائل أو جاءت بنفسها فشرّفتنا ونوّرت البيت: أنتِ إياكِ أن تتركيه يفعل كذا، افعلي كذا. لا بد يا ستّي، الله يفتح عليك، اركني الله يكرمك، دعينا نخلّص شغلنا معًا. وكذلك أمّ الولد أو أبوه، كل واحد يريد أن يفرض سيطرته بالشكل الذي يريده هو ويعرفه هو. فأين المشكلة؟ الأب والأم، الطرفان، في غاية الإخلاص، وهم مخلصون جدًّا. فإذا كان ابنك يتزوج وتنصحه، فأنت لا تخونه، أنت مخلص جدًّا، لكنك لا تفهم أن هناك بيئة مختلفة وطبائع مختلفة، وأن امرأة ابني ليست نسخة ثانية من امرأتي أنا، وأن التي ستستقبل هذه النصيحة ليس شرطًا أن تكون هي نفسها كذلك. ففي عقليات مختلفة.
المجتمع من حولنا
ومن الأسباب الخارجية أيضًا المجتمع الذي نعيش فيه. لا بد أن نفهم أنني إذا أغضبتُ زوجتي وتركتني وذهبت إلى المسجد (وأنا أتكلم عن المجتمع عمومًا)، فإن صاحبتها في المسجد تقول لها: شكلك متغيّرة، أنتِ متضايقة من شيء؟ لا، أنا بخير الحمد لله. لا، هذا زائد، نحن صديقتان ونصلّي معًا. والله لكن متضايقة قليلًا. لماذا؟ أبو فلان فعل كذا. لا، لا ينفع هذا، أنا مع أبي فلان معي حين يفعل كذا... وترسم لها خريطة عمل هلامية. أختنا جزاها الله خيرًا تتكلم من خلفيتها: هي ربّت زوجها ومشّته على العجين فلا يلخبطه، وليس شرطًا أن يكون كل الرجال مثل الرجل الآخر، فهي تمشي على العجين ولا تُفسده. فهذه نصائح من الخارج، ونحن نعالج حالة ليست حالة صاحبتنا.
وأضرب مثالًا: أنا عندي بنت متزوجة. حين يتكلم زوج ابنتي معي في أي مسألة، أو أحيانًا نفتح حوارًا، كأن هناك مشكلة من نوع ما، وأنا مربّيها وأعرف طباعها صغيرها وكبيرها، وأعرف كل شيء عن ابنتي، فأتخيّل أنها ممكن أن تنتج هذا النوع من المشكلات، فأقول له: ما رأيك؟ تخيّل أنني فوجئتُ اليوم في المسجد بأن البنت تفعل كذا وكذا. فإن رأيتُ وجهه قد تغيّر، فهمتُ أن البنت فعلت هذه الحركة؛ وإن رأيته يسمع منتبهًا هادئًا، فهمتُ أن الدنيا مستورة الحمد لله. وهذا نوع نسميه الذكاء الاجتماعي: كيف تقدر أن تتعامل مع الطرف الآخر. وإذا جاء يستشيرك زوج ابنتك، ففي الغالب نقول للبنت كلمة ظريفة جدًّا: ولا يهمّك يا بنتي، أنا أزوّجك سيّد السادة. لماذا يتنطّط عليك؟ لا، ولا يهمّك، وراءك رجال. اهدئي: وراءنا رجال يستُرون ولا يفضحون، وراءنا رجال يلمّون ولا يفرّقون، وراءنا رجال يصونون ولا يهينون، وراءنا رجال يحفظون استقامة الخط المستقيم ولا يفرّقون بين الناس، وراءنا رجال أصحاب عقل لا أصحاب ذراع وفتوّة، وراءنا رجال كلمة[8] لا رجال ينظرون من أين تأتي المنفعة. عندنا رجال صح، لكن أي نوع من أنواع الرجال؟
فالشاهد أن البيئة المحيطة بالطرفين مؤثرة بشكل كبير جدًّا، وبناءً عليه مطلوب منا أمران أساسيان، صلّوا على الهادي البشير. الأمر الأول: أن نُديم تذكير الناس بهذه المبادئ دائمًا، فعندنا محاضرات، والشيخ محمود يقول: لو سمحت تكلّم في هذا الموضوع، ويجيء الضيف الآخر فيقول له: تكلّم في الموضوع الثاني. نريد أن نثبّت أركان الديانة في قلوب الناس وعقولهم فيظلوا مستقرين ثابتين. والحكاية هذه مثل الصيانة لسيارتك: تأخذها فتصلح لها كل مدة، تغيّر الزيت وتضبط، وتعمل لها فحصًا شاملًا لتبقى ماشية معك دائمًا. فهذه الصيانة، والمسجد هو موضع الصيانة.
والأمر الآخر أن أعلّم ابنتي وابني أن أي أحد يقول لهم نصيحة تفرّق فلا يسمعونها من أي أحد في الدنيا، حتى لو كنتُ أنا؛ وأي أحد يقول لهم نصيحة تجمع فليفكروا فيها لا أن يسمعوها فقط، لأن التفكير هو السبيل الأول لتحليل البيانات. مرة أخرى: كل ناصح ينصح بناءً على تجربته الشخصية وخبرته، أم بناءً على الواقع الذي أمامه؟ أنا أحكي لك نصيحة بناءً على خبرتي وواقعي ودماغي، أنا أفكر هكذا. ولذلك أقول للكل: لا يستنصر أحدٌ بناءً على طريقتي في التفكير، فأنا سأفعل كذا لكنك قد تكون مختلفًا؛ فقارن بين النصيحة التي قلتُها وبين ما تقدر أن تعمله، لأن النصيحة قد تكون مضبوطة جدًّا جدًّا لكنها غير متناسبة مع شخصية الطرف الآخر، فلا يقدر عليها.
وبناءً عليه، فلما قلنا إن هناك أسبابًا خارجية متمثلة في الأهل مثلًا، فإننا ننصح كل أم: اتقي الله في ابنتك، هي ليست نسخة منك، وزوجها ليس مثل زوجك، وطبيعة الحال عندها قد لا تكون طبيعة الحال عندك. وانتبهي يا أمّ البنت، لقد صارت زوجة لابني أو لابن فلان. وانتبهي وأنت تنصحين ابنتك، فالحمد لله ربنا أتمّ عليك النعمة وزوجك معك إلى الآن. فإن كانت الأم أصلًا مطلّقة وحياتها الاجتماعية أو الزوجية خربانة؟ نأخذ منها مثالًا. أسأل الله ألّا يزعل أحد مني فيما سأقوله، لكن في كثير من الأحيان أكون أقبل سِيَر معلمات عندي في المدرسة، والله سامحوني، فلو كانت هناك واحدة مطلّقة وعندها مشاكل كثيرة وسيرتها مشهورة في الجالية كلها، فقد لا نقبلها، ونعتذر لها أنها لا تكمل معنا. ولماذا؟ والذي تريد أن تأخذه من مال، المال سهل. لكن وجودها في داخل المدرسة، وهي قد عملت مشاكل قبل ذلك وهي مشهورة غير مستورة، لن تكون عنصر إصلاح. وهل كلامي غلط؟ لن تكون عنصر إصلاح، لأنها لن تتغيّر وتخرج بل ستنقل خبراتها وطريقتها في العمل إلى الباقيات، فتعمل مثلها. فنحن إما نخرّب وإما نصلح. والشاهد أنه على كل ناصح أن يتعقّل حال المنصوح أو المستنصِر، لأن أحوال الناس تختلف بحسب واقعهم وحالهم.
الأسباب الداخلية: التعصب للرأي
ومن أسباب المشكلات التعصب للرأي: أنا وبس، رأيي دائمًا هو الصواب. كيف نفعل هذا؟ تتخيل مثلًا أنك تقول لزوجتك: افعلي يمينًا، فتقول لك: طيب لماذا لا يكون شمالًا؟ ما رأيك أن يكون شمالًا؟ فتقول لها: لا، هو يمين وخلاص. طيب نفعل شمالًا، فربما يكون أحسن. لا، هو هكذا. هذا تعصب للرأي. وصاحبتنا أحيانًا تطلب شيئًا وتريده الآن، متعصبة الآن، الحالة الآن. هذه قضية التعصب للرأي بأشكالها المختلفة. فيقول لي أحدهم: لماذا سميتَه تعصبًا للرأي؟ ربما تكون فطنة وعقلًا، وأنا فعلًا الذي أحكم وأعقل ورأيي هو المضبوط. أقول لك: تمام، لكن صاحب الرأي الصواب عنده قابلية لاستماع الآخرين، فالإنسان الذي رأيه صواب دائمًا يحاول أن يكمّل رأيه بآراء الآخرين. ومن المشاكل الموجودة عندنا أننا نعتبر مشورة المرأة... حتى في مصر عندنا مثل يقول: «مشورة المرأة تخرّب الدار سنة». أنت تعرف أن رأيي صح يا دكتور محمود. لكنك مشغول، فدعك من هذا يا عمّ الحاج. والولد هذا قاعد في وجهك كمان، صوّر جيدًا. صلّوا على الهادي. الاعتراف نصف الجدعنة.
فصاحب الرأي السديد، نقولها مرة أخرى، دائمًا حريص على الاستماع للآخرين. وأريد أحدًا من الناس الكرام القاعدين هنا أن يرفع يده، لا بمئة دولار ولا شيء، ويقول: أنا أحكم وأعقل من نبي الله محمد ﷺ. هل يقدر أحد أن يقول هذه الجملة؟ في موقف من أشد المواقف في حياة النبي ﷺ، يوم صلح الحديبية، وأنا متأكد أن الناس كلها تحفظ القصة، لما ذهل الصحابة عن أن يمتثلوا أمر النبي ﷺ. ماذا حدث؟ دخل خيمته ﷺ وهو مغضب أن أصحابه لم يسمعوا كلامه. تخيّل أن الصحابة لا يسمعون كلام النبي ولا يردّون عليه! تخيّل النبي يقول لهم: انحروا الهدي، وهم مذهولون فلا يفعلون. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام خيمته مغضبًا، وهو مشفق على أصحابه أن يصيبهم عذاب من الله لعصيانهم أمره. ومن كان في الخيمة؟ زوجته. قالت له: ما بك؟ فلو أنني كنت موجودًا ما كنتُ أقدر أن أتكلم، فمن أنتِ؟ وكيف تتكلمين؟ اسكتي، هذا موضوع أكبر منك، أكبر من حجمك وقدراتك وعقلك، من الذي جاء بك هنا؟ لكن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يحكي لها ما حدث مع أن الموقف شديد جدًّا. وبعدين تقول له: أفلا أدلّك؟ وأزيدكم أن الزوجة كانت مؤدبة، لم تقل له: لو كنتَ فعلتَ كذا لكان كذا. فرق كبير بين أن تقول له الأقوال وبين أن تقول له: يا رسول الله، ألستَ وسط رجال؟ الأدب الأدب. فتقول له: اخرج إليهم، فكن أول من ينحر بُدنه وأول من يحلق رأسه[4]. والرواية لم تقل لنا إن النبي ﷺ ردّ عليها. وهذا معناه أنه لم يتكلم أصلًا، بل خرج فنفّذ فورًا. ينفّذ كلام من؟ كلام زوجته، أم المؤمنين، على رأسنا، لكنه في الأول وفي الأخير سمع كلام زوجته. تخيّلوا لو حصل هذا في الجالية: فلان سمع كلام زوجته! يا فضيحة! والله العظيم. هذه كلها تراكمات سابقة، لا نفهم أن عندي عقلًا آخر لديه القدرة على التفكير داخل البيت، يمكنني أن أسمع الرأي الآخر وأنفّذه، ويمكنني أن أسمعه فيكمل جزءًا من التفكير ولو حتة صغيرة.
وهل تعلمون أن في الشرع قضايا كل ما يتعلق بعالم النساء، ونحن لا نفهم فيه كثيرًا، يُفتى فيه بناءً على رأي النساء، ولا دخل للرجال في الرأي فيه؟ هذا ليس موضوعنا. فإذا أفتت المرأة بهذا كانت فتواها هي الفاصل والحاكم. وبعض أخواتنا يأخذن من هذا الموضوع أفضلية فيتحكمن ويسيطرن ويهيمنّ، وهذا أيضًا خطأ، وذاك خطأ. فكيف نستطيع أن نجمع بين الطرفين؟
وقد ذكرنا من أسباب المشكلات العوامل الخارجية، والتداخلات التي تنزل علينا كالبرج من فوق عند السماء، سواء من الجيران أو الأصدقاء أو الأهل أو غيرهم. ونسيتُ أن أشير إلى العالِم الجليل والحَبر العظيم، سيدنا السوشيال ميديا، شيخ جوجل وأتباعه وأنصاره وأعوانه، الذين دخلوا بيوتنا وخرّبوا الدنيا كلها. جاءني مرة فيديو يتكلم عن تسلّط الرجل على زوجته وأنها حكمة، فأرسلتُه إلى صاحبي، وجاء في الكلام[10]: اسكت، الله يفتح عليه، أول مشيرة للدنيا كلها أخرب عشرة بيوت. وأنا قاعد فقط لأتسلّى وأرسل رسالة: يا عمّ، ماذا تقصد بهذا؟
فالشاهد أن عندنا أسبابًا خارجية، وعندنا أسبابًا داخلية، منها التعصب للرأي، وهنا نبدأ نكلم الناس عن التعقّل داخل البيوت. المرأة الموجودة في داخل البيت لا يزال لها عقل تتحدث به وإحساس وإدراك. وعارفون من أعظم المواقف التي يمكن أن تتكلم فيها المرأة حين تضبط لك مشاعرك. أحيانًا تتكلم معها وأنت على وشك أخذ قرار، لكنها عجنتك وخبزتك، نحن عايشان معًا عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين أو أحيانًا خمسين سنة، وأنا ثورتي كذا ولا بد أن أفعل كذا، وهي تعرفني حفظًا فتقول لك: طيب، والله يستاهلون، ولا بد أن تفعل كذا وكذا، لكن ما رأيك أن نهدأ يومين، وبعدين حتى لما نفكر كيف نقدر أن نضربهم الضربة التمام؟ هي تأخذني على قدّ عقلي: أتريد أن تنزلني على الص… (كلمة مقطوعة في التفريغ)؟ فالشاهد أن رأيها أحيانًا يكون بناءً على معرفتها بشخصيتي ونفسي، بشرط أن تكون هي الأخرى تريد لي الخير.
عدم الارتياح النفسي
ومن الأسباب قضية عدم الارتياح النفسي: الناس غير مستريحين مع بعضهم. والأسباب التي تجعلنا غير مستريحين معًا منها ما هو طارئ ومنها ما هو دائم. أما الطارئ فأنا لستُ مستريحًا نفسيًّا اليوم، لماذا؟ رجعتُ إلى البيت متخانقًا، عندي مشكلة مع أبي فلان، أو حصلت خسارة في العمل، أو مصيبة، أو اصطدمت السيارة، فمزاجي متغيّر وغير مستراح نفسيًّا، فأي شيء تطلبينه مني اليوم لن أوافق عليه. فدخلتَ البيت فوجدتَها على غير حالها، تتصرف كالمجانين. فتقوم فتدخل عليها: ما هذا؟ أنت غير طايقة نفسك؟ لماذا لست ملمومة على حالك؟ لماذا لا تكلمينني باحترام؟ لا بد أن تفعلي كذا. فصنعنا مشكلة. اهدأ يا سيدي، كن كالطبيب الشاطر الذي يجسّ النبض، يدخل فيسلّم ويتحسّس من وراء ستار. الدنيا كلها هنا في حريق، والدنيا فيها زلمة، أدخل أم أرجع أبيت عند أصحابي؟ فندخل: السلام عليكم، عليكم السلام، نهدأ شيئًا، ما الذي يحدث؟ ثم نجلس ونتكلم، وردود الأفعال تقول لك ما الذي يحدث داخل البيت.
ومعرفة كل واحد منا بأهل بيته تجعله يقول: هل هي متمردة أم مطيعة؟ ومن الأخطاء الكبيرة التي أقع فيها أنا وكثيرون أنه حين يحدث خطأ من الطرف الآخر أقف عنده. لماذا لا أفكر أن هذه الزوجة معي منذ سبع وعشرين سنة وما فعلت هذا الأمر قبل ذلك؟ فإذا فعلت شيئًا جديدًا اليوم فلا بد من سبب خارجي، وليس شرطًا أن تكون لئيمة ولا جاءت من مكان آخر، بل ربما حدث شيء، فمن الحكمة أن أفهم وأتعقّل. والخلّاق العليم جعل أوقاتًا شهرية لأخواتنا، ونحن كلنا أمّة لا إله إلا الله نعرف أن المرأة إذا كانت في مثل هذه الحال يتغيّر مزاجها. وأنا واحد من الناس لا أفرّق، فأقف على الواحدة: صوتك عالٍ لماذا؟ ولا أعرف لماذا هي غضبانة. والله ربنا يستر، ومحش اللقاء هذا اليوم. حد يطلع يجيب الفيديو هذا من على النت يا إخوان! صلّوا على النبي. فالتغيرات المزاجية الطارئة على الناس لأسباب متفاوتة أو لأحوال طارئة مسألة محتملة، ولا بد أن نفهمها.
وأما الخلل النفسي أو عدم الارتياح النفسي الدائم فأن يكون الطرفان، كلاهما، غير متوافقين على طول الخط، فهي لا تحبه، أو هو لا يحبها؛ لأن أباها زوّجها غصبًا عنها مثلًا، أو تزوج زواجًا عاديًّا ودخلنا البيت ثم وجدتُ أن هذه الشخصية لا تمشي معي. وأحيانًا يكون عند بعض الناس تجارب سابقة، فهو متزوج من قبل وكانت له زوجة طباعها وأخلاقها وشخصيتها مختلفة تريحه جدًّا على الآخر، ثم حصل أمر ما فانفصلنا أو ماتت، فتزوج ثانية، فلما تزوج مرة أخرى وجد شخصية أخرى لا تريحه نفسيًّا. وأيًّا كانت أسباب عدم الارتياح النفسي فلا بد أن يجلس الناس مع بعضهم ويقول كل واحد: أنا غير متوافق معك لأجل كذا وكذا وكذا. فإن قدرنا أن نلمّ الأمر فخير وبركة، وإن لم نقدر فلنحترم أنفسنا من الأول ونقول: شكرًا، وننفصل. والله هذا عين الحكمة. وقد طوّلتُ عليكم كثيرًا فسامحوني، لا يزال معنا شيء، كم تنتظرون مني اليوم؟ صلّوا على سيدنا النبي.
الطموحات الماديّة والمعنويّة
ومن أسباب الاختلاف الكبيرة جدًّا قضية الطموحات المادية والمعنوية، سقف الطموحات عند كل من الرجل والمرأة. ما موضوع الطموحات؟ هذا في بداية كثير من شبابنا حين نأتي نتزوج: أنا أريد أن أتزوج ملكة جمال العالم! يا واز، يا جامد! وأنت عندك ماذا أصلًا لتتزوج؟ مثلًا أنا أريد أن أتزوج واحدة عندها فلوس بقدر كذا، وأبوها كذا. يا عم اهدأ شيئًا، أين أنت ذاهب؟ هذه طموحاته في الزواج. وبعدين ماذا؟ ستأكلني وتشربني وتلبسني وتهنّيني وتطيّب خاطري وتدلّعني وتفعل كل شيء، وفوق ذلك تكون فيها خاصية أنها تشتغل بالريموت كنترول، أضغط على الزر فتقفز. وهي أيضًا طموحاتها أنها تريد واحدًا غنيًّا يهنّيها ويدلّعها ويوسّع عليها ويمنحها كل الأشياء الظريفة هذه. فعندي سقف طموحات من هذه الناحية، وعندها سقف طموحات من تلك الناحية. تضحكون لماذا؟
فالشاهد أن كل واحد داخل في شركة وهو يريد أن يربح[9]، وليس فيهم من يقول: أريد أن أتزوج هذه لأسترها وأنفق عليها. وانتبهوا، فرق بين أن أكون مستقبِلًا أو مقبِلًا، أنا الذي أعطي؛ أنا أريد زوجة ليحصل عندي نوع من السكن المتبادل، بيننا شركة يا إخواني. تخيّلوا لو أن صاحبك يقول لك: أريد أن ندخل في شراكة معًا، يا أبا حسين أنا سأدخل معك شريكًا. ماشي يا مولانا، نتبارك، يا سلام، وأنا أول من يدخل. يلا الله المستعان، نعمل شركة يا شيخ. وبكم ستدخل؟ لا، أنا سأدخل بالدعوات فقط، سأدعو لك. ولماذا تأخذ نصف الأرباح؟ والله العظيم 99% من حالات الزواج قائمة على هذا: أنا سأدخل أتزوج لكن بمجهود يا ولد، ما هذه العظمة كلها؟ أين الذي ستقدّمه من البداية؟
والشاهد أن طموحات الزوجة حين لا تجدها... هي تزوجت واحدًا، وبعد أن تزوجنا اكتشفتُ أنها بني آدمة. أتتخيّلون أيام الخطوبة؟ في أيام الخطوبة يرى عروسه على وجهها غَبَش كذا، والطرحة غير مضبوطة والفستان غير مضبوط، وبعدين القهوة تُقدَّم بأدب وشياكة، تفضل. وصاحبنا رايح على سنقة عشرة مستحمّ قبل أن يذهب، وبعد أن تزوجنا ريحته… (كلمة مشوشة في التفريغ). أين كان هذا الرجل أيام الخطوبة؟ صحيح، التكشيرة والعبوس، وطبعًا تصبحين الصبح بعد الجواز بيوم أو ثلاثة فتجدين الحاج شلبي قاعدًا معك في البيت. الله! هذه الست؟ هذه الأموره ست البنات؟ ما الذي حصل؟ سقف الطموحات ينخفض لأننا لم نكن نتعامل مع الحقائق. ولذلك هذه مشكلة كثير من بناتنا حين يُرين أنفسهن لعريسهن: لا يُرينه أنفسهن، بل يُرينه مكياجهن، ويُرينه وجهًا آخر، فإذا جاء يدخل بعد ذلك تقول: الله، لماذا نظرتَ إلى فلانة في التلفاز؟ أنا أنظر إليها لأنني رأيت أخانا هذا الذي جاءني، جاءني أخ جديد في البيت. ونفس الحكاية تقول له: ممكن أن يكون هذا هو الرجل الذي كان داخلًا بالجرافة ولابسًا كذا وحافظًا الجنبية والدنيا مضبوطة؟ هذا الذي لباسه ملتوٍ وبنيته مقطّعة؟ ما هذا؟ ما هذا البني آدم؟ أعتذر طبعًا عن العبارات، لكني أتكلم عن الواقع قليلًا. فسقف الطموحات الموجود عند الطرفين لا ينخفض، بل يقع، ومن ثم يحدث عدم ارتياح نفسي، وأيضًا مسألة الزهد في الطرف الآخر، فلا أريد أن أقترب منها، أحيانًا أحسّ أنها كذبت عليّ وخدعتني، وأحيانًا يحسّ هو أنها كانت كذّابة. صلّوا على الهادي البشير.
الخيانة المتوهَّمة: صنم الشيطان
وعندي عنصر سميتُه الخيانة، وهي من أسباب المشاكل في الزواج: الخيانة الحقيقية والمتوهَّمة. نبدأ بالمتوهَّمة. أختنا متخيّلة أن حضرتك تخونها ليلَ نهار. لماذا أخونك يا ست الناس؟ أنت عيوني من جوّه، أنت الحتة المكنونة في القلب! فتقول لك: لا، أنت لا تزال تفكر في فلانة التي كنتَ خطيبها قبلي. حسنًا، كنتُ خاطبها قبلك، ومشت، وراحت، الله يسترها المستورة، وتزوجت واحدًا آخر أو لا تزال في بيت أبيها. فتقول: لا، دماغك مشغولة بها. فالشيطان رسم لها صنمًا في البيت، اسمه المخطوبة الأولى، أو لو كان عنده حركات، والناس تقول: نعم. وصاحبتك تقول له: لا، الشيطان عمل لها صنمًا اسمه السابق، أو فلانة التي تتكلم معها، أو زميلته في العمل، أو التي طلّقها أو طلّقتْه، تمام. فصاحبتنا رتّبت في رأسها، وعمل لها الشيطان صنمًا وحطّه لها في أحسن مكان في البيت، فهي رايحة وهي جاية يذكّرها به. رسمه هنا ووضعه أمام عينها.
وما دمتَ قد أثرتَ هذه الجزئية فلا بد أن نتكلم عن علاجها. علاجها مزيد من الثناء والإطراء والاهتمام بالزوجة الجديدة، وإشعارها أنه لا توجد في الحياة امرأة أصلًا غيرك، أنتِ الوحيدة في الكل، ربنا خلقك إلى اليوم، حتى أمنا حواء ما كنتِ موجودة، أنتِ جئتِ فريدة من نوعك، لا أحد قبلك ولا بعدك. وطبعًا لا بد من جهد، لأنني ما دام عندي تجربة سابقة فلا بد أن أغطيها بشيء ما. وكذلك قضية الشفافية في التعامل. أحد أصدقائنا القدامى يقول لي: والله امرأتي كلما أسافر مكانًا تعمل لي مَندبة، تعرفون المندبة، يعني مآتم محزنة. المهم تعمل لي مأتمًا. لماذا يا سيدي؟ قال: قلقانة. وهذا الصاحب حلو شوية، غلبان، جميل، فيه حلاوة وشياكة وشعر حلو، أبيض، قصدي أسمر، ما شاء الله يذهب إلى أي مكان، رجل جميل مستقيم طيب ابن حلال، لكن امرأته تغار عليه بالزيادة شيئًا، مشروع الكلام. فكلما قال لها: أنا مسافر، تقول: إلى أين؟ ويسافر خارج البلد فيقعد أسبوعًا أو اثنين أو ثلاثة. فقال لي: حتى وصل بي الحال أنني لا أقول لها إنني مسافر إلا قبل السفر بيوم، أقول لها: جهّزي الشنطة، أنا طالع غدًا، حتى تكون كمية الغم ليلة واحدة بدل أن تكون أسبوعًا. فقلت له: أدلّك على ما يريحك من هذا؟ قال: ما هو؟ قلت له: حين تسافر هل تسمع هي عنك؟ قال: لا. قلت: تكلمها؟ قال: نعم بالهاتف. قلت: هل تراك أين أنت؟ قال: لا. قلت: أين تذهب؟ قال: أين نذهب، نحن نذهب معًا مؤتمرات ولقاءات. قلت له: شفتَ كيف أنا أشطر منك؟ ماذا أفعل؟ عندنا حاجة اسمها «بيت العائلة»، جروب صغير، وكلما ذهبتُ إلى مكان أخذتُ سيلفي مع أصحابي وأرسلتُه إلى بيت العائلة. هل أرسلته إلى بيت العائلة حقًّا؟ أنا أرسلته للتي تريد دماغها أن تسكت. ثم أقول لأحدهم: يا إخواني، الله يرضى عليك يا أخي، صوّر اللقاء، الله يفضحك. وفي الأخير: هل نفعل شيئًا غلط الآن؟ ما رأيكم؟ أليس من الحكمة أن تُسكت صوتًا قد ينادي عليك، وأن تريح قلبك وعقلك بنوع من الفطنة والعقل، بحيث تُسكت صوت الشيطان القائم في البيت؟
وأنا قاعد مع أصحابي أتصل: السلام عليكم، عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيفك؟ كنت أطمئن عليك، أنا كنت هنا مع فلان وهم يسلّمون عليك، والله وزوجة أخينا فلان تقول لك كذا كذا كذا، هذه عملت لنا اليوم شيئًا من الباذنجان، عظمة جدًّا، بالله تسأليها كيف عملتْه، شكرًا، سلام عليكم. هل أنا أريد باذنجانًا؟ نقص الباذنجان في هذه الأيام السود؟ لكنها الفكرة. ما الفكرة؟ إسكات نفس الشيطان الذي يوقد فيها نارًا. فكيف تسكته؟ تلك حكمة الرجال، ولا يستطيع ذلك إلا العاقل. وبعضنا يعتبر هذا إهانة لنفسه: كيف أفعل هذا؟ بل بالعكس، والله الذي لا إله غيره، لو اعتبر الرجل منا أن هذا نوع من أنواع التقرّب إلى الله لأثابه الله عز وجل على ذلك.
اتفقنا، فنحن نتكلم عن الخيانة المتوهَّمة: أنني أرى أنها كانت مخطوبة لواحد قبلي فأجنّ، وكلما مرّ أو جاء أمامي قلت: هذا الذي كان خاطب زوجتي قبل ذلك. يا سيدي خطبها ومشى وتركها ومشى، وأنت الفارس العظيم الذي نال هذا الشرف، انتهينا. وتُذَلّ الفتاة بما كان لها من تجربة سبقت. وعلى رأي أخينا ولو كانت مطلّقة: أنتِ تفكرين في زوجك الأول، كنتِ تحبينه أكثر مما تحبينني، كنتِ تهتمين به أكثر مني يا عمي. فهنا تجد الشيطان يدخل فيجنّن الناس على الفاضي وعلى المليان.
الخيانة الحقيقية وهدم الثقة
وبناءً عليه، فلما نتكلم عن أسباب المشكلات الزوجية، منها ما يسمى بالخيانة المتوهَّمة، وتأتي قضية الخيانة الحقيقية، وللأسف ما دمنا قلنا «حقيقية» فهي حقيقية: خروج من الرجل عن أصل الواقع، وخروج من المرأة عما لا ينبغي أن يكون. نسأل الله سبحانه وتعالى الستر والسلامة والعافية يا رب العالمين، يا رب توفَّنا مستورين ولا تسلمنا لا لأنفسنا ولا للشيطان ولا لشهوة ولا لنزوة. ومن الأشياء التي تثير ضغائن أخواتنا ورجالنا في البيوت الرسائل النصية التي تذهب وتجيء بين اثنين: السلام عليكم، وعليكم السلام، أنت أين؟ من زمان ما شفناك. أتعرفون الكلام الذي فيه شيء كذا؟ ما بين هذا وهذا لا تفهم، أهو بينهما علاقة أم لا، أم عندهما شيء؟ هذا الكلام المتوارب يخرّب البيوت قولًا واحدًا، يخرّب البيوت، قولوا الكلام وجهًا لوجه على طول، لأنه يحمل في طياته عند الطرف القارئ له مشاكل كثيرة جدًّا.
وكان واحد منا زوجته تعرف كلمة السر لهاتفه. فبمنتهى البساطة اجعلوا كلمة سر واحدة للبيت كله، كل البيت واحدة، كبيرهم وصغيرهم، الولد والبنت. وطبعًا الأولاد لن يسمعوا كلامك لأن عندهم بلاوي جوّه على الهواتف، وسأخاف، لن ننظر، لكن على الأقل تضع نسبة من الثقة داخل البيت. وطبعًا أحيانًا يكون عندنا أسرار للناس. فلان أرسل إليّ رسالة وحكى لي مشكلته مع زوجته، فلا ينبغي أن تنظر زوجتي إليها، فهذا نوع من الخيانة مني أنا لأمانة الخَلق، لا ينفع. فإذا كان الطرف الآخر متفهِّمًا فلا يذهب إلى تلك الناحية أصلًا، لا يمرّ بها ولا يفهم فيها شيئًا ولا يتجاوز، احترامًا لهذه القضية. فيصبح الهاتف مثل الطعام الذي في المطبخ: أنا أعرف أن هذا الطبق هو أكل أنس، وأنا أعرف أن هذا الهاتف لفلان، خلاص لا تفتحوه. لكن لو أنا سأموت من الجوع واحتجتُ أن أستعمل هذا الهاتف لأن هاتفي تعطّل أو خرب، أقدر أن أفتحه وأستعمله. وهنا تأتي أيضًا مسألة الثقة: هل الناس داخل البيوت واثقون في بعضهم أم لا؟ إذا حصلت الثقة انتفت أدوار الشيطان.
وعلى فكرة، يا إخواني الكرام وأخواتنا لو كنّ يسمعن، ربنا يحفظ الجميع، أول وأهم خطوة يشتغل عليها الشيطان أنه يهدم الثقة بين الطرفين. وهدمُ الثقة إما في العقل وإما في الذمة. نقولها مرة ثانية: الشيطان يشتغل على هدم الثقة بين الطرفين، إما في العقل وإما في الذمة. فيجعلها تشك في قدرته على التفكير، فتظل دائمًا قلقانة وخائفة ومضطربة وغير مستقرة. وغير المستقر لا يعرف أن يطلع للناس استقرارًا، هو أصلًا من جوّه خربان. تخيّل زوجتك قلقانة ومتضايقة وغير مستقرة، لا تعرف أن تطبطب عليك ولا تهنّيك ولا تدلّلك ولا تقول لك الكلمة الطيبة ولا تقدم لك اللقمة الحلوة ولا الفرشة، هي لا تعرف أن تفعل هذا لأن الشيطان ضرب على وتر الثقة. فهو يُفهمها أنك لا قدرة لك على التفكير، فتظل شاكّة في تصرفاتك، خائفة من كل خطوة جديدة تخطوها، قلقانة دائمًا أنك ستوردهم المهالك، والرجل هذا لا يعرف أن يفكر.
والنقطة الثانية التي يشتغل عليها الشيطان هي هدم الثقة في الذمة: هذا خائن، سواء ظنّت أنه سيحوّل أمواله كلها إلى حساب آخر لنجد أنفسنا غير عارفين ما نعمل حين نتحاسب. هذا كذاب، هذا غشاش، وهكذا منظومة الاتهامات التي يبنيها الشيطان في العقل الإنساني. وهذا على مستوى الطرفين: فأنا كذلك لا أثق في تصرفاتها، وأنا قلق دائمًا على هؤلاء العيال أن توردهم المهالك بتصرف غبي أحمق منها، لأن الشيطان هدم عندي الثقة في عقلها والثقة في ذمتها. ما نقدر نقول هذا الكلام عن نسائنا، والحمد لله الذي جبر خواطرنا بمن معنا.
قصة المرسيدس
والله العظيم، والله الذي لا إله غيره، أذكر منذ أكثر من ثلاثين سنة كنا ماشين في الطريق أنا وصديق، وكنا في البلد زمان غلابة، ماشين جنب الحائط، والذي عنده حمار يكون ملك ملوك الدنيا، يركب حماره ويذهب مشوارًا ولا يمشي على رجليه، ما هذه العظمة كلها! الشاهد أن صاحبنا ماشٍ، فمرّت من جانبنا سيارة مرسيدس من الكبار التي كانت أيام زمان، فصاحبنا يقول: يا سلام، ما هذا! قلت له: أقول لك شيئًا، زوجتك أين الآن؟ والله كنا ماشين في ساعة (غير واضحة في التفريغ) من الصباح، راجعين من صُلحة وقعدة طويلة. قلت له: زوجتك أين أنت؟ قال لي: زوجتي أين؟ ما معنى هذا؟ قلت له: أين زوجتك؟ قال: في البيت. قلت له: متأكد يا ولد؟ أنت تؤكد أن زوجتك في البيت الآن؟ أنا أشكّ. فنظر إليّ كأنه سيأكلني. قلت: لماذا أنت غضبان؟ زوجتك في البيت؟ قال: نعم متأكد، طبعًا. قلت له: فاحمد ربنا أنك مستور في بيتك، حتى لو لم تكن عندك هذه السيارة. ليست المهمة السيارة، المهم أن عندي امرأة مستورة. ليست المهمة السيارة، عندي بابٌ مقفول ساتر وراءه أهل بيتي. ليست المهمة سيارة، عندي ذمة تخاف عليّ وتخاف على عيالي وتتقي الله في نفسها وفي نفسي. ليست المهمة سيارة، عندي وراء ظهري من إذا دخلتُ عليها وأنا مريض قالت لي: سلامتك، وطيّبت خاطري وطبطبت عليّ حتى الصباح وبقيت قاعدة عند رجلي. يا راجل، يخرب بيت السيارة التي أوردتنا المهالك! احمد ربنا على النعم التي أنت فيها.
الرجل وحرمة بيته
فالشاهد أننا حين نتكلم عن نسائنا، أخواتنا لا يفهمن الموضوع؛ متخيلات أن غضبتنا داخل البيت انتقاص من حقها. لا تقدر أن تفهم أنها ملكة حياتي كلها. وأنا أريد أن أسأل بالله عليكم، مع أنكم لا تأخذوني بالسوء: أي رجل، رجل، إذا انتُهك عِرضه وانتُهكت حرمة بيته لا يموت فداءً لبيته؟ وأنت لو انتُهكت حرمة بيتك تظل واقفًا وتقول: أنا خائف على نفسي؟ هذا رجل؟ لا، أريد أن أسمع، أنت ممكن أن تموت في هذا؟ يا راجل. هي لا تفهم هكذا، هي ترى صوتك العالي في البيت والشقط والنطر والشوايه الزربان التي نفعلها مع الفاضي، وترى هذا كله تسلّطًا وتحكّمًا، ومتى ربنا يرحمنا؟ ما هذا؟ الله يفتح عليك. الرجل الذي لا يعجبك هذا ممكن أن يقتل نفسه من أجلك، صح؟ نحن نتكلم في الأصول.
كان زمان عندنا في الصعيد المرأة آخر من يأكل في البيت: تضع الطعام للرجال، ثم يجلس الأولاد حول الرجل، وبعد أن يخلصوا الأكل تُحمل الصينية، وتوضع الطبلية أمام النساء ويجلسن يأكلن معًا. فتغضب صاحبتك لأنها آخر من يأكل، عفوًا، تتعب لأن الرجل أول من يأكل. قلتُ لها: طيب، تغضبين لأنه أول من يأكل؟ قالت: نعم. قلت: ومن أول من يخرج من البيت إلى العمل؟ هو. ومن حين يُطرق الباب طرقة غير عادية، وعندنا زمان كانوا يضعون يدين على الباب: يد كبيرة صوتها عالٍ، تك توك تك، ويد صغيرة، تك تك تك، فاليد الكبيرة معروف أن الطارق رجال، والصغيرة حرمة، وبنت الجيران جاءت تأخذ من خالتي ماما ملحًا مثلًا. فنحن حافظون السيستم. فحين يُطرق الباب من الذي يخرج بحسب نوع الطرقة؟ حين تكون الطرقة قوية جدًّا من الذي يخرج؟ الرجل، مع أنه متحمّل أو متوقّع أن تكون طعنة في صدره. وحين نرى خطرًا قادمًا أنا أعمل حسابي. فلماذا فعلت ذلك؟ هذه آلات المروءة والرجولة والعزة التي نعتبرها كرامة. هذه الكرامة لي أنا لأنني أكلت أولًا، أم لها لأنني حفظتها بدمي؟ حفظتُها بدمي، وحين أخرج من الصباح فأجد دخلي غير كافٍ وأبحث عن عمل آخر، فلأجل ماذا؟ لئلا أجعلها تخرج فتتبهدل بين الناس، أحفظ كرامتها وأصون عرضها، فلا أعطي فرصة لمن لا يساوي ثلاثة تعريفة أن يتطلع إليها ولا يرى وجهها ولا يقول طويلة أو قصيرة أو تخينة أو حلوة أو وحشة، ولا أسمح لأحد أن يأتي إلى بيتي وأهلي، أصون كرامتي وعرضي حتى لو عملتُ ليلَ نهار أربعًا وعشرين ساعة في السبعة الأيام. لأن الرجل الذي تزوجتِه، الذي يشخط وينطر، سترين فائدته حين تحتاجين إلى الرجولة الحقيقية، فيخرج من دمه ويعطيكِ إياها، فلا تُهانين وأنتِ في عِرضه وفي ذمته وفي كنفه وفي ستره.
وكان نساؤنا العاقلات زمان يقلن: «ظلّ راجل ولا ظلّ حيطة». لماذا؟ لأن الناس يبيتون وهم يعرفون أن لها حرمة. وكان أحدُ السابقين (كلمة مشوشة في التفريغ)، الله يرحمه، يضرب المثل بالمرأة الفلاحة البسيطة جدًّا: تجد الباب يُطرق، لو سمحتم أعيرونا الفأس، تعرفون الفأس الذي نضرب به الأرض، لو سمحت أعيرونا الفأس. وجوزها فين؟ عيّان مريض طريح الفراش. فتخرج إلى الباب فتقول للداعي: ماذا تريد؟ فيقول: أريد فأسًا أو كذا. فتقول: دعني أسأل أبا فلان ثم آتيك. تغلق الباب وتدخل وتجيب الحاجة وتطلع. فهل راحت لأبي فلان؟ لا، لم تذهب. فتقول: أبو فلان يسلّم عليك ويقول لك: بالله لا تتأخر، عندنا شغل غدًا. تكلمت بلسان زوجها، لأنها تعرف أن الناس ما دام يسمعون اسم زوجها ولو ترديدًا لا يزالون يهابون جانب هذه الدار، فلا يقتربون منها ولا يشكّون في أهلها ولا يضمرون بها سوءًا ولا يلقون إليها بتهمة. مضبوط. لكن إذا هُدم هذا الصرح العظيم في البيت وسقط الرجل، أصبح نساء البيت... وطبعًا لا تزال تقاليدنا والحمد لله، وصيانة نساء المجتمع من حرماتنا جميعًا، ولكن يبقى أصحاب القلوب المريضة يدلّهم الشيطان على هذه المواطن أكثر من دلالته على غيرها. أما البيوت التي فيها رجال فلا أحد يفكر حتى أن يذهب إلى ناحيتها: أنت لا تعرف أن لها رجلًا؟ كيف لا تعرف أن فيها رجلًا؟ هذه هي النقطة.
الحاجات الغريزية
ونرجع تانيًا إلى أسباب المشاكل الموجودة، وأرجو أن نسوق الحلول في الوسط: قلّة تلبية المتطلبات الغريزية داخل البيت، أو عدم تلبيتها، لدى أحد الطرفين أو لدى الاثنين. وأنا اخترتُ هذه اللفظة المحترمة «المتطلبات الغريزية». وهذه المسألة متفاوتة بين الناس؛ فهناك من يذهب فيتزوج أخرى لأن زوجته، بالعبارة العامية، لا تكفيه، فيريد أكثر من ذلك. وآخر يكفيه من الأمر مرة، أو الله أعلم بحاله، أو اتفقنا على نوع من التراضي بين الطرفين. فلا نقدر أن نقول: هذا هو السيستم وهذا هو الرقم الذي يُعمل به وهذه هي الطريقة. لا، هذا موضوع، سبحان من خلق هذه الغريزة وأفرغ في نفوس الناس وقلوبهم ما يناسب كل شخص وطبيعة كل إنسان.
وكثير من الناس، لا تأخذوني بالسوء، لما يأتيني ناس يسألون أسأل صاحبنا: يا عمنا آخر مرة كنتَ فيها مع زوجتك متى؟ فيقول مثلًا: من سنتين. وحياة بابا أنت تهرّج يا ابني، ما هذا الكلام الفارغ؟ الغريزة لها نداء في داخل النفس، ونحن كمؤمنين لا نستطيع أن نتكلم به. لا أقدر أن أطلع وأقول للناس: امرأتي لا تعطيني. لا أقدر أن أقول هذا، وكذلك المرأة لا تستطيع. ولو جئتُ وقلت: لم يوفِّني أحد منكم ما أريد؟ نفسيًّا في داخلي الغريزة تتكلم جوّه، وهذا عند المرأة وعند الرجل بطبيعة الحال. فماذا يحصل؟ يؤدي ذلك إلى انفعالات عقلية، وبناءً عليه يكون المخرج اللفظي لانفعال. تخيّل أنك تتكلم وأنت غضبان، هل ستقول كلامًا حلوًّا؟ هل ستطلع وتأتي بكلام الجنة؟ لا، ستقول كلامًا يناسب حالة الغضب التي عندك. فلما يكون عندنا هجر داخل البيوت أو بُعد بشكل ما، فالطبيعي جدًّا جدًّا أن هؤلاء الناس حتى حين يتكلمون مع بعضهم يتكلمون بنشاف.
ولذلك عندنا مرحلة من المراحل، لما نكبر نحن الاثنين في السن، أحد أمرين: إما أن نرجع نصبح أصدقاء جدًّا، لنا كلام مشترك ونحن عارفون أن آخرنا في علاقتنا بوسة، شكرًا، يعني هذا كمان، عارفون، بص الحنية هذه، أو قاعدين معًا على المصطبة نحكي لبعض ونذكر أيام زمان ونتتبع أحوال الأحفاد والأولاد، ومن راح ومن جاء، أصدقاء على البعد الأتم؛ أو تنقلب الحياة إلى عداوة. وخصوصًا في بداية مرحلة الجفاف البدني عند كلا الطرفين يحصل نوع من الانعزالية النفسية، فهي تهدّ في الطرف الآخر، إذا ابتلى الله تعالى الرجل بمرض أو غيره أو زهد أو غيره. لأننا أحيانًا ننشغل بعقولنا عن أجسامنا، فيكون دماغك يفكر ليل نهار وجسمك لا يعطي للموضوع أي اهتمام، وهي لا تزال تحتاج إلى ذلك، أو أنها مشغولة بأحفادها وأولادها ومن حولها فانصرفت بهِمّتها عن هذه المسألة، ولا يزال الرجل يتطلع سبحان الله. فإذا لم تحصل هذه التلبية لهذه الغرائز حصل نوع من الانفصال الكبير جدًّا نفسيًّا.
كيف؟ ما عندي حل، لأن هذه مسألة خاصة بكل واحد. لكن من ضمن الأشياء المهمة جدًّا أن نفهم، وأخواتنا تحديدًا يفهمن، أن تلبية الغرائز ليست فقط فراشًا، بل موقع عينك. أحد أصدقائنا يقول، ونحن نتكلم هكذا والناس قاعدون: والله فلانة تزعل أن فلانًا تزوج عليها. وصاحبنا ردّ ردًّا تلقائيًّا شديدًا قال: يا عمّ قبل أن تزعل اشترِ لها «تريد ميل» تجري عليه شيئًا، بدل المقطورة، بدل الفنطاس القاعد في البيت هذا، تحرّك دمها شيئًا. فهمتُ من القصة أن صاحبنا في فراشه ينال ما يريد ويقضي الشهوات، لكن في المنظر العام لا، الموضوع غير متسق معه، يريد أن يرى شيئًا آخر. ولأننا نتقي الله فلا ننظر إلى الحرام، لكن حين تأتي لتنظر إلى الحلال يضايقك. فتتبع تُجَنّ: أتريد أن تنظر إلى الحلال أم تريد أن تنظر إلى الحرام؟ أين ستذهب يا غلبان يا مسكين؟ وكذلك الرجل: امرأته تحب أن تراه نظيفًا، لكنه مهمل حاله، إذا رفع يديه تجد الرائحة قد فاحت وفجّرت الدنيا. يا عمّ نظّف وضبّط حالك واستقم، ادخل استحمّ وضع شيئًا من العطر. وعلى فكرة، على الطرفين كليهما نرى نوعًا من التناقض بين ما ندّعيه وبين ما نفعله. الإهمال في بني آدم النظيف، بني آدم أعزّكم الله معفّن. فأيّ الطرفين؟ سيدنا عبد الله بن عباس يقول: والله إني لأتزيّن لامرأتي كما تتزيّن لي[5]، وإن فساد نساء بني إسرائيل كان بسبب ذلك. بسبب ماذا؟ أن الرجل متخيّر أنه رجل في أي وقت وفي أي حاجة: أعمل الذي أريد، استنَّ، أين أنت رايح؟ ريحتك وحشة، طالع من فمك سمّ يا رجل، لا تستطيع أن تقترب منك، لا تعرف أن تجيء بجانبك.
وأنا أعلم أن هذه الجزئيات حساسة جدًّا، وكثير من الناس لا يستطيع. وهذه على فكرة من أكبر المشكلات الحاصلة في هذه الجزئية: أننا الاثنين لا نقعد معًا فنصارح بعضنا. فهي تقول لي: ممكن بعد إذنك تتوضأ؟ ما معناها؟ معناها: روّح غيّر ريحة فمك هذه ونظّف مناخيرك التي تنشّ بها هذه، قرّبْ ربنا فينا شيئًا يا أخي، روح نظّف وتعال. بس كلمة: ممكن بعد إذنك تتوضأ وتجيء. فأذهب فأتوضأ وأنظّف مثلًا. وهكذا مسألة المصالح: يقعد الناس مع بعضهم، يعجبني منك كذا ولا يعجبني منك كذا، أنت تؤثر في كذا، أنت تطول وهكذا. لو حصل ذلك جمع شملَ الأمور.
الحلول: عبادةٌ مشتركة، ومراجعات دورية، وتذكير بالفضائل
والحلول الموجودة، كنتُ قد كتبتُ شيئًا منها، وأسأل الله أن يعيننا ويبارك فيكم جميعًا، من المسائل المشتركة. اصبروا عليّ دقيقتين لله، الله يرضى عليكم. صلّوا على الهادي البشير. في حاجة نحن غير آخذين بالنا منها: عارفون المسكّنات؟ المسكّنات لا تستأصل المرض، المسكنات تسكّن فقط. ومن المسكنات المهمة داخل البيوت العبادة المشتركة. انتبهوا إلى كلمتين: عبادة مشتركة، لا عبادة فردية. تخيّلوا زوجًا وامرأته يقعدان يقرآن معًا جزءًا من القرآن. أعطوني مستوى الخلافات الحاصل بينهما، يعني سيختلفان طول النهار، وبعدين آخر النهار يقعدان يقرآن القرآن ويدخلان السرير وهما مستأنسان. مضبوط. ونحن قاعدون بعد ورد القرآن، وقبله راجعنا بعضنا في الذي عملناه أمس. العبادة المشتركة: صليتُ ركعتين في الليل، ألا تصلين معي؟ أنا تعبانة. صلّي وأنت قاعدة، أجيب لك كرسيًّا، تفضلي ارتاحي، أنا عارف أنك مرهقة طول اليوم، صلي معي ركعتين. فقرأنا جزءًا من القرآن معًا، وصلينا ركعتين معًا، وقعدنا نقول: ادعُ لنا يا أبا فلان، ادعي لنا، أنا أحس أني محتاج أن أسمع دعواتي. هل حصل هذا الكلام؟ هل أحد منا يفعل هذا؟ أم أنا أعمل هذا أصلًا؟ لكني أتكلم عن الحقيقة، وهذا جزء كبير جدًّا من العلاج. ادعُ لنا بالله، فترفع يديها وتدعو وأنت تقول: آمين. تمام. لكن لا تدعي فتقولي: اللهم أبدلني دارًا خيرًا من داري وزوجًا خيرًا من زوجي!
والأمر الثاني: مسألة المراجعات الدورية. ما معنى المراجعات الدورية؟ هناك شيء اسمه «ريتريت»: أصحاب الشركات الكبيرة يأخذون طاقم العمل كله، صحيح، ويخرجون في فكيشن يومًا بحاله من أوله إلى آخره، فطار وغداء وعشاء، ويذهبون إلى مكان ظريف ويقعدون يسترخون، وأخبار الدنيا ماذا وفلان فعل وفلان فعل، وفي من يكتب الملاحظات. ثم نرجع إلى الشغل في اليوم التالي وعندنا تقرير حصل من الريتريت أمس، ونحن ذاهبون لنفعل هذا حتى نراجع أحوالنا. وهذا الكلام لا يحصل في بيوتنا، لا نفعله حتى كل سنة مرة لنراجع ما الذي حصل في السنة الماضية، ماذا نريد أن نعمل في السنة القادمة، ما الخطط المستقبلية. لا نفعل ذلك. ولهذا فالمدير الوحيد الذي يدير البيت من فوقه إلى تحته هو الشيطان، لأنه الوحيد الذي عنده خطة، الوحيد الذي يعرف ماذا سيفعل غدًا، الوحيد الذي يعرف متى وكيف سيوقعك في الحائط.
والمسألة الثالثة: التذكير الدائم بفضائل الطرف الآخر. ما المانع أن أسمع من امرأتي بين الحين والآخر: ربنا يخليك لنا، لا نُحرم من وجودك، حسّك بالدنيا؟ بس كلمة، ما خسرت شيئًا الغلبانة حين قالتها. وما المانع أن أقول لها بين الحين والآخر: يا سلام والله العظيم أنت تتعبين جدًّا، حين أذهب عند أي أحد لا أعرف أن آكل أكلًا مثل أكلك، أرهقتني، لا تعطيني فرصة عند أي أحد، أكلك حلو، ما هذا الجمال! ما المانع أن يقول الرجل لامرأته: الله! هل الشمس تطلع بالليل؟ ما الذي جاء بها الآن، أنت دخلتِ فجأة هكذا! أي كلام، أي كلام، في أي وقت، في أي حواديث. لكن انتبهوا: نحن نضحك الآن، والله العظيم لا تدرون أثر ذلك في تغيير المزاج العام داخل البيت. فبذلك تُطفئ جذوة النار التي أوقدها الشيطان، لكي تستطيع أن تمضي وقتًا طيبًا يطول أو يقصر بحسب قدرتك على التفاهم والتعقّل واعتبار الطرف الآخر والعقلية المختلفة.
الوصية الأخيرة: ما وراء الستار
والوصية الأخيرة التي نختم بها الكلام: لا تنسوا أن هناك من وراء الستار الشيطان. الشيطان يقبّح الجيّد ويزيّن السيئ، وبناءً عليه فهو ينفث سمومه داخل المجتمع وداخل البيت حتى يخرّبه. تخيّلوا أن سيدنا النبي ﷺ يوصل لنا هذه الصورة: أن الشيطان يقعد على عرشه على البحر[6] ويستنى الرجال الذين يأتون إليه، هؤلاء العيال الصغار الصبيان، ماذا فعلتَ اليوم؟ فيقول له واحد منهم: لم أزل بفلان وفلانة حتى طلّقها. فيقول له: أنت أنت، فيفخر به. خلاص كده. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ…﴾[7]
جزاكم الله خيرًا، سلام الله عليكم.
--- [1]: توثيق المحرر: الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]. لم يتلُ المحاضر الآية في التفريغ، وإنما ذكر الوصف «ميثاق غليظ». [2]: توثيق المحرر: متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «تُنكَحُ المرأةُ لأربع: لمالها، ولحَسَبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبت يداك». وقد ذكر المحاضر الأربع بترتيب «مالها وجمالها ونسبها ودينها». [3]: توثيق المحرر: انقطع الحديث في التفريغ عند «فإن العرق». والمعروف عند ابن ماجه وغيره «تخيّروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم» بأسانيد تكلّم فيها أهل العلم، ولفظ «فإن العرق دسّاس» مشهور على الألسنة وفي ثبوته كلام. وفي التفريغ في شرح المحاضر «لأن العرق جساس» (كذا)، وقد رجّحتُ أنها «دسّاس» اجتهادًا. [4]: توثيق المحرر: القصة في صحيح البخاري في صلح الحديبية، وصاحبة المشورة هي أم سلمة رضي الله عنها، ولم يذكر المحاضر اسمها في التفريغ بل قال «أم المؤمنين». [5]: توثيق المحرر: نسب المحاضر هذا القول إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يتيسر التثبت من إسناده؛ وقد أوردته كما قاله المحاضر. وعبارة «فساد نساء بني إسرائيل» وردت في التفريغ مضطربة السياق. [6]: توثيق المحرر: حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه…» الحديث. وقد نقله المحاضر بمعناه. [7]: توثيق المحرر: سورة العصر [1–3]. انقطع التفريغ عند «وتواصوا بالحق وت»، وتمامها: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. ولم يُثبت المتن إلا ما ورد في التفريغ. [8]: توثيق المحرر: في التفريغ «رجاله كليمه» وهي مشوشة؛ أثبتُّ «كلمة» فيما يبدو. [9]: توثيق المحرر: في التفريغ «كل واحد داخل شركة خسرانه»؛ والسياق يرجّح معنى الربح، فأثبتُّه فيما يبدو. [10]: توثيق المحرر: بين إرسال الفيديو وهذه العبارة كلام مضطرب في التفريغ لا يتبيّن قائله («ما ينفعش معاك كلام ده… مستورة معاه بالعافية»)، فحُذف ولم يُنسب لأحد.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.