أركان تربية النبي ﷺ للناس
الحب والصبر والتفاهم وحسن القول: أربعة أركان في تربية النبي ﷺ للناس
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في مسجد الهدى (Masjid Al-Huda) بديربورن، ميشيغان، رُفعت مسجّلةً بتاريخ 28 يوليو 2024م (تاريخ الإلقاء غير مذكور)المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كان حديثنا الليلة، بإذن الله تبارك وتعالى، حول تربويات التربية النبوية. وسؤالنا الأول: لماذا نحتاج إلى أن نتعرّف على تربية النبي ﷺ للناس؟
لماذا نتعلّم التربية من النبي ﷺ؟
بدايةً، لأن النبي ﷺ هو المعبّر عن كلام ربّ العزة سبحانه، وهو المصطفى من خلقه ليكون رسولًا له. فكل ما يصدر عنه صواب، ولا يعتري فعلَه شيء من الخطأ. وهو يتكلم بلسان ربّ العزة؛ وتستطيع أن تدرك هذا من حديث القرآن عنه، وحديثُ القرآن كلامُ الله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.[19] فهل كان هذا الوحي في كلامه ﷺ وحده، أم في كلامه وفعله؟ نُدرك ذلك من كلام المحدّثين حين يعرّفون السنة، فيقولون: هي حديثُ النبي لفظًا، وأداؤه فعلًا، وموافقتُه إقرارًا. فإذا أقرّ النبي فهو فعلٌ للنبي، وإذا فعل فهو فعله، وإذا تكلم فهو حديثه ﷺ. وبناءً على هذا فكل ما يأتي من رسول الله ﷺ واجب النفاذ.
ثم إن مسألة التربية شائكة نسبيًّا، لأسباب متعددة. أولها أنك لا تستطيع أن تقول: هذا خطٌّ مستقيم نرسمه. نحن لا نتكلم في علم الهندسة، حيث تصل النقطة (أ) بالنقطة (ب) فيؤدي ذلك إلى كذا. التربية تعتمد على كل حالة فردية. وترى ذلك في فعل رسول الله ﷺ نفسه: يأتيه السائل فيقول: يا رسول الله، حدّثني بكذا، فيخبره بنتيجة أو يأمره بأمر؛ ثم يأتيه شخص آخر يطلب الطلب نفسه ويسأل السؤال نفسه، فيخبره النبي ﷺ بكلام غير الكلام الأول؛ ثم يأتيه ثالث بالسؤال نفسه، والإجابات مختلفة. لماذا؟ لأنه يتعامل بمنهج تربوي. وماذا يعني هذا؟ يعني أن ما يطيقه أخي قد لا أطيقه أنا، وما يستطيعه فلان قد لا أستطيعه، وما يقدر عليه غيري قد لا أقدر عليه.
وتخيّلوا أنني أتكلم، وربما قعدنا نتكلم ساعتين أو ثلاثًا إلى الصبح، ولكن تعالَ نمشِ ميلين اثنين معًا فتجدني لا أقوى. وغيري يستطيع أن يسير ولا يستطيع أن يتكلم، وفلان يستطيع أن يفكّر ولا يستطيع أن يعبّر، وفلان الآخر على غير ذلك. هذه الطاقات النفسية تراها رأي العين. وتخيّل لو عندك ولدان فقط، هل تجدهما نسخةً طبق الأصل من بعضهما، يتصرفان بالتصرفات نفسها وعندهما ردّ الفعل نفسه؟ مستحيل. حتى التوائم تراهم، وهذا خُلقه ومزاجه في ناحية، وذاك خُلقه ومزاجه في الناحية الأخرى.
ومن ثَمّ عرفنا أن التربية مسألة نسبية، وأننا لا بد أن نعتمد في إقرار مبادئها على المبادئ العامة التي أقرّها رسول الله ﷺ. فننظر في المنهج العام الذي سار عليه، وتعالوا ننظر في بعض المشاهد من حياته ﷺ.
الحب: أصل العلاقة لا موقفها
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه أنه خدم النبي ﷺ عشر سنين. تأمّلوا هذه السنوات العشر: لو كان إنسان متزوجًا منذ عشر سنين، كم خلافًا وقع بينه وبين زوجته؟ فلك أن تتخيل في هذه السنين كم شهرًا، وكم أسبوعًا، وكم يومًا، وكم ساعة؛ اضرب، تجد بين يديك عددًا مهولًا. ولماذا قرّبتُ لكم هذه المسافات؟ لأن كل ساعة من حالات الإنسان بمزاج مختلف. تأتيك كلمة واحدة فقط: تبعث رسالة نصية إلى صديقك: «سلام عليكم ورحمة الله، كيف الحال؟»، فيردّ عليك ردًّا يغيّر مزاجك ويقلب كيانك؛ بعد أن كنت مبتسمًا في وجه من تجلس معهم، قاعدًا في البيت مع زوجتك وأولادك مبسوطين، تأتيك رسالة تُغضبك فيتحوّل وجهك ويتغير الكلام الخارج منك. فانظر إلى مزاج النبي ﷺ على مدى عشر سنين يعاشر فيها خادمه أنسًا.
ثم هل التعامل مع الزوجة بمستوى التعامل مع الخادم؟ مَن منهما يتلقى أوامر ونواهي بشكل أكبر؟ والخادم في البيت ملتزم بخدمة الطرفين معًا، الزوج والزوجة. يقول أنس رضي الله عنه: خدمتُ النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي لأمرٍ فعلتُه: لِمَ فعلتَه؟ ولا لأمرٍ لم أفعله: لِمَ لم تفعله؟[1]
وأسأل سؤالًا بسيطًا جدًّا: لو كبر طفل بين يديك سنين، هل يُعقل ألّا تسأله ولا مرة: يا بنيّ، لماذا فعلتَ كذا؟ هل يُعقل؟ ثم هل تتصورون أن النبي ﷺ لم يسأل أنسًا حقًّا لماذا فعلتَ ولماذا لم تفعل، وتركه بلا رقيب، يسوّي ما يشاء والأمور ماشية بالبركة؟ لا. ولكن أنسًا رضي الله عنه يعبّر بأن السؤال لم يصدر من النبي بلهجة فيها نوع من الغضب أو القسوة؛ فإن وُجدت القسوة انعدمت معالم التربية.
فلننظر في العلاقة التي كانت بين أنسٍ ورسول الله ﷺ، وهو مخدومه عليه الصلاة والسلام. جاء أهلُ غلامٍ من الغلمان عنده فعرفوا مكانه عند رسول الله ﷺ، فجاؤوا ومعهم أموالهم يفتدون بها ابنهم، فعرضوا الأموال. فماذا قال الغلام؟ بلسان حاله: لا أرغب في صحبة أحد بعد النبي ﷺ، واختار أن يبقى في هذه الصحبة وهذه المعيّة.[2] إذن كانت العلاقة أقوى من علاقة الولد بأبيه. والعلاقات التي تقوى بهذا الشكل مبنية على ماذا؟ على الحب، على التفاهم، على الصبر، على حسن اللفظ والمنطق. فنحن نتكلم على أربعة: حبّ وصبر وتفاهم وحسن لفظ. ولو توفّرت هذه الصفات الأربع في أي إنسان لم يغضب منه أحد على وجه الأرض.
فعلاقاتنا بالناس علاقة حب، وعلاقات الحب تتغاضى دائمًا عن العيوب. يقولون: «وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ، وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا».[3] فإذا كان اثنان متصافيَين قاعدَين قعدة ودّ وحبّ، غابت كل المشكلات بينهما؛ فإذا حدث بينهما موقف تذكّر صاحبنا القديم والجديد، وقال: أنت كنت تفعل كذا! وربما لم يقصد صاحبه، لكنه يتذكر له كل صغيرة وكبيرة، ويستخرج له حتى العيوب التي قد لا توجد فيه؛ نحن في مصر نقول: «بيطلّع فيه القطط الفطسانة».
فالشاهد أن القواعد التي ربّى عليها النبي ﷺ الناس إنما كانت قواعد الحب. لم يحمل ﷺ في قلبه على أحد شيئًا أبدًا، ولم يكن في نفسه تجاه أي أحد كراهية ولا بغض، حتى الكافرين لم يُبغضهم وإنما أبغض كفرهم. وفرق كبير جدًّا بين المسألتين: أن أُبغض فلانًا فلا أطيق رؤيته، وأن أُبغض التصرف الذي تصرّفه، فإذا غيّر موقفه قبلتُه، فهو حبيبي في مكنون قلبي. فالنبي ﷺ حمل هذا الحب في قلبه للناس.
فأول عامل نتكلم عنه هو عامل القلب. هل لدينا القدرة على أن نغيّر بوصلة القلوب فتتحرك في اتجاه واحد هو محبة الخلق؟ أن لا نحمل شيئًا على أحد؛ يغضبني موقف من أخ فنزعل من بعضنا بسبب الموقف، فإذا صفا الموقف رجعنا إلى أصل العلاقة الموجود، لا نغيّر ولا نبدّل؛ لا تتحول القلوب ولا تتبدل المشاعر وإن تبدلت المواقف. ولذلك حين نغضب في بيوتنا ونزعل من نسائنا أو يزعلن منا، ماذا يحدث بعد أن نتصالح؟ نرجع «سمنًا على عسل». معناها: أن الخلاف المؤقت ارتفع وعادت العلاقة إلى أصلها. ولذلك وصفها ربّ العالمين بأنها علاقة مودة ورحمة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.[20] لماذا مودة ورحمة؟ لأننا نتكلم عن صلة القلوب التي تجتمع على هذا الميثاق الغليظ الذي أودعه ربّ العالمين بين كل زوجين. نحن اختلفنا أم ما اختلفنا؟ بقي لنا كم سنة متزوجَين، وكم موقفًا مرّ علينا، وكم مرة تخانقنا بسبب الولد وكيف تصرّف، أو البنت خرجت أو رجعت متأخرة، وكم مرة اختلفنا على مصروف البيت، وكم مرة عاتبتُها أو عاتبتني؛ ومع ذلك فأصل العلاقة ثابت، كالنهر الذي مِلؤُه ماء يجري، قد يشوبه شيء من الكدر، فإذا صفت الأمور ظهر أصل الماء على حقيقته.
فعلاقة النبي ﷺ بالناس كانت علاقة الحب. ولذلك نراه، مهما أغضبه الخلق، لا يتغير قلبه على أحد.
عكرمة بن أبي جهل. تذكّروا من هو أبو جهل: أول أعداء الإسلام والمسلمين، وأكبر الأعداء ظاهرًا للنبي ﷺ، ونعرف مواقفه في الغزوات. جاء عكرمة، ابنُ أول أعداء الإسلام، إلى النبي ﷺ بعد فتح مكة، وبعد أن دُلّ على أن النبي سيعفو عنه. فدخل عليه من بعيد. تخيّل أن ابن ألدّ أعدائك، وواحدًا ممن حاربوا الدعوة والإسلام وله مواقف كثيرة قبل إسلامه، يدخل عليك فجأة. فإذا بالنبي ﷺ يقوم من مقامه، ويتحرك نحوه، ويفتح ذراعيه ويضمّه إليه قائلًا: «مرحبًا بالراكب المهاجر»،[4] كأنه يقول: إلى أين يا رجل؟ أينفع أن تتركنا وتمشي؟ وفي الروايات أن امرأته أدركته وهو على شاطئ الماء يريد أن يخرج من الجزيرة كلها، يهرب من محمد الذي ظنّ أنه سيقتله لعلمه بسوء ما سلف منه؛ فقالت له: إني استأمنتُ لك النبي ﷺ فأمّنك، وانتهت المسألة. فصدّقها وعاد، فلقي النبي ﷺ بصدره المفتوح وقلبه الطبيعي. ويروي المحاضر أن عكرمة، بطبيعته وشخصيته، نظر إلى النبي ﷺ وقال: أخبرتني هذه أنك أمّنتني؟ قال: «صدقت»، ثم احتضنه النبي ﷺ. تعرفون الحضن القوي هذا، بأبي هو وأمي ﷺ. وإذا بعكرمة يرى الموقف والمشهد وهو لا يصدق نفسه، فيقول للنبي ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
حتى هنا الأمر عادي، فكثيرون فعلوا ذلك. الجديد في الموضوع ما قاله بعدها: يا رسول الله، دُلّني على حرب تدور للإسلام لأدفع عن دين طالما حاربتُه. أفهمنا معنى العبارة: قل لي أين أستطيع أن أدافع عن الدين الذي حاربتُه كثيرًا؛ أريد أن أعمل شيئًا يعوّض هذا الرصيد الكبير من الأخطاء التي ارتكبتُها قبل ذلك. وسؤالي: لولا قلب النبي ﷺ المفتوح، أكان ذلك يصدر من عكرمة الآن؟ بسبب هذه الرحمة والحب والمودّة وانفتاح القلب والصدر عند النبي ﷺ وانشراحه، نستطيع أن نقول عن عكرمة رضي الله عنه ما نقول. هذا هو الموقف المغيّر لمعالم الحياة، وما الذي فعله؟ صدرٌ مفتوح. فأصل العلاقة التي كانت لرسول الله ﷺ، لنعدّ معًا، رقم واحد: الحب. الحب الذي به فعلًا تتبدّل العلاقات.
طبعًا لا يستطيع أحد أن يدّعي أنه في هذه المسألة شخص مثالي. نرى مواقف تحدث بين الإخوة، أبناء رحم واحد ودم مشترك ونسب متفق واسم واحد، ومع ذلك قد يهجر الرجل أخاه سنوات. فما الذي يمنعنا من التواصل؟ هل تشكّون في أن الأخوين كليهما يحب أخاه؟ هل يُتصور أن أحدهما يكره الآخر؟ لا طبعًا. فما الذي يمنع إذن؟ الكِبر أحيانًا، ونسبة الغضب التي يريد الشيطان أن يعمي بها على رصيد القلب. فيأتي الحب فيُفعَّل للحظة واحدة، فتتغير العقلية، العقلية التي ربما أثّرت في موقف إنسان وفي قرار يتخذه على مدى الحياة.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ماذا تعرفون عنه قبل إسلامه؟ كان شخصًا حنونًا رقيقًا ودودًا لطيفًا جميلًا، «كيوت»! أبدًا؛ كانوا يقولون: لو أسلم حمار الخطاب لن يسلم عمر. كان الناس على يقين بأن هذا القلب قلبٌ شديد جدًّا. ومع ذلك ففي قصة إسلامه أنه أسلم بسبب دمعة خرجت من عين أخته على وجنتها، فرقّ قلبه في اللحظة التي انفتح فيها القلب واستوعب الرسالة الجديدة.[5]
ولذلك يخبرنا ربّ العزة سبحانه أن من أشد أنواع العقاب للإنسان أن يُطبَع على قلبه أو يُختَم عليه؛ فإما أن يُختم على القلب فلا يُفتح مرة أخرى، وإما أن يُطبع عليه، كأنما وُضع عليه ختمٌ أو ختامٌ فلا يقبل الفتح. وهنا نرى أناسًا قلوبهم قاسية، أو بعبارة أخرى طبع الله عليها. وتخيّلوا حين يكلّم ربّ العزة بني إسرائيل، وذلك بعد قصة البقرة، وفي ختام القصة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.[21] تخيّل كل هذه الاحتمالات تخرج من الحجارة ولا تخرج من القلوب القاسية؛ الحجارة يصدر منها ذلك ولا يصدر من أصحاب القلوب القاسية.
فالشاهد معي مرة أخرى: أيُّ قلب تحمل في صدرك؟ قلبًا محبًّا أم مبغِضًا؟ المحبة والبغضاء مسائل نسبية متفاوتة بين الناس، لكن ما الذي يحملنا على أن نكره الخلق؟ إما طباعهم التي لا تعجبنا، وإما مواقفهم التي تؤذينا، وإما عدم تحصيل المنفعة منهم بالقدر الذي نريد؛ فأنا محتاج من فلان مصلحةً وهو الوحيد الذي يقدر عليها، فلم يعطني إياها، فأكرهه لأنه لم يحقق مرادي منه. أو أن واحدًا من الناس له خلق ذميم يؤذيني كلما لقيني، ويلحق بي هذا الأذى والضرر، فأبغضه. وهنا يتعامل الإسلام مع مثل هذه الشخصيات. ما موقفك من صاحب الأخطاء هذا؟ بأي منطق تتعامل معه؟ بمنطق الندّية؟ وهذه ثقافة موجودة داخل بيوتنا: كل أخت تريد أن تجعل رأسها برأس زوجها، وكل واحد يجعل عقله بعقل امرأته، فتحصل الندّية، فنختلف ونتخانق ونضرب بعضنا. وبقية القصة تعرفونها.
فإذا وصلنا إلى أن القلوب إذا انفتحت انفتحت معها كل أسباب التعامل والتعاون والتكامل مع الخلق، فهذا هو الركن الأول.
الصبر: لأن الناس مجبولون على الأَثَرة
أما الركن الثاني فهو الصبر. كيف كان النبي ﷺ يصبر على الناس، ولماذا؟ سؤالنا: ما الذي يجعلني أصبر على الخلق؟
رقم واحد: أنه باب من أبواب الجنة. والنبي ﷺ يحدّثنا بحديث يعجز اللسان عن وصف أبعاده: «لأن يخالط أحدكم الناس ويصبر على أذاهم خير له من أن يعتزل».[6] حين يخالط الإنسانُ الناس ويصبر على أذاهم، فالمتوقَّع الطبيعي من الناس: الإرضاء أم الإيذاء؟ ما رأيكم؟ تعالوا نذهب إلى البلد بعقولنا، ونركب الباص معًا؛ الناس تدخل تتحسّس على بعضها وتتلطّف، أم كلٌّ يريد أن يأخذ مكانًا ويخطف كرسيًّا ويقعد فيه ويتثبّت ولا يريد أن يقوم من مكانه؟ أنا أتكلم عن مصر، لا أدري عندكم في اليمن، أهو مختلف؟ أم لا يجد أحد كرسيًّا؟ لماذا يفعل الناس ذلك؟ لأن كلًّا يريد تحقيق مصلحته قبل الآخرين. والمصطلح الشرعي هنا هو قضية «الأَثَرة» التي حاربها الإسلام بمفهوم آخر هو «الإيثار». ولماذا نصبر على الناس؟ لأنهم مصدر حسناتنا. ولماذا؟ لأن كل واحد في حياة البشر يريد أن يحقق منفعته ومصلحته قبل الآخرين.
أحكي لكم مشهدًا يرويه لنا النبي ﷺ. يحدّثنا عن آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا فيها؛ آخر واحد طلع من النار وجاء على الجنة. والحديث جميل وشيّق. يقول ﷺ إنه بعد أن يخرج من النار ينظر إليها ويقول: لقد أعطاني الله عطاءً لم يعطه أحدًا من العالمين.[7] بالله عليك، هذا يحصل؟ الرجل بالكاد خرج من النار فيقول: أعطاني الله عطاءً لم يعطه أحدًا من العالمين! مسكين، لم يرَ من سبقوه، ولم يرَ أحدًا؛ يظن أنه وحده في الكون. وهذا ما نسمّيه بالإنجليزية «سِلف سنتر»، إنسان مرتكز على نفسه، لا يهتم إلا بنفسه ومصلحته. وأنا لا أريد أن أقول إنه أناني، فلا تغضبوا عليّ، لكنه إنسان مرتكز على نفسه يبحث عن مصلحته أولًا.
وخلّونا نترك البلد، فقد ضربنا مثلًا بالباص، وهناك أماكن كثيرة والناس متعودة على نظام معين. لكن لنضرب المثل بأمريكا: حين تَشِحّ بضاعة من السوق وندخل المتاجر لنحصّلها، ما رأيكم في سلوك الناس؟ ينسون أنهم في أمريكا، وتطلع الأنانية الذاتية الموجودة كغريزة في النفس البشرية. شفتم أيام كورونا، كيف كانت المتاجر الكبرى التي عندها مخزون يكفي سنتين؟ أول ما أُعلن عن كورونا، والكمامة بكم كانت، ومن كان يجدها؟ ثم ادخل إلى أحدها فلا تجد ولا لفّة مناديل على الرف. حصل هذا أم لا؟ كل واحد داخل يلمّ لنفسه، حتى اضطرت المتاجر إلى أن تضع حدًّا: قطعتين فقط، وقيّدت الشراء. هذه هي الغريزة البشرية الموجودة في داخل الناس: أنهم يريدون تحقيق مصالحهم أولًا.
ومن أكبر الإشكالات عندنا أننا في الشراكات ندخل وسقف توقعاتنا عالٍ؛ لا أفكر في الطرف الآخر بقدر ما أفكّر في نفسي. دخلتُ شراكة مع أخي الحبيب، وأفكر كم سأستفيد وبماذا سيفيدني وجوده معي؛ فإذا لم يحقق لي نفعي اختلفنا. ولماذا نقول هذا الكلام؟ لأن الأصل في الناس ذلك، هذه طبيعة وغريزة. فإذا توقعتَ من الناس أن يعطوك فوق ما يطيقون فقد ظلمتَهم وظلمتَ نفسك.
وهذا الكلام أطبّقه في بيوتنا، أكرمكم الله. الزوجة التي في الدار لا تستطيع أكثر من ذلك، وطلباتك منها بما يفوق قدرتها يزيد من عجزها عن أداء المطلوب. تضعها في زاوية لا تقدر أن تفرّ منها؛ تطلب منها أكثر مما تقدر عليه، فيحصل شعور بالعجز، والشعور بالعجز يصاحبه تقصير في الأداء، والتقصير في الأداء يتبعه مزيد من اللوم، ومزيد من اللوم يدفعها إلى مزيد من الانحدار؛ وكلما نزلت بنفسها إلى تحت ازددتَ أنت ضغطًا. والعكس صحيح: حين تطلب من الزوج أكثر من طاقته المادية أو الاقتصادية أو حتى العقلية أو البدنية، فيشعر بالدونية، فتزيد في العتاب، فتقلّ نفسيته فيعجز عن الأداء، وهكذا.
فتأتي قضية الصبر معلمًا من معالم التربية: أن الأصل عندك وأنت تتعامل مع الناس أن تصبر عليهم. وأريد أن أسأل سؤالًا بسيطًا جوابه كلمة واحدة: تخيّلوا مجتمعًا كل الناس فيه يصبر بعضهم على بعض؛ كم عدد المشكلات الموجودة فيه؟ صفر. كم عدد الخلافات الزوجية؟ صفر. كم عدد المشكلات بين كل أب وأبنائه؟ صفر. لماذا؟ لأن الناس صبر بعضهم على بعض. ولذلك كان مقام الصبر والصابرين محبةَ الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.[22] ولعلّ قائلًا يقول: هذا مقام ليس في أيدينا منه شيء حسّيّ، ما أمسكنا قطعة من الجنة؛ لما قلتَ لي إن الله يحب الصابرين ما أمسكتُ شيئًا في يدي. فأقول: اسمع، لأنك إذا بلغت مقام الحب عند الله تبارك وتعالى، فالمحبّ يبذل بلا عطاء. تخيّل أنك راضٍ عن أهل بيتك، وتحس بارتياح وطمأنينة وسكينة، مبسوط وسعيد، وتريد أن تجلب لها قطعة من السماء، وتقول لها: أنتِ في الأولى والآخرة، أنتِ فوق الجميع؛ لأن الحب يعبّر عن نفسه في لسانك بكلمات طيبة. أما إذا غضب الإنسان، إذا حصل الغضب، امتنعت العطايا وتوقفت اليد الممدودة وانتهت هذه الأنواع من التعاون. فشاهدنا أن الصبر، منهجًا من مناهج النبي ﷺ، حدّد لنا معالم التعاون فيما بيننا وبين الناس.
كيف كان النبي ﷺ يصبر؟ من الروايات المشهورة جدًّا أن النبي ﷺ استقرض مرة من يهودي، فجاء ذلك اليهودي، فجذبه من ردائه... تعرف حين يجيئك واحد فجأة ويشدّك من كتفك ويقول: أعطني مالي! ويقول: إنكم أهل مَطْلٍ؛ تماطلون. تخيّل هذه سبّة، حين يقول لك واحد إنك من أهل المطل؛ هذه معايرة لا تستقيم، لا يعيّرك وحدك وإنما يعيّر قومك جميعًا. فإذا بالنبي ﷺ يلتفت وعمر رضي الله عنه، وطبيعته معروفة، يريد أن يتصرف مع الرجل (والعبارة مضطربة في التفريغ)، فالنبي ﷺ يهدّئ من روع عمر ويقول: «كنتُ أنا وهو أولى بغير هذا منك؛ كنتَ أحقَّ أن تنصحني بحسن الأداء، وأن تنصحه بحسن الطلب».[8] هذه الشحنة الموجودة في نفس النبي ﷺ ساعتها، وهو بشر عليه الصلاة والسلام، أين خرجت؟ لم تخرج في الطرف الآخر ولا في الوسيط، ما خرجت في أحد؛ خرجت في الموقف الخطأ. فاعتبر النبي ﷺ عذرًا لا يعلمه في صاحبه الذي أتى ليطالبه، لكنه قال: هذا طلب بطريقة شديدة بعض الشيء، فخاطب عمر معلّمًا الرجل من خلال كلامه لعمر.
ثم تخيّلوا، لو دخل أحدكم على زوجته يكلمها في مسألة وهي ماسكة الأكل، والأكل في يدها، فقامت فرزعت الطبق في الأرض. اعمل ما شئت، لكن من غير أن نُخرج العِرق الأصيل اليمني الجميل هذا والصعيدي عندنا. كيف تتصرف؟ مراتك قامت رزعت الطبق في الأرض، ما موقفك؟ كيف تصنع؟ خلاص، إن الله حليم. وبعدين هو مرجعيتنا أصلًا: لقد قال عشر سنين؛ طلعت عشر سنين، مضبوط.
النبي ﷺ لم يكن وحده؛ إحدى زوجاته أرسلت إليه طعامًا وهو يجلس مع أصحابه، وبعض صغار الصحابة حوله، وهو المثل الأعلى الذي يُضرب به المثل في وسط الناس. وعائشة رضي الله عنها تنظر إلى الصحن الذي أتى من بيت ضرّتها، فتتغاظ، فأمسكت الطبق وقامت فرزعته في الأرض. فإذا بالنبي ﷺ يبتسم وينظر إلى أصحابه ويقول: «غارت أمُّكم».[9] بس كده يا رسول الله؟ ما فيش «أنتِ كذا وكذا»؟ ما فيش كلمتين؟ ما فيش انتكاسة ولا شيء؟ طيب، قل لنا كيف عالجتَ الموضوع بمنتهى البساطة؟
إذا توفّر في ذهنك وعقلك وملكاتك غضب، فلا بد أن تراجع كيف ستنفّذه. وأين مشكلتنا؟ أن ردود أفعالنا تخرج سريعة وبلا تفكير وبشكل مباشر إلى الطرف المقابل، فلا نبحث عن أي مصادر أخرى، فنقوم على الفور نردّ سيئةً بسيئة، كلمة بكلمة، موقفًا بموقف. والنبي ﷺ يعلّمنا منهجية التفكير. كيف كان التفكير؟ أولًا أدرك الغريزة الموجودة، فوضع يده على موطن الخلل الذي هو ليس خللًا بقدر ما هو طبيعة غلبت وخرجت بصورة مباشرة وبشكل زائد. وما هذه الغريزة؟ غريزة الغيرة. وهل من حق الزوجة أن تغار من ضرّتها؟ من حقها. طيب، كيف تنفّس عن هذه الغيرة؟ فأخرجتها بكسر الطبق. رقم اثنين: الضرر نفسي أم حسّي؟ مادي أم معنوي؟ الضرر الذي حصل مادي، عبارة عن طبق وفيه طعام.
فلما حدّث أصحابه قائلًا: «غارت أمُّكم»، «غارت أمُّكم»، استحيت رضي الله عنها وقالت: يا رسول الله، ما كفّارة ما صنعتُ؟[10] هل الطبيعي أن تسأل عن الكفارة أم تعتذر؟ طيب، هي غلطت في حق مَن؟ لنحلّل الموقف: لما كسرت الطبق غلطت في حق مَن؟ في حق التي أرسلت الطبق؟ أم في حق الأولاد الذين كانوا سيأكلون؟ أم الرجل المنتظر العشاء؟ أم زوجها الذي ربما تسقط هيبته أمام الناس بسبب تصرفها؟ غلطت في حق مَن؟ مَن أكثر؟ الزوج أكثر. فلما سألت السؤال قالت: ما كفّارة ما صنعتُ؟ هذه الكفارة، توجَّه إلى الناس أم إلى الله؟ فكأنها تقول: استغفاري لله اعتراف مني بالذنب لمن هو أحقّ منك بالاستغفار. فهل ردّ عليها النبي ﷺ ذلك أم قبل منها هذا الكلام؟ قال النبي ﷺ: «إناءٌ بإناء، وطعامٌ بطعام».[11] حلٌّ سهل، خلصنا الموضوع، خلصت القضية. قال لها كلمتين وانتهت الروايات، الموضوع خلص. لكن نفكّر معًا: «إناء بإناء» يعني ماذا؟ سنذهب نشتري طبقًا مكان الطبق الذي كان موجودًا والذي انكسر. تمام. والبعد الثاني: «طعام بطعام». مَن يصنع الطعام؟ مَن يصنع طعامًا مثل الطعام الذي جاء أولًا والذي كُسر؟ وأنتم تعرفون أن السيدة عائشة كانت شاطرة جدًّا في الطبخ؟ معلوماتكم ماذا؟ لا؛ لم تكن تلك حرفتها، لم تكن تلك حرفتها.
لو أن امرأة تُحسن الطبخ وأداء الطعام بالمستوى المطلوب، وأرسلت ضرّتها طعامًا من بيتها، فهل تغار؟ لا. صح؟ لا. لماذا؟ لأننا دخلنا في منافسة، فتقول: تعالَ، تعالَ يا ماما، تعالَ هنا، شوف أكلها العذب أو الذائب أو المايل، شوف ماذا بعثَتْ لك؛ واثقة جدًّا من نفسها. فلا تحصل الغيرة إذا استوت الكفاءات. متى أغار أنا من أخٍ مثلًا؟ حين يأتي عندي إلى المسجد فيقوم الناس ويعمل درسًا وما إلى ذلك، فأحس أنني أقل وأن أدائي أقل. أما إذا استشعرت أن هناك علاقة متوازية، أنا قاعد بجانبه ورأسي مرفوعة، وأتكلم مع الناس بقوة، ويقال: تفضّل يا أخي وصلِّ بنا، وأكون رجلًا ممتلئًا ثقةً، فلا تحصل الغيرة. تحصل الغيرة عند الشعور بالنقص والدُّنُوّ والقلة. ولا أصف المؤمنين بذلك، لأن الموطن الذي نتحدث فيه كلام فارغ، هذا مجرد أكل؛ ولو كان موجودًا الآن لعملنا «ديليفري». «إناءٌ بإناء» سهلة؛ ديّتها دينارين يا مولانا، نروح نشتري إناءً آخر ونبعث به. لكن «طعامٌ بطعام» لا، لا يُعوَّض الطعام بمثله إلا صانعُه. فكأنه قال لها: إن الذي فعلتِه ليس لي وإنما لصاحبة الطعام.
فعلامَ ربّاها وربّى بقية الناس؟ على اعتبار مقامات الخلق وإن غابوا، اعتبار معنويات الناس حتى لو لم يكونوا موجودين. ونحن أصلًا لماذا حرّم الله علينا الغيبة والنميمة؟ لأن الناس غير موجودين فلا نتكلم في غيبتهم. اتفقنا.
ثم تابع المحاضر: كيف كان النبي ﷺ يصبر؟ كان يصبر على رجل يجذبه من ردائه. وآخر يدخل على النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: يا محمد، أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك.[12] وأنا دائمًا أتخيل نفسي في موضع من يقول لي: ما هو مالك ولا مال أبيك، أعطني مما عندك! بالله عليك، هذا منطق؟! فإذا بالنبي ﷺ يعطيه، ثم يعطيه، ثم يعطيه، حتى نفد ما بين يديه فلم يكن عنده شيء، ولا يزال الرجل يطلب المزيد. وتحدّث عن النبي ﷺ بما أساء الصحابة وأوغر صدورهم، فإذا بالنبي ﷺ يأخذه من يده ويدخل به إلى غرفته ويعطيه. تخيّلوا ماذا في غرفة النبي ﷺ ليعطيه! هل في الغرفة شيء يعجبك فتأخذه معك: سجادة، صالون، «أنتريه»؟ محتاج تأخذ الدش؟ اطلع فوق وخذ ما تريد! فأعطى الرجلَ حتى رضي. ورضاه ليس عن قناعة بأنه أخذ ما يريد، وإنما رضي لأنه لم يجد أكثر من ذلك. كالواحد يُخرج لك كل ما في جيبه ويقول: خلاص، ما عاد معي شيء، فتقول: خلاص ماشي، دعني أمشِ، لأنه ليس عندك أكثر من ذلك.
فلما رضي، حدّث عن النبي ﷺ بحديث طيّب، فتحدث عن كرم النبي وسخائه؛ فإذا بالنبي ﷺ يقول له: ممكن، بعد إذنك، لو سمحت، أن تقول هاتين الكلمتين نفسيهما أمام الناس بالخارج، فقد أوغرتَ صدورهم عليك. فهل هو خائف على نفسه وهيبته ومكانته في وسط الصحابة، أم خائف على الرجل أن يمسّه منهم الأذى ولو بكلمة؟
هنا تأتي معالم الصبر لتحدّد لنا مجموعة من النقاط المهمة. النقطة الأولى: أننا نتعامل مع أناس الأصل فيهم الأَثَرة وليس الإيثار؛ لأن الإيثار لو كان هو الأصل لما أُثبنا عليه. تخيّلوا أننا نقول للناس اليوم: يا جماعة، عندنا مشروع يكون بوتقةً لتخريج الأئمة، والمكان لا يكفينا، وعند أحدهم في حسابه مبلغ كبير ولا يرضى أن يُخرج منه شيئًا. هذا الأصل عنده الأَثَرة أم الإيثار؟ الإيثار العطاء بغير حدّ، والأَثَرة المنع والشُّحّ: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فالأصل عند الناس الأَثَرة، كل واحد يريد أن يُخبّئ ما عنده ولا يعطيه، فأعطى الله تعالى ثوابًا للمؤثِرين وذكر حالهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.[23] فأنت تتعامل مع بشر الأصل عندهم الأَثَرة، الأصل عندهم حب الذات لا حب الغير، أولوية النفس لا أولوية مصالح الآخرين. والطبيعي أن هذه معالم الشخصية التي أمامك. وأنا ذاهب أعرف أنني أتعامل مع هذا الشخص، وقد يبدي لي وجهًا آخر، وقد يكون تغلّب على غرائزه هذه بشكل ما، لكن يبقى الأصل، وعند الأزمات ترى مثل هذه الأَثَرة. فإذا كنتَ أمام نوع من البشر كهذا، فتذكّر الأداة التي نحفر بها، «المثقاب» أو «الشنيور» كما نقول بالمصرية. فنحن نستعمل المثقاب لحفر الخشب، فهل نستعمل رأسه نفسه في حفر الحديد؟ وحفر الأسمنت؟ لماذا نغيّره؟ لاختلاف مادة ما نتعامل معه. فقبل أن أذهب إلى الشيء الذي سأتعامل معه أذهب مستعدًّا بالأداة المناسبة. فمع البشر عرفنا طبيعة هؤلاء الناس: فيهم الصبور والحليم والغضوب والأناني والكريم والشجاع والجبان؛ عرفنا ماهيات الناس.
وهذه الأداة التي في حالتنا هي لساني، المعبّر عن مكنون قلبي. في ناس، حين نقعد نتكلم، متخيلين حضراتكم الطريقة التي نشرح بها الموضوع: لو كنت أقول هذا الموضوع لطلبة الدراسات العليا، فهل أقوله بالأمثلة والاستشهادات نفسها؟ أم بمنهج مختلف وطريقة مختلفة، ونضع نقاطًا وكلامًا وأدلة كثيرة وأقوال العلماء في المسائل، وشغلانة كبيرة جدًّا؟ لماذا؟ لأن العقلية المستوعِبة مهمتها مختلفة. ونحن الآن في درس؛ كان أحد مشايخنا يقول: الدرس صواريخ أرض-أرض، منك إلى الناس، يردّون عليك وتتكلمون وتروحون وتجيئون معًا في المواضيع. أما خطبة الجمعة فصاروخ أرض-جو: يخرج من مصدر واحد ولا مردود.
والشاهد أن الصبر أول ما يُقنعك أن تصبر على الخلق وأحوالهم هو أن الخلق في أنفسهم الأصلُ فيهم الغرائز التي ركّبها الله عز وجل فيهم، والأصل فيهم أنهم يبحثون عن مصالح أنفسهم قبل مصالح غيرهم. فلماذا يفعل الناس هذا؟ لأنني أنا كذلك؛ أنا أيضًا واحد من الناس، وعندي الغرائز نفسها والملكات نفسها والشهوات نفسها. فهو ليس أسوأ مني، وأنا لست أحسن منه؛ قد أكون تغلبت على نفسي، وكذلك هو. فنصبر على الخلق لأن الأصل فيهم هذه الصفات. ومن ثَمّ جعل الله تبارك وتعالى الثواب لمن عاند هذه الصفات الأصيلة فيه، وصار كريمًا وشجاعًا ومقدامًا.
التفاهم: أن تُحسن فهم من أمامك
ثم ننتقل إلى التفاهم، وهو الركن الثالث. وسأل المحاضر الحاضرين أن يعينوه على تعريفه. ما معنى التفاهم؟ أنا أحاول أن أبحث له عن تعريف فلا أجد. تخيّلوا الآيفون 15، هل يستعملون فيه الشاحن القديم أم غيّروه إلى «تايب سي»، مثل شاحن سامسونج؟ أينفع أن آتي بهذا الشاحن لأشحن به هاتفًا تغيّر منفذه؟ لماذا؟ لأنه لا تفاهم بينهما. فالتفاهم، لو أردنا تعريفًا مبسطًا له، هو الموائمة بين الأفكار والألفاظ المعبّرة عن المشاعر. فالناس يدخلون مع بعضهم في نوع من التواؤم النفسي والفكري والمنطقي والعقلي والاستيعابي. وتقول لي: دراسات؟! يا رجل، دراسات، نحن ناس كبار جدًّا. فما التفاهم؟ أن أفهم طبيعة مَن أمامي.
ولما كنا نتكلم عن الصبر، قلنا إن الصبر ليس له مردود لفظي إلى الآن؛ الصبر شيء يحدث في داخلك، وبناءً عليه يحدث التفاهم. عرفتم لماذا ذكرتُ كلمة التفاهم؟ لأنها مترتبة على الصبر. فالتفاهم هو حسن التعامل مع الطرف الآخر فيما بين يدي من عمل: رأيتُك غضبان، لماذا؟ فعبّرتُ. قال النبي ﷺ: «غارت أمُّكم»، فقد استطاع أن يدخل إلى العقل والقلب حتى يضع كلمة توائم الحالة النفسية التي كانت عليها المرأة في ذلك التوقيت. لكنني أنا أقول ماذا؟ أقول: أنتِ طول عمرك غبية، أنتِ عمرك ما فهمتِ! هذا قذف، يعني قذف. اتفقنا، ما فيش فائدة. لماذا قلتُ هذا الكلام؟ لأنني لم أُحسن التفاهم مع الطرف الآخر. فما مردود هذا الكلام؟ حين تقول للطرف الآخر الذي أمامك: أنت غبي، يردّ عليك بماذا؟ بالله يقول لك: أنا آسف ومعذرة، أصلًا أنا ما فهمتُ الموضوع، سأفعل كذا؟ هذا الكلام قد يحدث مع عبد، لا مؤاخذة، تُطعمه ليشتغل (هكذا في التفريغ)؛ أما أن يتعامل معك واحد في مستواك البشري بالمستوى نفسه فلا يحصل.
والشاهد أن التفاهم سِمة التعامل بين الأطراف. ولذلك رأيتَ الشاهد القرآني حين يعلّمنا ربّ العزة سبحانه كيف نتعامل، فيقول واصفًا المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى … أَعِزَّةٍ عَلَى …﴾.[24] حين قلنا: لا أريد تفاهمًا، لا تفاهم بيني وبينك، نحن أعداء؛ فأنا لست محتاجًا إلى أن أتفاهم معك لأن بيننا حالة عداوة، فصارت عندي هذه العزة التي تحملني على أن أتوقف عن الكلام. لكن لما كان كلُّ من المؤمنين محتاجًا إلى الطرف الآخر، صارت الذلّة المتعمَّدة هي السَّمت المتحقق في عالم الناس. ما معنى ذلة؟ حد يصوّر لنا المشهد: أنا بين يدي الشيخ ذليل، ما تأمرني به أفعله، كل كلام منك مقبول عندي، كل إشارة فوق رأسي، ولا يوجد اعتراض أبدًا على شيء من ذليلٍ لمن هو فوقه. حتى هنا متفقون. طيب، تخيّلوا الاثنين، كلٌّ منهما يتذلل لصاحبه، فكلٌّ منهما يريد أن يشعر الطرف الآخر بأنه هو الأعلى. أنا أكبّر فيك وأنت تكبّر فيّ. فما المشهد الذي يصوّر لنا هذا الكلام؟ اثنان كريمان واقفان أمام الكاشير، مَن منهما يدفع؟ تخيل. أو اثنان كريمان غنيان واقفان أمام الكاشير على أكلة أو كأس قهوة، مَن يدفع؟ لأن الاثنين كريمان. ستكون «طوشة»! خذ المشهد بخير وسلامة نية أصحابه، وحقّقوه بيننا: لو كنا داخلين على الباب اثنين رفيقين صديقين يحبان بعضهما، مَن يدخل أولًا؟ تفضّل. لا والله، بالله تدخل أنت. رأيتَ الكلام؟ كلٌّ منهما يريد أن يكبّر من شأن صاحبه. نعم، كلٌّ منهما يريد أن يكبّر من شأنه.
ولك أن تتخيل أن زوج بنتك جاء يحكي لك مشكلة بينه وبين البنت، أو بنتك تتكلم مع حماتها عن مشكلة بينها وبين ابنها، فمَن المنتصَر في هذه المعركة؟ أنا سأنصر بنتي على هذا الولد! وأحيانًا ترتفع الأمور إلى درجة كبيرة، وقد يحصل خصام، وقد يحصل طلاق، وقد تحصل قطيعة ومحاكم وقصص. لماذا؟ لأنني كبّرتُ أحد الطرفين على الآخر؛ لأن الطرف الأول يخصّني. لكن لو تعاملنا بمنطق التفاهم الذي هو إكبار الطرف الآخر على ما عندي، فسأتعامل بالإنصاف: فأقف بجانبه أولًا حتى وإن كان الطرف الآخر صاحب الحق، ثم أعود إلى صاحب الحق فأعلّمه وأربّيه على الصبر على هذا، ثم آتي إليه بعد هدوء الحالة واستقامة الموقف لأخبره أن ما فعله لم يكن صوابًا. كيف يُتعامل بهذا؟ هذه الحكمة الموجودة بين الناس.
حسن القول: الكلمة أولى بالتربية
فقلنا إن عندنا حبًّا، وعندنا صبرًا، وعندنا تفاهمًا. والقضية الأخيرة: كيف نعبّر عن هذا التفاهم؟ قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، والآية في سورة البقرة. ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ … وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾.[25]
وهنا النقطة التي نريد أن نصل إليها: «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» فرضٌ أم نافلة؟ ما رأيكم؟ حين تأتي العبارات بالصياغة نفسها في دلالة صيغة فعل الأمر بين أمرين مشتركين، «أقيموا الصلاة» و«آتوا الزكاة»، فهل واحد منهما فرض والثاني نافلة، أم يأخذان الحكم نفسه؟ تقدر أن تقول إن الحكم نفسه منسجم على ما قبلهما. وما الذي كان قبلهما؟ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فإذا اقترن القول الحسن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة صار فريضة. تخيّل أن أحدًا وعى هذه المسألة قبل ذلك من الناس الذين يتعاملون بهذا التجبّر وهذا العناد وهذا الكِبر وهذه الفظاظة! هل وعى أحد أن الله أمره أمرًا أن يُحسن القول للناس: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؟ ثم يعاتبهم ربّ العالمين: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾، أي لم يعطوا انتباهًا للأمر.
هو لا يريد أن يطبّق هذا الكلام لأنه يرى نفسه أعلى من الآخرين. كيف استنبطتُ هذا؟ ما هم قالوا: «ليس علينا في الأميّين…»؛[26] هؤلاء شويّة ناس تحتنا، ونحن الأكبر والأعلى. أنت تتكلم في ماذا؟ أنا أحسن من هؤلاء الناس كلهم. ولذلك أعرضوا عن أمر الله تبارك وتعالى لهم ولنا أن نقول للناس حسنًا. والقول الحسن له تأويلات كثيرة عند المفسرين، وبعضهم أوّله بأنه العدل في المنطق اللفظي والدلالات الكلّية، إلى آخره، ويعني بدلالة النص الآخر: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾.[13]
والشاهد في الكلام أن الألفاظ التي تخرج من ألسنتنا هي التي تحسم الخلافات أو تزيد أنواع الاتفاق؛ تحسم الاختلاف أو تزيد الاتفاق. والنبي ﷺ كم مرة في حياته غضب فسبّ إنسانًا؟ (أسمع من يقول: أعوذ بالله! ولماذا؟ فنحن نتكلم عن نفس بشرية قد يصدر عنها كذا وكذا. قال لي: لا، لأنه مربٍّ. فنقول: أعوذ بالله، كما تفضّل أخونا، لأنه لن يصدر عنه شيء يخالف أمر القرآن.) فلم يصدر منه ﷺ أنه سبّ أحدًا. دعا على بعض الناس، لكن حتى الدعاء كان دعاءً مؤدّبًا في صياغة الألفاظ. وأكبر ما يؤذي الخلق من حولك أن تعتدي عليهم بلسانك. فإذا اعتديتَ بلسانك: اللسان وكلامه ودلالات الألفاظ، والمستقبِل لها العقل، المؤثّر على القلب، فالقلب يعمل ماذا؟ يتغير. فإذا تغير القلب رجع مردوده إلى الدماغ، فترجم هذا الغضب إلى فكرة غير جيدة، فيقوم مترجمها ألفاظًا سيئة، فيستقبل الإنسان كلمة سيئة بقلب يغضب بسببها، فتتحول إلى فكرة تغيّر مسارات التفكير، ثم تنطلق إلى اللسان مرة أخرى معبّرة. فالكلام رايح جاي. شايفين هذه الدورة؟ الكلام يجيء على طول إلى القلب، يغيّر العقل، العقل يطلع في اللسان، ونظل نشتم في بعض إلى آخر النهار. ولذلك ترى غضب الناس معبّرًا عن مكنونات القلوب. وقد أطلتُ عليكم، أسأل الله أن يغفر لي ويتجاوز عنا يا ربّ العالمين.
كان النبي ﷺ يقدّم للناس القدوة الحسنة في ذاته؛ فلم يصدر عنه سوء، ولم يتعامل مع أحد بتجاوز، ولم يغضب في موقف ينقص من قدره ﷺ، ولم يعتدِ على مال أحد ولا على حق. كان ﷺ يعلّم الناس القدوة في الأعمال كلها؛ فكما ذكرنا كان يصبر عليهم، وكان يتواضع للناس فيتكلم معهم كما يتكلمون، حتى في النص الشرعي: حين يجد أن الناس الذين أمامه يتكلمون بلهجة أخرى أو لغة مختلفة يكلّمهم بلهجتهم ولغتهم. فاكرون الحديث المشهور جدًّا: «ليس من امبرِّ امصيامُ في امسفر»[14]؟ فاكرين النص هذا، بالميم بدل اللام؟ لماذا؟ لأن الذين يسمعونه لهجتهم يقلبون اللام ميمًا، فحدّثهم النبي بما يتفق مع مسامعهم، ولم يرد أن يغيّر عليهم، ولو تحدث بأصل لغته ﷺ وتعبيره الطبيعي لفهموا أيضًا، فهم أصحاب فصاحة وعقل وعلم وخبرة باللغة وبلاغة... إلى آخره، ولكن أراد النبي ﷺ أن يتقرّب منهم نفسيًّا. أراد أن يتقرب منهم نفسيًّا، فحدّثهم بلغتهم نفسها.
وتخيّلوا أن النبي ﷺ يلقاه رجلٌ، فيرتعد الرجل من هيبة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا بالنبي ﷺ يقول له: «هوِّن عليك، هوِّن عليك؛ فإني لستُ بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».[15] حد يتكلم عن أمه هكذا؟ حد يتكلم عن والدته هكذا؟ «إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد». أكل القديد، أهو دلالة على الغنى والعز أم على الفقر والاحتياج؟ تواضعٌ في الحالة الاجتماعية والمادية، ما عندنا مشاكل، فلماذا ترى نفسك...؟ فإذا به يرفع من شأن ذلك الرجل حتى إنه يسوّي بينه وبين أمه ﷺ في الحالة. فكان يتواضع للخلق ويتعامل معهم بنوع من التلطّف.
وكان النبي ﷺ لا يُؤثِر نفسه بشيء على أحد من الناس أبدًا، وإنما يعطي، والوصف الذي كان موصوفًا به عليه الصلاة والسلام أنه كان يعطي «عطاء من لا يخشى…».[16] والذين يحبسون الناس عن الإنفاق إنما يحبسهم خوفهم من بكرة وادّخارهم للغد؛ لا نستطيع أن نفهم أن الغد بيد الله، وأن الذي رزق في الأول سيرزق في الآخر، وأن الذي يقبض الرزق عن الناس هو الذي يبسطه لهم، وأنه سبحانه وتعالى فعّال لما يريد، جلّ في علاه. فالشاهد أن النبي ﷺ كان يعطي الناس بإنفاق، يقدّم نموذجًا وقدوة، وكان ينفق في رمضان كالريح المرسلة،[17] صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الخلاصة وسؤال من الحاضرين
وهنا قال المحاضر إنه سيختم بالكلام الذي قيل ويراجعه معهم في دقيقة، ثم تُقبل الأسئلة. كم عنصرًا كان عندنا اليوم؟ رقم واحد: الحب. واثنان: الصبر. وثلاثة: التفاهم. وأربعة: القول الحسن، اختيار اللفظ، الكلمة الطيبة. تقول لزوجتك: أنتِ ست الكل، وهل في أحد مثلك، وهل أجد غيرك، أنتِ حظي من الدنيا كلها. كلمتان، تعرف، تُذيبان الجليد يا رجل! مشكلتنا أننا نتكلم كلامًا لا نعرف أبعاده إلا بعد أن تحصل العواقب. ماشي، نعديها. صلّوا على الهادي البشير.
ثم وُجِّه إليه سؤال لم يتضح نصّه في التفريغ، ويبدو من جوابه أنه عن تطبيق هذه القاعدة مع الأقارب والوالدين إذا آذَوا. فقال: نحن نتكلم عن طاعة فيها نوع من الأريحية لأن فيها تفاهمًا مشتركًا ذاهبًا آتيًا؛ أما الإيذاء ففيه تضرر النفس، ففيه نوع من المغالبة ومكابدة النفس حتى انتصر عليها، ثم أبلغ مرحلة أن أدعوك إلى طعام وأجلس معك. وإذا طبّقنا هذه القاعدة مع الوالدين وهم يؤذون أبناءهم... فالنبي ﷺ لما سُئل عن الرجل يصل الرحم لقوم يؤذونه، يعني لأهله الذين يؤذونه، قال: «فكأنما تُسِفُّهم المَلّ».[18] وعبّر النبي ﷺ بهذه الدلالة: هل تكون صلة الرحم إلا في حالات الشدة؟ فحين تكون حالات وئام وتفاهم، ونحن الاثنان نعطي بعضنا، فلا مشكلة عندنا.
ثم قال إن الشيخ طلب أن يُختم الدرس ليصلّوا السنة، وسأل الله سبحانه وتعالى أن يأجرنا ويأجر الحاضرين ويرضينا وإياهم، وأن يثبتنا وإياهم، وأن يغفر لنا ما صدر منا مما يسيء، وختم بالسلام.
--- [1]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه، بنحوه. [2]: توثيق المحرر: في التفريغ: «لما جاء والد أنس وأهله… فعرضوا الأموال»، ثم جرى اسم «زيد» على لسان المحاضر وقطعه كلام آخر. والقصة المشهورة في افتداء أهل الغلام له واختياره البقاء مع النبي ﷺ هي قصة زيد بن حارثة رضي الله عنه؛ وفي التفريغ اضطراب في نسبتها بين أنس وزيد (وقد جرى اسم زيد على لسان المحاضر ثم قطعه كلام آخر)، فاقتُصر على الواقعة دون تسمية صاحبها. [3]: توثيق المحرر: البيت ساقه المحاضر مجرّدًا دون عزو، وهو مشهور على الألسنة؛ لم يُنسب في التفريغ. [4]: رواه الترمذي بنحوه، وللعلماء كلام في إسناده (توثيق المحرر؛ لم يعزه المحاضر). أما تفصيل المحاضر في الاحتضان وفي سؤال عكرمة «دلّني على حرب» فهو من روايته في المحاضرة، ولم يتحقق المحرر منه. [5]: توثيق المحرر: التفاصيل المشهورة في كتب السير لإسلام عمر رضي الله عنه تختلف عمّا أورده المحاضر في أمر الدمعة؛ نُقل كلامه منسوبًا إليه. أما عبارة «لو أسلم حمار الخطاب» فنُقلت كما قالها المحاضر ولم يتحقق المحرر من وجودها في مصدر. [6]: توثيق المحرر: لفظ الحديث في الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»؛ وقد نُقل هنا لفظ المحاضر كما قاله. [7]: رواه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في آخر أهل النار خروجًا (توثيق المحرر: المحفوظ «لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين»، ونُقل هنا لفظ المحاضر). [8]: رواه ابن ماجه وأحمد بنحوه (توثيق المحرر؛ لم يعزه المحاضر). وتفصيل «أهل المطل» وتعميم التعيير إلى القوم من روايته في المحاضرة. [9]: توثيق المحرر: رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه. [10]: رواه النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه (توثيق المحرر؛ لم يعزه المحاضر). [11]: توثيق المحرر: رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه. أما تفسير «إناء بإناء وطعام بطعام» وما بُني عليه من حرمة الغائب فاجتهاد من المحاضر، نُقل منسوبًا إليه. [12]: رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه في الأعرابي الذي جذب رداءه (توثيق المحرر؛ لم يعزه المحاضر). أما إعطاؤه حتى نفد ما عنده وطلبه منه أن يعيد القول أمام الصحابة فرواه أبو داود وأحمد بنحوه من حديث أبي هريرة، وللعلماء كلام في إسناده. [13]: توثيق المحرر: الإشارة إلى قول من فسّر «حسنًا» بالعدل في القول ذكرها المحاضر مجملةً ولم يُسمِّ القائلين، وقوله «وإذا قلتم فاعدلوا» ذكره دليلًا؛ وهو في سورة الأنعام: 152 (العزو من المحرر). [14]: رواه أحمد من حديث كعب بن عاصم الأشعري رضي الله عنه (توثيق المحرر؛ لم يعزه المحاضر). [15]: رواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي مسعود رضي الله عنه بنحوه (توثيق المحرر؛ لم يعزه المحاضر). [16]: توثيق المحرر: ورد في مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه «كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر»؛ ولم يعزه المحاضر. [17]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في أنه ﷺ أجود ما يكون في رمضان. [18]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [19]: توثيق المحرر: الآيتان من سورة النجم: 3-4؛ لم يذكر المحاضر موضعهما. [20]: توثيق المحرر: سورة الروم: 21؛ لم يذكر المحاضر موضعها. [21]: توثيق المحرر: سورة البقرة: 74؛ وقد أشار المحاضر إلى أنها بعد قصة البقرة دون ذكر رقم الآية. [22]: توثيق المحرر: سورة آل عمران: 146؛ لم يذكر المحاضر موضعها. [23]: توثيق المحرر: سورة الحشر: 9؛ لم يذكر المحاضر موضعها. [24]: توثيق المحرر: نطق المحاضر بـ«أذلة على…» و«أعزة على…» وسكت عن تمامهما؛ وتمام الآية من سورة المائدة: 54 «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ». ولم يذكر المحاضر موضعها. [25]: توثيق المحرر: سورة البقرة: 83 (ذكر المحاضر السورة دون رقم الآية)، وتمام الآية: «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ»؛ ولم ينطق المحاضر بالاستثناء. [26]: توثيق المحرر: العبارة من آية آل عمران: 75 «لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ»؛ نطق المحاضر بها مجتزأة في تفريغ مضطرب.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.