A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Familia y Educación

وقفات مع سورة يوسف: ابتلاء يعقوب بأبنائه وصبره

خاطرة التهجد عن [ سورة يوسف ] | د. أحمد أبو سيف | رمضان 1442

Dr. Ahmed Abouseif•١٢ مايو ٢٠٢١•14 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة تهجد أُلقيت في رمضان 1442هـ، بتاريخ 12 مايو 2021م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

لا أدري من أين أبدأ حين أتحدث عن سورة يوسف عليه السلام، ولكن سبحان الخلّاق العليم. هذه السورة نستطيع أن نعنون لها بعناوين كثيرة جدًا. تستطيع أن تقول إنها سورة الأسرة، وتستطيع أن تسميها سورة الأقدار، وسورة العلم التخطيطي أو الاستراتيجي، وسورة الدعوة، وسورة الصبر، وسورة الاحتساب. هذه كلها معانٍ، وغيرها كثير، يندرج تحت عناوين متنوعة لهذه السورة المباركة.

رجلٌ مبتلى بعياله

فإذا أردت أن تتحدث عن يعقوب فأنت تتحدث عن رجل مُبتلى بعياله: منهم من عصوا أمره أو تآمروا عليه، ومنهم من فقدهم على غير موعد مع الفقد ومن غير احتمال له. تتحدث عن هذا الألم المفرط الذي عانى منه كثيرًا حتى ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم. وتستطيع أن تتكلم عن الأمل عنده الذي لم ينطفئ أبدًا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾، ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾[1]. هذا الأمل المتّقد في نفس رجل عرف من الله تبارك وتعالى وعده ووعيده.

الإخوة: سوء الظن وعنفٌ يسبق الكلام

وإذا أردت أن تتحدث عن هؤلاء الفتية الذين ظنوا بأبيهم ظنّ السوء: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا﴾[2]، فمن قال ذلك؟ ليس هذا مقياس الحب عند الوالد المعتدل المنضبط المحتسب، وليس هذا ميزان الحب عند الوالد المربّي. الوالد يحب أبناءه جميعًا على حدٍّ سواء. قد يكون أحدهم أقرب إلى نفسه من الباقين؛ يحب أن يتكلم معه، ويفهمه أكثر، أخلاقه متّسعة، صدره رحب، يسمع لأبيه أكثر من الآخر. لكن المحبة مشتركة، وليس هناك تمايز عند والد عاقل أبدًا.

هؤلاء الفتية الذين كان سبيلهم إلى التصرف تفوتهم فيه دائمًا حسنُ الظن وحسنُ التقدير، والعنف الذي يسبق الكلام والحوار والخطاب، كانت وسيلتهم التدبير والمراوغة. فما كان من صنيعهم إلا أن قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾[3]، ليس عندهم حل وسط! ثم قال قائلٌ منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. حالهم دائمًا الاندفاع والتفاعل مع الحدث بشكل مبالغ فيه.

وإذا أردت أن تتحدث عنهم فتحدث عنهم حين ينسون جرائمهم الأولى ويتخيلون أن ما كذبوا فيه هو الصواب. وقفنا عند قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾[4]. لم يحصل شيء من ذلك، كانت حكاية مختلقة من نسجهم، لكن القائل صدّق نفسه حتى تصوّر أن هذه هي الحقيقة.

وإذا أردت أن تتكلم عنهم فتكلم عن هذا الحقد، وهذا الحسد الذي ملأ قلوبهم حتى قالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾[5]. يا تُرى خاطئين اعترافًا بالذنب، أم خاطئين في التقدير؟ أي: أخطأنا التقدير والحساب؟ خاطئين في ماذا بالضبط؟

يوسف: حسن الظن في أشدّ المواقف

ولكنك تتعامل مع الطرف الآخر الذي يحسن الظن على طول الطريق، حتى في أوقات رؤية المكر بعينه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[6]. أوحى الله إلى يوسف عليه السلام أنك ستخبرهم بهذا الصنيع وتذكّرهم به يومًا ما، على قول بعض أهل العلم في التأويل. لكنه لما جاء الموقف قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾[7]، فلم يذكّرهم بما فعلوا، بل كان يحمل حسن الظن.

ولما اشتدّت الأمور، وهناك موقف حاسم جدًّا لا نستطيع أن نخرج منه إلا بحسن الظن، قال: ﴿يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾[8]. طيب، ألم يُخرجه من الجبّ أيضًا؟ لم يذكر الموضوع. لا يريد أن يجدّد الآلام في نفس الوالد، ولا يريد في الوقت نفسه أن يعيّر إخوته بصنيعهم، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾. العيب هنا والخطأ عند الشيطان! وكأنه يبرّئهم من التهمة التي ارتكبوها أصلًا. فإذا أردت عتابًا فاعتب على الشيطان. أو يكون ذلك من باب التأدب بين يدي أبيه، إذ قال له أبوه من قبل: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ﴾؛ فحتى وإن صدر منهم السوء فليس ذلك منهم وإنما هو من الشيطان.

فنتعلّم مبدئيًّا أنه مهما حصل من خلافات بين الناس: «الله يلعن الشيطان»، وهي الجملة المشهورة على لسان إخواننا الشاميين؛ كأن الشيطان هو الفاعل في الحقيقة وكأن الناس أدوات بين يديه. فترى أن الله تعالى يعلّمنا دروسًا كثيرة جدًّا وعظيمة جدًّا في هذا السياق القرآني.

سياق التربية عند يعقوب عليه السلام

لكن تعالوا بنا ننظر في سياق التربية عند يعقوب عليه السلام.

أولًا: حوارٌ مشترك متّفق بين الوالد والولد. نقرأ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾[9]. و«إذ» تفيد التحقق، أي أن هذا حال واقع وليس أمرًا نادرًا؛ نحن متعودون على الكلام بين الابن وأبيه. وكلمة «يا أبتِ» تفيد نوعًا من الأريحية في العلاقة، ونوعًا من الانسجام في الحوار، ونوعًا من التجانس النفسي بين الطرفين. تعرف ذلك حين يدلّلك ابنك ويكلّمك بحنان ويقول لك الكلمات الحلوة. وهذه هي الحال مع إبراهيم وإسماعيل: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾[10]، وإبراهيم من قبل يحدّث أباه كما ورد في سورة مريم. فكانت هذه الحوارات من باب التحبّب والتقرّب، وأفادت انسجامًا في العلاقة بين الطرفين، فدلّ ذلك على أن ثمة حوارًا متواصلًا متصلًا بينهما.

وهذه أول نقطة في التربية: طالما أنك تتكلم مع عيالك، وطالما أنهم يبوحون لك بأسرارهم، ولا تعنّفهم لمجرد الكلام، ولا يحبسون عنك أخبارهم... فما أحبّ إليك أن يتحدثوا معك، يفضفضوا بين يديك، يدردشوا معك، يسألوك، يستشيروك! فإذا كُبت الوعاء فهو ممتلئ لا بد له من الإفراغ، فأين يفرغ؟ إما أن يفرغ مع أصحابه الذين يعطونه خبراتهم بما تعلّموه هم وبما يدينون به هم، فتنتقل إلى بيتك ثقافات مختلفة نحن في غنى عنها. تخيّل أن ابنك يتكلم مع صاحبه عن مشاعر في داخله تجاه بنت مثلًا؛ فأنت إذا كلّمك ستقول له هذا حلال وهذا حرام، وتعلّمه بمنتهى الأريحية، لكن لو تكلم مع صاحبه في المدرسة فهذا شيء طبيعي جدًّا بالنسبة له! فكيف ستكون الوصية؟ أو أن تكون فتاة لا تتحدث معك فتفرغ ما عندها عند صبي يجاورها في الفصل أو يصاحبها في دراسة أو غيرها، فتخرج عن إطار المعتاد أو المعقول.

ثانيًا: التعليل في صياغة الأمر والنهي. قال: «يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك»، فلا بد أن تكون معلِّلًا لما تقول. إذا قلت للولد «اعمل» و«ما تعملش كذا» بالأمر المباشر، سيسمع كلامك مرة واثنتين وثلاثًا، ولأنه غير مقتنع سيبدأ يخبّئ عنك ويفعل تصرفات من ورائك. والعيال قادرون على إخفاء ما بين أيديهم بشكل لا نستطيع نحن أن نلحظه؛ فالتكنولوجيا التي في أيديهم تجعلهم يفعلون أشياء لا نقدر على الوصول إليها في كثير من الأحوال. فيكون الباب الوحيد لصلاح الأولاد في حياتنا هو الصراحة والوضوح.

وفي بعض الأوقات نرى أنفسنا نحتاج أن نقول للأولاد: «لو سمحت اعمل كذا ولا تسألني». لكن لكي تقول ذلك لا بد أن تكون لك سابقة. أنا مثلًا عندي أولاد، وخصوصًا البنات، فأقول لهم: لو سمحتِ لا تفعلي كذا. لماذا؟ معذرةً، من أجلي، أنا غير مرتاح. فمجرد أن تقول: أنا غير مستريح لما ستفعلونه أو للمشوار الذي سنذهب إليه أو لما سنشتريه، أو: بلاش الآن لو سمحتم، فهذا جانب عاطفي في استرضاء الولد، وبمثل هذه الصياغة يغطّي الجانب العاطفي على الجانب العقلي في القناعة عنده، فلا يطلب منك مبررًا ولا يشكك في الكلام الذي يسمعه منا. فمجرد أن تقول له: معذرةً، من أجلي، تحمّلني قليلًا، اصبر معي، يغطّي الجانب العاطفي على العقلي فتمر المسألة بسلام.

ولا مانع بين الحين والآخر أن تذكر قصة لناس خالفوا آباءهم أو أمهاتهم فوقعوا في محظور، أو أن تقول: احتمالات التجربة السابقة في حياتي، وأنا مجرِّب قبلكم، أفادت كذا وكذا وكذا وكذا. أنا واثق فيكم وعارف أنكم لن تفعلوا كذلك، ولكننا لا نخاف منكم، نحن نخاف عليكم، ونخاف من الآخرين. ونقول للبنات: أنا واثق فيك مئة في المئة، ولكن خلّونا ننظر إلى الطرف الآخر الذي يتربّص حتى يصل إلى مراده. فالعلاقات التي بين الصبيان والبنات في الفصول والدراسة والمجالس والإدارات في المدارس، المفترض أنها علاقات ظاهرة والأمور واضحة؛ فتقول للولد، أو للبنت تحديدًا: نحن لأننا صبيان ورجال نعرف حركات الصبيان؛ يبقى هادئًا جدًّا لطيفًا إلى أن يتمكن، ووسائله للتمكن أن يدخل ناعمًا «جنتل» حتى يبلغ مراده. فتشرح وتتكلم وتفصّل وتوضّح وتحاور، حتى إذا بلغ الحوار مرحلة من الثقة استطعت أن تتناقل الأخبار بيُسر وسهولة، ولم يعد عندكم نوع من التكلّف.

ثالثًا: الحذر المحسوب. الأمر الآخر في الأبعاد التربوية عند يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه قال لولده: لا تقصص رؤياك على إخوتك ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾. وكلمة «كيدًا» هنا نكرة، والنكرة تفيد العموم. لا نريد أن نصل بالأمر إلى درجة المصيبة في ذهن الطفل الصغير، فنقول له: يا بني نريد أن نقيك أي أذى، ولو كان بسيطًا، من باب الأحوط. وهذا هو اعتبار الاحتياط وأخذ الحذر، وهو الذي نسميه في التشريع «سدّ الذرائع». يقول الفلاحون عندنا: الباب اللي يجيلك منه الريح، سدّه واستريح.

لكن الخوف الذي نزرعه في قلوب عيالنا يجعلهم يموتون من الخوف ويحذرون التعامل مع المجتمع، ويترتب على ذلك نوع من الكبت في نفوسهم أو الإحباط، فلا يقدر على التصرف، ويصبح ولدًا مكبوتًا منطويًا لا يعرف كيف يتعامل مع المجتمع. لكن يعقوب تفادى هذه الجزئية حين قال لولده: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾[11]. الله أكبر! كأنه قال له: إن كنت تأخذ حذرك من هذا الجانب فافتح عينك على هذا الجانب، فأمِّل في هذا الجانب؛ إن كنت تأخذ حذرك من هنا فافتح قلبك وعقلك إلى هنا. فكانت المعادلة متزنة عند يعقوب في تربيته لولده بين تعليمه أخذ الحذر وبين دفعه دفعًا لأن ينهل من العلوم بقدر ما يستطيع، بل ورسم أمامه معالم المستقبل كلها.

كيف ذلك؟ قال له: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. ما معنى الاجتباء؟ يختار. تخيّل أنك ستقع عليك القرعة والاختيار، فأنت مستعد دائمًا. إخواننا في هذا البلد، الذي يريد أن يشتري بيتًا بعد خمس سنين يحافظ على «الكريدت هيستوري» من الآن؛ لا كذب ولا غش ولا تزوير، فيبقى سجلّه نظيفًا. فمع من يكون السجل نظيفًا؟ مع ربنا. فتخيّل كيف زرع يعقوب في نفس ولده روح المراقبة لله تبارك وتعالى من خلال هذه الجملة: ﴿يَجْتَبِيكَ﴾.

ثم قال: ﴿رَبُّكَ﴾. هو ربّه وحده؟ ألسنا نحن نستوعب أنه ربنا جميعًا؟ فلماذا قال له «ربّك» أنت وحدك؟ لأنه يريد أن يغرس فيه المراقبة الذاتية: لن نغطي على بعضنا. فاكرين سيدنا النبي ﷺ لما ذكر فاطمة بنت محمد وأنه لو سرقت لأقام عليها الحد؟[12] ليست عندنا محاباة. ولا نقول: الله سيتجاوز عنها ويسامحك لأنك ابن النبي. لا، «ربّك»، فيصنع فيه روحَ المراقبة الذاتية.

استطراد في الجهر والسرّ في الصلاة

وأنتم متخيلون في قضية الصلاة، لما نصلي العشاء مثلًا ركعتين جهرًا والركعتين الأخيرتين سرًّا: ما الحكاية؟ لماذا، يا سيدي، إما أن يكون الكل سرًّا أو الكل جهرًا؟ وقد قيل لي في ذلك إن عندك في نصف الصلاة شعورًا جمعيًّا يتراكم داخل النفس إلى منتصف الصلاة، ثم نقعد للتشهد ونقوم لركعتين أخيرتين، وأنت بطبيعة الحال متجهز للحوار مباشرة مع الله. فكأني في الركعتين الأوليين «ريتشارج»، نعيد شحن نفوسنا؛ نحن جئنا من الخارج فنضع الفيشة في الشحن، ونقرأ القرآن ونقول الحمد لله بصوت عالٍ، حتى إذا انتهت الركعتان وقمنا للأخيرتين اشتغلنا بالإشعال الذاتي، فتشتغل لحالك. ويقول، أو أفكّر، والله تعالى أعلم، إن الركعتين الأخيرتين يصدر خلالهما انطباعُ ما تم تأصيله في الركعتين الأوليين: فما لاحظتَه وسمعتَه واستوعبتَه وفهمتَه خلال الركعتين الأوليين تترجمه مع نفسك في الركعتين الأخيرتين. فأنا تعلّمت في أول ركعتين: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، ففي الركعتين الأخيرتين أترجم: هل يمكنني أم لا؟ يحصل أو لا يحصل.

فلما قال له «ربك» أراد أن يغرس فيه قيمة المراقبة الذاتية، حتى إذا كان وحده يومًا ما كان معه ربه، فلا يخرج عن إطار الشعور بالمراقبة الذاتية حتى وإن نأت به الديار. وهو ما حدث بالفعل.

تمام النعمة وربط الأسرة

ثم قال: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾. والإتمام توفيةٌ كاملة غير منقوصة، حتى إذا تعرّض الولد لحادث أو مشكلة لا يشكّ في قدرة الله ولا يتصور أن حظّه منقوص، ولا يفكر في الموضوع بشكل مختلف، بل يسأل: ماذا سأتعلم من هذه التجربة الصعبة؟ ويقول لك: الضربة التي لا تقتلك تقوّيك. هكذا يعتبر العقلاء الضربة التي لا تميتك تقوّي ظهرك. وكذلك قال له: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾، فيبقى العبد مستشعرًا تمام النعمة من الله عز وجل عليه، وما يتلقّاه في حياته كلها يعتبره من تمام النعمة لا من نقصانها.

﴿وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ﴾: ستحصل عندنا مشاكل، فانتبه، بعد قليل، من ضرب ومؤامرات وغيرها. فكأنه لا يريد أن يخرج من ذهنه اعتبار الأخوّة في إخوانه له، وإن صدر منهم السوء. آل يعقوب يريد أن يربطه بحبل الأسرة كلها. فإذا فعل بي أخي موقفًا أو أغضبني في أمر، أو اختلفنا على مادة أو تشاجرنا حول قضية، فليس معنى هذا أن أخرج عن إطار هذا الرباط: ﴿وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ﴾، فلن تستطيع أن تخرج عن آل يعقوب ولا يخرجون عنك، فمهما حصل فيما بينكم يبقى الرباط متصلًا.

وقال رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾. أَوَكانت حياة إبراهيم سليمة، لا مشاكل فيها؟ كانت مليئة بالمشاكل، ولكن المشكلات التي تواجه الداعية إنما هي مِنَح له، لأنه من خلالها يثبت للخلق جدارته بالبلاغ ويرتفع مقامه بين يدي من أرسله. فكل المشكلات التي نواجهها في الحياة تجعلك أصلب وأقوى.

إن ربك عليم حكيم

﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. لماذا قال «عليم»؟ لأنه يريد أن يعلّمه أنه لن يحدث له شيء في حياته إلا ويعلمه الله تبارك وتعالى. والله العظيم الذي لا إله غيره، هذه الكلمة في ذاتها تجعل العبد مطمئنًّا طوال الوقت لكل ما يحدث له، لأنه لا يحدث لك شيء في الحياة إلا على علم الله سبحانه وتعالى.

ولو تخيّلنا أن هذا المكان محاط بالكاميرات من كل مكان في الداخل والخارج، حتى لو كانت الأبواب مفتوحة، فأنت الآن مراقَب، وأي حركة غريبة تتصل فورًا بالشرطة، والشرطة هنا تأتي في ثلاث ثوانٍ، فحتى لو كان أحدٌ يهدد في آخر المكان فلن يلحق أن ينفذ معك شيئًا يضرك. فتكون مطمئنًّا. هذا يقين المؤمنين: أنه لا يحدث له شيء على أرض الواقع إلا بعد علم الله؛ فالله سبحانه يرى ويعلم، فلن يترك شيئًا يحدث لك إلا وفيه نفعك.

وهنا تأتي مسألة الحكمة: ليس كل ما يتعرض له العبد نافعًا له ومُسعِدًا له في ظاهره. أحيانًا تأتينا أشياء مؤلمة، مصيبة أو مشكلة، نتعرض للحياة بشكل ما، فهل نقعد نبكي؟ يقول لك: لا تبكِ، لأن الذي أتاك مما يؤلمك إنما هو من جملة حكمة الله. وهو سبحانه يرى ويعلم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

لنا دروس كثيرة، لا نريد أن نُسهب أكثر من ذلك. أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا حسن النفع بما بين أيدينا، وأن يرضينا وإياكم، وأن يعلّمنا وإياكم، اللهم آمين. جزاكم الله خيرًا ورضي الله تعالى عنكم، وهذا تمام التهجد بفضل الله تبارك وتعالى في هذه الأيام والليالي المباركة.

الدعاء

اللهم إنا نسألك أن تقبل منا أعمالنا وألا تردّها علينا ولا بعضها، وأن ترزقنا الإخلاص فيما نقول ونعمل. اللهم سلّم نوايانا لك، وخلّص قلوبنا لك، واملأ صدورنا يقينًا بما عندك وبما في يدك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، واجعلنا من عبادك المخلصين. احفظ علينا تقوانا، واحفظ علينا ما أودعتَ قلوبنا من الإيمان، ولا تُزغ قلوبنا بعد أن هديتنا، وارحم ضعفنا، وأقل عثراتنا يا رب العالمين. نسألك ربنا برحمتك أن تجعل هذا الليل شاهدًا لنا بين يديك يوم القيامة، وأن تجعله في ميزان حسناتنا يا رب العالمين. اللهم اجعل أعمالنا شفيعة لنا بين يديك، واجعل دعاءنا لوالدينا ولأهلينا وأزواجنا وإخواننا وأخواتنا وعيالنا زادًا لهم بين يديك يا رب العالمين. نسأل الله تبارك وتعالى أن يتلطف بأهلنا، وأن يرحم إخواننا المعتدى عليهم في فلسطين. اللهم ثبّتهم وأعنهم، اللهم لا تخزهم ولا تخذلهم، اللهم كن لهم لا عليهم يا رب العالمين. اللهم علّمهم كيف يقصدون جاهك، وكيف يقفون ببابك، وكيف يحسنون دعاءك، لتلبّي دعاءهم ولتجد سؤلهم برحمتك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. جزاكم الله تعالى خيرًا أن كنتم لنا عونًا على طاعة الله، وأسأل الله أن يوفيكم أجوركم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: يوسف: 18، 83، 84، 94. اقتصر المتن على القدر الذي نطق به المتحدث من الآية الأخيرة. [2]: توثيق المحرر: يوسف: 8، وتتمتها ﴿مِنَّا﴾؛ وقد أوردها المتحدث مجملةً وأُثبتت على لفظ الآية. [3]: توثيق المحرر: يوسف: 9، 10. [4]: توثيق المحرر: يوسف: 77. [5]: توثيق المحرر: يوسف: 91. [6]: توثيق المحرر: يوسف: 15. [7]: توثيق المحرر: يوسف: 92. [8]: توثيق المحرر: يوسف: 100. [9]: توثيق المحرر: يوسف: 4. [10]: توثيق المحرر: الصافات: 102؛ وحوار إبراهيم مع أبيه في مريم: 42 وما بعدها. [11]: توثيق المحرر: يوسف: 5، 6؛ وتتمة الآية: «كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ». [12]: توثيق المحرر: الحديث منقول بمعناه عند المتحدث؛ وأصله في الصحيحين في قصة المرأة المخزومية، وليس في المتن نقل لنص الحديث.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque