التكبير شريعة وشعيرة
خاطرة الفجر في يوم التروية
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٤ يونيو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور أحمد أبو سيف الخاطرة بدعاءٍ سأل الله فيه أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر؛ وسأل اللطف بأهل فلسطين وبكل مستضعف في الأرض، ودوام الستر وتمام العافية وتعاقب الرحمات، وحسن العاقبة وحسن الخاتمة، وأن يقيل عثراتنا ويرحم ضعفنا ويبسط لنا من رزق الطاعة ما يرضى به عنا.
يوم التروية
ثم قال: هذا اليوم في بلاد الله المقدسة، في أرض الحرمين، هو يوم التروية، ينطلق الناس فيه من مساكنهم إلى أرض منى. وسُمّي يوم التروية لأنهم يتزودون فيه بما يرويهم، بإذن الله، في وقوفهم على عرفات. وشعار الناس يومئذ: «لبيك اللهم لبيك».[1]
فائدة التكبير
وأردتُ أن أتحدث عن قضية التكبير، تكبير الله تبارك وتعالى، «الله أكبر»، التي طُلب بها بقية أهل الإسلام: فبينما نودي الحجيج بالتلبية لله، نودي بقية أهل الإسلام ليذكروا اسم الله وليكبّروه سبحانه، فكان التكبير مقترنًا بالذكر العام مقصدًا أساسيًّا عند كل مسلم في مثل هذه الأوقات.
فما فائدة التكبير؟ ولماذا نكبّر الله تبارك وتعالى؟ خلاصة القول أن التكبير غرسٌ لقيمة تعظيم رب العالمين سبحانه وتعالى في النفس البشرية. ونحن إذ نقول ذلك نتساءل: هل نحن نحتاج إلى هذا؟ والأصل في الجواب: نعم. نحن نحتاج إلى إشعار أنفسنا بقيمتنا آدميّين، بشرًا، في جملة خلق رب العالمين سبحانه.
التكبير يلبّي حاجتين متقابلتين
النفس البشرية كما يعتريها الشعور بالضعف يعتريها الشعور بالغرور، وكما يعتريها الشعور بالحاجة يعتريها الشعور بالاستغناء، وكما يعتريها الشعور بطلب المعونة يعتريها هنا الشعور بالكِبر، والعياذ بالله. ومن ثَمَّ كان التكبير لتلبية الحاجتين معًا. فمن كان في حالة من حالات الاحتياج كبّر رب العالمين سبحانه ليُلهم نفسه ويُشعرها ويغرس فيها قيمة أن الله هو الذي يلبّي هذه الحاجات. ومن استشعر في نفسه شيئًا من الكِبر أو الغرور أو الاستغناء كبّر الله تبارك وتعالى ليطمس في نفسه هذا الشعور بالاستغناء عن رب العزة؛ فالله تبارك وتعالى أكبر وأعزّ وأعظم.
والسؤال البسيط جدًّا في عالم الحياة: ما الذي يجعل الناس يستشعرون الاحتياج؟ احتياجهم إلى العافية، إلى المال، إلى حل المشكلات، إلى تجاوز الصعوبات في حياتهم، والمعين على ذلك هو الله تبارك وتعالى. وما الذي يحمل الناس على الاستغناء والكِبر؟ كثرة المال، وشدة المناصب وعظمة الكراسي التي يجلسون عليها، والاستغناء بالأولاد، إلى آخره.
وتكبير الله تبارك وتعالى يكسب النفس كذلك شعورًا قويًّا بأنه لم يعطِ هذه النِّعَم والمِنَح إلا خالق السماوات والأرض، إلا رب العزة سبحانه.
الكلمة الأكثر تكرارًا في الأذان
فجاء التكبير الذي نُودينا به، وجُعل من شعائر الإسلام عندنا، بل هو الكلمة الأكثر تكرارًا في الأذان الذي هو من أعظم شعائر الإسلام. جاءت كلمة التكبير لتوقِد في النفس هذه الهيبة من الله تبارك وتعالى، وهذا الإقبال على الله، وهذا التخوّف من لقاء الله، وتوقِد في النفس في اللحظة نفسها هذا الوَجَل من لقاء رب العالمين سبحانه. فبين الرغبة والرهبة يأتي التكبير صانعًا ذلك كله، وبين الإقبال، والإدبار، لا أقول الإدبار عن الله عز وجل، بل الإدبار عما يغضب الله تبارك وتعالى، جاء التكبير صانعًا للحدث في نفس وقلب ذلك المسلم الموحِّد لرب العالمين سبحانه.
من أحكام التكبير
ومن أحكام التكبير، وما سنلقاه غدًا بإذن رب العالمين: عندنا نوعان من التكبير بحسب مسميات أهل الفقه. التكبير المطلق، وهو المشروع من بداية العشر الأوائل من ذي الحجة، وقد نوّهنا لذلك في بدايتها. والتكبير المقيَّد، وهو المرتبط بأوقات محددة، وذلك عقب الصلوات من فجر يوم عرفة، غدًا بإذن رب العالمين، إلى رابع أيام العيد، أو ثالث أيام التشريق. عقب كل صلاة نكبّر الله تبارك وتعالى بما ورد عنه ﷺ.
وكما تعلمون، حفظ الله شريف علمكم، أن عندنا روايات متعددة في قضية التكبير. والأصل الاقتصار على ما ورد عن النبي ﷺ بلفظه. ولكن ما ورد عن بعض صحابة النبي ﷺ ليس ممنوعًا أيضًا فيما لم يرد فيه كلام. وقد كان ذلك من أصحاب النبي ﷺ، ولم يُرِدوا مطلقًا ما يخالف أصل التشريع، ولا أصل الاعتقاد، ولا التوسل ببشر، ولا ما إلى ذلك من الكلمات التي تخرج بنا عن أصل المراد من تكبير رب العالمين سبحانه جل في علاه.
وصية لهذه الليلة
والوصية التي أريد أن أوصي بها نفسي وإخواني في هذا اليوم المبارك: عندما يأتي مغربنا هنا يكون الحجاج هناك قد استقلّوا رحلتهم إلى عرفات. فما بالنا لا نغتنم هذه الفرصة فنعتكف في مسجدنا، ونؤدي عبادتنا، ونتقرب إلى الله تبارك وتعالى بين كلمة ومحاضرة وخاطرة وصلاة وذكر، أعمالٍ تكون على مستوى الأعمال الفردية، وأعمالٍ تكون على مستوى الأعمال الجماعية؟ فما بالنا لا نقضي ليلة في سبيل الله تبارك وتعالى، هي ليلنا هنا ونهارهم هناك؟
ومما يُذكر في فضل أهل عرفات، كما علمتم، أن ربهم سبحانه يتجلّى لهم، فمن استغفر منهم غفر الله له، ومن سأل الله تعالى أعطاه، ومن تاب إلى الله تاب عليه، ومن استعاذ بالله عز وجل أعاذه.[2] وقد وعد عز وجل بكل هذه العطايا لأهل عرفة حتى يُقال لهم: ارجعوا فقد غفرت لكم، أو: انطلقوا فقد غفرت لكم، أو ما ورد عن النبي ﷺ.
ونحن الآن لا نملك الزمان ذاته، مع اختلاف التوقيت هنا وهناك. وأنا لستُ مع فكرة أن فضل الله وتجلّيه مقيَّدان بوقتٍ محدد يُحرم منه بقية الخلق؛ فالناس الموجودون هنا نهارُهم في عرفة مختلفٌ في زمانه، وعطاء الله واسع، وكرمه سبحانه عميم، ولطفه بالعباد أتمّ، سبحان الله. ولكن على العاقل أن يتخيّر الأوقات ذاتها؛ فإن كان هناك وقت الصبح وهنا المساء، فما الذي يحرمنا من الطاعة إن استطعنا فعل ذلك؟ ونسأل الله أن يعيننا. اللهم آمين يا رب العالمين.
لا نحرم أنفسنا من التكبير المطلق
خلاصة القول: لا نحرم أنفسنا من التكبير المطلق في كل اليوم بتمامه، تشبّهًا بالحجيج والتماسًا لبركات الله تعالى التي وعدها إياهم. وما الذي يحول بيننا وبين هذا؟ فما إن يمسك اللسان عن الكلام مع الخلق إلا ويبدأ رحلةً من الكلام مع الخالق سبحانه وتعالى. وكلمة «الله أكبر» ليست ثقيلة على لسان، وليست مجهِدة في الحفظ، وليست عسيرة على اللفظ، وإنما الأمر هيّن بإذن رب العالمين سبحانه. فكبّروا الله في أحوالكم كلها، واسألوا الله تبارك وتعالى مزيدًا من العون على مزيدٍ من الطاعة؛ والله عز وجل وحده ييسّر أنماط العبادة وأنواعها لخلقه. اللهم آمين.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل.
--- [1]: توثيق المحرر: هذه الخاطرة مؤرَّخة في عنوانها بالرابع من يونيو ٢٠٢٥م، وفيها أن «اليوم يوم التروية وغدًا يوم عرفة»؛ فالتاريخ المثبت هو ما في عنوان الفيديو. [2]: توثيق المحرر: لم يسمِّ المتحدث الحديث ولا مصدره. والثابت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها فضل يوم عرفة في العتق من النار ودنوّه سبحانه ومباهاته الملائكة بأهل الموقف؛ ولم أقف على لفظ يجمع ما ذُكر هنا بتمامه، فصُدّر بصيغة التمريض.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.