أبو بكر وسباق الهمم إلى الجنة
أبو بكر وسباق الهمم إلى الجنة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢٥ أبريل ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كان النبي محمد ﷺ يجلس وسط أصحابه، فحدّثهم يومًا أن من أنفق زوجين في سبيل الله دخل من أي أبواب الجنة شاء؛ فمن كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دخل من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دخل من باب الريّان.[1] فسأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبيَّ ﷺ: أو يدخل أحدٌ من أي أبواب الجنة الثمانية شاء يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «نعم، وأرجو أن تكون منهم».
فما الذي نتحدث عنه الآن؟ هل نتحدث عن أبواب الجنة، أم عن أنواع الأعمال التي تؤدي إلى دخولها، أم عن همّة أبي بكر الذي لم يرتضِ لنفسه أن يختار بابًا واحدًا، بل صار له ذلك لسبقه في عمله وصدق إيمانه وإخلاصه لربه؟ ولذلك ما رأيناه يومًا رقمًا اثنين إلا في صحبة النبي محمد ﷺ؛ وهو سابق السابقين في كل أعمال الحياة وأعمال الإيمان وأنواع الطاعات والعبادات. وبهذا ندرك لماذا كان النبي ﷺ إذا سأل: من فعل كذا؟ رفع أبو بكر يده أولًا رضي الله عنه. ونتخيّل النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه بعد صلاة الفجر يسألهم: من زار منكم اليوم مريضًا؟ من تصدّق اليوم بصدقة؟ فكان الجواب في كل ما سأل: أنا، من أبي بكر وحده رضوان الله عليه. وربما شاركه في بعض الأجزاء غيره، غير أنه الوحيد الذي كان يجمع خصال الخير كلها.
أيّ عقليةٍ تلك التي تسبق إلى الخيرات؟ ربنا سبحانه يحدثنا عن السابقين إلى الخيرات وأن لهم قلوبًا يرجون بها رحمة ربّ العزة. وإذا تعلّق القلب بشيء ثارت كل الجوانح في البدن عاملةً لتحصيل ذلك الشيء، حريصةً على فعله وبلوغه وإرضائه. وإذا انصرف القلب عن شيء انصرفت عنه جوارح البدن كلها، لا ترغب فيه، وإن فعلته فعلته متكدّرة؛ ونسأل الله السلامة.
ومن ثم رُوي عن النبي ﷺ أنه لو وُزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجحت كفّة أبي بكر.[2] كيف نفهم هذا؟ إن بعض الناس يقولون: هذا رسول الله، ولا يُقتدى به في كذا. فيُرينا ربنا أبا بكر نموذجًا من غير أصحاب الرسالة، فهو لم يكن متلقّيًا للوحي حتى يقال إنه مقامٌ لا يُقلَّد. فلا يدّعينّ أحدٌ أن ذاك مقام النبوة ولا يبلغه إلا الأنبياء؛ ومقام النبوة هو مقام النبوة، لكن دخول الجنة مع النبي ﷺ أمرٌ متاح، يحدّث به رسول الله ﷺ. أما من هم دون النبي ﷺ فهم أصحاب سبق. وفي ذلك أن أحد التابعين قال، وهي جملة مهمة جدًّا: أيظن أصحاب محمد أنهم يسبقوننا إلى الحوض؟ والله لنزاحمنّهم على أبواب الجنة. فمن أين أتته هذه الجرأة؟ أتته من أنه رأى ذلك النموذج؛ وليس عليك إلا أن تقلّد وتتّبع، وأن تنظر في مجامع الهمم المودَعة في نفسك فتبذل معها أقصى ما تستطيع.
أما الذين ينامون كثيرًا ويستريحون كثيرًا، فما الذي يفعلونه؟ إنهم يؤجّلون نعيم الطاعة، ونعيم البذل، ونعيم السعي، ونعيم العمل؛ فإن في ذلك سعادة لا يشعر بها إلا أصحاب الهمم. أتظن أن أبا بكر رضي الله عنه، أو أمثال هذا النموذج من البشر، يسعد إذا غلبه النوم فاضطر أن يبتعد عن الحياة سويعات؟ أم أنه يريد أن يكون الإنجاز دائمًا في حياته؟ ونحن نرى ذلك في من يريدون المال، فكيف بالحسنات! فأمثال أبي بكر لا يحرصون على النوم بقدر ما يحرصون على العمل، ومن ثم فمسألة الإجازة والراحة والتنزّه، إن صحّ التعبير، ليست في قواميس هؤلاء الناس بأي شكل.
فأيّ همّة لدينا؟ وما الذي سننجزه اليوم بإذن الله؟ وما الذي سنبلغه من أسباب الطاعات؟ وما الذي سنصل إليه من أنواع الهمم؟ وما الذي سيتحقق على أيدينا نفعًا لهذا الدين؟ تلك أسئلة تدور في أذهان أصحاب الأعمال، رجال الأعمال الحقيقيين الذين يريدون بلوغ الجنة، حتى وإن تعبت في سبيل ذلك أقدامهم وأيديهم وأبصارهم وعقولهم؛ هم لا يلوون على شيء من ذلك بلوغًا إلى الغايات.
وتخيّل أن أمامك طريقًا طويلًا جدًّا تريد أن تبلغه بسيارتك، وأنت تعلم أن الأسفلت يأكل من الإطارات، وأن الهواء يأكل من حديد السيارة الخارجي، وأن التراب يدخل إلى مكوّناتها، ولكنك تنطلق؛ لا تقول: أخاف على هذا البدن أن يتسخ، فأُزيّنه وأحفظه. إن البذل بذل، والعمل ليس له كلمة توازيه، والسعي إلى الله أسمى غايات الخليقة أجمعين، وبلوغ الجنة يوم القيامة هو الغاية.
--- [1]: توثيق المحرر: أورد المتحدث الحديث بالمعنى ولم يعزه في الخاطرة؛ وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة…»، وفيه سؤال أبي بكر وجواب النبي ﷺ. [2]: توثيق المحرر: أورد المتحدث هذا القول عن النبي ﷺ بالمعنى ولم يعزه. ولا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما نعلم، وإنما رُوي نحوه موقوفًا عن عمر رضي الله عنه: «لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (عند البيهقي في شعب الإيمان)؛ ويُراجع قبل النشر.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔