ادخلوا في السلم كافة
النداء السادس في سورة البقرة: ادخلوا في السلم كافة
المناسبة: تفريغ محاضرة العشاء أُلقيت في AIA بتاريخ ١٤ أبريل ٢٠٢٦مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بدأ بالصلاة والسلام على عبد الله ورسوله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم دعا: «اللهم إنا نسألك خير هذه الليلة وخير ما فيها وخير ما بعدها، ونعوذ بك ربنا من شر هذه الليلة وشر ما فيها وشر ما بعدها. اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك اللهم لنا فيما رزقتنا، وقنا اللهم عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة، برحمة منك ورضوان وكرم ولطف يا رب العالمين. اللهم أعنّا ولا تُعِن علينا، ويسّر لنا وسدّد ما بين أيدينا، واقضِ حوائجنا، ودبّر لنا برحمة منك ولطف وكرم يا رب العالمين».
النداء السادس
ثم قال: إن شاء الله تبارك وتعالى، وتلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة]
هذه هي الآية السادسة في النداءات الإيمانية في سورة البقرة.
النداءات الخمسة قبلها
أما الخمسة التي سبقتها فقد مررنا عليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة]، وقلنا إن فيها إشارة إلى تقديس المرجعية، وإننا لا نحسن أن نتجاوزها بحال من الأحوال.
ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]، ويتلوها: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة]، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة].
ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة]، ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة]، وفي التفريغ بعدها عبارة مضطربة لم يتبيّن معناها (انظر الهامش). ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة].[1]
خيط يجمع الخمسة
فمعنا الآن خمس آيات متواليات في ترتيبهن، ونحسن أن نرى ربطًا بينها كما رأينا في مثل هذا النسق:
- تقديس المرجعية، والصبر على هذا التقديس لأنه مسؤولية.
- ثم الامتناع عن أكل الحرام، بل أكل الطيب من الطعام الذي رزقنا إياه رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو أول مطلوب للخليقة في الدنيا.
- ثم، بعبارته، «لنبالغ حتى لا نبلغ حدّ القصاص فنُطالَب برقابنا يومًا ما».
- ثم نتأدب بين يدي [كلمة غير واضحة] الحلال حتى نبلغ قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة].[2]
ما معنى السِّلم؟
﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾: ادخلوا في الإسلام كافة. والسِّلم هو توافق النفس مع المنهج، هو هذا التوافق النفسي.
ادخلوا في الإسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله».
ثم ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين». فقال عمر: يا رسول الله، من مالي وولدي والناس أجمعين أنا معك، لكن من نفسي؟ قال: «حتى تكون يا عمر»، فقال: الآن يا رسول الله.[3] يعني حتى عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه كانت عنده هذه المسألة إلى أن تجاوز هذا الحد.
أن أدخل بكليّتي
فعندما يناديني رب العالمين سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، فمعناه: ادخلوا في الإسلام كله، أو بكليتكم، ولا يبقى منكم جزء خارج إطار الإسلام. فالمشاعر في جملة التدين، والعقل في عمق التدين، والنفس منسجمة مع التدين، والجسد كله يتحرك بناء على أوامر ذلك التدين وتكاليفه ونواهيه.
ولذلك يمكن أن نفهم قول عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها: «كان خُلُقُه القرآن»[4]، وفي رواية أخرى «كان قرآنًا يمشي على الأرض».[5] كيف يكون قرآنًا يمشي على الأرض إلا أن يتمثّل القرآن في عقله، وفي قلبه، وفي نفسه، وفي بدنه، وفي ماله، وفي زمانه، وفي كل شيء؟
ولذلك ترى النبي ﷺ في غضبه كهدوئه، لا يخرج عن إطار التدين. وفي عطائه كأخذه، لا يخرج عن إطار التدين. في معاملاته مع الله، وفي معاملاته مع الناس، وفي معاملاته مع نفسه، إنه يحمل نفس المستوى من الالتزام.
موضع الآية من السورة
ثم قال: وكأني بهذه الآية، فيما أظنه والله تبارك وتعالى أعلم، تتوسط سورة البقرة؛ إن لم يكن ذلك في عدّ الآيات رقمًا، فإنها في جملة الأحكام مكانًا وموطنًا.
فقبلها حديث رب العالمين عن أصناف الناس وتقلبات أحوالهم، وأزماتهم، واعتداءاتهم فيمن كان معتديًا منهم، والتزامهم فيمن كان إمامًا للناس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة]. ثم ترى نسخ التشريع، وتقلب الأحوال، وارتضاء رب العالمين الإسلام دِيانةً للناس.
وبعدها ترى أحكامًا كثيرة جدًّا تتوالى على الأمة المسلمة مما يُطلب فيه التكليف الأشق. فإن قلت: قبلها كانت جملة من التدين، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ على سبيل المثال، فإنك ترى بعد ذلك آيات القتال والمجاهدة، والابتعاد عن المال المحرّم من بيع محرّم أو ربا محرّم في أصل التشريع، إلى آخره. ترى جملة من التكاليف الشرعية تأتي بعد هذه الآية.
طائر عظيم بجناحين
ولهذا تكون سورة البقرة كالجناحين حول هذا الطائر العظيم، ألا وهو السِّلم: السلم النفسي، والسلم العقلي، والسلم البدني، والسلم المجتمعي، والسلم الاقتصادي، السياسي، الدولي، الحركي. السلم في جملته يمثّل طائرًا يتحرك في هذه الحياة، وجناحاه طرفا ما حول هذه الآية من آيات سورة البقرة:
- في جانب، تعريفك بأنماط الناس وأنواعهم وأحوالهم وتقلبات أمزجتهم وأفئدتهم ومآلاتهم بين يدي رب العالمين سبحانه وتعالى.
- وفي جانب آخر، قدرتهم على تحمّل هذه التكاليف الشرعية التي تأتيهم من قبل رب العالمين.
أنأخذ ببعض الكتاب؟
قال: لا أطيل عليكم، ولكن ما أطلبه الآن هو أن نعيد النظر في هذه الآية على وجه التحديد، لننظر مكانها ومكانتها في وسط السورة المباركة، وكيف أننا كُلّفنا بما عُوتب به بنو إسرائيل من قبل، عندما كلّمهم رب العالمين بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة].
لا يليق بعاقل أن يأخذ بعضًا من ذلك الكتاب ويترك بعضًا، لأن الأخذ والترك دلالة على أن الأخذ لم يأتِ إلا عن هوًى (فيما يبدو)، وأن الترك لم يكن إلا عن هوًى.[6] فأخذتُ ما أهوى وتركتُ ما أهوى، وكأني لا أعبد المُنزِلَ لهذا الكتاب، وإنما أعبد المتناوِلَ لبعض أجزاء هذا الكتاب، وكأني أعبد ذاتي، لا أعبد ربَّ الكلام الذي أقرؤه وأقتبس منه ذلك المنهج العظيم.
وختم بقوله: أسأل الله العلي القدير أن يُبصّرنا بما بين أيدينا.
--- [1]: توثيق المحرر: أرقام الآيات من المحرر وليست من كلام المحاضر، وهي: ٢٠٨، ثم ١٠٤، ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥–١٥٦، ١٧٢، ١٧٨، ١٨٣، ١٨٨، ١٢٤، ٨٥. وفي التفريغ بعد آية القصاص عبارة مضطربة تُقرأ «أترا فيؤدبنا رب العالمين الله حرام»، ولم يتبيّن معناها فلم تُدرَج في المتن. [2]: توثيق المحرر: ربط المحاضر بين الآيات الخمس مضطرب في موضعين من التفريغ: «لنبالغ حتى لا نبلغ حد القصاص» و«نتأدب بين يدي [..] الحلال»، وقد أُثبتا بحروفهما دون تفسير. وآية الأموال (188) ليست من النداءات، وإنما ساقها في سياق الحلال. [3]: توثيق المحرر: ثبتت محاورة عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن هشام رضي الله عنه، ولفظها يخالف ما أورده المحاضر في تفاصيله؛ والمثبت في المتن هو كلامه كما نطق به. وحديث «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» في الصحيحين، وليس فيه «من نفسه وماله» بهذا اللفظ. [4]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، والعزو من المحرر ولم يذكره المحاضر. [5]: توثيق المحرر: لم يتحقق المحرر من هذه الرواية التي ذكرها المحاضر، فلا تُنسب إلى النبي ﷺ أو إلى عائشة رضي الله عنها إلا بعد التثبت. [6]: توثيق المحرر: في التفريغ «لم يتأتَّ إلا عنى» و«لم يكن إلا عنى»، ولم يتبيّن اللفظ. والمثبت «عن هوى» مفهوم من السياق ومن قوله بعدها «فأخذتُ ما أهوى وتركتُ ما أهوى».
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔