أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
قرآن اور تہذیب

بين مملكة سليمان وعلوّ فرعون

خاطرة فجر في ختام سورة النمل ومطلع القصص: نموذجان للحكم والمواطنة والعاقبة

ڈاکٹر احمد ابو سیف•١٩ سبتمبر ٢٠٢٦•5 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت في أكاديمية الأئمة بأمريكا (AIA) بتاريخ ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم إنا نعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده، أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمتك ورضوانك يا رب العالمين. وبعد، فحيّاكم الله ورضي عنكم وأدامكم بخير وعافية.

حين يأخذك القرآن إلى مواطن أخرى

تُلي علينا في صلاة الفجر أواخرُ سورة النمل وأوائلُ سورة القصص[1]. وما إن يبدأ المرء في التفكر في دلالات بعض الآيات حتى يأخذه القرآن إلى مواطن واستشهادات أخرى، فيحاول الربط بينها، لكنّ القرآن يُعجز الناس، سبحان الله القدير. ففي سورة النمل مجموعة من القصص، وفي سورة القصص مجموعة من القصص أيضًا.

مملكة سليمان: حضارة قامت على القانون

غير أن سورة النمل تناولت قصة كبيرة، سردت لنا أحداثَ عمارة عظيمة في الأرض وتطورًا وحضارةً ملأت السمع والبصر وأعجزت كل من حولها: مملكة سليمان، التي شملت النملة وشملت الهدهد. وقد حدّثنا القرآن عن ريح تتحرك بإذن رب العالمين، مسخَّرة لا سلطان لها إلا بإذنه سبحانه،[3] وعن جنوده الذين حُشروا له من الجن والإنس والطير ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: 17–18].

فتخيّل مشهد هذه المملكة. لقد قامت على القانون، وعلى العدل، وعلى المساواة بين الأفراد في العطاء قبل الأخذ، وعلى المحاسبة لمن قصّر في عمله، وإسناد المهمة لمن ابتدأها. وقامت على أن القوة المملوكة هي قوة حاكمة بالعدل في الناس جميعًا، لا في الداخل فقط؛ فلم يُظلم أحد ولم يُجنَ عليه ولم يُعتدَ عليه، وإنما أُقيمت معها مبادئ تنطبق على المعاملات السياسية بين الدول الكبيرة، وجاءت بإعزاز واحترام وتقدير. حتى إن أمرها انتهى إلى أن أسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

وانتبهوا إلى العبارة: ﴿…وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]. لماذا «مع سليمان»؟ لأن سليمان عليه السلام هو النموذج المتحضر الناضج النقي التقي، الذي حاولت هي بنفسها أن تستميله بهدية: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ…﴾ [النمل: 35]، أي أنها كانت تختبره وتجسّ نبضه. وكان ذلك سَمْتَ سليمان عليه السلام وحضارتَه: تفوّقه على كل من حوله بالرحمة والإحسان والعدل والمنطق والحكمة والهدوء، وبالتفاعل الحضاري الحقيقي.

الوجه الآخر: فرعون وعلوّه

وتعالَوا ننظر إلى الوجه الآخر، حين يقول رب العالمين سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5]. لماذا؟ لأن عندهم من حدّث الله تبارك وتعالى عنه بقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

إذا فكّكتَ الآية في تركيبها رأيتَ أن «علا في الأرض» تدلّ على أنه جعل نفسه من طبقة وبقية الخليقة من طبقة أخرى؛ فهو والحاشية يعيشون ويتنفسون هواءً غير الذي يتنفسه سائر الناس، ويحيون حياة مستقلة تمامًا، بعيدة عن كل هذا «الغوغاء». ثم ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، ومعناه أن كل فريق منهم صار فرقةً وحزبًا ومجموعة، فقسّمهم وأوجد فيهم بذور هذا الانقسام. وهذه فلسفة قديمة جدًّا: أحزاب معارضة وأحزاب في مقابلها، والفريقان يتصادمان، وفي المقابل واحد قاعد مرتاح يتفرج عليهم، وكلما هدأت الدنيا بعث إليهم ما يُهيّجهم من جديد: صحف وتلفزيون وقصص وحكايات.

ومن المطحون في هذه الدائرة الذهنية؟ المسكين الذي ليس عنده ما يفعله غير أن ينظر ليرى إلى أين تمضي الدنيا، وليس له عين غير هؤلاء الناس، ولا يملك نظارة يرى بها الأحداث إلا هؤلاء الذين يطالعونه ليل نهار. ولا أريد أن أضرب أمثلة، فنحن في مجتمعات متنوعة، ولكلٍّ منا من يتابعهم، ربنا يكرم الجميع.

المواطن المنشود: هدهد سليمان

والشاهد أنك أمام حضارة التزمت القانون: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 20–22]. وليست المسألة حبّ انتقام، ولا غلًّا في صدر سليمان على الهدهد، ولا رغبة في سفك الدم؛ بل جعل له مخرجًا: «أو ليأتيني بسلطان مبين».

وانظر إلى اللغة: هدهدٌ يخاطب رأس الدولة، فيقول «أحطتُ بما لم تحط به»، أي: بلغني اليوم ما لم يبلغك، وأنجزتُ ما لم تنجزه. وتأمّل هذا التناظر في التعامل. ثم «وجئتك من سبأ بنبأ يقين»؛ القرآن يختار الألفاظ. لم يقل «بخبر»، لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب، وقال «جئتك من سبأ» إشارةً إلى تحديد موقع المهمة التي رُصدت له، بل رصدها هو لنفسه.[4] والذين يفهمون في العلم العسكري يعرفون معنى «المهمة المحددة» (التاسك): أنت ذاهب إلى موضع محدد لتجلب خبرًا معينًا، ولا بد أن ترجع به. «بنبأ يقين»: لا شك فيه ولا لعب، أنا جئت من تلك الجهة، والتقرير كامل. هذا يرينا الله تبارك وتعالى صورةً من صور المواطن المنشود في دولة تعمل بهذا القانون وبهذا العمل.

عاقبتان وصمّام أمان

ويعرض علينا القرآن الكريم القصتين متقابلتين في سورتين متتاليتين. فما عاقبة سليمان؟ عزٌّ غير متناهٍ، وملك ليس لأحد من بعده، كما سأل ربَّه: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35][2]، فجعل الله عاقبة أمره كذلك. والآخر، كيف كان مآل أمره؟ لما أراد أن يعلن إسلامه حين أدركه الغرق قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91]، أي: فات أوان القبول.

والشاهد أن القرآن الكريم لا يرسم لنا فقط فلسفة المعيشة اليومية وكيفية التعامل مع الأب والأم والجيران والرحم، وإنما يرسم فلسفة التعامل مع الحضارات، ويرسم خط سير البشرية إن أردنا أن نتعلم منه بصدق ويقين. ويلفت النظر أن النبي ﷺ يردد على مسامعنا ما أُمر به في آخر النمل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: 91–92]. هذا صمّام الأمان لنا يا أحبابنا الكرام.

وتأمّل هذه النقلة بين قصة سليمان وقصة فرعون وموسى وذلك الصراع الكبير الذي سيكون. ولما تقرأ ترتيب الأحداث، فهو ليس كما حدثت، وإنما كما رتّبها رب العالمين سبحانه وتعالى. فانظر كيف يرتّب ربك الأحداث، عجيب! ومن ظن أنه صاحب ذكاء يتلاعب بشرع أو دين، أو يتآمر به على رب العالمين، فهو واهم مغرور. ومن علم أن أمره كله لله سلّم اللهُ له أسباب النجاة وسلّمه لأسباب الهداية.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، اللهم إنا نسألك الهداية، اللهم إنا نسألك العدل في حياتنا، اللهم أقمنا على مرادك حيث تريد لنا، واجعلنا من عبادك في الأرض، وألهمنا نضجًا وحسن فكر وتدبرٍ وتفهّمٍ لما أردتَ لنا في كتابك يا رب العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: التلاوة من آخر سورة النمل وأول القصص بحسب ما ذكر المتحدث؛ والآيتان المستشهد بهما من القصص هما الرابعة والخامسة. [2]: توثيق المحرر: سورة ص، الآية 35، وتمامها ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا…﴾. ذكر المتحدث الجزء المثبت فقط، وقد أُثبتت الآية هنا بقدر ما ذكر. وأما قول «آلآن وقد عصيت قبل» الوارد بعد ذلك فهو من سورة يونس (91) في شأن فرعون عند الغرق، وقد أُتمّت الآية هنا ﴿وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ليتّضح السياق. وعبارة المتحدث العامية في شرحها («متأخر جدًّا») صيغت هنا بالفصحى: «فات أوان القبول». [3]: توثيق المحرر: تسخير الريح لسليمان عليه السلام مذكور في مواضع أخرى من القرآن، كسورة الأنبياء (81) وسبأ (12) وص (36)، وليس في المقطع المتلوّ من سورة النمل؛ وقد ذكره المتحدث تمهيدًا لوصف المملكة. [4]: توثيق المحرر: هذه الملاحظة اللغوية في التفريق بين «النبأ» و«الخبر» من كلام المتحدث؛ والمشهور عند أهل اللغة أن النبأ الخبر ذو الشأن والفائدة العظيمة، فالقصد أنه خبر موثوق عظيم الشأن. وأُسقطت من التفريغ نكتة ذُكر فيها أشخاص بأسمائهم.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں