الأهداف التربوية في القصص القرآني: الكلام الذي فيه خير
ثلاثة أنواع من الكلام يباركها الله: الحثّ على الصدقة، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس
المناسبة: محاضرة أُلقيت في وودبريدج بتاريخ ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦.المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بدأ المحاضر بوعدٍ بالإيجاز، لأن الناس ينتظرون الصلاة، ثم تناول الآية التي تُليت في مطلع المجلس. وقال إننا إذا حاولنا ترجمتها فإن الله يخبرنا فيها أنه لا خير في أيّ نوع من الكلام إلا أن يكون واحدًا من ثلاثة أمور.[1]
ثلاثة أنواع من الكلام الذي فيه خير
الأول أن تطلب من الناس أن يتبرعوا لأمرٍ ما، أو أن يشاركوا في أيّ عملٍ ينفع سائر الناس، أي أن تحثّهم على فعل الخير. وقال المحاضر إننا إذا أردنا أن نفهم ما يقصده القرآن بهذه الكلمة وجدنا تفسيرها في حديث النبي ﷺ، الذي بيّن أنها ليست مقصورة على بذل المال؛ فقد تكون نصيحة، أو إعانة لإنسان، أو وضع يدك في يد غيرك، وما إلى ذلك.[2]
والثاني أن تدعو الناس إلى البقاء في إطار النظام المألوف للأمور، وألّا يبتعدوا عمّا طلبه الله منا في ديننا. وقال إننا إذا نظرنا إلى هذه الكلمة في القرآن وجدناها ترد بأبعاد مختلفة؛ فأحيانًا نسمعها حين يتحدث القرآن عن العلاقة بين الزوجين في البيت، ومع ذلك فهي أمر شائع يتفق عليه الجميع. فحين أطلب منك أن تأتي إلى المسجد، وحين أطلب منك أن تعين إنسانًا، وحين أطلب منك أن تحسن معاملة أخيك، فهذا هو نوع الكلام المقصود. بل هو يشمل الأمور العادية أيضًا؛ فبيننا تجارة، وبيننا عمل مشترك، فنجلس نتحدث في الربح والخسارة. والناس عادةً يتحدثون في مثل هذا في أحوالهم الاعتيادية.
والثالث أن تُصلح بين الناس. فإذا رأيت اثنين أو ثلاثة من إخوانك أو أخواتك بينهم خلاف، فسعيتَ في إصلاحه، فهذا ما تصفه الآية.
أجرٌ عظيم على جهدٍ يسير
وحين تأمّل المحاضر الآية وجد الجزاء يأتي بعدها مباشرة: فمن فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله وعده الله أجرًا لا حدّ له. ولماذا؟ وماذا فعلتُ أنا؟ إنما طلبتُ من أخي أن يعين آخر، ولم أفعل شيئًا. أو طلبتُ من نفسي أن أحسن الحديث إلى الأولاد في البيت. أهذا أمر عظيم؟ ومع ذلك يعطيني الله عليه أجرًا مضاعفًا. فإذا رأيتُ أخوين لا تبدو وجوههما على حالها المعتادة، وربما بينهما خلاف، فدعوتهما إلى العشاء معًا، وقلتُ كلمات طيبة قليلة، ومرّ كل شيء وصفا ما بينهما، فإن الله يعطيني ذلك الأجر.
الحادثة التي نزلت فيها الآية
ثم ذكر المحاضر الحادثة المتصلة بالآية. تخيّلوا أن شخصًا سرق شيئًا من بيت أحد الناس، وبعد التحقيق وجدوا من فعل ذلك. فجاءت عشيرة الرجل إلى النبي ﷺ وقالوا له: يا رسول الله، لا تعاقبه. جاؤوا يسألونه أن يعفو عن الرجل ويتركه حرًّا.[3]
وهذا بعينه ما تعالجه الآية. ففي الآية السابقة يتحدث الله عن هذا الأمر نفسه، ويطلب من النبي ﷺ أن يمضي في التحقيق حتى يصل إلى نتيجة قاطعة. ثم يوجّه الجماعة، وقد لخّص المحاضر ذلك في ثلاثة أوامر: لا تتكلموا في شيءٍ خاطئ، ولا تضعوا أنفسكم في موضعٍ خاطئ، ولا تحاولوا أن تدخلوا بين اثنين هما أصلًا في أمرٍ غير سويّ. وقال: في هذه الآية يخبرني الله أنه لا خير في مثل هذا الكلام.
ما النجوى، ولماذا يحرسها الله
ثم تحدّث عن كلمة «النجوى»، أي المسارّة، وقال إننا قد نتذكر كيف خاطب الله الجماعة بشأنها في موضع آخر.[4] والنجوى في ذاتها ليست همسًا، بل هي شيء أقوله لك دون أن ألفت إليه انتباه الآخرين. نتحدث في مسألة ما، ولا يهم أكانت خطأً أم صوابًا؛ المهم أننا ننعزل عن بقية الجماعة. فلماذا يعتني الله بهذا؟ لأن من يراني أتحدث إلى أخي هناك سيتساءل ماذا نقول عنه. إن الله يريد أن يُبعد الشيطان عن كل مجلس من مجالس الجماعة. فهو يعطي توجيهًا آخر ليُبقي القلوب نقيّة صافية محفوظة من هجمات الشيطان.
افعل ما تطلبه من غيرك
وأضاف المحاضر نقطةً تتصل بالاستقامة. فحين تطلب من أحد أن يفعل شيئًا فأنت مطالَب بأن تؤمن به أنت أيضًا، وإلا وقعنا في نوعٍ من النفاق. فإذا كنتُ أطلب منك أن تضع شيئًا في الصندوق لذلك الأخ، فمعنى ذلك أنني أؤمن به، ولن أطلب منك المساعدة قط دون أن أضع يدي أنا أولًا. أيستقيم أن أطلب منك أن تعطي وفي جيبي عشرة دولارات لم أعطه إياها؟ لا سيما إن كان معي أكثر من ذلك، وأنا أطلب من الناس فعل الخير وأمسك نفسي عنه؟ هذا لا يستقيم.[5] وحين يطلب الله من الجماعة المسلمة، من الناس جميعًا، أن يشاركوا في أعمال الخير، كبيرةً كانت أو صغيرة أو واسعة، فالسؤال هو: هل تجتمع الأيدي كلها لتضع نفعًا في المجتمع؟
حين نقيس علاقتنا بالله بما في جيوبنا
وقال المحاضر إن أمرًا غريبًا استوقفه حين قرأ سورة معينة (ولا يتضح من التفريغ أي سورة هي). إن الله يعلّم الجماعة، ولا سيما الذين يقيسون علاقتهم بالله بما يصلهم من نفع. فحين يعطي الله الإنسانَ شيئًا يفرح به فرحًا يقول معه في معنى كلامه: «الله راضٍ عني». وحين يمسك الله ذلك العطاء مدةً، أو لسببٍ ما، يقول: «الله غير راضٍ عني، الله يبغضني». فهو يقيّم علاقته بالله بالأرقام الداخلة إلى جيبه. فإن أعطى الله فأنا راضٍ عن الله والله راضٍ عني، وإن لم يعطِ وكان جيبي فارغًا فأنا لا أحب الله، والله لا يحبني.
وجواب الله: «كلّا». فما الصواب إذن؟ الصواب، كما يقول، أنكم لا تكرمون اليتيم، ولا يحضّ بعضكم بعضًا على إطعام المسكين.[6]
العقبة وفكّ الرقبة
وقال: إذا انتقلتَ إلى السورة التي تليها وجدتَ الله يتحدث عن عقبةٍ ستقوم يوم القيامة، لا بدّ أن نجتازها لنكون من أهل الجنة. وبعض الناس يتخلّفون عند هذه الخطوة. فما الذي يمنعني من أن أمضي معهم؟ إن الله يبيّن ما يلزم لاجتيازها: فكّ الرقبة، أي تحرير إنسان من الرق.[7]
وضرب مثالًا من زماننا: رجل في السجن بسبب دَين لم يستطع سداده، مئة دولار هنا وألف هناك وألفان في مكان آخر، وقد اتهمه أحدهم وأرسله إلى السجن. سبحان الله. فإذا ذهبتُ وفككتُ رقبته من ذلك المكان، حين نعطي مبلغًا يسيرًا، أو حتى نجتمع فندفع كفالةً عنه، فهذا نوع من فكّ الرقاب. وأحيانًا ندفع كفالةً فعلًا لنُخرج أحد إخواننا من السجن. وكلام الله ليس عن العبيد وحدهم، وإن كان ذلك هو الحال في ذلك الزمان؛ فاليوم عندنا ضروب أخرى من الأسر.
وتتحدث الآيات نفسها عن الإطعام في زمن الشدة: المحتاج الذي لا يملك شيئًا، لا يفصل بين يده والتراب شيء. ثم يضيف التفريغ، على نحوٍ غير واضح، أن الإنسان إذا كان في يده شيء فقد يكون ذلك كأن يتشاركوا النصيحة فيما بينهم.
الذي يكذّب بالدين
وتابع: إذا مضيتَ في القرآن إلى آخره وجدتَ الله يتحدث عن الذين يكذّبون بالدين. فكيف يُقال هذا في أناسٍ مسلمين يأتون إلى المسجد؟ يقول الله إن هذا هو الذي يدفع اليتيم دفعًا. يطرد اليتيم: لا تأتِ إلى هنا، ولا تجلس مع أولادي، ولا تقترب منهم. والجريمة الأخرى التي يرتكبها أنه لا يحضّ من حوله على أن يتشاركوا فيما عندهم وأن يشارك بعضهم بعضًا.[8]
قولوا للناس حسنًا
ثم انتقل المحاضر إلى ما يطلب الله منا أن نقوله. وسأل الحاضرين هل يذكرون الآية، وجعلهم يرددونها معه. فما معناها؟ قولوا للناس ما هو حسن، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين. وقال إن هذا من الأخطاء الكبيرة التي نقع فيها.[9]
وذكر طريقة لفهم الأوامر. فإذا أردنا قاعدةً للعمل في حياتنا، فعلينا أن نقارن هذا الأمر بالأمر الآخر الذي بجواره، لأنه من الناحية النحوية أمر يأتينا. الله يأمرني بأمر. فما الكلمة التالية في الآية نفسها؟ أهي أمر كذلك، واجب أو غير واجب؟ تخيّلوا أن الله جمع شيئين في آية واحدة؛ فينبغي أن يكونا في المرتبة نفسها. تخيّلوا أنه يطلب مني أن أحسن القول للناس، ويطلب مني في الآية نفسها شيئًا آخر. أتفهمون ما أعني؟
فإذا استقر لنا هذا وجدنا من صفات المسلم أنه يحسن القول، ويتكلم مع الناس بلين. وأحيانًا نغضب ونفقد اتزاننا، والله يعلم ذلك، وقد جعل لنا الحل. فكيف نفعل؟ نقول: «أعتذر، لقد أخطأت، سامحني». ولاحظ كذلك أن الله حين وصف إحدى صفات هؤلاء الناس كانت أنهم يتبعون ما يُقال، فيما يبدو «على أحسنه».[10]
ثلاثة أعمال يحتاجها المجتمع
فالآية تبيّن لنا فائدة ثلاثة أعمال رئيسة نحتاج إليها في المجتمع. وعاد المحاضر إلى الأول. نحن عادةً نتكلم، ولكن أيّ كلام نحتاج أن نقوله؟ حين ترى إنسانًا محتاجًا إلى شيء، فعليك أن تبلّغ الناس بأمره.
وانتهى عند هذا الحد. فقد وعد ألّا يطيل، لأنه أبقى الناس جالسين بعد الصلاة، وهم سيصلّون حال فراغه. وينقطع التفريغ في منتصف دعائه الختامي: «اللهم أعطنا…»
--- [1]: توثيق المحرر: لا يسجّل التفريغ الآية؛ فتلاوتها في مطلع المجلس لم تُلتقط، ولذلك لم يُثبت نصها في المتن. وقد عيّن المحرر الآية من وصف المحاضر للاستثناءات الثلاثة من «لا خير في النجوى» ومن سياق الحديث: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. يُرجى التحقق من التسجيل. [2]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر الحديث. والمعنى القائل بأن كل معروف صدقة رواه البخاري ومسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». [3]: توثيق المحرر: روى المحاضر الحادثة بكلامه وبلا تسمية أحد. وهي السبب المتداول لنزول آيات سورة النساء المحيطة بهذه الآية؛ ويُنظر في تفاصيلها في كتاب من كتب أسباب النزول. [4]: توثيق المحرر: ينقطع التفريغ عند الموضع الذي سُمّيت فيه الآية. ولعله كان يتذكر ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠]، وهي تناسب كلامه عن الشيطان وعن القلوب، لكن هذا تعيين من المحرر. [5]: توثيق المحرر: ورد في التفريغ «صندوق الصفيح»؛ ويبدو أن المحاضر يقصد صندوق التبرعات. والمبالغ المذكورة (عشرة دولارات) كما أوردها. [6]: توثيق المحرر: يبدو أن المحاضر يعبّر بمعنى ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٥–١٨] دون تسمية السورة؛ والتعيين من المحرر. [7]: توثيق المحرر: يبدو أنها سورة البلد، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وما بعدها [البلد: ١١–١٦]، ومنها ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ و﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. ولم تُسمَّ السورة في التفريغ. [8]: توثيق المحرر: هذا يوافق سورة الماعون [الماعون: ١–٣]. [9]: توثيق المحرر: لعلها ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وهي مقرونة في الآية نفسها بالأمر بإقامة الصلاة. وألفاظ الآية غير موجودة في التفريغ، فالتعيين من المحرر. [10]: توثيق المحرر: التفريغ مضطرب في هذا الموضع («they are following the say by the…»)، وقد أبقى المحرر ما هو واضح فحسب. وقد يكون المراد ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، لكن ذلك غير مؤكد.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔