ضوابط الإيمان الذي يُورث العلوّ
خاطرة الفجر | د. أحمد أبو سيف | 25 يوليو 2026 — ضوابط الإيمان الذي يُورث العلوّ
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 25 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
في الآيات التي يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[1] وعدٌ ربّاني اشترط الله له شرطًا رئيسًا هو الإيمان: ﴿إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وضوابطُ هذا الإيمان تقع في سياقين: سياقٍ قريب يدور حول هذا الوعد، وسياقٍ أطول يحيط به.
فما متطلبات هذا الإيمان الذي يجعل أمة الإسلام هي الأعلى؟ وحين نقول «الأعلى» فليس المقصود علوًّا في السلطة بقدر ما هو علوٌّ في المكانة والهيمنة وإدارة المواقف وتحريك الأمور وتصريف الدنيا؛ أنت الأعلى لأن بيدك هذا التصريف. فالسلطة هنا ليست درجةً نفسيةً يرتفع بها واحد على الآخرين فيقول: أنا أحسن منك، وإنما هي سلطة المسؤولية.
دائرة الشروط حول الشرط
حول هذا الشرط القريب دائرةٌ من الشروط الأخرى. أولها في السورة نداءاتُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهي مجموعة يطول الكلام فيها، لكن هنا يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾[2]. فما علاقة الربا بقضايا الحروب التي تتناولها هذه السورة المباركة؟ السورة تعالج أحوال المجتمع المؤمن في غزوة بدر وما بعدها، وتهيّئ الأمة لمزيد من الرقيّ. وغزوة أحد كانت مرحلةً وسطًا بين غزوتين كبيرتين: بدر والأحزاب.
بدر وأحد والأحزاب
في بدر مكّن الله تبارك وتعالى الأسباب كلها لفئةٍ قليلة مؤمنة ليس بين أيديهم شيء. تخيّل: ثلاثة فرسان في جيش من ثلاثمئة، وأمامهم ألف، بمنتهى البساطة. لم يملكوا شيئًا غير أن الله مكّن لهم بالقدر الذي جعلنا نستوعب: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وإلقاءُ الرعب في قلوب الذين كفروا يعمل على نطاقين: نطاق الناس الذين معنا، ونطاق الطرف الآخر الذي نُلقي الرعب في قلوبهم. ثبّتهم ربُّ العالمين سبحانه إلى مرحلةٍ قيل فيها: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾[3]؛ أي إن الشغل لم يكن شغلنا أصلًا.
ثم جاءت غزوة أحد بمزيدٍ من التمكين في الأسباب للأمة المسلمة؛ عند الناس قوةٌ أكثر قليلًا، لكن بقيت ثغرةٌ بسيطة جدًّا: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.[8] أترى في ذلك عيبًا؟ نعم؛ في العمل الإيماني والدعوي والإسلامي، أيًّا ما سمّيته، لا ينبغي أن توجد هذه النقطة بأي حال. إذا تسرّبت الدنيا إلى القلوب فسدت الأعمال. ومن ثم فهذه المهام لا بد لها من «شهادةٍ كاملة»؛ فالطبيب المهندس يشتغل في ميدان آخر، أما الجرّاح الذي يدخل ليجري عملية فيحتاج مهارات خاصة. وأنت صاحب «العمليات الخاصة»، فلا بد لك من شهادة خاصة هي الإيمان الخالص لا يشوبه شيء. ولذلك رأينا عجبًا في بدر، ورأينا خلطًا في أحد.
فلما جاءت غزوة الأحزاب واجتمعت العرب بقضّها وقضيضها بكل ما تملك، اجتمع أهل الإيمان وهم لا يملكون من أمر دينهم ولا دنياهم إلا التعلق بالله. فألهمهم الله حفر الخندق حول المدينة. وتخيّل حال المجتمع والنبي ﷺ يربط الحجرين على بطنه من شدة الجوع، والجنود العاملة التي ستدافع عن هذه الأمة وهذا البلد وتحمي الحدود وتسدّ الثغور لا تجد ما تأكل.
وتأتينا قصة طريفة هي قصة جابر، حين رأى حال النبي ﷺ وقد ربط على بطنه حجرين، فسأل امرأته، فأسرّت إليه أن يأتي بالنبي ﷺ ومعه واحدًا أو اثنين، فعندهم شيءٌ صغير بالكاد يملأ طبقًا. فنادى النبي ﷺ بما معناه أن آل جابر قد صنعوا لكم طعامًا. وللقصة شواهدها وللكلام فيها محلٌّ آخر،[4] غير أن الذي أطعم كل هذا الجند وهذا المجتمع هو ما في صفحة امرأة جابر، شيءٌ بسيط يقدر الله به على أن يقضي حاجات الأمة إذا استغنت به عن غيره. لكننا نحن تعلّقنا بأذيال الكبار، وتركنا ربنا، وتعلقنا على المستوى الأفقي بالبشر. ﴿إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
نداءاتٌ أخرى في السورة
يقول سبحانه قبل ذلك: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾، وفي الوسط: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ … وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وهذه كلها نداءات أخرى في السورة نفسها. وهنا يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ثم بعد الأمر بالطاعة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.[5]
الإنفاق: مادّيٌّ ومعنوي
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. بدأ بالإنفاق المادي لأنه أيسر من الإنفاق المعنوي. وانظر إلى هذه النقطة الصغيرة: العفو عن الناس، أهو إنفاقٌ مادي أم معنوي؟ والناس لا يرونه إنفاقًا أصلًا. لكنه من أعلى قمم الإنفاق: أن تنفق من نفسك فتعفو عن أحد.
قيل لأحدهم: اعفُ عن أخيك، فقال: والله أعفو عنه في الدنيا لأني لا أريد حتى أن أراه في الآخرة؛ لا أريده أن يقف أمام ربنا فيسأله ويحاسبه، فمن الآن «رُح، الله يسهّل عليك» ولن أراك حتى في الجنة. تخيّل كم الألم الذي يعتصر مثل هذا الإنسان وهو يتحدث عن أخيه هكذا: «لن أشوفك حتى قدّام ربنا يوم القيامة». يا أخي، هل أمرك الله بهذا؟ هذا العفو الذي يريده ربنا هو إنفاقٌ في مستوى أعلى. ثم يقول ربّ العالمين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ثم يصف أصحاب الإدراك والوعي اليقظ، حتى كأن «الرادارات» عندهم شغّالة: إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم تنبّهوا على الفور: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.[6] هؤلاء ناسٌ صافية ليس في نفوسها ولا قلوبها كدر، ولا تحمل في نفوسها شرًّا؛ أصفياءُ أنقياء أتقياء، يعرفون نقطة البدء ونقطة الختام، بخلاف مجتمعٍ لا يدري أين هو.
الصبر مطلوب من الجميع
وتخيّل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.[7] الصابرين على ماذا؟ نحن نتصور أن إدارة الحروب والناس الذين على الجبهات شغلهم صعب، وهو شغلٌ من جملة الشغل. أنت تدخل غرفة العمليات وتخرج منها مبسوطًا، الحمد لله، الله سبحانه أنقذ بك إنسانًا؛ وتفرح بإنجازك، وقد تبقى في غرفة العمليات ساعةً أو ساعتين أو أكثر، على حسب التخصص وعلى حسب العملية. وكذلك الذي يقف على المنبر ليحدّث الناس بمثل هذا الحديث، فإذا فرغ من خطبته فرح بنعمة الله أن أنجز له مهمةً قد يكون قعد يحضّر لها أسبوعًا. والذي في أرض المعركة وفي الميدان هذا شغله أيضًا، ولكل عملٍ مَهلكته؛ لكن الجندي الشجاع يقاتل، وهذا بالنسبة له طبيعي، متعوّدٌ عليه، يفرغ منه فيقول: يا سلام، أنا مبسوط. وهذا الانبساط وهذا الفرح المعنوي يشير إلى أنه مهارةٌ وعملٌ طبيعي جدًّا. فالكفاءات الموجودة داخل المجتمعات كلٌّ منها يعمل في ميدانه، فلا يتفوّق صاحب المعركة على صاحب غرفة العمليات.
وأحد أحبابنا الكرام يعمل ضابط شرطة، فنقول له: شغلتك هذه ظريفةٌ جدًّا، لابس البدلة والسترة وتروح وتجيء وبهذا المنظر. فيقول لي: لا، أنت لا ترى مخاطر هذه المهنة؛ توقف ناسًا في الليل ثم يخرجون معهم سلاحًا فيضربون… والله الموضوع خطأ، كنا نراه من بعيد وشكله حلو. فلهذا له وعليه، ولكل عملٍ ما له وما عليه.
وشاهدي في هذه الجملة أن قضية الصبر المطلوب لنصرة الأمة مطلوبةٌ من كل أفرادها. فإذا توفّر مع الإخلاص: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، هذا الإخلاص وهذا الصبر وهذا الإنفاق المادي والمعنوي وهذا الجَلَد الروحي، فهي من متطلبات ذلك الإيمان الذي هو متطلبٌ للعلوّ الذي هو مؤشر النصرة.
فمن يجيب؟ كلٌّ على حسب طاقته وقدرته؛ انظر أنت ماذا تقدر أن تفعل فافعله. واعلم أن التمكين للأمة قد يأتي من إنفاقِ مالٍ يسير، أو من عفوٍ عن إنسان، أو من صلة رحم، أو من بِرّ الوالدين، أو من إحسانٍ إلى ضعيف أو جار، أو من إطعام أرملةٍ أو مسكين.
أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم السلامة والعافية واللطف والرحمة. اللهم اجبُر كسر أمتنا، وهيّئ لها أمر رشد يعزّ فيه أهل طاعتك، ويهتدي فيه أهل معصيتك، ويثبت فيه أهل الإيمان على إيمانهم. اللهم إنا نسألك ما لا يعطيه غيرك، نسألك الإخلاص، ونسألك ربنا أن تصلح قلوبنا وأن تصلح ما أفسدته أيدينا، وأن تهيّئ لنا من أمرنا رشدًا. يا ربّ خذ بنواصينا إلى ما يرضيك، وثبّتنا على طاعتك، وامنع عنا أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة. اللهم آمين يا رب العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٣٩ — الآية بنصّها كما أوردها المتحدث، والسورة هي آل عمران بدلالة السياق (أحد، بدر، الأحزاب). [2]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٣٠. وما ذكره من النداءات (﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾، والأمر بالتقوى وعدم الموت إلا على الإسلام) في السورة نفسها: ١١٨ و١٠٢، أوردها المتحدث بالمعنى مجملةً ولم يُتمّها في المتن. [3]: توثيق المحرر: الأنفال: ١٧، وآية تثبيت الملائكة في الأنفال: ١٢. [4]: توثيق المحرر: قصة جابر وامرأته في غزوة الخندق معروفة في كتب الحديث والسيرة، ونقلها المتحدث بمعناها مع إشارته إلى أن لها شواهد وأن في الكلام فيها محلًّا آخر. [5]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٣٠–١٣٣، ثم ١٣٤ لما بعده. [6]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٣٥، وقد أشار إليها المتحدث بقوله «إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم». [7]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٤٢. [8]: توثيق المحرر: آل عمران: ١٥٢.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔