أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
قرآن اور تہذیب

التفاضل بين الأنبياء والمؤمنين

من آية «تلك الرسل» إلى آيات الإنفاق: كيف يتفاضل الناس بالبذل والجهد، وكيف يُبنى اليقين بالرزق

ڈاکٹر احمد ابو سیف•١٦ يوليو ٢٠٢٤•16 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في رمضان 1441هـ بتاريخ 26 أبريل 2020مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، وأفاض علينا من خيره وفضله وبركاته وعطاءاته التي لا تُحصى ولا تُعدّ. بل الحمد لله الذي عرّفنا أن نعمه لا تُحصى ولا تُعدّ: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.[13] الحمد لله على نعمة الصيام، وعلى نعمة القيام، وعلى نعمة الإسلام، وعلى نعمة القرآن. الحمد لله الذي جعلنا ممن اهتدوا بهديه وساروا على درب رسوله ﷺ، والذي أفاض علينا مما أفاض على عباده الصالحين من ملازمة القرآن وأهله. ونسأله سبحانه أن يرزقنا الفهم عن كتابه، وأن يدلّنا على حقيق أثر رسوله ﷺ فنسير خلفهم وعلى دروبهم، ونكون على الخطى نفسها التي مشى عليها النبي ﷺ.

نعيش هذه الأوقات المباركة التي تصفو فيها النفوس، وترقّ فيها المشاعر، وتهدأ فيها جوانح النفس، وتطمئن فيها قلوب المؤمنين، تلك القلوب التي كثيرًا ما عانت خلال السنة، حتى إذا جاء رمضان حطّت رحالها بين يدي القرآن في شهر القرآن. وأريد اليوم أن أحدّثكم عن شيء مرّ عليكم اليوم، هو قراءة الجزء الثالث من كتاب الله تبارك وتعالى، ونستفتح بالافتتاحية التي افتتح بها ربّ العالمين هذا الجزء: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253].

هل يتفاضل الأنبياء؟

كنا في حوار مع إخوانكم في الصباح، وتساءلنا: هل هناك تفاضل بين الأنبياء؟ فإذا بالنبي ﷺ يحدّثنا ألّا تفاضلوا بين الأنبياء، ويقول: لا تفضّلوني على موسى، ولا على يونس بن متّى.[1] وهكذا يخبرنا ﷺ أن قضية الموازنات بين الأنبياء ليست مقبولة في ذاتها، فلا يُقبل أن تفضّل إبراهيم على موسى، أو نوحًا على عيسى. ليس مقبولًا أن تفاضل بين من اختارهم الله ليحتلّوا الوظيفة نفسها والمكانة نفسها.

فكيف نوجّه كلام الله تبارك وتعالى إذن؟ التوجيه عندي أن التفاضل بينهم إنما حصل بالجهد المبذول منهم. ونرى في ذلك أن الآية وردت بعد قصة داود وحربه مع جالوت، وبعد أن ذكر الله لنا أناسًا خرجوا هربًا من الموت فأماتهم الله. فإن الله عزّ وجلّ لما خلقنا خلقنا لنتحمّل المسؤولية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. إنها المسؤولية، مسؤولية الأمانة التي تجعلنا نتقدّم إلى الأمام لا نرجع إلى الخلف، والتي تجعلنا نبذل جهدنا ولا نسكت عنه، ونقدّمه لا أن نأخذ فقط. وبناء عليه أرى في هذا المنظور للتفاضل نموذجًا لما أراد الله أن يصنعه من التفاضل بين الناس في الجهود.

الإنفاق ميدان التفاضل

والمثال المضروب في السورة الكريمة مثال مهم جدًّا، يحدّثنا فيه قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]. هذا النداء الإلهي بعد الحديث مباشرة عن التفاضل بين الأنبياء لا بدّ أن فيه إشارة إلى أن هذا الميدان هو الذي يمكن أن تحصّلوا من خلاله التفاضل فيما بينكم.

فنسأل: سبحان الله، كيف نتفاضل فيما بيننا بالعطاء، وليس كلنا يجد ما يعطيه؟ سأل أحدهم النبي ﷺ عن أفضل الأعمال، فذكر له ﷺ أن أفضلها أن يعطي، أن ينفق مما عنده، وينفق بكرم وسخاء. فسأله: يا رسول الله، فكيف إذا لم يكن لي مال؟[2] فإذا بالنبي ﷺ يعطيه من نماذج الإنفاق المتنوعة: إنفاق الجهد، وإنفاق الوقت، وإنفاق المال. فصار عندي أن إنفاق المال جزء من أجزاء كثيرة جدًّا تُسمّى مدرسة النفقة، أو مدرسة العطاء. وبناء عليه أرى أن الإنفاق مصدر للتفاضل بين الناس.

ولماذا؟ لأنه عزيز على النفوس. يقول ربّ العزة سبحانه: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.[14] كأن الفلاح توقّف على مسألة واحدة هي وقاية شحّ النفس: أن أُخرج مما عندي فأعطيه للناس، فهكذا أفلح. وجاء الجواب: نعم، لأنك لو وُقيتَ شحّ نفسك وتعلّمت البذل لأعطيتَ من مالك للزكاة، ولبذلتَ من مالك ووقتك لأداء فريضة الحج، ولوصلتَ رحمك، ولوصلتَ جيرانك، ولمنحتَ الناس من حولك كلًّا بحسب ما يريده ويحتاج إليه. فتأتي منظومة العطاء متكاملة غير مقصورة على باب واحد.

الحيّ القيّوم: لا تخشَ شيئًا

ثم إن ربّ العزة سبحانه، بعد أن أمر بهذا الإنفاق وجعله مصدرًا للتفاضل بين الناس، ولمّا كان الأمر شاقًّا على النفوس، يحدّثنا بما دلالته: أنفقوا ولا تخشوا شيئًا، فأنا هنا. ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]. لا تظنّ أن حالك سيضيع في لحظة من لحظات غفلة؛ فالإله الذي أمرك بهذا الإنفاق هو الحيّ الذي لا يموت، وهو القيّوم الذي يقوم على أمر السماوات والأرض. فما أعطيتَ من هنا وأخرجتَه يعطيك من هنا، فتُخرجه أيضًا أو تُبقيه لنفسك.

بل إن مفهوم العطاء ينبغي أن يتّسع بقدر ثقتنا ويقيننا في الله سبحانه. فعلى قدر ما توقن بالله الملك القدير جلّ في علاه أنه يملك أسباب السماوات والأرض، ويعطي من يشاء ما شاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويعزّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، ويقبض عمّن شاء ويبسط لمن شاء، على قدر اعتقادك في الله تبارك وتعالى يكون إنفاقك.

ولمّا كانت النفس البشرية قد تتردّد بين العطاء والأخذ، أو بين العطاء والإمساك، فإذا بربّ العالمين يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. وإن كان للآية دلالة أعمّ من ذلك، فإنها في هذا السياق يحتمل أن تُؤوَّل بمثل هذا:[3] لن نكرهكم على أن تعطوا، ولكن اعلموا أن من أعطى وسار في ركب المؤمنين الذين أمرتهم بالإنفاق منذ قليل بقولي «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا»، ومن اتّبع هذا السبيل وسار فيه، فهو في رحابي وفي ظلال من حدّث الله عنهم بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. ويتحدّث أهل العلم أن الظلمات المذكورة في هذا النص الكريم هي ظلمات الشرك والكفر، ونضيف أنها أيضًا ظلمات الجحود: كفران نعمة الله تعالى بإمساك الأموال وعدم إعطائها للمحتاجين.

أخلاق الأزمة وأخلاق الرخاء

إن الحالة التي يمرّ بها الخلق اليوم تستلزم ألّا يكون الدينار ولا الدرهم ولا الدولار ولا الجنيه، ولا أيّة عملة كانت، في جيوبنا؛ وإنما تستلزم أن تكون الأموال بين أيدينا مبسوطة للناس. أنا عندي خمسة، وأنت عندك عشرة، وهذا عنده عشرون، وهذا عنده ثلاثون، وهذا يحتاج إلى واحد وهذا يحتاج إلى اثنين؛ فكأننا في وعاء مشترك نجمع فيه أموالنا جميعًا ليأخذ الجميع.

وثمة فوارق كبيرة بين أخلاقيات الأزمة وأخلاقيات الرخاء. ففي الرخاء يتملّك الناس، ويطلب ربّ العزة منهم أن يمنحوا زكاة أموالهم، ولا يحضّهم بمزيد من الحضّ على مزيد من الصدقة لعدم الحاجة إليها.[4] أما حين تكون الأزمة في المجتمع فيُرفع شعار «رحم الله الأشعريين». هكذا يحدّث النبي ﷺ عن الأشعريين الذين كانوا إذا أصابتهم مصيبة جمعوا كل ما عندهم فجعلوه في وعاء واحد، فيأتي الناس فيأكلون جميعًا، فلا يقوم أحد منهم إلا وقد شبع، ولا ينفد الطعام إلا وقد أكل الجميع.[5] إنه تعاون مشترك بين الأفراد، وبين الأفراد والطعام، وبين الطعام والناس. إنها روح الجماعة حين تحلّ الأزمات بالمجتمعات، ويصير الناس جميعًا على قلب رجل واحد، كما حدّثنا ربّ العالمين سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].

وهذا القتال لا ينبغي أن نقصره على ساحات المعركة وحدها. فهناك قتال مع عدوّ باطش يريد أن يغير على البلاد والعباد، وهناك معركة أخرى مع الفقر، أو مع الحاجة، أو مع الأزمة، أو مع عدوّ النفوس الذي يريد أن يتسلل إلينا، فينبغي أن نكون فيها على قلب رجل واحد. ويحدّثنا رسول الله ﷺ بقوله: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى».[6] تلك أخلاقيات الأزمة.

والأزمة كشفت أخلاقيات أناس كثيرين، بل ودول كبيرة. فعند كثيرين من الناس لمّا رأوا الأزمة تُطلّ بوجهها ارتفعت الأسعار فجأة، واختفت المواد الغذائية مرّة واحدة في بعض الأماكن. ما هذا؟ إنها أخلاقيات الأزمة التي تعبّر عن صدق المعدن عند من مدّوا أيديهم بالعون، دولًا كانوا أو أفرادًا، وتُعرب عن خبث المعدن عند من انتهزوا الفرصة ليستغلّوا حاجات الناس، وليتّجروا بما احتاج إليه الخلق.

المال أمانة مستخلَف فيه

نعود إلى الآيات المباركات. يقول ربّ العزة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾، وللتسهيل عليكم في هذه المسألة وهذا المفهوم اعلموا أنكم تنفقون مما أعطاكم الله تعالى، كما حدّث ربّ العزة سبحانه بقوله: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]. فما عندي ليس ملكًا لي، وإنما هو ملك لله تبارك وتعالى. فلماذا هو عندي وليس عند فلان؟ أنا مُستأمَن عليه، مستأمَن لأؤدّيه لمن يحتاجونه.

فالله تبارك وتعالى يخصّ بعض عباده بالعطاء، ويخصّ بعضهم بالاحتياج، حتى يختبر هذا في احتياجه: هل سيتجاوز الأوامر في تحصيل الأموال؟ ويختبر هذا الذي أعطاه المال: هل سينجح في اختبار أداء الأمانة إلى أصحابها؟ وفي الاحتمالين كليهما مُختَبَر ذلك العبد، سواء الذي أخذ المال وأعطاه الله إياه، أو الذي حُرم المال ومنعه الله إياه. ويبقى القاسم المشترك بين الناس جميعًا هو منحة ربّ العالمين لمن رغب فيها: منحة الإيمان، التي هي أغلى ما في الكون. أما الدنيا فكما يحدّث عنها رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء».[7]

عباد الله، نحن أمام منظومة أخلاقية يحدّد لنا معالمها ربّ العالمين سبحانه، لكن الأصل في هذه المنظومة أن تكسر حاجز الشحّ الموجود في ذاتك. ويضرب الله لنا مثلًا أولًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا﴾؛ لا تقلقوا من الإنفاق، فإن المعطي والحارس والحامي والقيّوم، وجوده يحول بينكم وبين أيّ احتياج. ولن نكرهكم على العطاء، لكن اعلموا أنكم في ولايتنا إذا أعطيتم.

مثل إبراهيم والقرية الخاوية

ثم يضرب لنا ربّ العزة نموذجًا لهذا العطاء المتدفّق. ما هو النموذج المضروب لنا في هذه الآيات المباركات؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: 258]. إنه يشير إلى رسوله ﷺ أن ينظر معتبرًا. لقد كان إبراهيم عليه السلام في مهمّة دعوية لا يخرج معها مال، وإنما تخرج معها نصيحة لظالم، لطاغية آتاه الله تعالى ما ميّزه على غيره. فمن أنفق مدرّسًا لطلاب فإنما ينفق من أستاذيته وتدريسه، ومن أنفق طبيبًا لمريض فإنما ينفق من طبّه لمن هو بين يديه، ومن أنفق إمامًا لجماعة فإنما ينفق مما عنده لمن هم تحت مسؤوليته ورعايته. وبهذا تتوزّع المهام ويتكامل الناس، وذلك قول ربّ العالمين سبحانه: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71]. فهو عزّ وجلّ فضّل الناس في المعايش، أو ميّز بينهم في معايشهم، وسبحان من هذا كلامه. فلمّا وقف إبراهيم عليه السلام أمام النمرود ليعظ ويكلّم كان ذلك نموذج الإنفاق الذي عنده.

وربما يقول بعضهم: إذا كان إبراهيم قد أوشك أن يُقتل في مثل هذا الموقف، فكيف بي إذا افتقرت؟ فإذا بربّ العزة يمرّ بي على قصة في منتهى العجب، يحدّث ربّ العزة بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: 259]. هل يمكن أن تكون حالتك من حيث امتلاك المال كقرية خاوية على عروشها، تنظر إلى حالك وتقول: أنّى لهذا المسكين أن يكون له مال في وقت ما؟ أو من أين يمكن أن يأتيه المال؟ فإذا بالله تبارك وتعالى يخبرنا بالمثال المضروب عندنا، وكيف أنه يُحيي الموتى. ويضرب الله المثال لـ«عُزَير» فيما يبدو،[15] كما يضربه لنا في الوقت ذاته: أن الذي قدر على الإعطاء في أول الأمر يقدر على الإعطاء ثانيةً وثالثة، وأنه لا يفتقر أحد في ظلال ملك ربّ العالمين سبحانه.

العجب ممن يخافون الفقر

والله إني لأعجب من أناس يخافون الفقر! إذا كنا نعيش في دولة محترمة وحكومتها تراعي شعبها، والناس لا يبيتون جياعًا بأي حال من الأحوال، فمن احتاج إلى مال أُخرجت له كفالة على نفقة الدولة، ومن احتاج إلى طبّ طُبّب على نفقة الدولة، ومن احتاج إلى كذا فهو يعيش في دولة مستريح فيها مطمئن، لأنه في كفالة هذه الدولة وتحت رئاسة هذا الحاكم. فكيف بمن يعيشون في كنف الرحمن، وفي ظلال عظيم قدرته سبحانه؟ كيف بمن يؤمنون بقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6]؟ كيف بمن يوقنون بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]؟

لقد آمنّا أن الذي منح الحياة أول مرة هو الذي يمنحها مرة ثانية، وآمنّا أن الذي أعطى المال أول مرة هو الذي يعطيه إذا أنفق العبد، حتى لو بلغ حدّ الفقر. فإن الله تعالى يراعي جانب أولئك الذين يعطون لأجله وفي سبيله. وبناء عليه يحدّث النبي ﷺ في مثل قوله: «الخلق عيال الله، أحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله».[8] وعلى أيّ ما تكون التأويلات لمثل هذا النص المبارك، فإننا نقف أمام منظومة عطاءات إلهية ومنظومة عطاءات إنسانية. أيّها أوفى؟ أيّها أعظم؟ أيّها أجلّ؟ أيّها أكبر؟ سبحان الخلّاق العليم الذي أودع في كونه من الأسرار ما يصنع العجب في عقول البشر!

إبراهيم والطير

ونمرّ على الآيات فإذا بربّ العزة يحدّثنا عن إبراهيم عليه السلام وهو يقول لربّ العزة سبحانه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260]. لماذا هذا المثال المضروب؟ يُريك ربّ العزة سبحانه من خلاله كيف يأتيك المال حتى ولو تقطّعت أسبابه، كما تقطّعت أوصال هذا الطير ووُضع كلّ منها على رأس جبل، لكن بأمر الله تأتيك أطراف الإنفاق مرة أخرى.

أتمنّى أن يستمع إلى هذا المثال من كلام ربّ العزة سبحانه كبارُ التجار في الدول كلها، الذين انتسبوا إلى الإسلام. ونعلم أن في الناس خيرًا كثيرًا، ولكننا في الوقت ذاته نوقن بأن النفس قد تغلب حينًا. فاطمئنوا إلى ما عند ربّ العزة سبحانه، واعلموا أنكم إذا كنتم تسيرون في الدنيا بمنهج التجارة والربح فذلك هو المثال المضروب لكم فيما ينفقون في هذه الحياة الدنيا.

مثل الحبة

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261]. إن هذا التصوير لهذا الزرع، وهو يقوم من مقامه لينشط وليبهج النظر وتكثر ثماره ويعظم حصاده، إنما هو تشبيه يملأ عين التجار الذين يتصوّرون نجاح الصفقة قبل عقدها، ويتصوّرون المبيعات وهي توزَّع قبل شراء البضائع. إنّ لديهم هذه العقلية التي تتخيّل إلى أين تسير الأموال وكيف تكبر في حجمها وكمّها وأرصدتها. وربّ العزة سبحانه يضرب لهم المثال ذاته، بشرط أن يتأدّبوا بآداب الله تعالى التي وضعها في الأرض بين المنفقين والآخذين: فلا يمنّوا بما يعطون للناس، ولا يتصدّقوا إلا بما يعلمون أنه خالص لوجه الله تبارك وتعالى. وإلا فلا يكون حالهم كحال حجر أملس كان عليه تراب فنزل الماء فجعله صلدًا ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾.[9]

وكذلك نقول بأن المثال المضروب لأولئك الذين اتّقوا الله تبارك وتعالى ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾.[10] إنها تشبيهات يضربها لنا ربّ العزة سبحانه ليعلّمنا أن من ارتقوا إلى مراقي الإيمان وبلغوا كل هذه المنازل منه إنما هم في جنّة الإيمان قبل أن يكونوا في جنّة الغنى، وأن النعيم بالإعطاء. فمن استعمل الشيء فإنما تمتّع به مرّة وذهب، ومن تمتّع بالإعطاء فإنه يتمتّع في كل لحظة حين يتذكّر أن يده قد جعلها الله تعالى عليا، وأن قلبه كان مسامحًا فيما بذل، وأن عقله كان مستوعبًا لقضية أكبر من التي يتعامل بها الناس في هذه الحياة الدنيا المادية المحضة.

الشيطان يعدكم الفقر

إننا أمام منهج يحدّثنا من خلاله ربّ العزة سبحانه: إنك إن وجدتَ عائقًا عن الإنفاق الآن فاعلم أن ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، وأن ربّ العزة سبحانه هو الذي ﴿يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]. تمثّل المغفرة هنا أجر الآخرة، ويمثّل الفضل هنا أجر الدنيا، فهذا وعد من ربّ العالمين سبحانه. وقد جاء لفظ السعة مستعملًا، وربّ العزة يصف به ذاته: أنه واسع سبحانه، ليعبّر لنا عن سعة ما بين يديه من الملك، وسعة ما يمكن أن يعطيه من العطاء، وسعة النفوس التي ذلّت وتستحق أن تأخذ مرة أخرى. ويقول: «عليم»، لأنه يعلم بأيّ نيّة خرجت النفقة، وتحت أيّ نفس تصدّق ذلك الإنسان.

الحكمة والمتعفّفون

وبناء عليه ينبغي أن نكون من أهل الحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269]. الحكمة التي تحملك على أن تكون للناس ليكون الله لك. الحكمة التي تجعلك تعلم أنك إن أعطيتَ اليوم فإن مئات الأيادي سوف تعطيك غدًا، وإن منعتَ اليوم فلن تمتدّ إليك يد في الغد. الحكمة التي تجعلك تميّز بين القليل الذي تعطيه مهما كبر رقمه، وبين الكثير الذي يعطيه الله، حتى وإن كان عافية، أو استقرار نفس، أو هدوء حال في بيت، أو بركة في عيال. إنها عطاءات ربّ العالمين التي لا تتوقف.

ولكن ينبغي أن نفطن إلى أن في من هم حولنا من تعفّفوا عن السؤال استحياءً: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273]. فترقّبوا المحتاجين في مثل هذه الأوقات، وانظروا إلى احتياجات الخلق، وراقبوا ما يصنعه الناس بين أيديهم. واعلموا أن ربّ العزة سبحانه الذي اختبر بالمال هو الذي اختبر بالاحتياج، وأنك إذا نجحتَ في اختبار الله فأعطيتَ الخلق، فإنك تُعين بقية الناس أن ينجحوا في اختبار الله تعالى لهم حين ابتلاهم بالمنع.

الخاتمة والدعاء

أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل في هذه الكلمات موقظًا لروح العطاء في الأمة المسلمة كلّها، وأسأل الله العليّ القدير أن تكون هذه الكلمات سببًا في مدّ الأيدي بالعون للمراكز الإسلامية التي لا تزال تحتاج إلى النفقة، وللمساجد الموجودة في العالم كلّه، وللفقراء، ولمؤسسات الإغاثة، وغيرها مما يحتاج إليه الخلق. وأسأله أن يمدّ لنا يد عونه، وأن يعيننا بما بين يديه، وأن يفيض علينا من رزقه.

ولنتذكّر جميعًا أننا لو امتلكنا خزائن الأرض لأمسكنا خشية الإنفاق،[11] ولكنّ ربّ العزة سبحانه يمنح، وعطاؤه واسع، ولو تمنّى كلّ منا مما عنده ما نقص ذلك من ملك الله إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر.[12] ولا أريد أن أتجاوز الوقت المتاح لي، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل. بارك الله لكم في شهركم، وأفاض عليكم مما بين أيديكم من الخير، ورضي الله عنكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: ساق المحاضر المعنى دون عزو، وجاء بنحوه في الصحيحين بألفاظ متفرقة، منها «لا تخيّروني على موسى» و«لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى». [2]: توثيق المحرر: لم يعزه المحاضر ولم يسق لفظه، ويقاربه حديث «على كل مسلم صدقة» وفيه أن من لم يجد فليعمل بيده وينفع نفسه ويتصدق، أو يعين ذا الحاجة (البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه). [3]: توثيق المحرر: تأويل «لا إكراه في الدين» في سياق الإنفاق قراءة خاصة بالمحاضر، وقد نبّه هو إلى أن للآية دلالة أعمّ. [4]: توثيق المحرر: عبارة المحاضر في هذه الجملة مضطربة في التفريغ، وهذا أقرب ما ثبت من معناها. [5]: توثيق المحرر: أصله في البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو... جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم... فهم مني وأنا منهم»، وقوله «فلا يقوم أحد إلا وقد شبع» من شرح المحاضر. [6]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، ولم يعزه المحاضر. [7]: توثيق المحرر: رواه الترمذي وابن ماجه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، ولم يعزه المحاضر. [8]: توثيق المحرر: روي بأسانيد ضعيفة عن أنس وابن مسعود رضي الله عنهما، وقد ساقه المحاضر دون عزو ثم قال «على أيّ ما تكون التأويلات». [9]: توثيق المحرر: يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 264]، ولم يسق المحاضر الآية كاملة. [10]: توثيق المحرر: تمامها ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: 265]، وقد ذكر المحاضر التمثيل بالجنة دون سوق الآية. [11]: توثيق المحرر: عبارة المحاضر تقارب قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾ [الإسراء: 100]، ولم يسق الآية. [12]: توثيق المحرر: المعنى في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر»، ولم يسق المحاضر لفظه. [13]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر موضع الآية، ولفظها في [إبراهيم: 34] و[النحل: 18]. [14]: توثيق المحرر: لم يذكر المحاضر موضع الآية، ولفظها في [الحشر: 9] و[التغابن: 16]. [15]: توثيق المحرر: في التفريغ «لعزيب» ولعله «لعُزَير»، وهو غير مجزوم به ويحتاج إلى سماع الصوت.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں