عقلية المدّخر وحديث المفلس
عقلية المدّخر وحديث المفلس: التفريط في الصغائر
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 2025-09-23م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
سورة التكوير ومقدّمة القيامة
في هذه السورة المباركة، سورة التكوير، يحدثنا رب العالمين سبحانه وتعالى عن مجموعة من التقلّبات الكونية التي لا يقدر عليها غيره. فمن الناس من يستطيع أن يكوّر الشمس؟ ومن يستطيع أن يُحدث هذا الانكدار في النجوم؟ هذه الآيات المتتالية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾[1]. من يستطيع من الناس أن يفعل ذلك؟ لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى.
ثم يحدثنا رب العالمين، وكأنها مقدمة لما سيكون يوم القيامة، وأجلّ مشهد وأعظمه يومئذ هو بروز العبد بين يدي الله تبارك وتعالى، محضَرًا بين يديه ما قدّم في حياته، فيقول الله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾[2].
عقلية المدّخر
عندما تفكر في هذه الآية، وتتصور الإنسان بعد الستين أو الخامسة والستين أو السبعين وهو على المعاش، في التقاعد، وما الذي معه؟ فيبدأ يفكر: عندي كم سنة الآن؟ ثلاثون أو أربعون؟ أنا محتاج أن أدّخر شيئًا. فيبدأ يأخذ من هنا ومن هناك حتى يستطيع أن يلملم حاله، ويبدأ بمشروع صغير. هذه العقلية التي تفكر في الادخار، عقلية المدّخر، لا تشتري الأشياء التي لا فائدة منها. فمثلًا عندنا علبة مناديل بسعر، فيجد مثلها بأقل، فيتصور أن هذا الفارق لو اجتمع مع أمثاله فسيقدرون أن يشتروا به قدرًا كبيرًا. وهكذا عقلية المدّخر تعمل بمنطق مختلف تمامًا عن عقلية المنفق المبذّر، الذي ينفق دون حساب.
المفلس يوم القيامة
فإذا تفكرنا في المسألة باعتبار يوم القيامة، وجدت أن العبد المؤمن يحصّل كل ما يمكن استغلاله أو استثماره في توفير كمٍّ من الأشياء يأتي به يوم القيامة؛ يدخل على رب العزة سبحانه ومعه كمٌّ كبير من الأعمال.
والحديث المشهور في قول النبي ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»[3] فقالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، أي من جيبه فارغ. فإذا بالنبي ﷺ يعدّل هذا المفهوم، ويبين أن معايير الدنيا التي تتمثل في الدراهم والدنانير لا تمثّل قيمةً يوم القيامة.
والناس اليوم يختلفون؛ الخلافات الحاصلة بين أخ وأخيه أو أخته، وبين شريكين في المحل، وبين جارين، يتقاسمون على ما بينهم من حطام، وكلها دنيا، وإذا ترجمتها تحوّلت إلى دراهم ودنانير، كلها في الآخر أرقام. تختلف مع فلان على ثمن سيارة؛ تخاصمنا، وفي آخر الأمر عادت كلها إلى أرقام. فإذا تصورنا حركة الحياة كلها وما يجول في صدور الناس وعقولهم تترجم في الآخر إلى أرقام، فإن النبي ﷺ يعدّل المفهوم، نشتغل على النظام الموجود هنا فيقول لك: الموضوع كله ليس أرقامًا، وإنما المفلس يأتي يوم القيامة وليس فارغًا، بل على العكس، يأتي محمَّلًا جدًّا: يأتي بصلاة وصيام وزكاة وحج. الله أكبر! فما الذي ينقصه؟ ما شاء الله عليه، نغبطه على الحال، لكنه يأتي وقد شتم هذا.
أتذكرون مسألة المناديل حين كنا نشتريها؟ اشتريناها بالأقل، وفرضنا أننا وفّرنا فرقًا هنا وفرقًا هناك، فبلغ في الآخر مبلغٌ لو جُمع ووُفّر بيدك لعملت به مشروعًا. فنأتي يوم القيامة وقد أتينا بصلاة وزكاة وصيام وحج، لكن التفريط الذي كان في الأشياء الصغيرة: شتيمة هنا، ولفظة هنا، وسيئة هنا، وتجاوز هنا، فإذا بك أمام منظومة من التفريط تمثل عقليةً مفرِّطة.
مثال المدخّن
وسامحونا على الأمثلة الكثيرة اليوم. حين نعالج حالة رجل يدخّن، مفرط في التدخين، فنقول له: حرام عليك قوتَ عيالك. وما علاقة التدخين بقوت عياله؟ فيقول: والله أولادي جئت لهم بالصابون والسكر والدقيق، أولادي مكفيّون. فتقول له: طيب، احسب فقط كم تنفق في هذا، فيكون الإجمالي كذا. لو أن هذا وُفّر لهؤلاء العيال لتعلموا في مدرسة أحسن، ولذهبوا مكانًا أفضل، ولتهيّؤوا إلى مجلس أعلى. الله أكبر! إذن التفريط في مسائل بسيطة جدًّا صغيرة جدًّا، هذا التفريط البسيط قد يؤدي إلى خسارة كبيرة جدًّا يوم القيامة.
فيقول النبي ﷺ: إن المفلس من أمتي من أتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكن يأتي وقد سبّ هذا وفعل كذا.
من أين يخرج الإفلاس؟
مسألة الإفلاس: من أين تخرج الكلمات البذيئة؟ من أين يخرج اغتيال الناس؟ من أين يتأتّى قدح الخلق والذم في أعراضهم وأحوالهم؟ يأتي من نفسية غير صالحة، يأتي من عقل غير مستقيم. وكأن تراكم الحسنات التي يحرص عليها العبد المسلم ليست فقط تبدو في صورتها الظاهرة، وإنما تعمل على المخ من الداخل، تعيد إصلاح هذه العقلية.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح لنا أحوالنا يا رب العالمين، وأن يرضينا برضاه.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة التكوير، الآيات ١–٧. [2]: توثيق المحرر: سورة التكوير، الآية ١٤. [3]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «أتدرون ما المفلس؟»؛ والشيخ ينقل بقية الحديث بالمعنى.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔