التوائم الأسري
حين يتكلم العقل في البيت قبل أن تتكلم الانفعالات
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مسجد الفرقان بديترويت بتاريخ 25 يوليو 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
سألت المدرِّسةُ أحدَ تلاميذها عن معنى كلمة «سَكَن»، فقال: «بيتُ جدّي». قالت: يا بني، أسألك عن تعريف الكلمة. فقال: بيت جدي هو المكان الوحيد الذي لا ترتفع فيه الأصوات ولا يكون فيه صخب. وحين سألته عن بيتهم قال إن أباه يصرخ ليله ونهاره، وإن أمه تصرخ ليله ونهاره. هكذا كَرِه الولدُ جدران بيته، وصار معنى السكن في رأسه بيتًا آخر غير بيته.
من هذا المشهد ننطلق إلى قضية الأسرة في الإسلام: كيف نعيش، ولماذا نختلف، وإلى متى يخيّم هذا الكدر على بيوت كثير من المسلمين؟
رسالة جاءت لتُسعد
عاش النبي ﷺ حياته كلها لله، لا لنفسه ولا لماله ولا لطموحاته الشخصية، فأبقى الله ذكره في الأولين والآخرين وأدام أثره في نفوس المتقين. ومن منا لا يريد أن يمضي على هذا النهج، نهج الأثر الذي يبقى بعد الموت؟ إنها معادلة صعبة، لكن الله يسّرها علينا حين علّمنا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7].
والغرض التشريعي من الإسلام كله السعادة. خلقنا الله وأرسل إلينا الرسل وأنزل الكتب لنكون سعداء في هذا الكون. وهو يخاطب نبيه ﷺ: ﴿طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه: 1-2]. فإذا كان القرآن لم يُنزَل للشقاء، فهل يمضي الناس مع القرآن حقًّا، أم نعيش في وادٍ آخر، ولا نعرف القرآن إلا في أوقات الأزمات؟
ما يصل إلى مكتب الإمام
يقول الخطيب إنه لا يتكلم في قضايا الأسرة بوصفه طبيبًا نفسيًّا ولا مستشارًا أسريًّا، وإنما بوصفه إمامًا يجلس في مكتبه بالمسجد، وتصله كل يوم تقريبًا حالة من المشكلات بين زوجين. بعضها عميق له وجاهته، وأغلبها تافه لا ينبغي أن يضيع معه وقت ولا جهد.
وفي دوامة هذه الخلافات يضيع المال على المحامين وعلى الجري هنا وهناك، لكن هذا ليس أخطر ما يضيع. الضائع الحقيقي أولاد يتربّون في بيئة عبّأها الشيطان بدخانه، لا استقرار فيها ولا طمأنينة.
حين يتكلم الانفعال ولا يتكلم العقل
يسأل الخطيب سؤالًا يبدو غريبًا: حين أخاطبكم الآن، أخاطب عقولكم أم قلوبكم أم غضبكم؟ ثم يلاحظ أن ربنا حين خاطب الناس بالمنطق العقلي قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. فهل الصراخ والخناقات العالية لغة عقل أم لغة انفعال؟ إنها صوتُ انفجارٍ ناتج عمّا يجري في داخل النفوس من غضب، وهذا الغضب نفسه ناتج عن انفعالات مكبوتة وتراكمات عبر السنين: عشر سنين من الزواج، عشرون، ثلاثون، وأولاد ثلاثة وأربعة وخمسة.
أأعاقب أم أؤدّب أم أعالج؟
حين أغضب على زوجتي أتذكر أن الأولاد يسمعون، فأخفض صوتي قليلًا. ثم أسأل نفسي: هل أنا أعاقب أم أؤدب أم أعالج؟ والجواب الذي ينبغي أن أسمعه من نفسي: أعالج، لأني رجل، والأصل في الرجل القوامة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34].
والقوامة في الإسلام قيامٌ على أداء الواجب، وليست إمساكًا بالعصا لتأديب مَن أمامي كأنها بهيمة، كما يظن كثيرون. وقد يحتاج القيام بالواجب إلى حزم، وهذا طبيعي، وقد يحتاج إلى ترضية وتهدئة وتودد وكلمة طيبة. وهنا يأتي دور العقل الذي يجعلني أعود خطوة إلى الوراء قبل أن أتصرف.
فإذا كنت أعالج، فعليّ أن أسأل: كيف نفسية هذه المرأة التي أعيش معها عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين؟ كيف ردود أفعالها في المواقف؟ ما قدرتها على التصرف؟ هل نشأت في بيت مربٍّ على الأصول؟ حين تفكر قبل أن تتصرف فلن تجد في آخر الأسبوع مشكلة، لأنك عالجت من أولها.
وفي المثال العملي: أعود غاضبًا من الخارج، ووجهي مليء بالغضب، فتستقبلني زوجتي استقبالًا غير طيب. لو قرأت هي ملامح وجهي وعرفت أنني راجع غاضبًا، فأعدّت لي لقمة وماء استحمام، لما أعطتني فرصة لأزيد الغضب. وفي مثال آخر لم يُعدّ فيه الطعام فغضبت، سألتُ الأولاد فقالوا: ماما من الصباح ضرسُها يؤلمها، فهدأت الدنيا. هذه المعالجات كلها لا تكلفنا شيئًا سوى قليل من الهدوء والطمأنينة والتركيز.
«ما عندي عيوب»
يحكي الخطيب عن لقاء قريب مع زوجين: سأل كلًّا منهما: لو كان في شخصيتك شيء يحتاج إلى إصلاح فما هو؟ فذكر الزوج شيئًا صغيرًا عنده. وسأل الزوجة السؤال نفسه، فأجابت فورًا وبصدق مع نفسها: لا شيء. وهكذا يرى بعض الناس أنفسهم أمام الطرف الآخر: أنت المتهم الوحيد، وربنا سيدخلني الجنة بسبب صبري عليك.
وقال الخطيب: كيف تقوم علاقة على هذا النحو؟ أكثر علاقاتنا الأسرية قائمة على الانفعال وردود الأفعال: لم تُعدّ الطعام فغضبتُ وثرتُ، فزعلت وذهبت تشتكي إلى أهلها، فصرنا أمام القاضي في المحكمة. والسبب طبخة لم تُطبَخ أو طُبخت، ولو سألت عن سببها لوجدتُ أمرًا بسيطًا.
وقال أيضًا، وهو يقصد الرجال خاصة: أكثر ما يُسقطنا أرضًا كلمةٌ حلوة، وابتسامة، ولقمة. وقال إن أكبر مشكلة في حياتنا الأسرية أن مشكلاتنا في الغالب ليست حقيقية، وإنما نفرّغ داخل البيت ما نتلقاه من مؤثرات خارجية، ومنها طموحات عالية تتشكل من النظر إلى الصديقات والناس حولنا والأثاث والماركات، فيخرج الغضب كله في البيت. وفي آخر الأمر عندنا ضحية كبيرة اسمها: عيالنا.
أين تعيش طموحاتك بعد عشرين سنة؟
في الخطبة الثانية سأل الخطيب الحاضرين سؤالًا يحتاج إلى نصف دقيقة صمت: أين تعيش طموحاتك بعد عشرين سنة؟ قد يقول أحدهم: أريد أن أعيش في أمريكا لتصبح حياتي وردية، وكأن الناس في بلادنا يظنون أن وراء بيوتنا شجرة نقود نقطف منها كل صباح. فيسأله: ولكي تحقق هذا الحلم، كم تحتاج أن تعمل وتصبر وتضحي وتنفق؟
وإذا كنت أريد أن أكون في الجنة مع النبي ﷺ، فكم أحتاج من الجهد لأبلغ ذلك؟ وقد يتهمنا بعض الإخوة بأننا نميل إلى «النعومة» حين نتكلم عن الصبر على النساء، فيقول: يا عم الشيخ، لا تكن ناحيتهم هكذا. فيجيب الخطيب بسؤال واحد.
درس سورة التحريم
يقول الخطيب: النبي ﷺ، وهو في أعلى المقامات، حرّم على نفسه مرةً طعامًا ليرضي زوجته، فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1].[1] ويلفت الخطيب إلى أن ابتغاء رضا الأزواج لم يكن موضع عتاب، وإنما جاء ذكره تمهيدًا للقضية التي تعالجها السورة، وهي الحوارات الداخلية في الأسرة: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: 3]. فالله يُرينا بذلك قدر التضحية المطلوبة من الرجال لتبقى البيوت قائمة.
الجدار الخارجي والجدران الداخلية
سؤال بسيط نكون أمناء فيه مع أنفسنا: أيّ جدران البيت أقوى، الخارجي أم الداخلية؟ الخارجي بلا شك، لأنه يتحمل الرياح والأتربة والأمطار ومخاطر اللصوص. ونحن ننظف الجدار الخارجي أقل مما ننظف الجدران الداخلية، لأنه مأمول فيه مزيد من التحمل والصبر والجَلَد. فهل ترى نفسك جدارًا خارجيًّا أم داخليًّا؟ ربنا خلقك رجلًا، فلا تطلب الحنية الزائدة عن اللازم، فالزوجة هي التي نطبطب عليها ونهدّئ مشاعرها.
ويسوق الخطيب مثالًا في تربية الأولاد: حين نتخاصم بسبب الأولاد، يقول الزوج لزوجته إن ما كان داخل الباب شأنها، أما ما كان من الباب إلى الخارج فهو «شغل رجال» لا يتدخل فيه أحد. ثم يسأل: أنربّي أولادنا الذكور على الحنية والطبطبة، أم على الجَلَد وتحمّل تقلبات الأحوال والتعامل مع الناس وكسب العيش والمثابرة؟ فهذه صناعة الرجال.
صناعة الإمام الداخلي
ويصل الخطيب إلى قضية يعرفها عن قرب منذ خمس عشرة سنة: كثير من مساجد أمريكا بلا أئمة مؤهلين، فإما إمام لم يدرس الشريعة دراسة جيدة، وإما إمام صوته حسن بالقرآن فقدّمناه، وليس هو الإمام الذي يحل مشكلات الناس ويقضي بينهم ويفصل في المحرمات ويتكلم عن مستقبل الإسلام. وقد صار استقدام الأئمة من الخارج عسيرًا.
ومن هنا يرى أن صناعة إمام داخلي واجب على المسلمين في المجتمع الغربي، وهي تحتاج إلى «مصنع» محدد المواصفات تجتمع فيه عقول تحسن صياغة هذا المنتج. فأكاديمية الشرطة تخرّج ضابط شرطة يراقب حدّ السرعة على الطريق، وأكاديمية الأئمة تخرّج إمامًا ضابطًا يضبط هو الآخر حدّ السرعة، لكن في القلوب والعقول، وفي الحياة الزوجية داخل البيوت، وفي المشاعر والانفعالات، وفي حل المشكلات بين الناس وصناعة المستقبل لهذه الأمة.
بين الصوت والسكن
عدنا إلى الصبي وكلمة «سكن». أراد الصبي بيتًا لا تعلو فيه الأصوات. وطريق ذلك كما عرضه الخطيب أن يسبق العقلُ الانفعالَ، وأن نبدأ بما لا يكلّفنا شيئًا: هدوءٍ وكلمةٍ حلوة وابتسامةٍ ولقمة.
--- [1]: توثيق المحرر: لم يسمِّ الخطيب في التفريغ الطعام الذي حرّمه النبي ﷺ على نفسه ولا زوجته. وقد اختلفت الروايات في سبب نزول مطلع سورة التحريم (العسل أو جاريته مارية رضي الله عنها)، فاكتُفي هنا بما قاله الخطيب. وفي الآية استفهامٌ يتناول تحريم ما أحلَّ الله، وكلام الخطيب منصبٌّ على أن ابتغاء رضا الأزواج في ذاته ليس موضع الإنكار.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔