جامع العلوم والحكم ٣: الإسلام بناءٌ يؤوي صاحبه
«بُني الإسلام على خمس»: الإسلام بناءٌ يؤوي صاحبه (جامع العلوم والحكم، الحلقة 3)
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٥ أبريل ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم اكتب آثارنا، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم، ولا تُخزنا ولا تخذلنا يا ربّ. اللهم إنا نسألك عفوك ولطفك ورحمتك وبرّك، اللهم اسبل علينا يا ربّ العالمين من سترك، ولا تفضحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة، بلطفٍ منك ورحمةٍ وعفوٍ وكرمٍ يا ربّ العالمين.
حديثنا اليوم عن أشهر حديثٍ في الإسلام، حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان».[1]
الحديث مشهور والكلام عنه كثير، فسنقف معه وقفاتٍ سريعة غير طويلة. غير أننا نريد أن نتصوّر من البداية: ما دلالة قوله «بُني الإسلام على خمس»؟ ولماذا استُعمل لفظ البناء تحديدًا؟ وما الأغراض المرجوّة من البناء عمومًا؟
لماذا البناء؟
لماذا يبدأ الناس في البناء؟ يبنون شيئًا ليسكنوه ويدخلوا إليه، فيكون لهم مأوًى وصيانةً وحفظًا، وجدارًا متينًا، ووطنًا يأمنون فيه على أنفسهم. فإذا قال رسول الله ﷺ «بُني الإسلام على خمس» فكأنه يشبّه الإسلام بأركانه بذلك البناء الذي يدخل الناس إليه.
فأين يتمثّل الإسلام مأوًى لنا؟ يتمثّل في أنه يحفظك من كل انحرافٍ نفسيٍّ وعقليّ، وبمنتهى البساطة. وكيف يحفظك عقليًّا ونفسيًّا؟ انظر إلى التشتّت الذي يصيب الناس الذين لا يعرفون من أين أتوا ولا إلى أين يذهبون، يعيشون في الدنيا سُدًى، ليس لهم في الحياة هدفٌ ولا رجاء. هؤلاء يعيشون حياةً أتعس من حياة أي مخلوقٍ في الكون. أما أنت فقد أراح الله قلبك وطمأن بالك وهدّأ روعك حين علّمك أن لك ربًّا، وأنك راجعٌ إليه، وأنك مخلوقٌ بيده سبحانه، وأن روحك إنما هي بأمره عزّ وجلّ، وأن كل ما يحدث في حياتك بقضائه وقدره، وأنك على عين الله ليلَ نهار، وأنه سبحانه لا يرفع عنك ستره، ولا يخزيك ولا يفضحك. كل هذه الأشياء تجعل عقل الإنسان مستقرًّا مطمئنًّا هادئًا، فلا ينطلق إلى انحرافات الشيطان ولا وسوسة إبليس ولا شيءٍ من ذلك. فيكون الإسلام بالنسبة لي كالمأوى.
ثم إذا مضيتَ في مزيدٍ من التعمّق وجدتَ أن ذلك مقصودٌ في ترتيب هذه الأركان، يأتي بعضها وراء بعض.
لماذا «عبده ورسوله»؟
والركن الأول هو الشهادتان، وصيغتهما المأثورة: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. وأنا أفهم أن نشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، فلماذا جاءت كلمة «العبودية» في السياق بارزةً بهذا الوضوح؟ للدلالة على أنه إنسانٌ يمضي عليه ما يمضي على سائر البشر: يمرض ﷺ ثم يُعافى، ويحزن ﷺ ويفرح عليه الصلاة والسلام، تأتيه الأخبار السارّة فيتهلّل وجهه، وتأتيه الأخبار السيئة فيغضب أحيانًا لدين الله تبارك وتعالى ولحرماته. فهو بشر.
ولماذا كان بشرًا؟ ليُحسن تطبيق الرسالة بين يديك فتُحسن تقليده. ولو كان الرسول المبعوث إليك ملَكًا أو مخلوقًا آخر لما أحسنّا أن نتبعه، لأن القدرات متفاوتة والطاقات مختلفة. فهل يمكن أن نطلب من إنسانٍ أن يقلّد جنيًّا في حركته وسرعته وطيرانه وهبوطه إلى أسفل الأرض وصعوده إلى السماء؟ هذا ليس متاحًا لنا. وهل نطالب إنسانًا بأن يتمثّل الملائكة؟ المسألة بعيدة. فكان لا بدّ من بشرية النبي ﷺ، وقد خُصّت بالذكر في مواطن كثيرة من كتاب ربنا سبحانه.
فبرز لفظ العبودية في الشهادة لتتمثّل لنا المهمة الأولى في حياتنا. ولذلك حتى في المواطن العظيمة التي شرّف الله تعالى فيها رسوله ﷺ ومجّد وجوده وأثنى عليه، قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.[2] ونسأل الله تبارك وتعالى أن يفكّ أسره، وأن يرفع عنه أغلال هؤلاء المعتدين. فقال الله تبارك وتعالى «بعبده»، فكان لفظ العبودية أعلى وسامٍ يمكن أن ينالَه العبد في حياته الدنيوية.
العبودية: أوامر ونواهٍ، وقربٌ أيضًا
مسألة إحساسك بالعبودية: نحن دائمًا ننظر كيف ينظر الناس إليك، هل أنت عبدٌ لله أم لا، لكن هل استشعرنا مصطلح العبودية فيما بيننا؟ نحن نتمثّل العبودية في تنفيذ الأوامر والامتناع عن النواهي، فكلما امتثلتُ أمرًا استشعرتُ العبودية: أنا إذن عبدٌ مطيع. لكن هناك بُعدٌ آخر، هو بُعد القرب من الله سبحانه وتعالى.
تخيّل أن ربنا سبحانه وتعالى حين وصف العلاقة الخاصة بين المسلم وربّ العزة شبّهها برجلٍ سَلَمٍ لرجل. اسمع الآية: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾.[3] ما حكاية «سَلَمًا لرجل» وما المفهوم من ورائها؟ السِّلْم الحاصل بين طرفين يتعاملان فيما بينهما: العقول متقاربة، والنفوس متقاربة، والأفكار متزامنة، فيحصل بينهما من الارتياح والهدوء والاستقرار والطمأنينة ما يحصل. ولذلك تشعر كلما ازددتَ عبادةً لله أنك ترتقي، كأنك تصعد فوق هذا الغُثاء الذي يعيش الناس فيه: أموالٌ وأرقام، وأحقادٌ وضغائن، وحسدٌ وغِلّ، أعوذ بالله، ما كل هذا! فتشعر أنك ترتقي.
فكأني برسول الله ﷺ لا يمثّل لي مصطلح العبودية أوامرَ تُنفَّذ ونواهيَ يُبتعَد عنها فحسب، بقدر ما يمثّل لي أن العبودية ارتقاءٌ إلى مستوًى تشعر فيه بأنك في سِلمٍ مع ربّ العزة سبحانه وتعالى. وكأنه سبحانه في الحديث القدسي يترجم لي هذا، فتخيّل حديث النبي ﷺ: «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها»،[4] وذكر الرِّجل كذلك. الله أكبر! هذا معنًى لا يتصوّره الناس، لكن أهل القرب وأهل الوصل مع ربّ العزة سبحانه يستشعرون هذا المعنى، ويستشعرون هذه الدلالات وهذا القرب. هنا تستطيع أن تترجم «أرحنا بها يا بلال»،[5] لأنك تدخل في عمق العلاقة التي تفصل ذهنك وقلبك عن كل غوائل الدهر وكل متعلّقات الدنيا. خلاص، أخرجتَ كل شيءٍ من رأسك، ولم يبقَ في ذهنك إلا أنك واقفٌ بين يدي رحمن السماوات والأرض، رب العزة سبحانه جلّ في علاه.
إذا فُقد ركن: تارك الصلاة وحدود الحكم على الناس
ويقول النبي ﷺ «بُني الإسلام على خمس» ليمثّل لي أن هذا البنيان إذا فُقد منه ركنٌ انهدمت بقية الأركان. ومن هنا قامت قائمة أهل العلم الذين تكلّموا عن تارك الصلاة مثلًا، وقالوا إن تارك الصلاة كافر، على سبيل المثال. فلماذا هذا القول؟ قالوا: لأنك إذا تركت الصلاة فقد انهدم الدين، خاصةً وقد رُوي: «الصلاة عماد الدين، من تركها فقد ترك الدين، ومن أقامها فقد أقام الدين».[6] ومن هذا المفهوم جاءت هذه الفكرة. وأهل العلم يفصّلون، فمن تركها جحودًا وإنكارًا غير من تركها تكاسلًا وضعفًا؛ هذا يُعالَج، وهذا يُبعَد، وهذا يُقرَّب، إلى آخره.
وأذكر قولًا للشيخ محمد الغزالي رحمه الله. يقول: دخل عليّ أحد الشباب وأنا في محاضرة نتكلم فيها عن مستقبل الإسلام، فقال لي: يا شيخ، ما حكم تارك الصلاة؟ يقول رحمه الله: فنظرتُ إليه نظرةً عميقة، ونظرتُ إلى هيئته، وقلت: يا بُني، حكم تارك الصلاة أن تأتي به معك إلى المسجد.
هذا هو الدرس: بدلًا من أن تحكم على الناس فتُخرجهم خارج الدائرة، اعمل وابذل جهدك بقدر ما تستطيع. فإذا استنفدتَ أسبابك مع فلان أتيتَ يوم القيامة وقلتَ: يا ربّ، بذلتُ ما في وسعي، وربُّك يعذرك. والنظر في الحكم على الناس إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فيُدخل هذا الجنة ويُدخل هذا النار، كما يشاء.
والله الذي لا إله غيره، إن بعض المتعنّتين في كثير من المسائل، إذا بدأتَ تتحدث معه بنوعٍ من العمق ودخلتَ إلى داخله، ترى أن المانع الوحيد له من أن يصلي، بمنتهى البساطة، بعد حواراتٍ طويلة جدًّا، أنه كان صغيرًا وكان أبوه يضربه بالحزام ليصلي؛ فيشدّ الحزام: لم تُصلِّ بعدُ! فلما يخرج لك مثل هذا معقَّدًا، أهذا معافًى أم مريض؟ بمنتهى البساطة، هذا إنسانٌ مريض، لا إنسانٌ سليم البنية العقلية والذهنية والنفسية.
الفطرة وأثر الأبوين
فإذا تعاملتَ مع الناس فاعلم أن الله تبارك وتعالى خلق الناس على أصل الفطرة. فإذا انحرفت الفطرة فمن أين تنحرف؟ ما أول مصدر من مصادر انحراف الفطرة أو استقامتها، كما حدّثنا رسول الله ﷺ؟ الأبوان: «فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه».[7] هذا نصٌّ واضح جدًّا، وحديثٌ صحيح صريح في دلالته. وتستطيع أن تقول على الجانب الآخر: فأبواه يقوّمانه ويعالجانه ويُعدّانه للمستقبل، إلى آخره. كثيرٌ من الحالات التي نراها مريضةٌ بسبب ما حدث معها قبل ذلك، أو هي أسيرة مواقف ترسّبت في النفس حتى صارت عقلية.
وحتى في عالم الطب: حين نذهب إلى الأطباء، تجد في المستشفيات طبيبًا نفسيًّا يتحدث مع المريض. وفي بعض الأحيان يدخل الشخص دخولًا عاديًّا يشكو ألمًا في مكانٍ ما، فيسألونه قبل أن يضعوا السمّاعة أسئلةً قليلة: كيف أخبارك؟ كيف حالك؟ فيستشعرون أن المسألة ربما نفسية وليس فيها شيءٌ عضوي. وكثيرًا ما نذهب إلى الطبيب فيقول لك: والله لا أجد مشكلة، لكن يبدو أنك تحتاج إلى طبيب نفسي.
والشاهد، حتى لا نبتعد: أن الأصل فينا قبل أن نحكم على الناس أن نعالج ما عندهم، وأن نبذل الأسباب، وحُكمُهم إلى الله تبارك وتعالى. تخيّل أن تأتي يوم القيامة فترى أناسًا كنت تعدّهم من أبعد الناس عن الدين وقد شملتهم رحمة ربّ العزة سبحانه وتعالى. ماذا عليك؟ وما الذي تخسره؟ لن ينقص ذلك مما عندنا شيئًا.
يحدثنا رسول الله ﷺ في حديث أن آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا فيها، يقول له ربّ السماوات والأرض سبحانه: ادخل الجنة. فيقول: يا ربّ، كيف أدخلها وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ ما عاد في مكانٍ بقي. وهو متعوّدٌ على الدنيا، حيث إذا وضع أحدٌ يده على قطعة أرضٍ أخذها على قدر ما يستطيع، فكل واحدٍ طمّاع، كل واحدٍ أخذ. فيقول له: ادخل الجنة، ولك فيها مثل مُلك ملكٍ من ملوك الدنيا. فيقول: يا ربّ، أتهزأ بي؟ فسبحان القدير، سبحان من له ملكوت السماوات والأرض! فيدخل، ويقول له: ولك مثله ومثله ومثله ومثله.[8]
التصوّرات مختلفة، ونحن نحكم على الأشخاص وعلى الأحوال بما نملك من أسبابٍ عقلية قاصرة في هذا الزمان الذي نتمثّله.
الشهادتان عقدُ عبودية، والصلاة «وصف الوظيفة»
المهم أننا أمام بنيانٍ الأصل فيه الاستسلام. وكما قلنا قبل قليل: الذي يدخل في الإسلام يمضي «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، وهذا التوقيع على عقد العبودية بين يدي ربّ العزة سبحانه وتعالى. ومن هذه اللحظة أقول: أنا بين يديك يا ربّ، سلّمتُ نفسي لك. فنبدأ بوصف الوظيفة: ما الذي علينا؟ خمس صلواتٍ في اليوم، حتى لا يبتعد قلبك ولا يبتعد ذهنك.
تخيّل، أخي، أن أطباء النوم يخبروننا بأن للنوم أربع مراحل حتى يدخل الإنسان فيه، والمرحلة الأخيرة مرحلة الثبات. أنا لا أفهم المسألة بتفاصيلها كما يشرحها الأطباء، لكن ما أفهمه أنني إذا كنت أصل إلى أعلى درجات العمق في النوم، فكيف لي في الصلاة إذا جئتُ إلى صلاتي فكبّرتُ وتلوتُ ورددتُ وسبّحتُ ورفعتُ وركعتُ وسجدتُ وجلستُ؟ الله أكبر! كأني أنتقل من مستوًى إلى مستوًى. فإن لم يصبك ذلك وأنت واقف، أصابك وأنت راكع، أو وأنت ساجد، تأتيك لحظةٌ تستشعر فيها حُسن الصلة بربّ السماوات والأرض، وتستشعر فيها لذّة العبودية للملك المقتدر، وحُسن القرب من الله ومن رحمة ربّ العالمين سبحانه وتعالى، وتستشعر أن سؤالًا لك أُجيب، أو دعوةً لك قُبلت، أو أن شعورًا بين يديك قد رُفع إلى ربّ السماوات والأرض.
وقد رُوي في بعض الأحاديث، ولا يثبت إسنادها، أن العبد إذا صلّى وسلّم من صلاته ارتفعت صلاته فوق رأسه حتى تبلغ السماء. فإما أن تُقبل إذا كان قد خشع فيها، وإما أن تُردّ، فتأتي فتقول له: ضيّعك الله كما ضيّعتني.[9] تخيّل كيف تتحدث معك صلاتك بهذا الشكل! وأنا قبل أن أدخل في الصلاة لا أريد أن تصعد إلى السماء ثم تنزل كالطوبة تخبط رأسي وتؤذيني؛ فهذا لا أتحمّله. وبناءً عليه فلا أدخل صلاةً إلا وأنا عارفٌ تمامًا أنني أعزم على مشروعٍ أبنيه، مشروعٍ يكتمل بين يديّ، حتى إذا رُفع إلى السماء قُبل هناك.
منهجية النبي ﷺ في صناعة العقلية المسلمة
ولذلك نحن حين نتحدث عن مثل هذه الأحاديث الشريفة نتحدث عن منهجية النبي ﷺ في بناء، أو في صناعة، العقلية المسلمة: أنت من بداية الإسلام تفكّر بعقلية المهندس الذي يبني مشروعًا. هذا المشروع عبارة عن بناء، وهذا البناء له خمسة أركان، كل ركنٍ منها يمثّل جانبًا من الجوانب. فالشهادتان تمثّلان المظلة، السقف الذي يُظلّل كل هذه الأعمال؛ ومن غيره لا شيء، حتى لو وقفت عندك الأعمدة. وأنت في الصلاة من جانب، وفي الزكاة من جانب، وفي الصيام من جانب، وفي الحج من جانب؛ كلٌّ منها يمثّل لك صمام أمانٍ يحميك من وجهة ويحفظك من وجهة أخرى.
وحتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، حفظ الله تعالى ما عندكم من الخير والنعمة يا ربّ العالمين. انظر بعقلية المسلم الناضج إلى نوع التكاملية الحاصلة بين هذه التعبّدات الأربع. فالصلاة بالنسبة لك بيتٌ بأكمله: تدخل في علاقةٍ نفسية قلبية عقلية روحية بينك وبين الله تبارك وتعالى، هذا واحد. وفي الوقت نفسه أنت تختلط بالناس ليلَ نهار. أضرب مثالًا: أنا حين دخلتُ المسجد دخلتُ الصلاة ودعوتُ الله أن يثبّت الناس الموجودين، فخطر في ذهني خاطرٌ، وهذا مجرد مثال لا يرتبط بأصل الموضوع: أنني دخلتُ المسجد، وحتى في المصالح الدنيوية، فوجدتُ فلانًا فعرفتُ أن العطل الذي في بيتي سيُصلَح اليوم، لأنه متخصص في هذه المسألة. أو دخلتُ فوجدتُ الأستاذ الذي كنت أريد أن أكلّمه في كذا فكلّمته. هذا الترابط من أين يحصل؟ وكيف تستشعر النفس نوعًا من الأنس بهذه التعبّدات لربّ السماوات والأرض، وهو يرسم لنا منهج حياةٍ متكامل؟
ثم مسألة الصيام وما يعتريها من هذا الشعور الجمعي: الناس كلها تنظر إلى بعضها، أأنت جائعٌ جدًّا اليوم أم شبعانُ قليلًا؟ وأنت صائم ترى الناس بعد صلاة العصر مثلًا، فتسلّم على صاحبك، وتنظر في عينه نظرةً تدخل إلى داخله، أهو متعب أم ساترٌ حاله، قد تسحّر جيّدًا وأكل فولًا؟ هذه المشاعر يصنعها لنا رسول الله ﷺ وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أسأل الله ألا أكون قد أطلتُ عليكم بما أزعجكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يلهمنا رشدًا. اللهم إنا نعوذ بك أن ننسى أهل فلسطين، وأن نغفل عن الدعاء لهم. اللهم ثبّتهم وأعنهم يا ربّ العالمين. اللهم إنا نسألك ثباتًا وحفظًا لدماء المسلمين وحرماتهم في كل موطنٍ من مواطن الأرض. اللهم انصر عبادك الموحّدين لك المخلصين لك. اللهم احفظ دماء أهل الإسلام. اللهم إنا نسألك للبشرية كلها هدايةً ورشدًا وعقلًا متزنًا. اللهم إنا نسألك حفظ كرامة بني آدم في الأرض يا ربّ العالمين. لا تخزنا ولا تفضحنا، وثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويوم يقوم الأشهاد. وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث مخرَّج في الصحيحين، من رواية ابن عمر رضي الله عنهما. وقد أثبتنا لفظه كما في الصحيحين «وأن محمدًا رسول الله»؛ وأما «عبده ورسوله» فهي صيغة الشهادة المأثورة التي بنى عليها المتحدث وقفته، ولم نتحقق من ورودها في لفظ هذا الحديث. [2]: توثيق المحرر: الإسراء: ١. أثبت المتحدث الآية إلى قوله «حوله» وأسقط لفظ «ليلًا» سهوًا، فأُثبتت على رسم المصحف؛ وتتمتها ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ولم ينطق بها. [3]: توثيق المحرر: الزمر: ٢٩. تتمة الآية ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ولم ينطق بها المتحدث. والآية مثلٌ للموحِّد والمشرك، وأكثر المفسرين على أن «سَلَمًا لِرَجُلٍ» بمعنى خالصًا لسيّد واحد؛ وربط المتحدث لها بمعنى السِّلم والارتياح بين طرفين اجتهادٌ منه في الدلالة. [4]: توثيق المحرر: هذا الحديث القدسي أخرجه البخاري؛ والمتحدث ذكر منه ما أثبتُّه ثم أشار إلى «القدم»، واللفظ في الحديث: «ورِجلَه التي يمشي بها». [5]: توثيق المحرر: العبارة مأثورة عن النبي ﷺ في قوله لبلال، ووردت في سنن أبي داود؛ والمتحدث أشار إليها إشارةً دون تفصيل. [6]: توثيق المحرر: أورده المتحدث على أنه قول النبي ﷺ ولم يذكر مخرِّجه؛ وهو لا يثبت مرفوعًا، وقد ضعّفه أهل الحديث (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وإسناده منقطع)، فنُقل بصيغة «رُوي». [7]: توثيق المحرر: حديث الفطرة مخرَّج في الصحيحين، وفيه «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه…». [8]: توثيق المحرر: الحديث في الصحيحين في آخر أهل الجنة دخولًا؛ ورواه المتحدث بالمعنى وألحق به تعليقه على طبائع الناس في الدنيا. وفي تفريغ المقطع اضطراب يسير أُهمل. [9]: توثيق المحرر: لم يذكر المتحدث مخرِّج الحديث، وهو مرويّ في بعض كتب السنة بأسانيد ضعيفة فيما نعلم، فلا يُقطع بنسبته إلى النبي ﷺ.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔