الانتصارات المهلكة: الفرق بين الانتصار اللحظي والربح الدائم في ضوء سورة الأنفال
خاطرة الفجر — الفرق بين الانتصار اللحظي والربح الدائم في ضوء سورة الأنفال
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٩ مايو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كلما مرّت بك سورة الأنفال تجدّد فيك سيلٌ من الأسئلة عن الفرق بين الانتصارات اللحظية والانتصارات الدائمة.
موقفان: ما يبدو ربحًا وما يبدو خسارة
ما معنى ذلك؟ هناك موقف أو معركة تدخلها فتغلب إنسانًا، غير أن هذا الإنسان يكون هو صاحب القدرة على التحكم في مصيرك بعد سنوات طويلة؛ فيكون انتصارك هنا لحظيًّا، وخسارتك بعده دائمة أو كاملة. وهناك موقف آخر تتواضع فيه، وتخفض جناحك، وتهدأ وتتريّث وتثبت وتطمئن، فتبدو أمام الناس، أو أمام من بيده الأمر، قد خسرتَ هذه الصفقة أو هذا الموقف، لكنك على المدى الطويل أنت الرابح.
البيت: أوضح الأمثلة
وأوضح مثال على ذلك الخلافات الزوجية. يشعر الإنسان فيها أنه انتصر على الطرف الآخر: قهره، وطغى عليه، ورفع صوته، وتمكّن بسلطانه. لكن مع تراكم الأيام والأزمان ترى ما نشاهده كثيرًا: امرأة تطلب الطلاق، فتسألها: لماذا؟ فتقول: لا أستطيع أن أستكمل. فتقول لها: هل لديك سبب مباشر واضح؟ فتجيب: بل هو زمن طويل جدًّا. وحين تسأل: وما الذي حدث في الآخر؟ تقول: لا حلّ.
وتحليل الموقف أن صاحبنا كان يشعر على مدى الزمن بأنه انتصر؛ فرض سلطانه، وهيمن على الموقف، وضغط على من حوله، لكن تراكمات الزمن جعلته هو الخاسر، أو جعلتها هي الخاسرة في المقابل. وطبّق هذا الكلام على الأولاد: ضغطٌ كامل دائم وانتصار لحظي، ثم بعد حين يخرجون عن الرِّبقة تمامًا ويتنصّلون من أي تحمّل لمزيد من المسؤوليات. فأيهم كان المنتصر وأيهم كان المهزوم؟ الإشكال الكبير أن في المثالين خسارةً على الطرفين؛ لا الولد بارٌّ بأبيه وأمه، ولا الوالد أحسّ بغنيمة الزمن في وجود ولده حوله، وكذلك الزوج والزوجة، كلاهما خسر.
درس بدر
القرآن الكريم يعلّمنا هذا الدرس، والأمثلة كثيرة جدًّا. المسلمون فرحوا بانتصار في بدر. وسؤالي: هل كان انتصار بدر لحظيًّا أم دائمًا على مستوى الأمة كلها؟ كان انتصارًا مبهرًا طولًا وعرضًا على مستوى الخليقة كلها، ومع ذلك يعقّب عليه القرآن الكريم بتحذير: احذر نشوة الانتصار اللحظي، فتدخل في معارك تخسر بها نفسك ومن حولك. ما الذي حصل؟ اختلافٌ حول الغنائم: من سيأخذ أكثر؟
فإذا كان لك هدف فاثبت عليه. فما هدفي؟ استقامة البيت، بالقدر الذي يجعل زوجي يحترمني إلى الحد المطلوب وأحترمه إلى الحد المطلوب، فنخرج جميعًا بأرباح. وتسمّى هذه الأرباح: الأولاد؛ غنيمة الزمن، غنيمة الدهر.
لذلك يقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى بهذه اللهجة وبهذه القوة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾.[1] وما المراد هنا؟ لُحمة هذا الصف ووحدة هذا الكيان، وأخوّة هؤلاء الناس، ورَحِم الدين. ليس لك فيها اختيار؛ لا بدّ أن تبقى. لكن الخلاف الحاصل، الذي سببه الشيطان، أو دخل إليه الهوى، أو هيمنت عليه النفس، أو سيطرت عليه شهوة من الشهوات، هو انتصار لحظي: كسبتُك في هذه الجولة، لكني خسرت أخوّتك إلى الأبد، وفقدتُ ما بيننا إلى يوم القيامة.
الإخوة والميراث
أخَوان يختلفان على قطعة أرض، أو مبلغ من المال، أو مسكن في مكان بعينه. ما الذي حصل؟ انتصرتُ عليه وأخذت ما أريد. فما الذي ترتّب على ذلك؟ أولادي وأولاده يكرهون بعضهم. لماذا؟ لأن الميراث المأخوذ صاحَبه غِلٌّ وحقد واستفزاز نفسي على مدى الأيام.
انظر في ذاكرتك وراجع أحوالك مع الناس، وتأمّل المواقف التي انتصر فيها الناس عليك: انتصر عليك فلان في هذا الموقف، وراجع ما الذي بقي عندك تجاهه؛ ستجد أن رصيده عندك صفر. لماذا؟ لأنه لم يراعِ لحظةً ينصفك فيها من نفسه، ويعطيك حقك، أو يتواضع بين يديك.
وحين سمّى ربنا سبحانه المجتمع المسلم قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.[2] واللحظة التي يرى فيها أخوك لحظة ضعف عندك فيتمكّن منها ويُذلّك بها، ويرفع بها صوته ويشهّر بك في وسط الناس، هي لحظة انتصار لحظي؛ استغلّ موقفًا واستثمر حدثًا مهما كان.
حين سكت النبي ﷺ وأعطى الرجل ربحه الأكبر
ولنا في رسولنا ﷺ المثل الأعلى، والشيء بالشيء يُذكر. جاءه ذات يوم خبرٌ من السماء أن فلانًا من أصحابه يخون المجتمع المسلم كله. تخيّل: وحيٌ يأتي من السماء يخبر رسول الله ﷺ أن فلانًا يخون، وخيانتُه للمجتمع المسلم كله؛ إذ أرسل رسالة إلى قريش يخبرهم فيها بتحركات الجيش المسلم. هذه خيانة عسكرية، وعقوبتها في كل دساتير الدنيا واحدة قولًا واحدًا: الإعدام، يُضرب عنقه أمام الخلق بأي وسيلة.
غير أن النبي ﷺ لا يعجبه هذا الانتصار اللحظي، مع أن بعض الناس يتصور أنه انتصار للتشريع، وتطبيق للحدود، وتعليم للأمة، ووضع للناس في أحجامهم ومواطنهم، وتخرج شعارات كبيرة جدًّا. لكن النبي ﷺ آثر الربح الأكبر. وما هو؟ بقاء هذا الرجل منتميًا لهذا الدين، ولهذه الفكرة، ولهذه القضية. فآثر ﷺ أن يسكت المجتمع كله، وأن يرفع من أسهم ذلك الرجل، وأن يذكّر الأمة بأمجاده السابقة، وأنه شهد بدرًا، وأن الله اطّلع على أهل بدر فقال لهم ما معناه: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.[3] وبدلًا من أن يكون في أعين الناس كلهم خائنًا، ويتحدث الناس بسيرته واسمه، ولا يُذكر على الألسنة إلا في موطن التشهير به والتحقير من شأنه وإلزامه بكذا وكذا، إذا بالنبي ﷺ يحوّل الدفّة كلها لصالح ذلك الرجل.
ولا يعني هذا أن الخطأ لم يعد له معلَم، لكن العبارة جاءت في صياغة تربوية مفادها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.[4] عتابٌ رقيق وكلمات رفيقة، وهدوء تام في صياغة الكلمات التي أسوقها إلى أخي. فإذا به يعود مرة أخرى.
عتاب الولد: كلمات تكفي
وولدك الذي تنتصر عليه بقهره: تأخّر يومًا، أو ذهب إلى المكان الفلاني، أو تحدّث بكذا، أو أنفق مبلغًا من المال. كان يكفي مجرد كلمات تُخجله أمام نفسه. فنحن في كثير من المواقف ننسى أمرًا مهمًّا جدًّا: جملةَ «كفاية عليّ عتابي لنفسي». جرّبوا هذا: أن يخطئ الإنسان خطأ ثم يستدرك أنه أخطأ. لأن الفطرة سليمة التكوين، مبنيّة من البداية على الاستقامة، فإذا أنا أمام عتاب: كيف صدر مني هذا؟ فبيني وبين ربي في خلوة الليل عتابٌ لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا بالآخر يأتي فيضغط ضغطًا قويًّا جدًّا، فيكسر هذا الحاجز، فيحصل نوع من الانفلات: خلاص، لقد كسرتَ آخر رابط بيني وبينك. وهنا يضع الإنسان نقاطًا: فكرة، قضية، مضمون، دين. فإذا ببعض الناس يخرجون عن أصل الديانة بسبب هذا الضغط.
سعة الصدر مع أصحاب المذاهب
وقد تعلّمنا ذلك ونحن نتعامل مع أصحاب المذاهب الأخرى. عندنا مذاهب عقدية: هذا ماتريدي، وهذا أشعري، وهذا حنبلي. وعندنا مذاهب فقهية: حنفي وشافعي ومالكي وحنبلي. وعندنا مذاهب سلوكية: هذا صوفي، وهذا على طريقته. فتعلّمنا كيف نستوعب كل هؤلاء الناس، وكيف نعالج ما عندهم بما يضمن لنا سلامة استقامتهم في المستقبل.
فتقول لي: هذا قد يطول جدًّا. نعم، قد يطول معك وأنت تعالج نفوس الناس. وقد أطلتُ عليكم كثيرًا، فسامحوني. هذا الموضوع قد يستوعب زمنًا طويلًا. ولدٌ غير مستقيم مثلًا، فتقول: إما أن أطرده من البيت وإما أن ينضبط؟ فتقول له: اهدأ فقط. وكذلك أخوك في المسجد يصلي على خلاف مذهبك، وله فيما يعلمه شأن، وهو يتقرب بذلك إلى الله، وأنت تتقرب إلى الله أيضًا، لكنك لا تصبر على خلافك مع أخيك في هذا الخلاف المذهبي، فإما أن تبتعد، وإما أن تهجره، وإما أن تطرده. فما الذي حصل؟
القرآن لم يملّ من التذكير
تعالوا نراجع مراجعة بسيطة جدًّا من أول القرآن الكريم إلى آخره: هل كفّ القرآن عن إعادة التذكير للكافرين بأن الله واحد أحد؟ هل سكت القرآن عن ذلك في لحظة من لحظات قراءتك له؟ هل استشعرتَ أن الله سبحانه وتعالى توقّف عن دعوة الناس وتركهم؟ أستغفر الله، تعالى الله عز وجل عن ذلك. هل أحسست أن باب الإمهال قد أُغلق عنهم؟ الله أكبر! فلماذا يصدر هذا الصبر من القدير المقتدر الذي ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾؟[5] كلمة واحدة: «كن» فيكون.
وعندنا تجربة، تذكرون: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.[6] لا اعتراض ولا كلمة؛ تخيّل، لا تحت تهديد السلاح، بل تحت تهديد الجبل. أمر ربّ العالمين سبحانه الجبل فارتفع فوق رؤوسهم، وإذا هم ينظرون إلى جبل يوشك أن يسقط: حاضر، لا خيار غير ذلك وإلا انهدّ الجبل فوقهم. فربّ العالمين يرينا تجربة عملية أمام أعيننا أنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، لكنه سبحانه لم يرد ذلك؛ فلا يصحّ ولا ينفع أن نحمل الناس على الإيمان بالقهر.
كيف تضبط نفسك في المواقف
ومن ثَمّ خرجنا من هذه النقاط إلى مسألة مهمة جدًّا: كيف تضبط نفسك في المواقف؟ كيف تتعلم الربح الدائم والخسارة الدائمة؟ وكيف تتفادى الانتصار اللحظي؟
يقول أحدهم في نفسه: سأقول لها كلمتين توجعانها الآن، ستنام الليلة باكية. فما الذي حصل في اليوم التالي؟ تخيّل أن موقفًا حقيقيًّا يحدث على أرض الواقع: رجل يحدّث امرأته بما يؤذيها نفسيًّا، فتنام ثم لا تستيقظ. وقد أحسّ بما فعل، لكنه رأى في اليوم التالي أمرًا خارجًا عن قدرته، وأن الأمر قد تعدّى حدود الهيمنة والسيطرة الإنسانية، فجاء الأمر الإلهي وأخذ منه تلك المرأة. فانظر إلى مراجعاته وهو جالس، كيف يعاتب نفسه أنه قتلها؛ قتلها بلسانه، قتلها بكلمته، قتلها بإيذائه.
ومثال آخر: امرأة ظلّت تُلحّ في رأس الأولاد أن أباهم يفعل ويسيء ويحقّر. حتى وجدتْ في لحظة ولدَها يضرب أباه، فكان هذا الموقف سببًا في أن يخرج الوالد من البيت ولا يعود. والذي ضرب أباه أمامها استدار إليها ولطمها، ولم يعد لها بعد ذلك صوتٌ في الحياة. فمن الرابح؟ الشيطان. وكل الانتصارات اللحظية التي يهيمن عليها القرآن في هذا الموضع تحذّرنا من أن يكون المنتصر هو الشيطان. فكل خلافاتك مع الناس راجِع فيها: من المنتصر؟ وإلى أين تستمر الأمور؟ وما المنتهى؟
العلاقات: ما يدوم وما ينقطع
وكل الخلافات التي بينك وبين المقرّبين خاصة؛ فعندنا علاقات الأصل فيها الدوام، وعلاقات الأصل فيها الانقطاع، وعلاقات بين بين. فعندي علاقات تسمى علاقات رحم الدم، وعلاقة رحم الدين أقوى. وهناك علاقات لا رابطة بيني وبين أصحابها إلا سوء الخلق والممارسات المؤدّية إلى النار؛ هذه علاقات لا بدّ أن تُقطع حالًا. وهناك علاقات في الوسط، كصاحبك أو زميلك أو شيخ مثلًا: إن صلحتم فالحمد لله، وإن لم تصلحوا فالله يسهّل عليكم، ويبقى أصل العلاقة.
فانظر وراجع، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الحكمة، أن يرزقنا الحكمة. ردود الأفعال لا بدّ أن تكون مقيّدة بزمام العقل. تأتيك رسالة نصّية فترد عليها في ثانية: سأريك من أنا! اهدأ قليلًا، وأعِد حساباتك قبل أن يصدر عنك ما تندم عليه حياتك كلها. أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا حسن الفهم عن مراده.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الأنفال، الآية ١؛ وقد ورد في مطلعها ذكر الغنائم. [2]: توثيق المحرر: سورة المائدة، الآية ٥٤؛ لم يذكر المتحدث السورة؛ والعزو بحسب ما يظهر من اللفظ. [3]: توثيق المحرر: القصة هي قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، والحديث متفق عليه في سياقها (البخاري ومسلم)؛ ولم يذكر المتحدث الاسم ولا العزو، والمنقول هنا بالمعنى كما أورده. [4]: توثيق المحرر: سورة الممتحنة، الآية ١ (واقتصر المتحدث على صدر الآية)؛ وتتمتها: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. [5]: توثيق المحرر: سورة يونس، الآية ٩٩؛ اقتُصر على ما نطق به المتحدث؛ ويتصل بها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. [6]: توثيق المحرر: سورة الأعراف، الآية ١٧١؛ وتتمتها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ وقد جاء اللفظ مضطربًا في التفريغ فاقتُصر على صدر الآية.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔