جامع العلوم والحكم ١: النية مصنع الوعي وإدراك المآلات
حديث «إنما الأعمال بالنيات» والنيةُ مصنعُ الوعي وإدراكِ المآلات
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت في أكاديمية الأئمة بأمريكا (AIA) بتاريخ 22 مارس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. حيّاكم الله ورضي عنكم وأدام عليكم الخير والستر والعافية والأمان.
نبدأ اليوم، بإذن الله، سلسلة جديدة مع كتاب «جامع العلوم والحكم» للإمام ابن رجب الحنبلي، نقضي معه بعض الأوقات كل يوم أحد بإذن الله تعالى. وابن رجب رحمه الله من أئمة القرن الثامن الهجري، كثر ثناء أهل العلم عليه، وكان من المتقنين المؤدّين. وصنيعه في كتابه أنه شرح «الأربعين النووية» للإمام النووي، وزاد عليها أحاديث تمثّل نوعًا من أصول الديانة. وننتقل مباشرة إلى المقصود حفاظًا على الوقت، نسأل الله البركة.
حديثٌ يفتتح به العلماء كتبهم
نحن بين يدي قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»[1]. وما إن ترى نفسك أمام هذا الحديث حتى تقول: سبحان الله! في كل مرة نبدأ فيها كلامًا عن شيء نجد أنفسنا أمام هذا الكتاب. ثم إن جلّ علماء الحديث افتتحوا كتبهم بهذا الحديث الشريف. فلماذا كان هذا البدء بهذا الحديث تحديدًا؟
الجواب أن «إنما الأعمال بالنيات» هو نقطة البدء الأولى عند كل فاعل، في أي عمل. وكأني برسول الله ﷺ يقف عند ألفاظه: تأتي كلمة «إنما» للحصر، فتفيد أنه ليس عملٌ إلا ما اقترن بنية، وليست نيةٌ إلا وينبغي أن يصحبها عمل. وكأنه ﷺ يوقظ فيك ملَكة الإدراك لما يدور في ذهنك، ولما تنطوي عليه نفسك، ولما تتحرك إليه غرائزك، ولما يبدأ البدن في تنفيذه. فعندنا فكرة تدور في الذهن، وحركة تتحرك داخل النفس البشرية، وهمٌّ ينطلق به القلب، ثم يبدأ البدن في التحرك نحو الفعل أو الترك. وسنأتي إلى ألفاظ كثيرة من هذا في ثنايا هذا الشرح المبسط الموجز. فهمنا إذن أن النية مسألة مهمة لأن العمل لا يتم إلا بها.
ما الذي نفهمه من «إنما الأعمال بالنيات»؟
بعضهم يقول: نفهم أن ثواب الأعمال لا يكون إلا بناءً على النية. فإذا قمتُ إلى الصلاة وكبّرت، فلن يترتب على عملي ثواب إلا إذا كنت قد نويت أني أفعل كذا. وأصحاب هذا القول يميّزون بين العبادة والعادة؛ فثواب العمل عندهم مرتبط بالنية، ومن عمل عملًا لم ينل ثوابه إلا إذا توفرت فيه النية. ولعل مثال الصلاة غير مناسب هنا، لكن خذ مثال الاغتسال: تدخل الشاور وتصبّ الماء الجميل على جسدك كله. هل هذه عادة أم عبادة؟ هل اغتسلتَ لتتبرد في الحر، كمن اشتدّ عليه الحر فأخذ «شاورًا»؟ أم أردت أن تستدفئ؟ أم أردت أن تنظّف جسدك بعد جهد طويل وقد أحسستَ بعرق في ثيابك؟ أم اغتسلتَ تعبّدًا لرب العالمين سبحانه؟
وهناك عوارض تصاحب الأعمال تميّز النية حتى لو لم تكن في صورتها الكاملة الواضحة. فرجل رأى نفسه محتلمًا، فقام من فراشه إلى مستحمّه فاغتسل. ما الذي يجري في بؤرة الشعور الداخلية عند هذا الرجل؟ إنه يتطهّر من الجنابة التي حصلت، فهو يستعد بهذا الغسل. فصارت العبادة، أي النية، جزءًا من العادة في أصل التفكير والتركيز قبل بدء العمل. أخذنا هذا المثال لنبيّن به أن من جعل ثواب الأعمال مرتبطًا بالنية ضرب مثل هذا المثال.
فهل عندنا تأويل آخر؟ هل العمل معتبر في ذاته بين يدي الله تبارك وتعالى إلا إذا ارتبط بنية، أم لا؟ أي: هل يعتبر ربُّ العالمين أعمالَ الخلق، وهل العمل معتبر في حياة الناس وفي جملتهم، أم لا؟ خذ طبيبًا ينطلق إلى عمله ولم تتوفر لديه نية أنه يريد أن ينفع الناس بما ابتلاهم الله به من أمراض[2]. هو منطلق إلى عمله بشكل طبيعي وانسيابي، من العادة التي يمارسها كل يوم: في الصباح الباكر يغسل يديه، ويلبس القفازين، ويدخل غرفة العمليات، ويبدأ أول عملية، ثم يخرج منها إلى ثانية، ثم إلى ثالثة في مكان آخر، وهكذا. صارت هذه الأعمال عادة بالنسبة له. فهل هي معتبرة في جملة الأشياء بلا نية، أم لا بد لها من النية بين يدي رب العالمين؟ فعندي مسألتان: مسألة اعتبار ربّ العزة للأعمال، ومسألة ترتيب الثواب على الأعمال.
وبعضهم يقول، مازحًا: يا جماعة الخير، لماذا تُتعبون أنفسكم بهذا التقسيم وتتعبوننا معكم؟ إذا اعتبر الله عملًا أثابَ عليه، وانتهينا! وخلاصة القول أننا لا بد أن ننظر إلى الثواب المترتب على الأعمال.
أحد الأعمدة التي يقوم عليها الدين
يقول بعض العلماء إن من أسرار افتتاح علماء الحديث كتبَهم بهذا الحديث أنه من جملة الأعمدة التي يقوم عليها الدين كله. تقيم أربعة أعمدة مثلًا، أو ثلاثة أو خمسة بحسب اختلاف نظر أهل العلم، ثم تضع عليها الدين كله. ولنرتّب الأمر: «إنما الأعمال بالنيات». حسنًا، إلى أين أذهب بهذه النية؟ يقول لي حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات»[3]. فأنا أخذت النية، ثم نظرتُ إلى أين أسير، فوجدت أن أمامي طريقين سأنطلق في أحدهما: الحلال بيّن والحرام بيّن. ثم يأتي الحديث الثالث فيقول: «إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا». فإذا سرتُ في طريق الخير ولم أتابع هذه الطيبات... ثم الحديث الرابع: أنا ينبغي أن أهتم بما لي ولا أتدخل فيما ليس لي، فيقول لي: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويرى بعضهم أن الدين يقوم على أعمدة مثل هذه، منها حديث «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
ما المراد بالنية؟
فنسأل السؤال الثاني: ما المراد بالنية؟ أقول: هي مرحلة التعقّل التي تسبق فعل الأشياء والإقدام عليها. نقولها مرة أخرى حتى نحفظها: مرحلة التعقّل التي تسبق فعل الأشياء والإقدام عليها. فعندي مراحل: مرحلة إدراك (ماذا سأفعل؟)، ثم مرحلة رغبة تُزيَّن فيها الفكرة («هذا العمل لماذا؟ لذيذ! خلاص، أنا معه، أعجبتني الفكرة»)، فإذا أحببتُ الفكرة انتقلنا إلى مستوى آخر: «والله هذه جاهزة للتنفيذ، فلنتحرك». أي أن النية، وهي مرحلة التعقّل، تعمل في هذه المنطقة، ثم تأتي مرحلة الرغبة التي تزيّن الفكرة للنفس، ثم مرحلة القصد أو الإرادة التي ينطلق العبد بعدها إلى تنفيذ الأعمال في حياته.
تخيّل أنه محفور في ذاكرتك وذهنك وعقلك ووجدانك: «إنما الأعمال بالنيات». تفضّل معنا، كُلْ على المائدة. فتنظر في نفسك: ماذا آكل، ولماذا آكل، وما الذي سيترتب على هذا الطعام؟ أمامك مجموعة من الحلوى، شغلٌ شامي محترم جاء من بلاد الشام، من نابلس مثلًا... وسأُحزنك: هذه كنافة، فاسمح لي أن أضعها أمامك! والشاهد أنها بين يديك. فالنية، وهي محل التعقّل، تُدير الأمر في الذهن. تسألني: ما هذا؟ فأقول: حلال، وصُنع من حلال. لماذا آكله؟ لأني جائع، أو أرغب فيه، أو أحبه. ثم: ما الذي يترتب عليه؟ السكر سيطير في السماء! فيتحول الحلال المباح إلى محرَّم أو مكروه بناءً على ما يترتب عليه. فالنية تعمل في هذه المرحلة، مرحلة التقييم المبدئي للإقدام على العمل أو عدمه. فإذا تذكّر الإنسان أن هذا الأكل يضرّه بهذا المستوى، فهل تنتقل الفكرة إلى مرحلة الرغبة؟ لا تنتقل، ومن ثم لن تتوفر الإرادة، وبناءً عليه لن يُقدم على هذا العمل. اتفقنا؟
وآخر يريد أن يأكل، والطعام طبيعي جدًا وأمامه ما أمامه، فإذا بيده تمتد إلى هذا وتترك هذا، لأنه يعلم أن هذا يضرّه وهذا ينفعه. وهناك بعض الوصفات العلاجية في الأطعمة: لو أكلتَ كثيرًا من الخضروات مثلًا فهي مفيدة، وفيها الألياف، وهذا الطعام يقوّي العين، وهذا يقوّي كذا... فإقدامه على هذه الأشياء مع النية المتوفرة، وهي مرحلة التعقّل وإثارة الوعي في النفس.
ولك أن تتخيل أن مسألة النية تنتقل من مجرد تناول لقمة في حياتنا إلى مستوى صناعات ومصانع وابتكارات واختراعات وتجارات بالمليارات، وسوقٍ يتحرك. وهذا ما أراده رسول الله ﷺ، وهو من أصل ديننا؛ ولذلك قلنا إنه من الأحاديث التي تقوم عليها الديانة، والديانة تشمل كل أبعاد الحياة. فأراد النبي ﷺ أن يوقظ ما يُسمّى بالوعي الإدراكي في نفس كل فرد من أفراد المجتمع.
النية في تفاصيل يومنا
أنت تعرف أنك حين تعود إلى البيت وتسمع كلمة تزعجك، فتريد أن ترد عليها، وربنا يصبّرنا... فتأتي النية: ما الذي سأقوله؟ وما الذي سيترتب على ما أقوله؟ وهل الكلام الذي سأقوله سيغيّر من الواقع الذي أعيشه أم لا؟ فترى نفسك تنطق أحيانًا وتُمسك أحيانًا، وترى نفسك تُظهر وجهًا راضيًا أو غاضبًا أو متعجبًا. تخيّل أن النية تحرّك فيك كل شيء، حتى إنك إذا أردت أن تتزيّن بزينتك الطبيعية قبل أن تخرج من بيتك تساءلت: إلى أين أنا ماضٍ؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]. فما مستوى أخذ الزينة عند الرجل إذا انطلق إلى المسجد؟ وإن كان من سيأتي إلى المسجد امرأة، فما مستوى عمرها، وما مستوى جمالها، وما مستوى الالتفات إليها، وهكذا. وكذلك لبس الإحرام ونحن عند الكعبة، نسأل الله أن يبلّغنا جميعًا هذه الزيارة المباركة يا رب العالمين. وأنبّه إخواني معي، بارك الله فيكم: الإحرام لا يعني أن تمشي عريانًا! لك نظر تُبصر به النساء، وللنساء أبصار ينظرن بها إلى الرجال، فاستر نفسك بقدر ما أوصاك رسول الله ﷺ. هذه مسألة عادية، لكن النية هنا تتحكم في صناعة الفعل. فتخيل مرحلة إيقاظ الوعي الإدراكي بالعمل الذي أمارسه وما يترتب عليه.
هل النية هي الإرادة؟
يسأل سائل: هل النية هي الإرادة أم يختلفان؟ ولعلي أجبت عن ذلك أثناء الحديث. فالنية هنا تصحبها الرغبة، وبعد الرغبة تبدأ مرحلة الإرادة، وهي أن تقول: خلاص، المؤشرات خضراء، سنبدأ التنفيذ. فعندي أربع مراحل: نية، ثم رغبة، ثم إرادة، ثم تنفيذ.
وسيدنا النبي ﷺ يوضح لنا هذه الفكرة في حديثه: «إن العين لتزني، وإن الأذن لتزني، وإن اللسان...»[4]، يذكر النبي ﷺ كل الجوارح التي يمكن أن تثير الشهوة في داخل الإنسان، ثم يقول: «ثم يصدّق الفرج ذلك كله أو يكذّبه». فكأنه ينتقل بها من مرحلة الوعي الإدراكي، ثم مرحلة الرغبة والشهوة، ثم مرحلة التنفيذ أو الامتناع عن التنفيذ. ولذلك يقول النبي ﷺ: «من همَّ بحسنة...»[5]. هذا «الهمّ»، في أي مستوى من المستويات ننزله، ونحن اتفقنا على أربعة: النية، ثم الرغبة، ثم الإرادة، ثم التنفيذ؟ لنقل إن الهمّ هو بدء التحرك للفعل: عندنا نية تعمل في هذا الموضع، يصدّقها القلب فيثير الرغبة في تحصيل الأشياء، أو نسميه مسألة الهمّ، ثم تبدأ مرحلة الإرادة، وهي أن أستجمع قواي حتى أستطيع أن أفعل، ثم تأتي مرحلة التنفيذ. فإما أن ننزل «الهمّ» في مرحلة الإرادة، أو في مرحلة الرغبة، أو فيما بين المرحلتين: اكتملت الرغبة وبدأت الإرادة، ثم امتنع. فما الذي ردّه؟ مرحلة التعقّل. فكأن التعقّل يبدأ في صياغة الفكرة، ثم يدفع إليها أو يمنع عنها. متخيلين؟ «من همّ بحسنة فلم يعملها»، «ومن همّ بحسنة فعملها»... ثواب الله تبارك وتعالى إنما يترتب على ما يدور في داخلك وما يبدأ في نفسك.
مرحلة الإرادة في القرآن
ولذلك تأتي مرحلة الإرادة التي تكلمنا عنها في قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18]. انظر إلى العقاب: ﴿جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾. ليس المقصود أننا سنعذّبه فحسب، بل وصفنا الأمر وفي الوصف تبشيعٌ للعقاب، للدلالة على بشاعة الفعل المؤدي إلى هذا العقاب. واضح الكلام؟ طيب، ما هو الفعل؟ ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾. وأين المشكلة؟ أليس في الناس الجالسين هنا من يحب أن يكون عنده مال يتحرك به كما يشاء، ويشتري الأشياء ويلبّي رغبات العيال؟ يقول لي: لا، الفكرة ليست في هذا، الفكرة في أن تغلب العاجلةُ على كل شيء فتكون هي المقصد الأول.
ولذلك ضربنا المثال قبل ذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7–9]. والانقلاب إلى الأهل مسرورًا، أهو حسن أم سيئ؟ هذا حسن، هذا ثواب. ثم: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَىٰ…﴾ [الانشقاق: 10–12][6]. ونحن في السورة نفسها وفي السياق نفسه! ما هذا؟ لقد لخبطتنا: قلنا قبل قليل إن في الأهل سرورًا وهذا حسن، هذا ثواب! فيقول لي: انتبه، إذا غلبتْ على النفس مصلحةُ العيال على ما دونهم كانوا وبالًا عليه. وهنا تستطيع أن تفهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ…﴾ [التغابن: 14][7]. كيف نستوعب أن من زوجتي وعيالي أعداءً لي؟ يقول: المسألة ليست فيهم، المسألة عندك أنت: كيف تراهم؟ كيف تعظّم مكانتهم؟ كيف تجعلهم فوق كل شيء، أو قبل كل شيء، أو محل تمام الاهتمام عندك؟ فتأتي مسألة النية.
ثم إن ربنا سبحانه يحدثنا بألفاظ تدل عليها. فعندنا ألفاظ مثل قوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ…﴾ [النساء: 114][8]. فعندي لفظ «ابتغاء»، وموضوع الابتغاء هذا في أي منزلة سأنزله من المراحل؟ فكأن قضية النية هي هذه المنطقة.
فن صناعة الوعي
والله لو لم نخرج اليوم إلا بهذه الجملة لكفت: إن النية تمثّل مرحلة الوعي الإدراكي؛ أنا أريد أن أدرك ما الذي أفعله، ولماذا أفعله، وما الذي سيترتب عليه. ستجد نفسك أمام كل خطوة تصاحبها نية، لأنك تفهم ما تفعل، ولا تتصرف بشكل عشوائي. لست كبقية الكائنات الموجودة حولك، تفعل ما يأتي إلى ذهنها. أنت صاحب نية، أي صاحب تعقّل، أي صاحب فهم، أي صاحب إدراك، أي صاحب وعي، أي صاحب ما يتبع ذلك من بصيرة يفتحها ربُّ العالمين سبحانه للناس.
ولذلك ترى من جملة الدعاء الذي نكرره كل يوم[9]: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. لا يستطيع أحد أن يقول إن دلالة «اهدنا الصراط المستقيم» أن ربّ العالمين سبحانه سيحملك ويقول لك: تعال يا حبيبي من هنا، وضَعْ نفسك هنا. هذا حسيًّا وجسديًّا غير متحقق، وإنما هي هداية النفس. والنفس لا تتحرك إلا بعد إدراك العقل، والعقل محل الوعي الذي تدرك به: أين أنا؟ وما الذي أفعله؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين سأسير؟ وإلى ماذا أتحرك؟ وما هي التبعات المترتبة على الأعمال والأفعال التي أمارسها؟
وربنا سبحانه كريم جدًّا... لا، هذه الجملة لا تصح. لا يقال «كريم جدًّا» لأن معناها أن هناك من هو أكرم. وإنما هو الكريم، انتهى، نقطة. هو الكريم سبحانه وتعالى، لا كرمَ فوق كرمه ولا كرمَ دون كرمه، جلّ في علاه. فيعاملنا على ما يدور في أذهاننا: إن كان في صالحنا، وإن لم يكن في صالحنا غفره لنا وتجاوز عنا. ونسأل الله تبارك وتعالى البركة في الأرزاق والأعمال.
خلاصة القول أن هذا الحديث يهدف إلى فنّ صناعة الوعي وإدراك المآلات. لا يوجد مسلم على ظهر الأرض ينبغي أن يتحرك حركة عشوائية: يمضي مع امرأة ليتزوجها وهو لا يعرف أبعاد هذا التصرف، أو يترك العيال وينطلق... لا، لا، لا! هذه التصرفات المتخبطة ليست عندنا. تخيل لو توفر هذا الشرط في عمل كل واحد منا: هذا يسمى في مواطن أخرى «فن دراسة الجدوى»، بمعنى أنك قبل أن تبدأ مشروعًا تدرس كل أبعاده، وقبل أن تخطو خطوة تدرس كل شيء[10].
لماذا كان النبي ﷺ يبدأ بـ«بسم الله»؟
سبحان الخلّاق العليّ! الآن خطر إلى ذهني: لماذا كان النبي ﷺ يبتدئ كل شيء في حياته بكلمة «بسم الله»؟ لأن كلمة «بسم الله» نوع من الاستئذان. تخيّل أنك ستستأذن قبل أن يكون في دماغك شيء تستأذن له. كأنك تقف عند الباب فتقول: «السلام عليكم يا جماعة، يلا يا أهل الدار، يا الله»، فهذه الجمل أستأذن بها. هل أطرق الباب بشكل عشوائي، أم لي مقصد في هذا المكان؟ فكان النبي ﷺ يسمّي الله في كل شيء يفعله، إذن فالنية متوفرة عنده في كل شيء يفعله ﷺ.
خلاصة الكلام في ثلاث نقاط
نلخّص الكلام في كلمات:
أولًا: النية مصنعُ الإدراك والوعي في نفس كل واحد منا وذهنه.
ثانيًا: النية تشمل العادات والعبادات، فلا يفعل المسلم شيئًا إلا وفي داخله نية: أريد أن أُسعد فلانًا، أريد أن أغيظ فلانًا، أريد أن أحقّر من شأن فلان، أريد أن أرفع شأن فلان، أريد أن أتعلم لأجل كذا، أريد أن أذهب لأجل كذا. فكلمة «لأجل» هي فقه المآلات، متضمنة فيما يسمى بقضية النية.
ثالثًا: اعلم أن نيتك الصالحة بابُك إلى القبول بين يدي رب العالمين سبحانه وتعالى. فإذا اتفق للعبد عملٌ صالح مع نيته الصالحة أُثيب العبد على نيته وعلى العمل الصالح. وإذا اتفقت للعبد نية صالحة وترتب عليها عمل فاسد، فماذا نفعل في هذه الحالة؟ واحد يقدّم لآخر طبقًا، ويضربه بالسكين فيجرحه، ثم يقول: والله نيتي كانت طيبة، كنت أريد أن أعطيه دواءً... ما الذي حصل؟ نيتي كانت كذا! هنا يقيم القاضي الموازنة بين الفعل الذي صاحبته نية طيبة، لأن النية الصالحة لها قرائن تدور حولها وتُستنبط منها أحكام الفقه، وبين ما ترتب على الفعل. فإن كان في مقدوره أن يردّ الحقوق إلى أصحابها فله ذلك. وهناك مسألة أخرى هي في علم القضاء أكثر منها في الفقه.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يبلّغنا بنياتنا الجنة، وأن يجعلنا من أصحاب النوايا الصالحة ما حيينا، وأن يكتبنا في زمرة المتعلمين إلى أن نلقاه سبحانه وتعالى. طيّب الله خواطركم، ورضي الله تبارك وتعالى عنكم، وأسعدكم. اللهم آمين.
--- [1]: توثيق المحرر: حديث «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. [2]: توثيق المحرر: في التفريغ الآلي هنا عبارة مضطربة («يريد أن يحيي مواق بما ابتلاهم الله من أمراض»)، وقد أُثبت المعنى المرجَّح من السياق (نفع المرضى). [3]: توثيق المحرر: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه متفق عليه. وحديث «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وحديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» من الأربعين النووية. [4]: توثيق المحرر: الحديث بنحوه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «فالعين زناها النظر، والأذن زناها الاستماع، واللسان زناه الكلام... والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه»؛ وقد اقتصر التفريغ على الإشارة إلى أوله. [5]: توثيق المحرر: حديث «من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة...» متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ والمتكلم لم يُتمّ نصه في الخاطرة. [6]: توثيق المحرر: توقّف المتحدث عند «ويصلى»، وتمام الآية ﴿سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 12]، ولم ينطق بها. ويناسب مقصده ما جاء بعدها في السورة نفسها من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 13]، ولم يذكره المتحدث. [7]: توثيق المحرر: توقف المتحدث في الآية عند «أزواجكم وأولادكم»، وتمامها: ﴿عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14]؛ وقد شرح المعنى بقوله إن المسألة في نظرة المرء إلى أهله لا فيهم. [8]: توثيق المحرر: توقف المتحدث عند لفظ «ابتغاء»؛ وتمام الآية: ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. [9]: توثيق المحرر: في التفريغ عبارة «نكرره 17 يوم» وهي مضطربة، فلم يُثبت العدد. [10]: توثيق المحرر: في التفريغ «فن دراسة الجدول»، والمرجَّح «الجدوى».
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔