الزواج بين الشراكة والندية
حين يدخل الزوجان البيت بروح السِّلم لا بروح الحرب
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في مسجد الفرقان بديترويت بتاريخ 25 يوليو 2025مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
بدأ المحاضر بحمد الله والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه، وسأل الله أن يكتب للحاضرين أسباب النجاة في الدنيا والآخرة وأن يبصّرهم بعيوبهم، ثم قال إنه لا يليق بعاقل أن يتحدث بين يدي الناس قبل أن يفتتح كلامه بدعاء خاص لأهلنا في فلسطين: أن يجبر الله خواطرهم، ويدفع عنهم الشرور، ويحفظ دماءهم وأموالهم، ويؤمّنهم في أنفسهم وأوطانهم، ويباعد بينهم وبين مكر الماكرين، ولا يكلهم إلى عدوّ. ثم سأل الله حسن القول له وحسن الاستجابة للسامعين.
لماذا نتحدث عن الأسرة؟
قال: نتحدث الليلة عن قضية مهمة هي قضية الأسرة عمومًا. ولماذا هذا الموضوع؟ لأننا، بحكم الوظيفة التي نعمل فيها إمامًا، نرى أن البيوت تفجّرت من كثرة المشكلات، وأن أبناء كثيرين جدًّا شُرّدوا في الشوارع فكرًا ونفسًا ومنطقًا وعقلًا. ربما بقوا في بيوتهم بأجسادهم، لكنهم خارجها بكل هذه المَلَكات، فانعدمت فكرة الولاء والانتماء للبيت من داخله.
بيت الأمس: رهبة ظاهرة وانتماء أعمق
ثم عاد بذاكرته إلى الوراء. قال: زمان، لما تربّينا في بيوتنا وسط أهالينا، كانت هناك رهبة من الوالد، وخوف من أمٍّ ستنقل الأخبار إلى الأب، وتخيّل أن «مكيدة» ستحصل وسيتآمرون علينا. فنتّقي الله، ونحترم أنفسنا، ونمشي «جنب الحيط»، ونتجنب أي أثر لأي مشكلة. وكانت المشكلات ثقيلة ساعتها، وفيها ألم من هنا وخبطة من هناك. ولكن كان هناك حياة. وكل من تربّى في بيئة مستقيمة يتذكر ذلك الألم اليوم باعتباره نعيمًا، فيقول بمنتهى البساطة: الله يرحم والديك. لماذا؟ لأنهما ربّيا فيك الشعور بالانتماء إلى هذا المكان، وأحسست معهما بالأمان والطمأنينة والسكينة. وحتى لو واجه البيت صعوبات مادية أو اقتصادية أو اجتماعية، فإنك في آخر المطاف تؤمن تمامًا أن كل ما هنا لك.
ثم استطرد قائلًا إنه لا يزال يذكر أنه كان يطلب من والده رحمه الله بنطالًا زائدًا، فيقول له: ألم تشترِ حصتك هذا العام؟ ألم يصلك نصيبك؟ فيقول في نفسه بمنطق ذلك الزمان وفي ذلك السن: حرام عليك! ما هذا الظلم؟ هذا الرجل غني، عنده أراضٍ وأموال، «حاطط فلوسه على قلبه» ولا يريد أن يشتري لي بنطالًا. وكان والده، رحمه الله، رجلًا ثريًّا بحمد الله بدأ من الصفر إلى ما شاء الله أن يكون، لكنه هو كان ينظر بنظرة الطفل إلى هذا الأب الثري الغني المليء بالمال الذي يمنعه بنطالًا. وفي الوقت نفسه كان الأب يقول له: يا بني، لو أردتُ أن أكسوك كل يوم بدلة جديدة إلى آخر العام لقدرت، ولكنك لن تكون رجلًا. قال المحاضر: كنت آخذ هاتين الكلمتين بعقل الولد الذي لا يفهم، وأظل أقول: ما هذا الظلم الذي نعيش فيه! ومع ذلك لم أفقد نسبة انتمائي للبيت بنسبة واحد في المليون أبدًا. لأنني أعرف أن ما بين يديه يومًا ما لي، وأن هذا الرجل الذي أراه ظالمًا لن يخرج عن منظومة هذه الأسرة، ولن يخرج عن انتمائه لنا هو أيضًا. فهناك انتماء متبادل.
وأضاف: اليوم لا أدري ما الذي حصل؛ لم يعد هناك انتماء حقيقي من آباء كثيرين لبيوتهم، ولم يعد هناك انتماء حقيقي من أمهات كثيرات لبيوتهن. ما الذي حدث؟ لا أعلم، لكن لنناقش الموضوع بهدوء وفي دقائق معدودة.
أنتزوج للسِّلم أم للحرب؟
وانتقل إلى سؤال منطقي: لماذا نتزوج؟ ولكن قبل هذا السؤال، لما شرع لنا رب العالمين سبحانه تشريع الإسلام، ما اسمه؟ «الإسلام». وهذه الكلمة جاءت من السِّلم أم من الحرب؟ وهل السِّلم هذا خاص بوقت التعامل مع الأعداء، أم هو داخل في إطار البيوت، وفي الشراكات المادية، وفي الصحبة في المدرسة، وفي الأخوّة، وفي أي منطقة من مناطق الحياة؟ والجواب البسيط أنه داخل في كل جزئيات الحياة. فإذا كان الأمر كذلك: فأنا حين أتزوج، هل أتزوج من أجل السِّلم أم من أجل الحرب؟ قال: ومن البدايات هكذا، هل أدخل سِلمًا أم أدخل حربًا؟ اتفقنا إذن على أننا نريد أن ندخل سِلمًا.
فلنتخيل أنني دخلتُ سِلمًا، وقلت لأبي العروس: يا عمّ الحاج، أريد أن أتزوج ابنتك في الحلال، ويشملنا الله برحمته، ونستر على بعضنا ويستر الله علينا، ونعيش حياتنا مستقرة. فإذا به يقول لي: انتبه، مطلوب منك عشرة آلاف أو عشرون أو خمسون أو ستون ألفًا. أهذا دخول في سِلم أم في حرب؟ لا سِلم ولا شيء! ما الذي يسلّمني في ذلك؟ يعني أن أطلب ستين ألفًا من رجل أعمال كبير عنده شركات كثيرة وأموال، فأعامل المقام بما يناسبه، ثم يأتيني شاب حاله «مشحّر» أصلًا، والله أعلم بحاله، بالكاد يجمع القرشين ويدفع إيجار الشقة التي سيستأجرها، ويريد أن يشتغل في المكان الفلاني. فالعاقل الذي يبتغي السِّلم يقول له: تعالَ، عندي مجموعة شروط أستوفيها أولًا. وما هذه الشروط؟ أن أضمن أخلاقك، وأضمن أمانتك، وأضمن سيرتك بين الناس وحسن معاملتك، وأنك لست غبيًّا ولا بخيلًا ولا معقّدًا، إلى آخره. فإذا توفرت هذه الشروط التي هي صمّام الأمان لحياة البنت، فخلاص يا بني.
وعندنا في مصر جملة نقولها: «احنا بنشتري راجل». ثم سأل الحاضرين: الذي يشتري، يدفع أم يأخذ؟ فصار منطق بعضهم أنه لكي يحصل على زوج لابنته، هو الذي يدفع! تخيّل بالمنطق المصري هذا: أنا أشتري رجلًا، فسأدفع أنا أيضًا، بل لو لم يكن عندك ما يكفيك فسأعوّضك أنا عمّا يكفيك.
قصة الخطبة والمبلغ
وقال: أذكر، وعذرًا فسيرة الوالد جاءت بالمناسبة، ولعل الله ساقها لتصله دعواتكم الصالحات، أن أحد الشباب، وكان زميلًا لنا، ذهب يخطب فتاة، وتوسّط المحاضر نفسه في الأمر ليشفع له. فقال الشاب لأبي الفتاة: أنتم ناس كبار، أغنياء، وأريد أن أتزوج ابنتك. فقال له الأب: اقعد يا بني، وماذا تريد؟ فقال الشاب: بل أنتم ماذا تريدون؟ فقال الأب: أنت الذي جئت لتصون ابنتنا بقية حياتها، فماذا تطلب منا؟ ما الذي ندفعه نحن عوضًا وتكريمًا لهذه البنت التي ستنتقل من كفالة أبيها إلى كفالة زوجها؟ فقال الشاب: يا عمّ الحاج، عيب ما تقوله، أنت تشتمنا، نحن الذين نجيء لنتزوج، فنحن الذين ندفع. قال الأب: طيب، ادفع، كم تدفع؟ فذكر الشاب رقمًا، فقال الأب: والله آسف جدًّا، لا أستطيع أن أقبل هذا الرقم. ولماذا يا سيدي؟ فقال: لأنني دفعت لابني مبلغًا معيّنًا عندما ذهب يخطب بنت الناس، فلن آخذ أكثر منه؛ وما تعرضه أنت أكثر، فسآخذ منك لابنتي مثل ما دفعتُ لابني. فقال الشاب: ولكن هذا كان من سنين! قال: لا يهم، الموضوع بسيط، وماذا أيضًا من الذهب؟ قال: ما معها يكفي. وهكذا صارت المسائل. [الأرقام وبعض تفاصيل الحوار مضطربة في التفريغ فاقتُصر على معناه.]
ثم قال: فتخيّل بعد عشرين سنة، حين أسمع شابًّا يقول: أهل البنت شدّدوا عليّ لما أقدمتُ عليهم وأنا داخل البيت، وقابلوني بما يشبه الضرب فيما يبدو[3]، لا ضربًا حسيًّا وإنما مفاجآت ومواقف وتشديدات. فهذا الشاب لا يستطيع بعد عشرات السنين أن ينسى اللحظة الأولى التي استُقبل بها في بيت والد هذه الفتاة. فكيف تكون معاملته إياهم طول عمره؟ عنده رصيد مخزَّن مدَّخر من البدايات. فمن البداية يتعامل مع هؤلاء الناس بمنطق أنهم حاولوا أن يفترسوا هذه الفريسة وأخذوا منه على قدر ما استطاعوا. ونسينا قضية السِّلم.
صديقان يتنافسان على الحساب
وقلب الصورة قائلًا: تخيّل أنك خارج مع صاحبك في مشوار، وأنتما طالعان نتنزه ونشمّ هواء، وبينكما الهارمونية والراحة. فمن منّا سيدفع الحساب؟ هل سنتخانق أمام الكاشير أم لا؟ نحن في كل حال سنتخانق، ولكن على ماذا؟ على من يدفع! هذا يقول: أنا أدفع، وذاك يقول: لا، أنا. ويحلف كل واحد على الثاني: بالله لا تدفع أنت، خلّها عندي أنا هذه المرة. فإذا تزوج اثنان بهذه الروح من السِّلم، حلف كلٌّ منهما على الآخر ألّا يأخذ هو وحده «الرزق» والتضحية والمجازفات واتخاذ القرارات وما إلى ذلك.[4]
عقلية المتحفِّز
قال: عندنا كمية كبيرة جدًّا من الشعور بالتحفّز. وما معنى التحفّز؟ أنا دائمًا قلق، دائمًا متحفّز، دائمًا آخذ خطوة استباقية، ويدي جاهزة أن أضرب فورًا. تخيّل أنك قاعد وحدك في الليل في بيتك، فتجد حركة غير عادية، وأبوابًا تُفتح، وصوتًا غير طبيعي، وأنت في غرفة نومك وفي الخارج أصوات غريبة. ما الاحتمال الذي يأتي إلى ذهنك؟ هل هو أحد الأولاد يتحرك في البيت؟ لا، فهم كلهم نائمون من بدري. زوجتي؟ لا، فهي نائمة جيدًا. إذن لا بد أنه حرامي. فما هي النفسية التي تخرج بها لتفتح الباب؟ نفسية المستعدّ لماذا؟ لحرامي، أليس كذلك؟
ثم تخيّل أن الذي يتحرك خلف الباب ابنك أو ابنتك، وأنت تعلم أنهما لا يزالان مستيقظين يعملان في واجبهما المدرسي، عنده امتحان غدًا، وسمعتَ صوتًا فقلقت. في الحالتين أنت تفتح الباب يا إخواني. لكن في الأولى نفسية المتحفّز: فيه حرامي، ويدي مستعدة أن أضرب بأقصى جهد. وفي الثانية أنت تفتح الباب متوقعًا أن ابنك أو ابنتك هو أول من ستراه في الفتحة. ففكّر في استعدادات يدك ورخاوة جسمك وأنت تفتح لابنك أو ابنتك، مقابل التوتر الذي في الجسم وأنت تفتح وفي ذهنك احتمال حرامي: خائف أن يضربني على رأسي أو يأتي في عيني. فاهم؟
قال: ونحن نتعامل مع زوجاتنا، وزوجاتنا يتعاملن معنا كذلك، في كثير من المواقف بلغة المتحفّز. وفي مصر نقول: «واقفة لك على غلطة»، أو «واقفة لك على واحدة». ومعنى ذلك أنني مستنيك فقط أن تقول كلمة غير مضبوطة، وحتى لو قلتها مضبوطة فسآخذها على محمل غير طبيعي، وأقول لك: أنت لا تعرف أنك تفعل كذا؟ وكذلك أنا متربّص بها طول الوقت. لماذا يا عمّ؟ لأن روح السِّلم غير موجودة في البيت. فأنا أتعامل لا بسِلم وإنما بما يسمى «النديّة».
نديّة المتنافرين ونديّة المتكاملين
والنديّة لها معنيان. المعنى الأول نديّة المتنافرين: لا تُمضِ قرارك عليّ، فأنت لستَ أحسن مني، أنا الذي سأفعل كذا. وهناك نديّة المتكاملين: كم ستدفع؟ خمسة آلاف؟ لا والله، أنا سأدفع خمسة «وواد».[5] فهناك نديّة، صحيح؟ أنا أضع رأسي برأسك، لكن واحد يضع رأسه برأس الآخر ليصل إلى الحل، وواحد يضع رأسه برأس الآخر ليغلبه. فأي الاثنتين موجودة داخل بيوتنا؟ للأسف الشديد مما نلحظه في واقع الناس أن هناك ما يسمى بنديّة المتنافرين، والعياذ بالله. وإلى أي مستوى وصلتنا نديّة المتنافرين؟ إلى مستويات الطلاق والخلافات والمشاجرات.
من يختبئ خلف الستار
وذكر أن أحد أساتذته رحمه الله كان يقول: على الأزواج أن ينتبهوا إلى أن هناك من يختبئ خلف الستار. فمن الذي يقف وراء الستار في بيتي، ومن الذي ينظر إليّ وإلى زوجتي؟ قال الأستاذ: انتبه، هناك شيطان يتربّص خلف الستار، فينفث في الكلمات؛ فتتكلم الزوجة بنية طيبة وتأخذ أنت الكلام على محمل غير طيب. وينفث في التصرفات؛ كأن ترمي أنت المخدّة في ناحية فتقول لك: أنت دائمًا لا يعجبك شيء. وينفث في ردود الأفعال؛ فتجلس لتأكل، وأول ملعقة شوربة تقول بعدها: «أوف»، فتقول لك: هو أنا دائمًا طبخي لا يعجبك؟ وأنت تقصد فقط: والله جميل يا ستّي، لكنها ساخنة، فقلت «أوف» بسبب سخونتها. فيذهب كلٌّ منكما بالموقف إلى احتمالات أخرى، فتنشب معركة من لا شيء.
خمسة وتسعون بالمئة ليست مشكلات
وقال: وكما قلنا لو صليتم معنا الجمعة اليوم، والله الذي لا إله غيره، إن 95% من المشكلات التي تأتينا في المساجد ليست عندهم مشكلات أصلًا. 95% من الناس الذين يجلسون أمامك كشيخ في المسجد ويحكون لك مشكلتهم، فتقول لهم: طيب، فيحكي ساعة ويحكي ساعتين، طيب ماشي، فأين الزبدة؟ أين المشكلة؟ يقول: كيف يا شيخ، ألم أقل لك؟ قلتَ كلامًا كثيرًا فارغًا. أمسكْ لي واحدة فقط، قل لي: مصيبة هذا الرجل في كذا.
فإذا جاءني اثنان، «كابلز الفل»، كتكوتتان لطيفتان، جمال، الرجل وهذه الصبية، قلت لهما: اجلسا يا أولاد. وقلت للرجل: كم لك متزوجًا؟ فيقول عشرين سنة. وللزوجة: وأنتِ يا أختنا الكريمة كم لك متزوجة من هذا الرجل؟ تقول: العشرين سنة نفسها. ثم أقول لها مازحًا: ولسه ما خلصتيش عليه! ثم أقول لهما: صلّوا على الهادي البشير، وبعد إذنكم خذا ورقتين فارغتين: اكتبي في إحداهما إيجابيات الشخص الآخر، وفي الثانية سلبياته، وأعطِ الورقة نفسها للطرف الآخر ليكتب كذلك. فماذا تظن أنك ستجد؟ تجد مثلًا: كريم، أمين، خلوق، يخاف على أولاده، وكذا وكذا. وفي الناحية الثانية: لم يجئ لي بفستان، لا يقول لي صباح الخير، لا يقول لي شكرًا حين أعدّ الطعام، وأشياء من هذا القبيل. فأقول لها: وماذا تريدين من قوام الرجل بعد أن كان أمينًا وخلوقًا وصادقًا ومحافظًا وغيورًا عليك وعلى أولادك؟ ماذا تريدين فوق ذلك؟ ليس هناك شيء، فهذا طبع الرجال، وهكذا خلقنا الله.
وتأتي إلى الرجل فيقول لك: من الإيجابيات والله أنها محافظة على عرضي، ساترة لأولادي، آخذة بالها من البيت، ثم تنظر إلى المشاكل فتجدها: تتكلم كثيرًا، وتتكلم كثيرًا في الفارغ. فأقول له: طيب، هذه ماكينتهم تعمل هكذا، وهكذا خلقها الله، وهذا طبيعي جدًّا. كما أن الله خلق ماكينتك صامتة على طول، وتريد أن تضربك لتقول كلمتين: يا رجل، انطق بقى، لقد دخلتَ البيت ونحن في البيوت خُرْس! هذا طبيعي، هذا الذي عندنا وهذا الذي نقدر عليه يا أبوي. وتأتي في الناحية الثانية: تتكلم! يا رب العالمين. فنكمل الناس بهذا الشكل.
فهم الطبيعة البشرية للطرف الآخر
قال: فما الذي تبتغيه من الطرف الآخر؟ أنا أخلص من هذه الكلمات إلى أن فهم الطبيعة البشرية للطرف الآخر يسهّل عليك جدًّا التعامل معه. ثم ضرب مثالًا من العمل: افترضوا أن عندي عاملًا يشتغل معي في منتهى الأمانة. واحد عنده مثلًا «جلوس ستور» أو ورشة ميكانيكا، وعنده عامل في منتهى الأمانة، أيسرق أم لا يسرق؟ لا يسرق. ممتاز. فأنت جمعتَ مجموعة أموال لتشتري صفقة، وحطّيتها كلها في حقيبة، وبلغت مثلًا ربع مليون دولار أو نصف مليون، أي رقم من هذه الأرقام المجنونة، ثم تركتَ الحقيبة ونسيتها في المحل ومشيت، انشغلتَ وقلت كذا ومضينا. فمن الوحيد الذي في المحل؟ صاحبنا هذا. خلاص. وأنت في البيت الآن، ماذا يقلقك: أن يكون سرقها أم أنه لم يُغلق الباب جيدًا؟ أتجري وأنت قلق، أم ترفع سماعة الهاتف وتسأله: هل أغلقتَ الباب جيدًا؟ فيقول: نعم، ووجدتُ في الحقيبة مالًا فوضعتُه في مكانه وأقفلتُ عليه. فترتاح أنت، الفلوس في أمان أم في خطر؟ في أمان.
ثم قال: ولكن انتبه، هذا الرجل المؤتمن كسول قليلًا، يأتي إلى العمل متأخرًا عشر دقائق، وقد يقعد سنة كاملة حتى يقوم ليجاوب الزبون. فما رأيك فيه؟ هو مؤتمن على الملايين لكنه في الوقت نفسه كسول. أنطرده ونجيء بآخر، قد يسرق المحل والأدوات التي فيه لكنه مضبوط جدًّا على الوقت؟ أم ماذا نفعل؟ تخيّل أن بعض الناس يرمي هذه الكتلة كلها من الأمانة من أجل مجموعة من الشكليات الأخرى. قال: ضربتُ مثالًا فقط، فإذا طبقناه على بيوتنا...
صاحبي والمرسيدس
وحكى أنه كان ماشيًا مع بعض أصدقائه في الشارع، فمرّت عليهم سيارة مرسيدس من تلك العريضة الضخمة جدًّا، فنظر إليها صاحبهم وقال: يا سلام على الناس التي تعيش هذه العظمة كلها! فقال له المحاضر: وزوجتك في البيت؟ قال: نعم. قال: متأكد؟ قال: نعم. قال: لا، لا بد أن تكون متأكدًا أن زوجتك في البيت. قال: ما بك يا شيخ، الساعة الثانية صباحًا، وإلى أين ستذهب؟ فقال له: يعني احتمال أن تكون خرجت وراحت مع أحد يمينًا أو شمالًا. فقال: أنت تتخيل جنونًا، أنت تتكلم عن عِرضي، أنت مجنون يا بني، كيف تتكلم؟ فقال له: يعني هذا اليقين الذي عندك أن زوجتك في بيتك، مقفول عليها بابها، مستورة، بكم تشتريه؟ قال: بكنوز الأرض. قال: فلماذا إذن تنظر إلى سيارة غيرك؟ لماذا لا تلتمّ؟ تخيّل كمية النعم التي نعيش فيها في حياتنا ولسنا منتبهين إليها! وكلمة واحدة تخرج مني بالغلط تتسبب في قضية، والقضية تكبر وأخسر فيها أهل بيتي الذين كانوا يمثلون بالنسبة لي صمّام الأمان. فهل أكون بذلك بعتُ أم اشتريت؟ ما رأيكم؟
العين التي قد تزيغ
وقال: كثيرًا ما تأتي إليّ امرأة تقول لي: زوجي ينظر إلى غيري وفي باله أن يتزوج امرأة ثانية. فقلت لها: طيب، وما المشكلة في هذا؟ قالت: ماذا تقول؟ ما المشكلة؟ أقول لك إنه ينظر إلى واحدة يريد أن يتزوج عليّ بها. فقلت لها: بيني وبينك فقط، يا رب لا تكون زوجتي تشاهد هذا الفيديو، لأنني على الهواء، يا رب ما تكون تشوف من ورا. فقلت لها: اسمعي يا بنت الناس، ليس في الدنيا رجل إلا وعينه ستذهب أحيانًا إلى امرأة أخرى. فاستنكرت ذلك، فقلت: والله لست مجنونًا، أقول لك الحقيقة، أتريدين أن أغشّك وأضحك عليك؟ ليس هناك رجل مكتمل الرجولة في غريزته وهي قوية، والدنيا ماشية، إلا وعينه ساعات تُرمى على ناحية ما. فقالت: كيف هذا؟ هذا حرام! قلت لها: ولماذا جعل الله غضّ البصر أصلًا؟ هذا التشريع لمن شُرع إلا للرجال؟ هل هناك طفل صغير ينظر إلى امرأة فيقول لها: شعرك حلو أو عيناكِ خضراوان؟ أأنتِ مجنونة؟ إنما الرجل هو الذي ينظر إلى المرأة. قلت لها: يغضّ بصره ويقفل هذا الباب.[6]
وقال إن النبي ﷺ لم يُنكر الطبيعة البشرية الموجودة فينا. [وقد اضطرب التفريغ في سياق ما ذكره عن بعض الصحابة هنا، فلم يُثبت.] ثم جاءت مسألة العلاج: كيف نعالجه؟ وقد قال المحاضر إنه لا يتكلم عن رجل طبيعته أن ينظر إلى النساء وعينه «بجحة» أو واسعة أو متعمّدة، بل يتكلم عما يغلب حال الرجل في بعض أوقاته. فإن حصل هذا فهو دليل على رجولته، وتحتاجين أنت أن تتعاملي معه. وهذا مصطلح مختلف عن العين الزائغة، لكن احتمال أن يحصل. فقلتُ لها: حضرتك تتشقلبين في البيت، وتعملين «حاوي» وتعملين «قرد»، وتطفئين كل الفيوزات التي عنده، وتجعلينه منعدم العافية وهو خارج صباحًا. هذا شغلك أنتِ لا شغلنا؛ هذه مهاراتك الخاصة أن تطلّعي عينه وتُملصي أذنه جوّا البيت، وتجعليه يعرف أنه ليس في الدنيا حريم غير زوجته القمر الجميل الكيوت الحلو الذي دائمًا ينتبه لي ويدور بالها. أما أن تُهملي في حق الرجل ثم تأتي إليّ تريدين أن تضعيه في محكمة لأنه نظر إلى واحدة مسرّحة شعرها وأنت تُحدثين له شكوكًا في البيت، فهذا موضوع مختلف.
لكل طلب مقابل
وقال: اتزنْ، «ميك سنس». فلكي نطلب شيئًا لا بد أن ندفع ما يقابله. فحتى تحفظي عين زوجك من أن تنطلق في الخارج، لا بد أن تكوني في الأرض أكمل النساء جمالًا وشياكة وأناقة وحركات.[7] وفي المقابل أنت تدخل البيت أيها الزوج وتقول: يا عمّ، هذه المرأة لا تعرف شكل الحريم الذي نراه في الشارع! لما نطلع بره نجد الدنيا كذا وكذا، وأدخل فأجد صاحبتنا مرميّة في المطبخ وريحتها كذا. حصل أم لم يحصل؟ ثم التفت إلى الحاضرين مازحًا: أنتم خائفون؟ هل أحدكم جاء بزوجته معه؟ أنا وحدي الذي أدعو الله ألّا تشاهد زوجتي الفيديو.
ثم قال: فلما طلبت هي من الرجل ما لا تعطي ما يقابله، كنا نسمّيها ظالمة. وفي المقابل أنا لما أطلب من زوجتي أن تتهيّأ على «سنجة عشرة»، سنجة عشرة أو لا؟ فبالمصري: الحكاية دي لما تتهيّأ على أكمل ما يكون، ما الذي وفّرته أنا لها حتى تتهيّأ هذا التهيؤ؟ والمثل المصري يقول: «اطبخي يا جارية»، فتقول: «كلّف يا سيدي». يقول لها: اطبخي يا جارية، فتقول: كلّف يا سيدي، أنت تريد مني هذا الطبيخ كله، فأعطني مالًا أستطيع أن أنفق منه على الطبيخ. أما أنت فتعطيني عشرة قروش وتطلب مني أن أعمل لك طبخة بمئة ألف! «ميك سنس». فالحكاية هي هي: أريد منها أن تكون على هيئة معينة فلأوفِّ لها مرادها، وتريد منه أن يكون مستقيمًا فلتلبِّ له مراده، وتتجمل وتتكمل حتى لا تدع له فرصة ليكون في كذا.
السِّلم البيتي: هل عرفتَ مَن تعاشر؟
ثم قال: نرجع إلى قضية السِّلم. هذا السِّلم البيتي: هل فهمتُ طبيعة الطرف الآخر أم لا؟ هل أتعامل مع شخص بيني وبينه صداقة ومودة، أم بيني وبينه نِقار وشجار طوال الوقت؟ هل أعطينا أنفسنا فرصة لنتعرف على بعضنا بحقيقة الأمر، أم كان تعارفًا جسديًّا في السرير، أعزّكم الله، وبس؟ أنت تعرف زوجتك كيف؟ تعرفها بدماغها؟ أم عرفنا الأجسام فقط؟ أم اختلطنا ببعضنا حتى نجيب ولدين ونرميهما في الشارع، وبعد ذلك لا عقولنا قادرة أن تلتقي ولا نفوسنا قادرة أن تستقيم؟ هذه المعادلة لو التُزمت داخل البيوت لوجدتَ الدنيا ماشية باستقامة وسلاسة وهدوء لا نظير له.
كم مرة شتم النبي ﷺ زوجة؟
وقال: سألتُ سؤالًا في صلاة الجمعة في الخطبة وسأسأله ثانية: كم مرة سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، في حياته كلها، وكانت تقريبًا ثمانيًا وثلاثين سنة زواج، أليس كذلك، أم أنني مخطئ؟ كم مرة شتم واحدة من زوجاته، أو قال لها كلمة عيب، أو انتقص من قدرها، أو حقّر من شأنها، أو عيّرها بفعل؟ كم مرة؟ ولا مرة. وكم مرة ضربها على وجهها أو بالعصا، أو حبسها، أو حكم عليها؟ ولا مرة. ونحن الذين يربّينا الله ويعلّمنا فيقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾…، كل ما نفعله نحن في بيوتنا من أعمال: أمن أعمال الجاهلية أم من أعمال الإسلام؟ بمنتهى البساطة.[1]
ثم قال: لكن هناك لحظة يصفو فيها الإنسان ليكون واضحًا وصريحًا مع نفسه، وهذه هي النقطة التي لا نحاول أن نصل إليها. ولذلك، كما قلنا، في كل مواقف الخلاف بين الأزواج كل واحد من الاثنين يدور كيف يرمي الغلط على الثاني. فتجد كلًّا منهما ينظر إلى الآخر ويرمي عليه الأخطاء، وهي أيضًا ترمي عليّ، وليس فينا من يقول: والله أنا كنت منفعلًا أكثر من اللازم، أو: والله قلتُ كلمة ما كان ينبغي أن تُقال، أو: والله صدر مني موقف لم تستطع هي أن تفهمه فأحتاج أن أشرحه لها مرة ثانية.
حادثة الإفك: أقسى ما قد يُقال
ثم سألهم: ما الأبشع في حياة أي رجل منا؟ وأنا أتكلم عن الرجال لا عن الذكور. في حياة أي رجل منا، هل هناك ما هو أصعب من أن تُتَّهم امرأته في عِرضها؟ تخيّلوا سيدنا النبي ﷺ لما اتُّهمت السيدة عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك. هل منكم من يقول لي إنه صدرت من النبي لزوجه كلمة نابية أو سيئة أو تعيير؟ أقصى ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، حين قالت له: أنت شاكّ فيّ، أن قال لها: «إن كنتِ بريئة فسيبرّئك الله».
وسأل الحاضرين: أليس في هذه الكلمة نوع من الاتهام؟ فعلّل أحدهم بأنها تحمل معنى التشكيك في كون المرء محترمًا أو شريفًا أو مؤتمنًا. فأجاب المحاضر: جزاك الله خيرًا، ولكن مع تأويلك هذا، أنا أنظر إلى الموضوع بشكل آخر؛ كأنه نوع من التطمين لها، وهي على يقين أنها بريئة، فسوف يبرّئها الله، وكأن المسألة مسألة وقت فقط. ثم سأل: وما دام الأمر كذلك فلماذا هو حزين؟ فجاء الجواب من الحاضرين: لأن هناك كمًّا من المشكلات ترتّب على الموقف أكبر من طاقته، فقال المحاضر: تمام. ولذلك لما صعد النبي ﷺ المنبر وتكلم مع الناس تكلم معهم بمنطق: ما بال أقوام يسيئون إليّ في عِرضي؟ يعني لماذا يتكلم الناس عليّ، وما نسبة الشك الموجودة عندكم؟ فتخيّل أن السيدة متهمة في شرفها ومع ذلك لم يتكلم النبي ﷺ بكلمة نابية.[2]
ثم قال مازحًا: يا جماعة، والله إني أدعو الله ألّا تشاهد زوجتي هذا الفيديو، وشكلي سأقع فيه بعد قليل، ماذا أفعل؟ إني أصنع مشاكل لنفسي اليوم.
الرجال يلتمسون صحة البيت
وعاد إلى منطق الرجولة فقال: الرجال يلتمسون الصحة النفسية والعقلية للبيت ومن فيه. وحتى أحافظ على زجاجي سليمًا، أنا دائمًا أنظّفه وآخذ بالي منه وأراعيه، ولا أدع أحدًا معه حجر يعدّي بجانب محلّي، وعيني وكاميراتي دائمًا مفتوحة. فلو كنا فعلًا منتبهين لبيوتنا بهذا القدر ما وُجدت مشاكل.
صناديق عقل الرجل
ثم رجع إلى فهم طبيعة الطرف الآخر، فقال: أحد العلماء أو المتحدثين في مجال طبيعة عقل الرجل وعقل المرأة عمل فيديو جميلًا جدًّا، كان يقول فيه إن دماغ الرجل عبارة عن صناديق جنب بعضها. والرجل يتعامل مع هذه الصناديق بمنتهى الدقة، فقبل أن يقترب من صندوق منها يفتحه بالراحة، ثم يرى ما فيه، ثم يدخل فيه ويقعد في داخله. فإذا كان يتفرج على التلفزيون، وأنا أتكلم مع الرجال، وزوجتك تحدثك وتتكلم، وأنت مركّز مع التلفزيون، فبعد ثلاث ساعات وربع تقول لك: لم تقل لي رأيك. وسأل الحاضرين: أليس ذلك طبيعيًّا، أم أنني وحدي الذي أفعله؟ فلما ردّ الحاضرون بالتأييد قال: هذا طبيعي. فقد خرجتَ من صندوق التلفزيون إلى صندوق الشغل والأرقام، فتجده قاعدًا والتلفزيون شغّال والأولاد حوله، وتقول له: شفتَ البطل كيف فعل كذا؟ فينظر إليها: بطل من؟ أين أنت؟ أنت في الشغل. قاعد بجسمك هنا فقط، أما دماغك فعند الذي عنده المال ولم يأت به حتى الآن، ماذا سنفعل معه وكيف نخطط؟ وترسم مخططًا للشرق الأوسط والأقصى والأدنى وأنت قاعد على هذه القعدة، وعينك على التلفزيون نفسه، تنظر معهم، لكن صندوق التلفزيون غير مفتوح.
وتأتي إلى صندوق النوم: أنا أريد أن أنام، أريد أن أنام، والولد تعبان ويريد الذهاب إلى الدكتور، فيقول الرجل: وهم يعيبون علينا، يا جماعة نحن أصلًا دماغنا على قدّنا، نحن غلابة، لو سمحتم لا تظلمونا ولا تطلبوا منا أكثر. فتخيّل مثلًا واحدًا قد نام، والولد يريد الذهاب إلى الطبيب، لكنه على يقين أن أمه تستطيع أن تأخذه، وأن أخته تستطيع، وأن أخاه الكبير يستطيع، فهناك بدائل. ففي تلك الساعة يخرج «البنج» هذا من الصندوق ويضعه في صندوق ثانٍ لوحده، وهذا الصندوق عبارة عن «الاطمئنان على الولد» لما يرجع، ربما بعد شهرين مثلًا، فنطمئن عليه، ليس مهمًّا الآن، لكن أريد أن أطمئن. وهكذا.
والشاهد من الكلام أن هذه الصناديق تخرج من هذا وتدخل في ذلك، وصاحبتنا تكلمك في موضوع وتجدك في موضوع آخر. فهي بطبيعة الحال تزعل أم لا تزعل؟ تزعل طبعًا، وتقول لك: لا يُعيرني، لا يهتم بي، لا يسمع كلامي، لا يعطي انتباهًا. فأقول لها: يا ستّي، والله المصنع عمله هكذا، هذا الرجل وُضع على القالب وربطت الصواميل بهذا الشكل، فلا تحاولي أن تُخرجيه عن ذلك، هو كذلك.
وعقل المرأة
ثم تذهب إلى الناحية الثانية فتجد زوجتك، يقول لك: الدماغ هناك عبارة عن مجموعة من المسارات متصلة ببعضها وشغالة في وقت واحد. تعمل في المطبخ، وتتكلم في التليفون، وتعالج كذا، وتقول للولد: الشراب بتاعك في الغرفة في المكان الفلاني وتحت كذا. يا حاجة، ما هذه الملكات العظيمة! خلق الله الدماغ هكذا. ولذلك تكون أنت قاعدًا تتكلم في موضوع، ومع كامل احترامنا لأخواتنا، وإن كان أحد يسمعنا بارك الله فيه، فتبدأ تتكلم معها في موضوع من مواضيع البيت: عايزين نعمل كذا وكذا، ماشي. وفجأة بقدرة قادر تجدها تتكلم عن شيء اسمه «الجنبيه» الذي اتقطع في مكان ما،[8] وعن زوج أخت بنت عمّه خالتها الذي لا أعرف ما فعل، لأن زوجته قالت كذا... وأنت تقول لها: يا ستي، معلش، ممكن نرجع خطوتين إلى الوراء، «ريفرس»، لقد أخذتِ المخرج الأيسر، ابقي معي في هذه الدائرة. ونحن ماشون في الموضوع نفسه، ففجأة، سبحان القدير، جوز أخت بنت عمّه...
فأنت حين تتكلم معها انطلاقًا من هذه الصناديق وهي ذهبت هكذا، تغضب لأنها أخرجتك من الموضع الذي كنت تفكر فيه، فيكون ردّ فعلك انفعاليًّا. لأن المشاعر هي الداخلة على التفكير، والتفكير داخل على الإرادة، والإرادة داخلة على الكلمة التي قلتَها، وكل ذلك بناءً على هذا الخلل الذي حصل عندك، فدخلت عندها في قصة المشاعر، فتقول لها: يا ستي، نحن نتكلم في موضوع، أنتِ ستجنّينني![9] فتقول: نعم، أنت تراني دائمًا مجنونة. وأنتم تعرفون الباقي. وفي الآخر نجده يأتي إلى المسجد وفي رأسه خبطة.
خلاصة في نقاط
ثم قال: لا أريد أن أطيل عليكم ولا أن أكثر، لكني أرخّص الكلام في عدة نقاط بسيطة جدًّا. لما شرع الله تعالى لنا الدين شرع لنا دينًا يسمى الإسلام، الأصل فيه السِّلم. فإن جاءكم من يطرق بابكم فتعاملوا معه بمنطق السِّلم لا منطق الحرب. وإذا اقتحمتم بيتًا ودخلتموه وأخذتم منه قرّة عينهم، ابنتهم، وصارت أمانة عندكم، فنحن نتعامل معها بالسِّلم. وإذا ائتمن الله تعالى أختًا لنا على زوج لها، ورجلٌ كان في كنفها وفي أمانتها وفي ظلها معنويًّا ونفسيًّا إلى آخره، فهو في أمانتها، تتعامل معه بالسِّلم. وإذا اتفقنا أن نتعامل بالمنطق والعقل والهدوء فلن نصل إلى مرحلة لا الشجار ولا الخِناق ولا المنازعات ولا المحاكم. وإذا حكّمنا عقولنا كرجال في أننا نتعامل مع طبيعة مختلفة ونفسية مختلفة، وجدتَ نفسك صابرًا.
ثم قال لمن عنده محل: لو كان عندنا «سيلزمان» واقف يتعامل مع الزبائن طول اليوم، بالله عليكم، هل يقصر نفسه على التعامل مع العاقلين فقط، أم أن احتمال أن يدخل عنده واحد مجنون؟ لما يدخل عندي زبون مجنون، هل أصبر عليه حتى يشتري مني، أم أقول له: اطلع بره، أنت مجنون يا ابني، أنا لا أتعامل إلا مع العاقلين؟ ما رأيكم؟ نحن كسيلزمان شاطر، أيّ زبون يدخل عندي[10] أتعامل معه كسيلزمان شاطر. وفي البيت يتعامل مع كل المواقف المتقلبة داخل هذه العقلية النسوية التي خلقها الله هكذا.
لا ننتقص من شأن نسائنا
وقال: ونحن، على فكرة، لا نعيبها، ولا ننتقص من شأن نسائنا ولا زوجاتنا، بالعكس؛ ربّ العالمين سبحانه كمّلهن بما لا نستطيعه نحن. وأنا دائمًا أسأل إخواني وأسأل نفسي: حين تلد زوجتي طفلًا جديدًا ويكون عندنا في البيت صوت جديد، طفل يبكي، فأنت بطبيعة حالك رجل: خذي ابنك هذا واخرجي به إلى الصالة، عندي عمل في الصباح، دماغي... فتقول أختنا: ألا ترى؟ إنه لا يتحملني، وهم دائمًا لا يتحملون المسؤوليات. لا، الموضوع ليس كذلك، هو عنده مسؤوليات أخرى، وهذه الجزئية ليست في الصناديق الموجودة في الدماغ، فلا تظلميه أنتِ أيضًا. وربّ العالمين أعطاك كمية من المشاعر والحنان والاستجابة النفسية. أما نحن فناس «جبلات»، ما عندنا هذه الحكاية، لا نفهم في هذا الموضوع، وليس عيبًا. وعندي أنا الصلابة والقوة والتصدر والتعامل مع الناس واختراق المجتمعات كما كنا نتكلم اليوم، فأنا أربّي ابني على أن يكون صلبًا قويًّا عنيفًا، وأربّي البنت على أنها في الخدور، وعارف كده. ولذلك فثواب من ربّى بنتًا ودخل بها الجنة؛ لماذا؟ لأنها تحتاج إلى معاملة خاصة. [هذه الجملة مضطربة في التفريغ، فنُقل منها ما ثبت دون عزو حديث.]
سِلم في البدء وسِلم في الختام
ثم قال مرة أخرى: سِلم في الأول في العيش، وسِلم في الختام. السعادة التي لا تستطيع أن تجدها الآن لأنك تتناقر مع زوجتك كثيرًا ستجدها لو حافظت على هذا البيت. لو حافظت على البيت ولمَمنا الأمر، ثم يأتيك حفيد أو حفيدة من أولادك. فنظر إلى أحد الحاضرين وقد ابتسم وقال: انظروا كيف ابتسم ابتسامة جميلة، لأنه تذكّر الجزء الجميل في حياته. فأول ما يدخل هذا الطفل الصغير على جدّه، يَنسى مشاكله ومشاكل أمه ومشاكل من جاؤوا به ومن وضعه، ويقول: يا رجل، ماذا حصل؟ لقد نسيت كل شيء! تخيّل أنت عشرين سنة، خمسًا وعشرين، ثلاثين سنة من المناكفات رايحة جايّة، وسدّ وتقارب وكذا، ثم يدخل طفل هو حفيدك، وأنت ماشٍ وعمرك ستون أو سبعون، وبجانبك طفل عنده عشر سنين أو اثنتا عشرة سنة، حفيد يمشي بجانب جدّه: سأوصلك إلى المسجد يا جدّي. كم تساوي هذه اللحظات في حياة الإنسان؟ بالله عليكم، ألا تنسيك كل الألم الذي رأيته في حياتك؟
وقال: تخيّل الأم التي صبرت علينا. أنا مثلًا زوجتي صبرت عليّ، وأقول لها دائمًا: لو دخلتِ الجنة بسبب مباشر، فليس صبرك عليّ أكثر ثوابًا لك من صلاتك؟ أنا أقول لزوجتي هذا، فهذه طبيعتي، وأعرف نفسي، ربنا يستر علينا، يا رب لا تشاهد الفيديو لأنها ستعايرني به بعد قليل. صلّوا على سيدنا النبي. والله إن هذه لشغلانة! لكني أتخيل أن هذه السيدة التي صبرت عليّ كل هذه المدة من الزمن: ما رأيكم، كيف تكون حالتها النفسية يوم عرس ابنتها؟ بلاش فرح ابنها: يوم تزوج ابنتها، تنظر في وجهك وتقول: والله كبرنا يا أبا فلان! ما هذه حالة الرضا التي جاءت فجأة؟ معقول، أنت تبتسمين! وتعرف لماذا؟ متى خرجت هذه الابتسامة؟ حين استشعرت لحظة من لحظات السعادة الحقيقية في حياتها الطبيعية. ومن ثَم استشعرنا لذة ثمرة الحياة. فابنك الذي يمشي بجانبك هذا يُصبّرك على أي شيء في الدنيا، لأنك كلما نظرت في وجهه ملأ عينك وقلبك ووجدانك، وأفرحك بالمستقبل الذي تبنيه بعد عشرين أو ثلاثين سنة.
وختم بأن القضية كلها قائمة في أن الشيطان يحاول دائمًا أن يهدم علينا بيوتنا بقدر ما يستطيع من الحيل، ويتربّص بنا في نقاط الضعف التي يراها في نفوسنا وعقولنا وأبصارنا وبصائرنا، حتى يستطيع أن يبثّ سمومه في وسط هذا البيت الجميل الراقي الرائع بإذن رب العالمين. وتوقف عند هذا الحد، وسأل الله تعالى لنفسه وللحاضرين القبول.
--- [1]: توثيق المحرر: هذا ما قاله المحاضر في كلامه عن سيرة النبي ﷺ مع أزواجه؛ ومما صحّ في ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا» رواه مسلم. ومقطع الآية المثبت هو ما نطق به المحاضر، وموضعها [الحجرات: 7]، وتمامها: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. [2]: توثيق المحرر: قصة الإفك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. والعبارتان المنسوبتان إلى النبي ﷺ أُثبتتا بالمعنى كما وردتا في كلام المحاضر. والثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعائشة: «فإن كنتِ بريئةً فسيبرّئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه»، وقال على المنبر: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي»؛ فلفظ «ما بال أقوام» ليس من لفظ القصة. [3]: توثيق المحرر: عبارة «قابلوني بالبوم» مضطربة في التفريغ؛ والمثبت تقدير بالمعنى لقول المحاضر بعدها «مش ضرب حسي لكن المفاجآت». [4]: توثيق المحرر: كلمة «الرزق» قراءة تقريبية لكلمة غير واضحة في التفريغ («الرزك»). [5]: توثيق المحرر: «خمسة وواد» كما في التفريغ ولم يتضح المقصود منها. [6]: توثيق المحرر: في التفريغ «ياخد بصمه يقفل الحته دي»؛ والمثبت «يغضّ بصره» قراءة تقريبية. [7]: توثيق المحرر: في التفريغ هنا عبارة مضطربة («سيدة نساء العالمين… كلفيه ما لا يطيق») فاقتُصر على معناها العام من الجمال والأناقة، وحُذف ما لم يتضح. [8]: توثيق المحرر: كلمة «الجنبيه» كما في التفريغ ولم يتضح المقصود منها. [9]: توثيق المحرر: نسبة الكلام هنا مضطربة في التفريغ («انت بتهني يا ستي انا مشينك…»)؛ والظاهر أنه كلام الزوج، وتعقيب الزوجة بعده. [10]: توثيق المحرر: في التفريغ «اي سبون»، والمثبت «زبون» قراءة تقريبية.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔