إرضاء الناس غاية لا تُدرك
خاطرة الفجر | 1 أغسطس 2025
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١ أغسطس ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
وغر الصدور
ذكرنا بالأمس مسألة «وغر الصدور». ما معنى وغر الصدور؟ القلب إذا وَغِر، أو الصدر إذا تغيّر واستشعر نوعًا من الحقد على الناس، تراه يؤلم صاحبه ويؤلم من حوله.
والمثال المضروب أحيانًا: يمنّ الله تبارك وتعالى عليك بفعل الخير لكثير من البشر، فتُحسن وتنفق وتُغدق وتتكلم بالطيب وتبذل أقصى ما تستطيع. لكنك ترى في الطرف الآخر بعض النفوس المريضة التي لا تعرف لك معروفًا، ولا تشكر لك صنيعًا، ولا تردّ لك جميلًا، بل لا تزال تنظر إلى ما في يدك فقط: فإذا أعطيتَ كنتَ صاحب الفضل والرضا، وإذا أمسكتَ كنتَ صاحب المسبّة واللعن. إن كان هذا من الغرباء أو من البعيدين فهو مقبول، ممكن أن نقول إن النفوس تتغير. وانظر إلى الآية التي تلاها علينا شيخنا في الصلاة: ﴿الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾[1]؛ فقارون بالنسبة لهم كان المثل الأعلى الذي ينظرون إليه ويرمقون ما عنده ويتمنَّون بعض هذا الخير الكثير.
لكنّ الإشكالية أن ترى النفوس تنكر المعروف ولا تعرف للمودة سبيلًا، بين زوجين مثلًا عاشا معًا زمانًا وأوقاتًا طيبة وعشرة ومعروفًا، ثم في لحظة من اللحظات يتنكّر أحدهما للآخر وكأنه لم يكن يعرف ذلك الإنسان. فكيف تستطيع أن تعالج هذا؟ كيف تستطيع أن تُبقي نفسك في قلوب الناس صاحبَ مكانة ومنزلة؟
السؤال خاطئ
الجواب أن السؤال خاطئ. لماذا؟ لأن الناس لا يرضون أبدًا، أبدًا. الناس لن ترضى عنك أبدًا. ولذلك كان سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله تبارك وتعالى أن يرزقه قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا[2]. أما البشر فهذا ليس موضوعه.
عندما نقف أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، هل سيسألني عما فعلتُ أم سيسألني عن تقييم الناس لما فعلتُ؟ ما رأيك؟ هل سيسألني الله تبارك وتعالى عما صدر مني، أم كيف رآني الناس وحكموا عليّ وأساؤوا إلى معروفي؟ كيف سيراني سبحانه؟ كيف سيحكم على فعلي؟ سيحكم على ما عملتُه أنا. ومن ثَمّ لا ينتظر المرء من الناس ثناءً. والخاسر هو الذي يعمل شيئًا ليُثني عليه الناس، ليمدحه الخلق.
حتى الأقارب والأصدقاء والرفاق: لو كنت تعمل معروفًا في أهلك وفي بلادك هناك، أو في أصدقائك هنا، حتى يقولوا والله هذا كريم وشهم وطيب، فلا، لا! هذه صفقة خاسرة. صدقني والله، إن شاء الله لن يحصل هذا أبدًا. لن ينال أحد رضا البشر. لماذا؟ لأن النفوس تغار وتقارن، حتى أبناء المهنة الواحدة: مهما أحسنت لا يرى معروفك بحال من الأحوال، وإنما يراك صاحب منقصة دائمًا، أستغفر الله. لماذا يا سيدي؟ لأنك إذا أوتيتَ مَلَكات فلا بد أن تُسخَّر لي، وإذا كان عندك خير فلا بد أن يأتيني، وإذا كانت عندك مهارة أو عقلية فلا بد أن يرجع ذلك إليّ. أنا المستفيد الأوحد مما تفعل! فإذا تغيّرتَ في سلوك أو تصرف، أو اضطررتَ لشيء، كنتَ معيبًا عنده.
ترى الإخوة أبناء أب واحد وأم واحدة، والكل ينتظر من الكل، ينتظر من الكل، لا أحد يريد أن يمدَّ يده بالعطاء لمحض العطاء. وكأن مسألة الآخرة قد غابت عن أذهان الناس وعقولهم ونفوسهم وصدورهم، فلا ترى إنسانًا يعطي لأجل الله ويمنع لأجل الله، يبسط لأجل الله ويمسك لأجل الله. ليست موجودة إلا نادرًا، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى.
اجعل عملك محلَّ نظر ربِّ العالمين
ومن ثَمّ فلنتذكّر اطّلاع الله على القلوب. ووصيتي في ختام هذه الكلمة القصيرة الصغيرة: إذا كان لك من عمل فاجعله محلًّا لنظر ربِّ العالمين سبحانه وتعالى. من الذي يطّلع على قلبك؟ الله سبحانه وتعالى. هل هناك أحد آخر غير الله عز وجل يطّلع على قلوبنا؟ مستحيل، لا. فإذا كان الله عز وجل وحده هو الذي يطّلع على قلبي فلمن أعمل؟ أعمل لأجل من يطّلع على قلبي، ولمن يعرف حقيقة ما عندي.
فإذا أنكر الناس عليك صنيعك فذلك شأنهم، وليس شأنك. وإذا وافقوك وأثنَوا عليك وكانوا في حماك وفي ظلّك فالأمر إليهم أيضًا. من أرجع قلبه لمرضاة الناس خسر مرضاة الله ومرضاة الناس. ومن أرجع عمل نفسه وقلبه لله خسر الناس، وحتى وإن خسر الناس فقد بقي عنده إرضاء ربِّ العالمين سبحانه.
--- [1]: توثيق المحرر: من سورة القصص (٧٩). اقتصر المتحدث على الشطر المذكور، وذكر أن الشيخ تلاها في الصلاة. [2]: توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى دعاء مأثور عن النبي ﷺ فيه سؤال القلب السليم واللسان الصادق، ولم يذكر مصدره؛ وجاء النقل بالمعنى بلا اقتباس.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔