من أسرار الدعاء النبوي
خاطرة الفجر: ليس كل داعٍ مجابًا وليس كل شاكٍ مصابًا
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٩ يونيو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتتح الدكتور أحمد أبو سيف الخاطرة بدعاءٍ سأل الله فيه رضاه والجنة، والثبات بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يصرف عنا أسباب العذاب برحمته ورضوانه. ثم وصل ما بدأه بالأمس.
الدعاء استمطارٌ لرحمة الخالق
تحدثنا بالأمس أن النبي ﷺ إنما كان يستمطر رحمات الله عز وجل بالدعاء، وذكرنا أن الدعاء والاتصال بالله سبحانه سببٌ مباشر تمامًا في علاج الأمراض ومعالجة أحوال الخلق في شؤونهم كلها. وذلك لأن الداعي إنما يستمطر رحمة الخالق، والخالق هو الذي خلق وسوّى وقدّر وهدى، وعرف شؤون خلقه. وهو في الأصل الذي ابتلى الناس بما يشكون منه، وهو القادر على إنقاذهم مما ابتلاهم به سبحانه. فأنت تدعو من صنع ودبّر، ومن أقام ورفع وخفض، ومن بسط وقبض، سبحان العلي القدير.
قصة الصحابة والرقية بالفاتحة
غير أن هنا سؤالًا. وقد ذكرنا بالأمس قصةً طريفة يرويها أهل الحديث: أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانوا في سفر، فنزلوا بوادٍ عند قوم، فاستطعموهم؛ أي طلبوا منهم طعامًا، فلم يطعموهم. وبينما هم كذلك اشتكى رئيس هذه القبيلة، فأتَوهم وقالوا: هل عندكم من شيء تفعلونه لصاحبنا؟ فقال أحد أصحاب النبي ﷺ: عندي ما أرقيه به، غير أني لا أرقيه إلا إذا جعلتم لنا جُعلًا؛ أي قدّرتم لنا مالًا. قالوا: نعطيكم كذا قطيعًا من الغنم. فذهب إليه وقرأ عليه سورة الفاتحة.
وبينما هم يتناولون ما وُعدوا به، وقد وصلت الأغنام، قال ذلك الراقي: والله لا نضرب لأحدٍ منا بسهم حتى نعود إلى رسول الله ﷺ فيخبرنا أحلالٌ ما فعلنا أم حرام. والمسألة منطقية تمامًا: نحن اجتهدنا من أنفسنا وصنعنا هذه الرقية لهذا الرجل، وهذا طعام لا ندري أحلالٌ لنا أم لا. فلو أنهم أُطعموا من محض الكرم لكان ذلك حلالًا، ولكنهم تكسّبوا الآن مالًا، فهذا التكسّب من حلٍّ أم من غير حل؟
فعادوا إلى رسول الله ﷺ، فسألهم: وما أدراك أنها رقية؟ ثم ضرب معهم بسهم ﷺ ليفيدهم حِلَّ ما أخذوه من هؤلاء الناس.
ويبقى سؤال: هل وقعت الفاتحة على مسلمٍ حتى يستفيد منها، أم وقعت على كافر؟ وهل النفع في الكلام ذاته، أم في علاقة المعالِج بالكلام الذي تُلي على المريض؟ والشاهد أن بركة كلام الله تبارك وتعالى تمضي حيث شاء من خلقه سبحانه، وأن النية إن لم تكن مرتبطة بنفس المريض فهي مرتبطة بنفس المعالِج، وهو هنا الصحابي الكريم، رضوان الله عليهم أجمعين.
ليس كل داعٍ مجابًا: المسألة مسألة يقين
لكن تبقى نقطة في المسألة، وهي أنه ليس كل داعٍ مجابًا؛ فالمسألة مرتبطة باليقين. وأضرب مثالًا كثيرًا ما أذكره: يكلمني أحد الناس فيقول: أنتم تقولون «زمزم لما شُرب له»، أليس كذلك؟ ورُوي عن النبي ﷺ: «ماء زمزم لما شُرب له».[1] فمن شرب زمزم لعلاج مرضٍ أو داء أو غيره فإن الله تعالى يُمضي بركتها في ذلك البدن وفي ذلك العقل وفي كل شيء. فما بالي أعود إلى زمزم كل عام وأدعو الله بالدعاء نفسه ولا أُجاب؟ لماذا لم أُشفَ إلى الآن؟ أأصدّق هذه الرواية التي تقولونها، أهي صادقة صحيحة، أم أين المشكلة؟
فقلت له: المشكلة عندك. فقد يكون هناك مصاب بالسرطان، والعياذ بالله، فيشرب من زمزم فيشفيه رب العالمين سبحانه. وقد يكون هناك مصاب بالسرطان فيدعو الله بعد شربه من زمزم فيستجيب له رب العالمين. ويذهب آخر عنده نزلة برد فقط، ويشرب من زمزم، ولا يُشفى منها. فأين الخلل؟ عند الشارب. قلت له: إن وعد الله تبارك وتعالى لا يُتعامل معه بمنطق التجربة. فقال: أنا أذهب لأجرّبها، فهي إحدى الأدوات المطروحة عليّ لأُشفى. فقلت له: لا؛ لا تصلح مع الله سبحانه التجربة. فإما أنك موقن بما وعد به النبي ﷺ، وإما أنك شاكٌّ فيما وعد به النبي ﷺ.
فنقول: ليس كل داعٍ مجابًا. لماذا؟ لأن نفوس الناس تتفاوت في الإيمان والتعلق بالله سبحانه.
ومن ذلك أن يأتي الرجل ليقف بسيفه على رأس النبي ﷺ ويقول: «يا محمد، من ينقذك مني الآن؟» فينظر النبي ﷺ إليه وإلى السيف الذي في يده. تخيّل: النبي ﷺ يجلس تحت شجرة وليس معه سلاح ولا شيء إلى جنبه، ثم يخرج له واحد فجأة ويقول: أنا قدامك، ضربة واحدة ونخلّص على هذه القصة كلها، قصة الإسلام. فيقول: «من ينجيك مني الآن؟» فيقول النبي ﷺ: «الله». فيسقط السيف من يد الرجل. من أين أتت هذه القوة، ومن أين جاء هذا الأثر؟ من يقين الداعي الذاكر لما يتحدث به.
فرُبّ رجلٍ يضع يده على بطنه أو على رأسه ويقول: «اللهم رب الناس أذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك»، فيذهب ما كان عنده بقدرة الله تبارك وتعالى. ورُبّ رجلٍ يقرأ القرآن كله تبرّكًا ولا يجدي معه ذلك شيئًا. فالمسألة متعلقة بقلب الداعي ونفسيته ويقينه فيما بين يديه من ذلك الخير.
حين يُؤخَّر الجواب: مزيد ابتلاء
النقطة الأخرى أن الدعاء يُؤجَّل أحيانًا لأن الله يريد مزيدًا من الابتلاء من هذا العبد. وفي الآثار عن أصحاب التجربة وأهل الخبرة أن الله تبارك وتعالى يحب أن يسمع نداء عبده، فيزيد في مدة ابتلائه أو في قدره. والابتلاء إما أن يزداد في كَمّه أو في كيفه: فالكمّ بمزيد من الوقت مثلًا، والكيف بمزيد من الأثر، فيُرهَق الإنسان بمزيد من التعب. والنبي ﷺ يحدثنا في هذا بقوله: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل».[2]
فكيف يُبتلى الأنبياء وهم يدعون الله تبارك وتعالى، ويسمع الله دعاءهم ونداءهم؟ كيف يُبتلون؟ لأن الله تعالى يحب أن يرى من هذا الداعي ذلك الدعاء. فتقول: طيب، ألا يسمع الله من الناس الدعاء إلا مع البلاء؟ ثم يقول أحدنا: لو بعث لي ملايين، وأنا أيضًا سأظل أدعو كثيرًا. يا سيدي، يا مولانا، لو جاءتني كومة من الفلوس لصرت بخير، وسأدعو ليلًا ونهارًا. فيُقال لك: لا؛ فأنت لا تضمن آثار النعمة على النفوس، فإن النفوس تتقلّب بمزيد من النِّعَم. وكلما كان العبد في اختبار كان أنقى وأرجى للقبول، لأنه أقرب من رب العزة سبحانه وتعالى.
وليس كل مبتلًى بالنعمة شاكرًا، وقد رأينا أن كل مبتلًى بالنقمة أو بالمصيبة محتسبٌ عند الله تبارك وتعالى، إلا من رحم الله عز وجل.
ليس كل شاكٍ مصابًا: الآلام المتوهَّمة
ولهذا قُسمت الكلمة اليوم إلى شقين: ليس كل داعٍ مجابًا، وليس كل شاكٍ مصابًا. بمعنى أنه أحيانًا لا يكون هناك داءٌ في البدن أصلًا، وإنما آلامٌ متوهَّمة. وما حكاية هذه الآلام المتوهَّمة؟ من كثرة الضغط، من ضغط العمل. جاءني صداع، فيُقال لي: صداعك هذا فيه ماذا؟ وكم من مرة ترى إنسانًا يذهب إلى الطبيب، فيسأله: ما الحكاية؟ في كذا وكذا؟ لا. عندك كذا؟ لا. فيشكّ الطبيب ويقول له: معذرةً، هل تعمل لي هذه الأشعة وهذا المسح وهذا الفحص؟ حتى إنه ليبعثك إلى فحوص متخصصة عميقة جدًّا. ثم تأتي النتائج كلها تقول: سلبية، لا شيء عندنا. فما حكاية هذا الرجل؟ يقول له: هذا المغص الذي عندك نفسي. فهناك شعورٌ بالألم، وهناك ألمٌ حقيقي، لكن من أين جاء هذا الألم المتوهَّم؟ من كثرة الضغط، ومن أن العبد متحيّر في مسألة، أو شاكّ في أمر.
وهنا في الآلام النفسية: ماذا تصنع معها العقاقير؟ واحد متضايق، فعنده صداع، فهذا الضيق نضع له كبسولة، فلا تصلح معه هذه العقاقير. فماذا يصلح معه؟ الدعاء لرب العالمين سبحانه وتعالى، فيشفي الله عز وجل نفوس الخلق كما يشفي أبدانهم، سبحانه جل في علاه.
خلاصة الكلمات
هذه كلمات على عجالة نخلص منها إلى أنه طالما كان الداء مع العبد، فذاك مؤشر عند أهل المعرفة أن الله يحب أن يسمع صوتك، فلا تقطع صوتك بالدعاء بين يدي الله تبارك وتعالى. وطالما كان هناك داء مع الدعاء دون الجواب، فاعلم أن فيه نقصًا في الإيمان واحتياجًا إلى مزيد من التعرّف على الله سبحانه وتعالى.
ولنعلم أن ما عندنا ليس شرًّا أبدًا، لأنه من الله عز وجل، وإنما هو خيرٌ كله، لأن الله عز وجل، كما تلا علينا شيخنا، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.[3] والناس ينظرون إلى كلمة «الرسالة» على أنها محل الرسالة في النبوة وغيرها، والشاهد أن الله أعلم حيث يجعل ما يشاء وما يريد: فيجعل في إنسان ألمًا، ويجعل في إنسان فرحًا، ويجعل في إنسان تحصيلًا للأموال، ويجعل في إنسان احتياجًا إلى الأموال. الله أعلم حيث يختبر عباده بما شاء.
أسأل الله العلي القدير أن يمكّن الإيمان في قلوبنا، وأن يشرح صدورنا لمزيد من طاعته، وأن يهيّئ نفوسنا لدعائه سبحانه وتعالى، وأن يجعلنا محلًّا لقبول الدعاء. اللهم آمين. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد وابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه، وللعلماء في ثبوته كلام؛ فصحّحه بعضهم وضعّفه آخرون، ولذلك صُدّر بصيغة الرواية. [2]: توثيق المحرر: الحديث عند الترمذي وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بهذا اللفظ: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل». وقد جاء في التفريغ «ثم الأولياء» بين الأنبياء والأمثل، ولم أجدها في ألفاظ الحديث فحُذفت من المتن. [3]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية ١٢٤. والمتحدث اقتصر على هذا القدر منها.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔