أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
قرآن اور تہذیب

منهج القرآن في بناء الشخصية

من «اقرأ» إلى «قم فأنذر»: أربع لبناتٍ نزلت أولًا لتبني الإنسان

ڈاکٹر احمد ابو سیف•١٨ مايو ٢٠٢٤•38 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في لقاء «نادي الكتاب الإسلامي» بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠١٧مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل معنا ولا بيننا شقيًّا ولا محرومًا. اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.[18]

الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. بدايةً نحمد الله أن جمعنا على مائدة العلم وطلبه، ونسأله ألّا يحرمنا هذا الشرف ما حيينا، وأن يتوفانا ونحن ملتفّون حول هذه الحِلَق وهذه الموائد. ثم أشكركم على استضافتي في هذا اللقاء الكريم الذي طالما سمعتُ عنه وتمنيتُ أن أكون من الجالسين فيه المتعلّمين. وأحسبُ ضيوفكم جميعًا أهلَ علمٍ وكرمٍ وخلقٍ وفضل، فأسأل الله أن يرزقنا حسن صحبة الصالحين، وأن يمنّ علينا بدوام هذه الصحبة لأهل الخير.

وموضوعنا الليلة لعله يكون مبادرةً للحديث عن منهجيات القرآن. والبحث الأكاديمي يُملي علينا أحيانًا أن نبدأ بمجموعة من التعريفات المبدئية. فلو قلنا «منهج القرآن في بناء الشخصية المسلمة» فعندنا إلى الآن خمسة مصطلحات: المنهج، والقرآن، والبناء، والشخصية، والمسلمة. وقد اخترتُ هذا الموضوع لأنه كلما جاءت موضوعات في عالم البناء، سواء أكان بناءً أم استكمالًا لهيكل الإسلام في دواخلنا ونفوسنا، أم نوعًا من البناء الأخلاقي، فإن كل هذه المحاور تدور حول الإنسان.

الإنسان محور الارتكاز

كل محاور الإسلام تدور حول الإنسان: علاقته بنفسه، وبربه، وبمن حوله، وبالكون الذي يعيش فيه. فهو محور ارتكاز هذا الكون الذي خلقه الله له وسخّره له، وجعل كل ما فيه مصبوبًا في خدمته. وهو الذي حدّث عنه ربّ العالمين بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[4]. وهذا التكريم له سبب مباشر، وهو أن هذا الإنسان هو الذي حمل الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذه بعض الجوانب التي يمكن أن يتطرق إليها الحديث، ومحور هذه النقطة أن الإنسان هو محور ارتكاز هذا الكون. ولأجل ذلك بدأنا حديثنا عن منهج القرآن في بناء الشخصية المسلمة.

ما المنهج؟

يُعرَّف المنهج بأنه طريقة متّبعة، سواء في الهيكلة أو التأسيس أو الاستقامة على أصل ثابت. وما معنى هذا الكلام؟ لو تخيّلنا منهجًا لبناء البيوت، فهو بسطُ الأرض وتمهيدها، ثم إقامة الأركان والحوائط، ثم السقف، ثم نفعل بعد ذلك ما نشاء في الداخل. ومن المنهج أن يشتمل البيت، إن كان للسكنى، على حمّام وغرفة نوم ومطبخ لإعداد الطعام. فالمنهجية طريقة متّبعة لفعل شيء ما. وبعضهم يعرّف المنهج بأنه خطة، والخطة شيء مرتّب بشكل ما، مُتقَن منظَّم، لعدة عمليات ذهنية: نضع الأساسيات أولًا، وبعد الأساسيات نضع الأعمدة، وبعد الأعمدة نفعل كذا؛ فهي مجموعة عمليات تتركب فوق بعضها.

فحين نقول «منهج» فنحن لا نتكلم عن كلمتين، ولا عن محاضرة، ولا عن سطرين في كتاب، وإنما نتكلم عن حركة حياة. القرآن الكريم لمّا نزل بأمر ربّ العالمين، وهو كلام الله عز وجل، أنزله الله إلى الحياة ليكون هو منهج الحياة لهؤلاء المؤتمرين به، الذين نزل إليهم ذلك القرآن. فنحن سنرى كيف يبني القرآن الكريم الشخصية المسلمة، وكيف يبني العلاقات الأسرية، وكيف يبني العلاقات الدبلوماسية. حتى إن القرآن وضع منهجًا ليكون علاقتي بالحجر الذي أتعامل معه في بيتي، لو كنتُ ساكنًا بين مجموعة أحجار هي جدران حولي، إلى آخر كل ما يمكن أن يمسّ أركان الحياة. القرآن الكريم وضع منهجًا للتعامل مع كل شيء. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[5]، فلو فهمنا ذلك لأدركنا أن كل ما يمكن أن يتعلق بحياتنا مُدرَج في كتاب الله تبارك وتعالى، فنفهم المسألة ونعيش بهذه الروح المطمئنة.

المنهج البشري والمنهج الرباني

ولماذا قلتُ «المنهج القرآني»؟ لأفرّق تفريقًا بسيطًا جدًّا بين المناهج البشرية والمناهج الربانية. المنهج البشري: متى بدأنا نتعلم أحدث الأسس التي تُبنى عليها البيوت والعمارات؟ وأضرب مثالًا أكرره حتى لا نأتي بأمثلة كثيرة: الناس الذين يصممون السيارات، والذين يتكلمون على سفن الفضاء، متى وصلوا إلى منهج يقدرون به على فعل هذا؟ بعد تجارب وأخطاء ومحاولات وفشل إلى آخره. وبين الحين والآخر نكتشف أن المنهج ناقص، فنبحث عن وسائل نكمّل بها مناهجنا. فالمنهج البشري الأصل فيه النقصان والخطأ، لا الكمال والصواب.

ولذلك فحين نقول «منهج قرآني» فنحن لا نطلع من تحت إلى فوق، وإنما نأتي من فوق إلى تحت: تنزّلات آتية من قِبَل ربّ العالمين سبحانه وتعالى على أرض الواقع لتعالج هذه الأرضية. تخيّلوا، ولله المثل الأعلى، وتعالى الله عن التشبيه، رجلًا فلّاحًا مزارعًا بسيطًا جدًّا لكنه صاحب خبرة عالية جدًّا في الزراعة: يكفي أن يقف بقدميه على قطعة أرض فيقول لك: هذه تصلح للزرع، وأما تلك فلا تُتعب نفسك فيها لأنها لن تعطيك نتيجة. هكذا التنزّلات حين تكون من الأعلى إلى الأسفل تكون منطقية وواقعية، فيكون الأسفل حينها على الصواب الأتمّ، أما حين يخرج المنهج من أسفل إلى أعلى فلا يكون بالصواب الأتمّ بمقدار ما ينبغي أن يكون.

فمعنى ذلك أن عندنا منهجًا، وأننا ماشون على خطة، وأننا لسنا عشوائيين، وأن عندنا مراحل لا بد أن نمشي عليها لو أردنا الوصول إلى الصواب. وهنا نقدر أن نقول: لماذا حركة المجتمع الإسلامي ليست ناجحة؟ لا أريد أن أقول فاشلة، لكن لماذا حركة الدعوة الإسلامية ليست على المستوى الأتمّ من النجاح؟ لأن الناس لم تتوصل بعدُ إلى منهجية القرآن في التعامل مع القضايا، فنحن لا نزال نحاول ونجرّب ونجتهد. وقد يتصور بعضهم أن النتيجة غير موجودة في القرآن، فنقول لهم: اتقوا الله، المنهج موجود في كتاب الله تبارك وتعالى.

لماذا «البناء»؟

وحين قلنا «منهج القرآن في بناء» اخترنا هذه الكلمة تحديدًا لنفهم أن البناء يمثل لنا نحن المسلمين أساسًا في الحياة. ليس عندنا في الحياة هدمٌ إلا هدمٌ يؤدي إلى بناء. كيف؟ لو تخيّلنا أنني أهدم الباطل، فلماذا؟ لأقيم مكانه الحق. وأهدم الشرك الموجود، لماذا؟ لإقامة التوحيد. وهكذا يدور المسلم بين بناء وبناء، حتى لو كانت صورة البناء الثاني هي الهدف.

وما «الشخصية»؟

ثم كلمة «الشخصية». ما معنى الشخصية؟ مجموعة من الصفات متكاملة، حتى يكون أمامي شكل كامل على بعضه. هذه الزجاجة صارت ذات شخصية لمّا تكوّنت من مكوّناتها الأساسية وأُنبتت في هذا الهيكل، فلما صارت بهذا الشكل صار لها كيان. ولذلك يقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾[6]. ثم يعلّمنا أنه ليس فقط خلق الإنسان، وإنما خلقه في أحسن تقويم. ثم يحدّثنا أنه ليس فقط خلقه في أحسن تقويم، وإنما هداه النجدين. وهكذا كلما سرنا مع القرآن الكريم طرقنا أبوابًا تضيف إلى معلوماتنا مزيدًا من المعلومات حول أن عندي «شخصية».

ويعني ذلك أن الإنسان شيء متكامل. وماذا أستفيد من ذلك؟ أستفيد أنني لا أتعامل مع أبعاض، لا أتعامل مع جزء ثم جزء ثم جزء، وإنما أتعامل مع شيء كلّي. وهذا يفيدني في أنني أتعامل مع شخصيات مستقلة، لكل منها معالم هي التي تشكّل هذا الشخص. فتعاملي مع الدكتور فلان غير تعاملي مع الشيخ، غير تعاملي مع «أبي فلان»، والمسألة مختلفة. وتعاملي مع ولد غير تعاملي مع بنت، وتعاملي مع كبير غير تعاملي مع صغير: شخصيات. فكيف شكّل القرآن الكريم الشخصية؟

ولماذا «المسلمة»؟

ثم قلتُ «المسلمة». لماذا المسلمة تحديدًا؟ لأن الإسلام يُضفي على شخصية الإنسان ما يكمّلها. ولا بد أن نفهم أن الإنسان معتبَر في القرآن حتى لو كان كافرًا. أفهمتم هذه الحكاية؟ الإنسان في حدّ ذاته معتبَر في القرآن حتى لو لم يكن مسلمًا. لكن حين ينتقل الإنسان من كونه مجرد إنسان إلى كونه إنسانًا مسلمًا، فسوف تزيد مكمّلات هذه الشخصية، ولا بد أن ننتبه أيضًا إلى أن الأعباء عليه ستزيد أكثر بحسب المنصب الذي هو فيه.

تخيّلوا، وأسأل الله أن يجعل هذه الوجوه ضاحكةً مستبشرةً بين يديه يوم القيامة، أنني لو تصورتُ أن مهمتي كلها أن أكتب على الحاسوب، لكن رجلًا آخر هو الذي يُملي عليّ ما أكتب، ثم ظهر في المنتَج في النهاية خطأ في المعلومات، فهذا الخطأ عند من؟ عند الذي كتب أم عند الذي أملى؟ من صاحب المسؤولية الأكبر: الصغير أم الكبير؟ الكبير. فكلما كبر الإنسان في مكانه أو مقامه ازدادت المسؤولية الموكَلة إليه. وكون الإنسان ينتقل من مرحلة أنه مجرد إنسان، قد يعمل في بعض الأوقات عمل البهيمة ويقلّد الأنعام، إلى كونه مسلمًا، فالمسؤولية على كاهله أكبر من مجرد كونه إنسانًا.

كيف نمضي؟ ترتيب النزول

فكيف ستمشي منهجيتنا؟ إلى الآن لم نقل شيئًا. في أي طريق نمشي؟ من البسيط جدًّا أن نتتبع آيات القرآن الكريم من أوله إلى آخره، ونرى كل المواطن التي تكلم فيها ربنا عن الإنسان، ونحدد مجموعة من المعالم وخلاص. فنقول مثلًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾[7]، ومن الناس، ومن الناس... وهكذا، وكذلك «يا أيها الإنسان»؛ كل كلمة ذُكرت في القرآن الكريم تتكلم عن الإنسان نقدر أن نجمعها ونضعها في جدول ونقول: هذه تشير إلى كذا. وهذه طريقة معتبرة ومحترمة، لكن هل هي الطريقة الأتمّ أم لا؟

فما رأيكم لو ذهبنا إلى ما يمكن تسميته الطريقة الاستيعابية، أن نستوعب محتويات القرآن وهو يتكلم عن موضوع ما في مضمون ما؟ وحين نمشي مع القرآن ونحن نحاول أن نستوعب، هل نمشي مع الترتيب النزولي أم الترتيب المصحفي؟ ما الفرق بينهما؟ الترتيب المصحفي هو الذي نرى عليه القرآن الآن: الفاتحة والبقرة وآل عمران وأنت ماشٍ. أما الترتيب النزولي فهو أن أول السور نزلت، ثم التي بعدها، ثم التي بعدها، إلى آخره.

فهل نحن محتاجون أن نمشي مع القرآن حسب ترتيب المصحف باعتبار أنه الشكل الختامي الذي استقر عليه الأمر؟ أي أحد سيتعامل مع القرآن الآن سيبدأ من الفاتحة: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، ثم «الم ذلك الكتاب»، ثم «الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم»، ثم سورة بعد سورة وهو ماشٍ. أي أحد سيعمل هكذا. لكن حين أكون أنا في مرحلة البناء من الصفر، فهل من حقي، وخذوا بالكم من صيغة السؤال، أن أرجع مرة ثانية فأقيس الجاهلية الموجودة اليوم، إن صح التعبير، على الجاهلية التي كانت موجودة في وقت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحاول أن أراجع مع نفسي كيف استطاع القرآن في أول أمره أن يُنشئ مجتمعًا مكوَّنًا من عدد من الأشخاص؟ فأنا أقدر أن أقول الآن: عندي مستوى منبطح على الأرض، وكان في زمنهم مستوى كذلك؛ فكيف قوّم الإسلام هذا المستوى ووصل به إلى المرحلة التي رأيناها؟ ليس الآن، وإنما في وقت وجود النبي ﷺ وبلاغ الدعوة وانتشارها. لذلك، لأختصر الوقت والكلام، رجعتُ إلى تتبّع الصور حسب الترتيب النزولي، لأنظر أي سورة من القرآن نزلت أولًا.

الأرض التي نبني عليها

وقبل أن نضع المنهج، قبل أن نشتغل على قضية المنهج، لا بد أن نسأل: كيف يرى القرآن الإنسان؟ لقد اتفقنا أننا سنبني مبنى هنا في هذا الموضع، فقبل أن أضع المنهج الذي سأبني عليه أحتاج أن أنظر إلى هذه الأرض: أتنفع أم لا؟ أهي صخرية أم رملية أم طينية، ترابٌ هي أم ماذا؟ فكيف يرى القرآن الإنسان؟

أولًا: يراه مخلوقًا على الفطرة، بيضاءَ نقيّة. وهذا الكلام موجود في القرآن: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[8]. فطرةُ الله التي فطر الناس عليها، لا محمودًا ولا إبراهيم ولا إسماعيل ولا أحدًا باسمه، وإنما الناس. ولاحظوا أن الجملة الثانية جاءت بعد الأولى. لماذا لم نكتفِ بـ«فطرة الله التي فطر الناس عليها»؟ لئلا يتخيل أحدٌ أنه يقدر يومًا ما على تغيير أصل الفطرة، فعقّب ربّ العالمين بقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. فماذا أفهم من هذا؟ أن ابن آدم كقطعة القماش الطويلة الكبيرة: نقدر أن نصنع منها مفرشًا جميلًا للطاولة التي نجلس عليها، وممكن أن نأخذها فنصنع منها قميصًا جيدًا، وممكن أن نصنع منها كذا وكذا؛ قماشة قابلة للتشكيل كيفما نشاء. فربنا علّمنا في القرآن أن الناس خامة بيضاء، وماذا سنكتب على هذه الخامة وكيف سنشكّلها فهذا موضوع يأتي بعد قليل.

ثم ننتقل إلى الثاني: هذا الإنسان، مع أنه خامة بيضاء، ليس مستعصيًا على التشكيل. فمثلًا لو جئتُ بطوبة وحاولتُ أن أصنع منها طَرْحة لابنتي لتلبسها فلن ينفع، لأن الصخرة ليست قابلة للتشكيل في هذا الميدان. ولو جئتُ بقطعة من جبل، مجموعة صخور، وأردتُ أن أبني عليها بيتًا ممهَّدًا، قيل لي: لا، لأنه غير قابل للتشكيل. فابن آدم هل هو قابل للتشكيل أم لا؟ قابل للتشكيل. أين الدليل؟ اسمعوا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. كأنه حكم علينا بالجهل المطبق طوال الحياة؟ لا، انتظروا وأكملوا: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ … وَالْأَفْئِدَةَ﴾[9]. ولماذا جعلها؟ لأن هذه وسائل اكتساب المعلومة. فابن آدم مع أنه يخرج من بطن أمه لا يملك شيئًا من المعارف، قابل للتعلّم.

وهو قابل للتأثير السلوكي، يقول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على … فأبواه …»[1]، فكأنه قابل للتأثر الديني والمعرفي. ثم اسمعوا قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[10]. كأن الله تعالى يحدّثني عن إنسان الأصل فيه كذا، ثم اجتهد حتى بلغ هذه المنزلة، فقد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها. لم يقل: من تُرك نفسه مزكّاةً أو مدسّاة، لأنه عمل في نفسه. فأنا الآن على الفطرة، لكن عندي أصحاب يذهبون ليشربوا أشياء غير حلال، فأنا الذي ذهبتُ معهم؛ أنا الذي أعمل، وأنا الذي أتأثر، وأنا الذي جلبتُ هذا الكلام لذاتي حين سمحتُ لنفسي أن أتعلم في هذه الميادين.

وهذا الإنسان ليس صخرة، ولسنا بصدد أن نفصّل منه قماشًا، ولكنه أيضًا إنسان مكوَّن من مجموعة من المشاعر التي تتأثر بالخير والشر، والفرح والسعادة والترح والحزن إلى آخره. اسمعوا قول الله تبارك وتعالى لرسوله ﷺ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ…﴾[11]. يحزنه، أي يتضايق ﷺ، ليس مسرورًا أن الناس تتكلم عنه بهذا الشكل. وخذوا بالكم: هذا منتهى الرقّة في التعامل مع نفس بشرية، كأنك تطبطب على أحد وتقول له: معذرة، لم نكن نقصد، اهدأ واطمئن. ثم اسمعوا ربّ العالمين يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، الله أكبر! هذه نفس بشرية، انظروا كيف يتصرف الناس مع دين ربنا. ثم ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾، موسى خائف. ولماذا؟ الأسباب لها موضع للحديث آخر، لكني أتكلم عن أصل الفطرة: أن القرآن يرى ابن آدم على الفطرة، قابلًا للتعلم، قابلًا للتأثر.

ولمّا نسمع قول الله تبارك وتعالى، وأنا أتخيلها هكذا، وتعالى الله عز وجل عن التشبيه، لكأنه يربّت عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾. شايفين الرِّقّة في الكلام؟ الذي تعامل به معك افعله أنت مع النفوس التي ستمرّ بنفس المرحلة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾[12]. هذا كلام ربّ العالمين مع سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، منتهى الرقّة، وهو يتعامل معه باعتباره إنسانًا يتأثر بما حوله ويتفاعل مع المعطيات التي بين يديه ﷺ.

اللبنة الأولى: «اقرأ»، البناء المعرفي

أول صورة نزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥]. وهذه أول مرحلة من مراحل بناء الشخصية المسلمة. وخذوا بالكم: لمّا نزل القرآن نزل ليبني ابن آدم، ليبني الإنسان. هل نختلف حول هذه النتيجة؟ نقولها مرة أخرى: لمّا نزل القرآن نزل ليبني الإنسان، فنحن كنا نفكر في طريقة القرآن في بناء الإنسان. وأول ما نزل: اقرأ.

اقرأ، ما معنى اقرأ؟ دائمًا أسأل الناس هذا السؤال. فكانت إجابات الحاضرين: الاطّلاع، أن تطّلع على ما هو موجود من قبلك، وأن تتعلم من ذلك مما لا تعرفه؛ والبحث، فالعلم يبحث عن أشياء؛ والتفكّر. ممتاز. فهي إذن القراءة بمعنى أوسع من أن أنظر أمامي إلى الكلام المكتوب. وجاء سؤال: هل كان أمام النبي ﷺ شيء يقرؤه في ذلك الزمان؟ هو قال «اقرأ»، فهل كان قدامه شيء ليقرأه؟ وقال السائل: القارئ يقرأ من شيء موجود، فلماذا لم يقل له الأمر كاملًا؟ سؤال جميل. وأجيب بهذه الطريقة: لمّا قرأتَ هذه العبارة، أقرأتَها صحيحة أم غلطًا؟ صحيحة، لأنك اطّلعتَ عليها. حين اطّلعتَ عليها قلتَ لي الحروف التي أمامك: ستجد تاءً، وبعدها باءً، وبعدها كذا. ثم أقول لك: على فكرة هي ليست تاءً، هذه سين. فتقول لي: لا، هذه تاء، فوقها نقطتان. لا، هذه سين. يا عمّ، هذه تاء، فيها نقطتان. فكأنك لم تقرأ حرفًا إلا بعد أن تعرّفتَ على مكوّناته، ومن خلال التعرّف على مكوّنات الحرف بدأتَ تتعلق بالحروف الأخرى، ثم تتشكّل الكلمة، ثم الجملة، ثم تخرج بالنتيجة الإجمالية التي هي الموضوع. فكانت القراءة إنما هي تتبّع الأشياء للتعرف على حقيقتها ثم الخروج بنتيجة.

وأذكر أيضًا أن أول ما يخرج الطفل إلى الحياة نبدأ بإطعامه، فكيف يعرف الطفل كيف يلتقم ثدي أمه، وكيف يمتص لبنه الذي يستمد منه طاقته، إلى آخر هذه الأشياء كلها؟ الإنسان لا يعرف. فأول ما يتم فيه هو التشكيل المعرفي.

وهنا نجيب على سؤال أخينا: النبي ﷺ لا يُشترط أن يكون بين يديه شيء يقرأ منه، لأن المراد ليس قراءة السطر، وإنما بداية منهج التعرف على ما سيتعرض له، فيقرأ قراءة صحيحة. فمسألة الكتابة والقراءة مسألة بسيطة، جزئية من جزئيات المعرفة. فكان الله تعالى أول ما بنى في الشخصية المسلمة، لنقول: منهج القرآن في بناء الشخصية المسلمة، بنى فيها المعرفة، الهيكل المعرفي الذي يجعلني أشتغل بمنهج آخر بعده. اللبنة رقم واحد: القراءة، وهي ليست قراءة سطر، وإنما قراءة كون مع قراءة السطر. فالناس الذين يتعرفون على الفضاء يقرؤون هم أيضًا، والناس الذين ينزلون تحت البحر يقرؤون هم أيضًا، والناس الذين يخوضون في أبدان البشر وهم يعالجونها يقرؤون هم أيضًا؛ كلٌّ يقرأ من كون الله أسراره كما يقرأ الناس في الكتب سطورها. وهذه القراءة أمر من الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، وأمر الله للنبي أمر لمن؟ للأمة كلها. فما المطلوب منا كأمة؟ القراءة. لماذا؟ لأن الحياة التي خلقها ربنا ليس فيها مجال ولا موطن لا للجهل ولا للتخلف، والذي لن يقرأ سيبقى جاهلًا متخلفًا.

ولو لاحظتم، بارك الله فيكم، أول ذكر لآدم في القرآن الكريم كله، حين تقرؤون الفاتحة ثم سورة البقرة، في أول موضع يأتي فيه ذكر آدم، ماذا يقول ربّ العالمين؟ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، ثم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. فكان لفظ آدم لمّا ورد في القرآن أول مرة ورد مقترنًا بالعلم، فكأن آدم لا وجود له بدون العلم، وكأن الله تعالى خلقهما متلازمين. فإذا انفصل آدم عن العلم انفصل عن مهمته الأولى التي هي ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فإذا لم يكن خليفةً فخليفةً بماذا؟ بآدميّته وعلمه. وإذا لم يكن لديه العلم فكأنه سينزل من هذا المستوى إلى المستوى الذي تحته، فيشترك في هذا المستوى مع من؟ مع الأنعام والدواب والصخور، شيء مُهمَل موجود في الدنيا ليست له هذه القيمة التي أعطاها الله تعالى له. فالله عز وجل فضّل آدم وأسجد له الملائكة باعتبار أنه نفخ فيه من روحه، ثم الأمر الثاني أنه علّم آدم الأسماء كلها. أتعرفون أهمية هذا الكلام؟ أنه لم يأمرهم أن يسجدوا له قبل أن يُعلَّم؛ فمتى أمر بالسجود؟ بعد التعليم. فكان التعليم جزءًا من تشكيل هذه الشخصية التي تستحق ذلك التقدير.

ونحن نعيش في بلد يحترم العلم بكل مجالاته. لو اكتشفوا أن واحدًا متميزًا في مجال ما في أي مكان من الدنيا، يبعثون إليه ويجلبونه بأي مبلغ، لا مشكلة، المهم أن يأتي عندهم فيفيدهم. ولذلك هم في الطليعة من خلال العلم: العلم الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي والنووي وكل أنواع العلوم؛ فهم يحاولون دائمًا أن يصلوا إلى القمة بالعلم. من البداية، من أول المشوار، قال الله سبحانه وتعالى للنبي ﷺ، وهو أمر للأمة: إذا أردتم أن تكونوا على مستوى الرسالة فلا بد أن تكونوا في مستوى القيادة، وإذا أردتم أن تكونوا في مستوى القيادة فلا بد أن تكونوا على مستوى العلم، الذي هو الجانب المعرفي.

وجاء سؤال عن «الأسماء» في قوله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: أهي الأسماء حرفيًّا أم العلوم؟ كل ما يمكن أن يتناوله اللفظ من الدلالة فهو شامل له. فعلّم آدم الأسماء كلها: أصول العلوم، أسماء المعارف، كل شيء، والله تعالى أعلى وأعلم؛ لكن عندنا قاعدة تقول إننا إذا دلّ اللفظ على أكثر من معنى حُمل على كل معانيه إذا لم توجد قرينة تصرفه إلى غير ذلك، والله تعالى أعلم.

اقرأ باسم ربك

ولأجل ذلك لم يرد الأمر بالقراءة منفردًا، وإنما ورد الأمر بالقراءة مقترنًا باسم ربك. فهل نحن سنقرأ ونختار القنبلة النووية أو الذرّية، ثم نذهب فندمّر بها قطعة من الأرض؟ قراءتنا قراءة إعمار أم قراءة تدمير؟ هل ذلك هو المراد من القراءة؟ لمّا كان المراد من القراءة المطلوبة من المسلم، كشخصية قرآنية، قراءةَ إعمار، لم تكن قراءةً موكولة إلى نفسي، لأني كبشر قد أخطئ وأعمل أشياء غلطًا. ولذلك جاء الأمر من الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. القراءة المستقلة ممكن أن تؤدي إلى صواب وخطأ، لكن القراءة المرتبطة باسم ربّ العالمين سبحانه وتعالى لن تؤدي إلا إلى الصواب، إلى الحق، إلى الخير، إلى البر، إلى المعروف، إلى نهضة الدنيا.

ولو لاحظتم في هذا الموضع أن ربّ العالمين سبحانه وتعالى قال: اقرأ باسم ربك، لا باسم الله. فلماذا استُعمل لفظ الربوبية بدل لفظ الألوهية؟ نحن متعودون عند بداية السور: بسم الله الرحمن الرحيم، وحتى حين نقول «الحمد لله رب العالمين» قُدِّم لفظ الألوهية على لفظ الربوبية. فما الموضوع هنا؟ الجواب باختصار شديد: أن لفظ الربوبية يستوجب جلب النفع ودفع الضر. نقولها مرة أخرى: الربوبية تستوجب جلب النفع ودفع الضر. ولذلك فرَبّ البيت لا يستحق ذلك اللقب إلا إذا كان يدفع عن البيت الضر ويجلب له النفع: يرجع آخر النهار حاملًا في يديه كيسين، فتقول: ما شاء الله، نفعُه جاء معه، لم يأتِ بمصيبة. فلو جاء ومعه مصائب لم يستحق اللقب. فكانت القراءة مرتبطة باسم الرب، أي قراءة غير مهمَلة المصدر. باسم مَن؟ باسم مَن يجلب النفع ويدفع الضر. فكل قراءة يُؤمر بها العبد كمنهج معرفي لا بد أن تصبّ في مصلحة البشرية. واضح هذا الكلام؟

لماذا سُمّيت «العلق»؟

والعجيب أن هذه السورة اسمها «العلق». هل فكّر أحد في هذا الكلام من قبل؟ ما حكاية العلقة هذه؟ خُلقوا من علقة، فما العلاقة؟ نعم: التعلّق. والعلقة دلالة على شيء متعلّق بشيء آخر، فلو تركتَه وقع. فلمّا خُلق الإنسان من علق فلا استقلالية ذاتية له يقوم معها بنفسه. واللمبة المعلقة في الحائط لو كانت بدون مسمار يربطها بالسقف لوجدتها تحت على الأرض، لا تقوم بنفسها، ولا بد لها من متعلَّق. والإنسان، احذر في لحظة من اللحظات، ومن البداية ونحن نضع المنهج، أن تتخيل أنك مستقل. فبمن أنا متعلّق إذن؟ بالذي خلق. فحتى وأنت تفكر في القراءة وقد صعدتَ إلى السماء ووضعتَ قدمك على القمر، وغصتَ في البحار، وخضتَ المحيطات، وجبتَ العالم والكون، احذر أن تتخيل أنك مستقل أو أنك تقدر على اتخاذ قرار بنفسك. لماذا؟ لأنك متعلّق، لا تقوم بذاتك: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. وحين أقرأ وأزداد فلن أستقر في ذاتي، وإنما أستمد المزيد ممن أكرمني أول الأمر ويكرمني في آخره: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، ربك أنت، لا أحد غيره.

فالقراءة همزة الوصل بين المتعلِّق والمتعلَّق به. القراءة سبيل التعرف على مواطن كرم الله. القراءة صمّام الأمان من الطغيان الداخلي المتفجّر داخل النفس البشرية. أتحفظون السورة؟ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ [العلق: ٦]. لماذا يطغى؟ ولماذا ورد هذا اللفظ هنا تحديدًا؟ كما يحدث حين يكون الطفل الصغير لا يزال ضعيفًا لا يعرف ولا يقدر، فتناديه: يا أحمد، فيقول: حاضر يا بابا؛ تعال، حاضر يا بابا. ثم يكبر الولد وتغلظ نبرة صوته فيعلو صوته علينا: ما الحكاية؟ كنتُ مع أصحابي! فقضية الطغيان قضية داخلية يستشعر الإنسان معها قيمته وذاته فيحاول إثبات وجوده. وهو في مراحل الضعف الأولى مستكين، فإذا كبر وقوي قرأ الموضوع قراءة غلط. قرأ الموقف الذي هو فيه بهذه الطريقة، كما قال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي…﴾[13]. أنا الذي أقف على المنصة، أنا أعرف أكثر من هؤلاء الناس كلهم، قرأتُ الموضوع غلطًا. فقراءته الخاطئة أدّت به إلى الهلكة، لا إلى النمو. أفهمتم المسألة؟ فالقراءة هي صمّام الأمان الذي يحميك من داخلك فلا تهلك نفسك.

وهي كذلك سبيل الحماية من كل المعتدين من الخارج: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [العلق: ٩-١١]، الذي هو منهج القراءة الذي ننزله من البداية أصلًا. فالقراءة كمنهج معرفي عند المسلم هي السبيل الذي يحفظهم في الداخل وفي الخارج. لمّا يكون عندنا معرفة ووعي وإدراك لا نتخاصم داخل ميدان العمل الإسلامي، ومن ثم تنجح المشروعات ولا تفشل. ولمّا يكون عندنا وعي وإدراك وقراءة ومعرفة نستبشر الطريق فلا نضلّ، ولا نضيّع فلوسنا ولا جهدنا ولا أوقاتنا ولا أموالنا، ونمشي على طول. لكن إذا انعدم الوعي وانعدمت المعرفة ضلّ الناس الطريق فضاعوا وضيّعوا، ونسأل الله تبارك وتعالى السلامة.

فأول جانب من جوانب المنهج القرآني في بناء الشخصية المسلمة هو الجانب المعرفي. فالمسلم، أو الشخصية المسلمة، من غير علم يكون شخصًا جاهلًا، وما دام جاهلًا فهو لا يصل حتى إلى مستوى كونه إنسانًا مكتملًا، وإنما هو مخلوق في صورة إنسان. اتفقنا؟

اللبنة الثانية: «ن والقلم»، البناء الأخلاقي

والصورة الثانية التي نزلت في القرآن، أي سورة هي؟ عندنا اختلاف بين العلماء في هذه المسألة، لكن الراجح، على الأقل عندي، أن ثاني سور القرآن الكريم نزولًا هي سورة القلم: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.

وهنا طُرح سؤال جميل جدًّا: هل أسماء هذه السور توقيفية أم اجتهادية؟ وكان السائل يرى أن لا مبرر لأن يُجعل للسورة عنوان ظاهر ويُطمَس عنوانها الأول، وأن الاسم ثابت لم يُبدَّل في كلام الله سبحانه وتعالى، كاسم «الإسراء» و«بني إسرائيل». فأجبتُ: المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل سمّى النبي ﷺ كل سور القرآن الكريم أم لم يسمِّها؟ وهل هناك اجتهاد عند بعض صحابة النبي ﷺ في تسمية بعض سور القرآن أم لا؟ والأصل في كون القرآن الكريم معجزًا أن يكون معجزًا بكل ما فيه، ومما فيه أسماء السور. وقد كان النبي ﷺ يقول: ضعوا كذا في سورة كذا، في موضع كذا. فكل ما دلّت عليه نصوص ثابتة صحيحة في تسمية السور فهو توقيفي. اتفقنا؟ تمام يا فندم، وتوكلنا على الله.

ثم نعود إلى الصورة التالية في النزول. ونحن نبني، فقد بنينا الجانب الأول، وبقي الجانب الثاني. سورة القلم، وباختصار لأن معنا وقتًا قليلًا جدًّا، أتت بعد سورة العلق في الترتيب النزولي لتكمل الجانب المعرفي بالجانب الأخلاقي. والأخلاق مهمة لماذا؟ حتى نأتي بصورة كاملة ونقول إننا نشتغل ونستنبط الكلام الآن. وسأسألكم سؤالًا بسيطًا جدًّا: هل تكون مسرورًا لو أن ابنك يأتي في درجات المدرسة بمئة وتسعة بالمئة؟ هل أحدٌ مختلف في هذه النتيجة؟ فما رأيكم في مئة وأحد عشر؟ ما شاء الله. طيب، لو أنه سيأتي بمئة وثلاثين بالمئة في الجانب العلمي حين يحضر المدرسة ويأخذ حصته وكل شيء، لكن مستواه الأخلاقي نعطيه ثلاثين في المئة، ما رأيكم؟ عندنا مئة وخمسون في المئة علمًا لكن ثلاثين في المئة أخلاقًا؟ طيب نأتيك بواحد آخر: سبعون في المئة علمًا وسبعون في المئة أخلاقًا، أحسن أم أسوأ؟ أحسن طبعًا. فلو كان مئة في المئة علمًا ومئة في المئة أخلاقًا فهذا هو الذي نريده، وهذا هو الذي نحاول أن نفهمه من منهج ربّ العالمين. نسأل الله مئة في المئة علمًا ومئة في المئة أخلاقًا.

فالأمر تكليف وقيادة للدنيا كلها، ولا بد أن نكون في المقدمة، لكن لا ينفع أن تغيب الأخلاقيات. ولذلك لا بد أن يكتمل الجانب العلمي بالجانب الأخلاقي. ولهذا نجد وزارة اسمها «التربية والتعليم»، فيكون فيها تربية وفيها تعليم، وأحيانًا نحرص على أن نجعل التربية حاضرة، فتأتي قضية الأخلاق.

ولو لاحظتم لوجدتم: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ وسورة القلم ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، وكان هناك ارتباط وثيق بين السورتين، كأن المعارف التي حصلت في سورة العلق ستُدوَّن بقلم سورة القلم. أخذتم بالكم من هذا الربط؟ ثم تبدأ السورة بذكر النبي ﷺ: ربّ العالمين سبحانه وتعالى يُصدِّر هذه السورة بالحديث عن النبي ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وكان هذا هو المقصد الذي من خلاله سنشتغل على الموضوع.

ثم ما رأيكم أن نتفرج على المجتمع الذي رُسم في سورة القلم؟ هذا المجتمع عبارة عن ماذا؟ ربّ العالمين سبحانه وتعالى يصف للنبي عليه الصلاة والسلام، يقول له: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ٨-١٢].

لو تخيّلنا التكذيب، أو الكذب، لو تخيلنا أن الكذب موجود في المجتمع كظاهرة عامة. أذهب إلى الطبيب لأكشف عنده، فيقول لي: أنت عندك المرض الفلاني، فأقول: متأكد؟ لا، انتظر، لا بد أن تعمل تحاليل كذا وكذا، اصبر، ثم يعطيني الوصفة. وأنا غير مصدِّق، فالمجتمع يكذب. والمشكلة أنني أخذت الوصفة من الطبيب وذهبت بها إلى الصيدلية وقلت: أعطني ما كتبه الدكتور، فأعطاني بعض الأشياء، وأنا لا أصدّق. ثم أخذت هذه الأشياء وذهبت لأشتري ماءً، وأنا لست متأكدًا أنه ماء. ثم أشتري طعامًا، وأنا لا أضمن صلاحيته. ثم أذهب إلى فلان، ثم معلّم ابني في المدرسة يقول لي: الولد هذا كذا، وأنا لا أصدّقه. تخيّلوا لو أنني أعيش في مجتمع كذّاب، كيف تكون الحياة؟ الله أكبر! لا يستطيع العبد أن يغمض عينه لأنه خائف من كل أحد، لأن الناس الأصل عندها الكذب. ولو صار الكذب أساسًا في المجتمع فإنه ينهدم.

ثم إن الكذب هذا يجعلني أذهب إلى الطبيب فأقول له: أنت أحسن إنسان في الدنيا، ما خلق ربنا مثلك، أنت جميل، أنت القمر، وأقعد: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. أتعرفون المداهنة؟ الناس تقعد تزوّق الكلام لبعضها؛ لأنه كذّاب يبالغ في وصف من أمامه: ودّوا لو تدهن فيدهنون. ثم لكي يصدّقني هذا لأنه ليس معتادًا مني هذا النصب، يقول له: لا، والله العظيم، والله! ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾. لكن كلما أكثرتُ من الحلف نزلتُ في عينه، وصار ﴿مَّهِينٍ﴾. فلمّا لا تأتي الحكاية بنتيجة قوية أذهب إلى فلان فأقول له: أما سمعتَ ما كان يقوله عنك؟ فخذ بالك من هذا الرجل. شغلانة! اتفقنا؟ فصار الأمر: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» ثم ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾. هل ربطنا بين الكلام بعضه ببعض أم هي صعبة قليلًا؟ وانتبهوا: وصلنا إلى هذه المرحلة ﴿مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ لماذا؟ لأنني ما حصّلتُ ما عندي إلا بعد أن كذبتُ ونافقتُ ودهنتُ وكل شيء، فما عندي غالٍ جدًّا، وأول ما يخرج من تحت يدي سأخسر الدنيا: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾. وبعد مرحلة تبدأ منهجية التعدّي: ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ إلى آخره. هذا شكل المجتمع: الناس كلها تضحك على بعضها، الناس كلها تكذب على بعضها، الناس كلها تنافق بعضها... الله أكبر!

طيب، تخيّلوا الوجه المقابل: لو أن المجتمع كله صادق. فلمّا ذهبتُ إلى الطبيب ليكشف عليّ، وقال لي: عندك كذا وكذا، أقول له: جزاك الله خيرًا، وأنصرف على الفور من غير أن أفكر، فلا أحتاج أن أضيّع جهدًا عقليًّا في استيعاب كل ما يقولونه كحقائق، لأنها مسلَّمة بالنسبة لي. أخذتُ العلاج أو الدواء، استعملتُه وأنا مطمئن، ورحتُ فاستعملتُ كذا وأنا موافق، وكذا وأنا موافق. فأنا مطمئن عايش مطمئنًّا. ولمّا أذهب لأزن شيئًا عند الجزار أو عند الفكهاني، أيًّا كان، وأقول: وزنها كذا، أصدّقه وأنا ماشٍ مطمئنًّا، لا ماشٍ قلقًا كل شوية: هل ضحك عليّ؟ هل هي موزونة جيدًا؟ ماذا يفعل هذا الرجل؟ فحالة الاستقرار النفسي أو حالة الانهيار النفسي مترتبة على صدق المجتمع أو كذب المجتمع. اتفقنا؟ فلكم أن تتخيلوا مجتمعًا سيرتفع إلى القمة في العلوم، لكن إذا جاء الويكند بالليل لا تقود سيارتك في الشارع متأخرًا[20]. لماذا؟ بسبب غياب الأخلاقيات. هذا مجرد مثال. فأراد الله تعالى أن يكمل الجانب المعرفي بجانبه الأخلاقي.

اللبنة الثالثة: «يا أيها المزمل»، البناء النفسي

وثالث سورة نزلت في القرآن: سورة المزمل. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، نداء للنبي ﷺ ثم إعطاءٌ مباشر لوسيلة يتوصل من خلالها إلى ماذا؟ ما الذي نريد أن نصل إليه؟ لقد اتفقنا أن عندي العلم من خلال سورة، وعندنا الأخلاق من خلال سورة. جميل. لكن ونحن نتعامل مع البشر بعلمنا، أنت مدرك بعلمك أن هذا يكذب عليك، مدرك أنه ينصب عليك، مدرك أنه يستهبل؛ أنت مدرك لأنك تعرف، ومع ذلك تصبر عليه لأن عندك أخلاقًا. لكن بعد قليل لا تقدر على الصبر. فماذا تفعل؟ أنا عملتُ هذا التشبيه زمان، وأذكره بالضبط: عندنا سيارة «فُل أوبشن» فيما يبدو[21]، وهذه هي المعرفة، وفي منتهى الاتزان والقوة تنطلق على الطريق. فمتى تقف؟ نحتاج إلى «جاز ستيشن». وكذلك المسلم الذي استوعب كل هذا الكمّ من العلم وتخلّق بكل هذا الكمّ من الأخلاق، ثم كان في البيت والعيال، ولم يعد قادرًا على الصبر، يقول له القرآن: هذا هو المنهج: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ١-٧].[19]

فأنا لمّا تعاملتُ بسورة العلق تعاملتُ مع الدماغ، ولمّا تعاملتُ بسورة القلم تعاملتُ مع السلوك، ولمّا تعاملتُ بسورة المزمل تعاملتُ مع النفس، لأطمئنها، ولتستمد الطاقة من المصدر الحقيقي. وماذا ستفعل هذه النفس بعد أن تتصل بالله؟ قال لي: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، فكأنها ستعطيك دفعة، قوةً دافعة تستطيع من خلالها أن تستكمل مسيرتك وأنت محتفظ بنفس النسبة في العلم وبنفس النسبة في الأخلاق. ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. تخيّلوا أننا وقفنا في الجاز ستيشن، وتعالى الله عن التشبيه، وقفنا في المحطة وعبّأنا، فالطريق مفتوح، انطلق، لا شيء يوقفك حتى تأتي الليلة التي بعدها، فتقوم فتدخل فتجلب المدد، ثم تنطلق مرة أخرى لتكمل مشوارك. وكل مَن في الدنيا استعصت عليه مشكلة مع الناس أو مع الخلق فهذا هو الحل: اسجد لله، واركع بين يدي ربّ العزة سبحانه وتعالى؛ فإذا الأبواب تُفتح من قِبَل ربّ العطايا. نحن مخنوقون لماذا؟ لأن الباب مقفول والأكسجين الذي في الغرفة قد انتهى. افتح الباب! لو فتحتَ الباب جاءك من الهواء. تخيّل أنك فتحتَ باب السماء في اتجاه عطايا ربّ السماء والأرض سبحانه وتعالى. وصلت هذه النقطة؟ إذن عندنا منهج القرآن في بناء الشخصية المسلمة: رقم واحد، بناء معرفي؛ رقم اثنين، بناء أخلاقي؛ رقم ثلاثة، بناء نفسي: طمأنينة واستقرار.

اللبنة الرابعة: «يا أيها المدثر»، البناء الإعلامي

وبعد ذلك نزلت سورة المدثر. ربّ العالمين سبحانه وتعالى يقول فيها للنبي ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ١-٢]. وقد قال في سورة المزمل: يا أيها المزمل. وفي الحالين لم تكن حالةً من حالات القوة البشرية التي ممكن أن يُقال فيها: يا أيها الجالس على العرش، يا أيها المتحدّث إلى الناس، يا أيها كذا. وإنما «مدثّر» و«مزمّل» كأنه في حالة من حالات، لا أريد أن أقول ضعفًا إلا إذا نُسب إلى أصل بشريته ﷺ، وإن كان اللفظ فيه تجاوز، ولكنها حالة من الترقّب، حالة من الاحتياط، حالة من النظر إلى المستقبل، باعتبار البشرية؛ أما باعتبار أصل النبوة والمدد من الله سبحانه وتعالى فالموضوع أكبر من تصوراتنا كناس عاديين في الحياة. لكن في هذه الجزئية لم يكن النبي ﷺ في الحال التي يمكن أن يُنادى فيها وهو في موطن من مواطن القوة، وإنما كان مزمَّلًا، فربنا يناديه، وكأنه يعطيه مفاتيح الانطلاقة من هذه الحال إلى ما هو أعلى. فهنا يقول له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾.

أريد فقط أن أرتّب الموضوع لنخلص. إذا اكتمل الجانب المعرفي، واكتمل الجانب الأخلاقي، واطمأنت النفس واستقرت، فمن عنده هذه الثلاثة يستطيع أن يتكلم في الناس. أما أنا ما دمتُ خائفًا مرعوبًا فسأتهتِه وأنا أتكلم مع الناس لأني خائف. ولو لم تكن عندي معلومة أصلًا، ودماغي فاضية، فلن أتكلم ولن أقول شيئًا. ولو كنتُ قليل الأدب، نسأل الله العافية والسلامة، فسأتكلم بطريقة تجعل الناس تنصرف عني، فلن أتكلم. فقضية المسلمين وقدرتهم على التعبير عن ذاتهم والدفاع عن قضاياهم، وهي مسألة الآن، تحتاج إلى إعادة صياغة شاملة كاملة في حياة المسلمين. غيرنا يتفوق علينا بقدرته على التعبير عن ذاته والتعبير عن قضاياه والدفاع عن مسائله حتى ولو كانت على الباطل، ونحن لا نستطيع ذلك، ولا أدري لماذا، ولدينا كل الإمكانيات المؤهِّلة. ولكن سبحان الذي بيده الملك، ونسأل الله تبارك وتعالى العافية والسلامة.

الجوانب الأربعة وخاتمة المنهج

وهكذا، لنختم، كم جانبًا عندنا الآن من الجوانب حين نقول «منهج القرآن»؟ أربعة، عدّوا معي: جانب معرفي، جانب أخلاقي، جانب نفسي، جانب إعلامي. فهمنا هذه الحكاية؟ فإذا اكتملت عند ابن آدم هذه الأربعة وصل إلى مستوى يقدر معه أن يقول: «الحمد لله»، وهي خامس سورة نزلت من القرآن.

أسئلة الحاضرين

ما معنى «قولًا ثقيلًا»؟ سُئلتُ عن دلالة لفظ «ثقيل» في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، هل القرآن ثقيل على النفس البشرية، وما علاقة ذلك بما جاء بعد نزولها؟ وبعض الناس يقول إن القرآن في أصله ثقيل، باعتبار أن الشيء الثقيل مهم وله قيمة، ويعارض هذا الرأي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾[14]. والتوفيق بين القولين أنه ثقيل في ذاته باعتبار متانة محتواه: سنلقي عليك كلامًا ليس فارغًا، ليس كلامًا بسيطًا، ليس كلام جرائد ولا كلام صحف، وإنما كلام قوي متين في ذاته، ثقيل إذا نزل في موطن استقر. ويُستشهد على هذا الرأي بقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[15]. والإمام القرطبي رحمه الله تعالى، في مقدمة كتابه، يتحدث عن أن قلب المؤمن أرسى من الجبل، فإن الجبل إذا تنزّل عليه القرآن تصدّع، وقلب المؤمن يحوي القرآن كله[2].

والرأي الثاني في قوله تعالى: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أنه ثقيل على الكافرين به، لا يحسنون استقباله فيثقل عليهم سماعه، لكنه هيّن لين سهل عند المؤمنين به المقبلين عليه، وهذا يتوافق مع ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. والرأي الثالث أنه ثقيل في تطبيقه على النفوس المكلَّفة به، ومن ثم من طبّقه في حياته نال عظيم الثواب بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ فالناس التي ستستجيب لهذا المنهج الثقيل ستقدر أن تصل إلى أعلى مراتب الجنة بإذن ربّ العالمين. هذا بعض ما ورد في دلالة هذا اللفظ.

أما وجود هذا الكلام ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ مقارنًا بما ورد بعده من أحداث، فلعلي لم أفهم هذه الجزئية من السؤال. لكن لماذا نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ في هذا الموقف؟ يا أخي الكريم، نحن نأخذ مجموعة من الشباب ونقول لهم: تعالوا، أنتم ستلتحقون مثلًا بالجيش، فنقول لهم من البداية: يا شباب، نحن لا نأتي هنا لنلعب، إنما جئنا هنا لندافع عن وطن وعن أرض وعن بلد... وبناءً عليه نُشعرهم من البداية بثقل المهمة التي على كاهلهم وبعظمتها. وكذلك حين يكون عندي طلاب يأتون ليطلبوا العلم، أقول لهم من البداية: يا إخواني، لا تتخيلوا أن وجودكم معي للعب ولتضييع الوقت، وإنما ستبذلون من أوقاتكم ما تبذلونه، ومن كذا ومن كذا. فتُهوِّل المسألة، ولو بشكل ما، في نفس المتلقي، فيزيد من قوة تحمّله واستعداده مبدئيًّا؛ فإذا هان الأمر بعد ذلك كان أيسر على التنفيذ.

كيف يمكن تطبيق هذا الكلام؟ قيل لي: هذا أهم سؤال في هذه الجلسة: كيف نستطيع أن نطبق هذا الكلام؟ هل سنطبقه بشكل فردي أم بشكل مجتمعي؟ هل عندنا قيادة إسلامية تفرض على الناس مناهج فيسيرون عليها، أم نشتغل بشكل فردي؟ وحتى لو كان الشكل مؤسسيًّا فهو شكل مؤسسي بسيط؛ أكبر ما عندنا اللافتة التي أمامك هذه، «يوث سنتر»، وعندنا عشرة أو خمسة عشر أو عشرون شابًّا نحاول أن نعيش البيئة التي هم فيها ونفهمهم.[22] وأقول: لكن مع ما قصدتُ إليه الليلة أن نفتح عقول الناس على أن لدينا مناهج، وأننا لسنا عشوائيين في حياتنا، وأننا نسير بخُطًى رسمها لنا ربّ العالمين سبحانه وتعالى، فمن أراد الترسّم بها والسير على خطاها فهو مهتدٍ، ومن أراد الإعراض عنها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾[16]، نسأل الله السلامة.

فكيف ستطبق أنت هذا الكلام؟ استوعبتَ الفكرة، استوعبتَ القضية، اشتغل عليها في بيتك. حاول أن تتعلم في كافة مجالات العلوم التي يمكن أن تنتفع بها. كن على مستوى الأخلاق الذي تشعر معه أن الله تعالى راضٍ عنك. استقر واطمئن بحسن تعلّقك بالله تبارك وتعالى وكثرة سجودك بين يديه واستمدادك منه سبحانه وتعالى. بلّغ بحسن البيان وجميل اللفظ ما يجريه الله على لسانك من الخير والحق. فإذا فعلتَ ذلك فقد استكملتَ الجوانب في ذاتك وانطلقتَ بها، حتى لو كان على مستوى فردي. فإن كان لك صديق أو زوجة أو أولاد تستطيع أن تحملهم معك على مائدة هذا الطلب، فأنت بهم ومعهم على طريق الخير بإذن ربّ العالمين سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

هل العلم المقصود هو العلم الديني وحده؟ سُئلتُ: ذكرتَ العلم، فهل يشمل جميع أنواع العلم أم العلم الديني فقط؟ هو طبعًا من أنبل العلوم، لكن هل يغني؟ وحتى لو أخذنا العلم المادي، هل في قدر معين من العلم الديني لا بد أن نتعلمه؟ هذا الجزء الأول من السؤال. والجزء الثاني: هل هذا بحث أم كتاب؟ أنا كتبتُ هذه الكلمات اليوم فقط ولم أصحّحها بعدُ، كتبتُ بضع جمل اليوم، لكن الفكرة نفسها موجودة في رأسي بإذن ربّ العالمين من فترة طويلة، أتكلم بها دائمًا.

أما العلم: لمّا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، أيَّ نوع من العلماء ورد ذكره في هذا السياق؟ هذه الآية في سورة فاطر. هذه الآية لمّا ذكر هذا المصطلح ذكره وسط ميادين الحديث عن العلوم الكونية وأنواع الجبال و﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ وكذا، و﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾[17]. فلمّا ورد اللفظ «إنما يخشى الله من عباده العلماء» ورد في سورة تتحدث عن العلوم الكونية. فدلّ ذلك، مضافًا إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وليس فقط ما يُتعبَّد الله تعالى به، وإنما الأسماء كلها، وإذا أضفنا إلى ذلك حديث القرآن الكريم عن الجبال والأنهار والبحار والأفلاك والأمواج وكذا، نرى أن المراد من العلم ليس العلم الديني فقط.

ونقول أيضًا شيئًا صغيرًا جدًّا: هل أراد الله تعالى لنا أن نكون فقط نُسّاكًا في المساجد، ولسنا عمّالًا في أرض الحياة؟ لمّا أراد الله تعالى لنا أن نكون عمّارًا للكون كان من جملة التكليف أن نتعلم علوم الكون. ولذلك نقول لأولادنا: الذي يدرس الهندسة، احتسب النية أنك تتعلم لله لتعمّر ذلك الكون؛ والذي يدرس الطب، احتسب لله أن الله يصحح بك هذه الأبدان؛ والذي يتعلم التدريس، عند الله أنك كذا. فالمقدمة الأولى أن المراد بالعلم المشار إليه في القرآن ليس محض العلم الديني، وإنما هو علم الدين وعلوم الدنيا.

لكن عندنا مصطلح ينبغي أن نعتبره: ما لا يُعذر المسلم بجهله من علوم الدين، أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج. كل مكلَّف مطالَب بمجموعة من المعلومات يجب عليه أن يتعلمها. فمن أراد أن يخوض عالم البيع والشراء فعليه أن يتعلم من أحكام الشريعة ما يتعلق بالبيع والشراء. تاجر سيفتح محلًّا؟ لا، بالراحة، تعالَ، أنت رايح فين؟ أنت ستخلط بعد قليل، لا بد أن تجلس معي ساعتين نشرح ما معنى الحلال والحرام. والذي يُقدم على الزواج نقول له: لا، انتظر، لأنه يجب عليك أن تتعلم أحكام الشرع فيما يتعلق بالزواج والمعاملة بين الرجل والمرأة، وما يمكن أن يحصل به الطلاق يومًا، وما يتخلف عنه الإنسان، منظومة كبيرة من الموضوع. فهناك ما لا يُعذر المسلم بجهله، وهذه مسألة لا حدّ لها في أقصاها ولا حدّ لها في بدايتها، يعني لا أقدر أن أقول إن حدّها الأدنى كذا أو منتهاها كذا. فما حدّها؟ ما الذي تتعلمه لتعبد الله به في المكان الذي أنت فيه؟ تاجر؟ عندك هذه الجزئية. لكن عندنا ثوابت، هي أصول العبادات وأصول العلاقات: مطلوب من كل مسلم أن يعلم أنه لا بد أن يبرّ والديه، وأن يصل رحمه، وكذا وكذا، عندنا ثوابت لا بد أن نتحرك في إطارها، والله تعالى أعلم.

هل الجوانب الأربعة تنتج صلاحًا حتميًّا للمجتمع؟ سُئلتُ: المراحل الأربعة التي ذكرتَها، هل نتيجتها الحتمية صلاح المجتمع؟ نتيجتها الحتمية نظريًّا صلاح المجتمع. أما عمليًّا فقد وقع ذلك في حياة النبي ﷺ، لمّا كان ذلك هو المنهج الذي تنزّل على النبي عليه الصلاة والسلام وعاشه رسول الله ﷺ هذه الفترة من الزمن، ورأينا كيف أن المجتمع الذي عاشه النبي ﷺ بهذه القيم إنما كان هو القمة في عالم المجتمعات الحياتية البشرية إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة. فأدركنا أنه إذا طُبّق ذلك المنهج أدّى إلى تلك النتيجة. وقال سائل آخر إن تطبيق المراحل الأربعة ليس بالضرورة أن تكون نتيجته حتمية، وإن البيئة والسلوك المجتمعي هما اللذان يؤثران في الإنسان؛ فقد يقرأ الفرد ثم يطبق خطأ.

وأقول: لا بد أن نفهم، بارك الله فيك، هل نسير كمجتمع أم نسير أفرادًا؟ فإذا سرتُ فردًا فأنا في وسط بيئة تموج حولي بأمواج، ولا بد أن أصارعها: فإما أن تغرقني وإما أن أنجو. فإن صدق مركبي وصحّت بنيته واهتديتُ إلى قبلته وسبيله بلغتُ ما أريد، وإن ظل عندي شيء من المكوّنات الأساسية أغرقني الموج وإن كان ضعيفًا، أو ضعتُ في وسط الماء لأنه لا قبلة لي أتوجه إليها. واضح هذا الكلام؟ فلو كنتُ أتكلم عن مجتمع له قيادة، كقيادة النبي ﷺ، مجتمع كله ماشٍ مع بعضه في اتجاه واحد، فهذا شيء؛ أما إذا كنا نتكلم عن أفراد، فكما يسألني أخونا: ماذا نفعل؟ أقول له: اشتغل لوحدك، اشتغل بالناس الذين حولك. فسنجد حولنا بيئة ليست صالحة، لكننا نعالج فيها ما نستطيع.

ولا بد ألّا تغيب عن أذهاننا أوصاف أخرى، فإني لم أستوعب كل شيء حول المنهج القرآني في بناء الشخصية المسلمة؛ تكلمنا عن بعض الجوانب. ومن جزئيات المنهج أن الله تعالى يعلّمك أنه لا مستقرَّ للراحة في هذه الدنيا، وأنك في تعب ونصب مستمر إلى يوم اللقاء: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. وبناءً عليه ورد اللفظ في الآية بالفاء وليس بـ«ثم»؛ إذ لو قيل «ثم ملاقيه» لكانت هناك فترة راحة، لكن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب[3]، فيبقى الكدح إلى لحظة لقاء ربّ العالمين سبحانه وتعالى، مهما كثرت الأموال، ومهما ارتفعت المناصب، ومهما اغترّ الإنسان بما عنده أو ملك؛ لا شيء يغني عن وجود الأصل الثابت في الحياة، وهو أننا في كدح إلى يوم لقاء ربّ العالمين سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

وأسأل الله العليّ القدير أن يمنّ علينا بمزيد من المعرفة، وأن يهدينا إلى أحسن العلم، وأن يرزقنا الإخلاص فيما نقول وفيما نفعل، وأن يجعلنا ممن يتبعون ما تنطق به ألسنتهم. اللهم إنا نسألك إلى الجنة سبيلًا. اللهم اجعل قابل أيامنا أنفع لدينك من سابقها، وارزقنا يا ربنا حسن القول وحسن العمل، وسلامة الصدر، ورجاحة العقول، وطمأنينة النفوس والصدور. اللهم ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. اللهم اجعل جمعنا جمعًا مرحومًا، واجعل تفرقنا من بعده معصومًا، لا تدع فينا ولا منا ولا بيننا شقيًّا ولا محرومًا. اهدنا سبلنا يا ربّ العالمين. اللهم تقبلنا واقبل أعمالنا، ولا تردنا ولا ترد علينا أعمالنا، واجعلنا من عبادك الذين اصطفيتهم لمرضاتك برحمتك ورضوانك. وجزاكم الله خيرًا، وجزى الله القائمين على هذا العمل خيرًا. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

--- [1]: رواه البخاري ومسلم. توثيق المحرر: نطق المحاضر بصدر الحديث «كل مولود يولد على … فأبواه …» ولم يسق تمامه، وتمام لفظه في الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه» (وفي رواية «أو»). [2]: توثيق المحرر: ذكر المحاضر هذا المعنى عن القرطبي في مقدمة كتابه، ولم يسق نصه؛ فيُراجع قبل الاحتجاج به. [3]: توثيق المحرر: لفظ الآية في المصحف «فَمُلَاقِيهِ» بالفاء، وهو ما نطق به المحاضر أولًا (وقال «ثم ملاقيه» في سياق المقابلة). وكلامه في توجيه الفاء مقابل «ثم» مضطرب بعض الاضطراب في التفريغ، فأُثبت ما اتضح منه، ويحتاج سماع الصوت. والآية في الانشقاق: ٦. [4]: توثيق المحرر: المحاضر لم يذكر المواضع؛ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…﴾ في الإسراء: ٧٠، و﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ…﴾ في الأحزاب: ٧٢. [5]: توثيق المحرر: الأنعام: ٣٨. [6]: توثيق المحرر: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ في الرحمن: ١-٣. وعبارة «في أحسن تقويم» إشارة إلى التين: ٤ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وعبارة «هداه النجدين» إلى البلد: ١٠ ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾؛ ولم يتلُ المحاضر الآيتين تامّتين بل أشار إليهما. [7]: توثيق المحرر: البقرة: ٢٠٧، ولقمان: ٦، والبقرة: ٨ (لم يذكر المحاضر المواضع). [8]: توثيق المحرر: الروم: ٣٠. [9]: توثيق المحرر: النحل: ٧٨، وتمام الآية في المصحف ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾؛ ولم يظهر في التفريغ لفظ «الأبصار» فاقتُصر على ما نطق به. [10]: توثيق المحرر: الشمس: ٧-١٠. [11]: توثيق المحرر: الأنعام: ٣٣ (وتمامها «وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ»)، ثم الطور: ٤٨، ثم طه: ٦٧. [12]: توثيق المحرر: الضحى: ٣-١١؛ والآيات الأولى منها (٣-٦) جاءت مجملة في التفريغ. [13]: توثيق المحرر: الزخرف: ٥١، وتمامها «أَفَلَا تُبْصِرُونَ». [14]: توثيق المحرر: القمر: ١٧. [15]: توثيق المحرر: الحشر: ٢١. [16]: توثيق المحرر: طه: ١٢٤. ونص الآية في المصحف «عَن ذِكْرِي»، وفي التفريغ «عن الذكر». [17]: توثيق المحرر: فصلت: ٥٣. [18]: توثيق المحرر: في التفريغ «فيكتبون أحسنه» والأرجح «فيتبعون أحسنه»، ويحتاج سماع الصوت. [19]: توثيق المحرر: تلا المحاضر الآيات متفرقة في أثناء كلامه؛ ولم يُسمع في التفريغ لفظ «قليلا» بعد «أو انقص منه»، وفيه «أقوى مقيلا» وصوابه في المصحف «أقوم قيلا». [20]: توثيق المحرر: عبارة «لا تقود سيارتك…» مشوشة في التفريغ (يُسمع «سردا ما تسوق في الشارع متأخر»)؛ أُثبت المعنى المرجَّح ويحتاج سماع الصوت. [21]: توثيق المحرر: العبارة مشوشة في التفريغ («عربيه ف الابشن»)، ويبدو أنها «فُل أوبشن»؛ وما بعدها عن المسلم الذي يعود إلى بيته مضطرب في ضمائره (الزوج أم الزوجة)، فصيغ بحذر. [22]: توثيق المحرر: من «هذا أهم سؤال» إلى «ونفهمهم» يبدو من كلام السائل أو المضيف لا من كلام المحاضر (يخاطبه بقوله «أمامك»)، فنُسب إلى السائل؛ ويحتاج سماع الصوت.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں