التربية طاعة لله لا صفقة
حين تكون التربية طاعةً لله لا صفقةً مع الأولاد
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠١٧مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اللهم إنا نسألك أن تصلح لنا قلوبنا، وأن تهديَنا، وأن تدبّر لنا يا رب العالمين برحمتك ولطفك وكرمك. اللهم آمين.
قرأتُ اليوم موقفًا بين عمر بن عبد العزيز وابنٍ له[1]. كان عمر خليفةً أميرًا للمؤمنين، فوقف الناس على بابه جاؤوا لقضاء حوائجهم، وراحوا يطلبون من الخليفة، وفيهم المحتاجون، فاجتهد في إعطائهم ما يريدون وبذل لهم ما يستطيع، غير أنه أُرهق وتعب من كثرة الوقوف وطول المجهود، فاستأذن أن يستريح ساعة، فأُذن له ودخل. وبينما هو في الداخل جاء أحد أبنائه، وهو معتاد أن يرى أباه في هذا الوقت في خدمة الناس، فسأل: أين أبي؟ فقالوا: أُرهق فدخل يستريح ساعة. فاستأذن الابن ودخل عليه، فلما رآه قال: يا أبتِ، ما الأمر؟ قال: أردتُ أن أستريح ساعة. فكيف كان جواب الولد؟ قال: أوَأمِنتَ أن يأتيك ملك الموت ورعيّتك على بابك ينتظرونك وأنت محتجبٌ عنهم؟ تقول الرواية التي بين أيدينا: فخرج عمر من ساعته.
أنتم ماذا ترون في هذا الموقف؟ هل فيه شيء مخالف شرعًا أو عقلًا؟ رجل واقف طول النهار يخدم الناس، ثم تعب فاستأذن أن يجلس ساعة يأخذ فيها نفَسه. ومع ذلك دخل عليه ولده فقال له ما قال، فسمع الكلمة وقام على الفور ليكمل بقية عمله. وما حدث هنا كان نتيجةً لموقف سبقه. فقد عرف عمر بن عبد العزيز يومًا أن ابنه اشترى خاتمًا فصُّه بألف دينار، فاستدعاه وقال له: علمتُ أنك اشتريتَ خاتمًا فصُّه بألف دينار؛ فهلّا أشبعتَ بها ألف جائع، ثم اتخذتَ خاتمًا من حديد وكتبتَ عليه: «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه».
فعندنا دائمًا أن ما يحدث غدًا نتيجةٌ لما نفعله اليوم. وحين خرج عمر بهذا النوع من التربية لأبنائه، خرج الولد بهذا النوع من التربية لأبيه أيضًا، فكلاهما يربّي الآخر. فمن مِن أولادنا سيقف أمامنا يومًا ما ليردّنا، فيما يبدو، عن الخطأ الذي نفعله؟ أو ليزيد عندنا نسبة الصواب الذي نمارسه؟ أو ليؤهلنا للاقتراب من الجنة؟ مَن مِن أولادنا سيكون صاحب هذا…؟ خلّونا نتكلم.
لماذا نربّي أولادنا؟
هل نحتاج أن نربّي أولادنا، ولماذا؟ أهم سبب يجعلنا نربّي عيالنا أن تربيتنا لهم طاعةٌ لله، وجزء كبير جدًّا من طاعتك لربّ العالمين سبحانه وتعالى أن تربّي أولادك. فإن قال لي أحدكم: أنا الآن صليتُ العشاء وذهبتُ إلى البيت وجلستُ مع الأولاد قليلًا، أفهذه طاعة لله؟ أقول: نعم، هذه طاعة لله عز وجل، أن تجلس وسط أولادك تكلّمهم ويكلّمونك.
ولماذا هي طاعة لله بالذات؟ لأن هذا الكلام في حد ذاته تناقلٌ للخبرات، واستكشاف لما في نفوس الأولاد، واطلاع على أسرارهم الداخلية، أو محاولة لمعالجة ما عندهم من مشكلات. فإذا قعدتَ معهم حصل حوار، وحصل بيننا تبادلٌ في الحديث والنقاش، وهذا يؤدي إلى مزيد من قربهم منك ومزيد من اطلاعك عليهم. فتكون متوقِّعًا حتى الأخطاء التي قد تصدر من الولد أو من البنت، وتعرف متى تعالجها وكيف، فتأمَن مخاطر المستقبل، وتأمن مخاطر الشيخوخة كما ستأتي بعد ذلك.
لكن هدفنا الأول أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.[2] «قوا أنفسكم»، وهي أنفسنا، «وأهليكم» وهم أولادنا وزوجاتنا. نارًا. فكيف أفعل ذلك؟ كيف أقيهم من النار، وكيف أُبعدهم عنها؟ إن أردتَ أن تبعد أحدًا عن الماء فأين تضعه؟ في البر. وإن أردتَ أن تبعده عن البر فتضعه في الماء أو في الجو. فإن أردتُ أن أبعدهم عن النار فأين أضعهم؟ في الجنة. فليس الأمر أن نقول للنار: ابتعدي، أنتِ لسْتِ جيدة! نحن نريد أن نشتغل على الجنة. كيف نضع العيال في الجنة؟ نضعهم في البيئة التي تؤهلهم لأن يكونوا فيها.
حسناتٌ لا تُحصى في ميزانك
والنقطة المهمة أن تعويد أولادك على الطاعة سيكون في ميزان حسناتك لا في ميزان سيئاتك، هذا مؤكد. حين أعلّم الولد كيف يصلي، وألحّ عليه أن يتوضأ قبل أن يصلي، وأنا أعلم أنه يضحك عليّ ويذهب يتهرّب ويطوي الموضوع، ثم أسأله: صليتَ؟ فيقول: نعم. متوضئ؟ يقول: طبعًا، المؤمن دائمًا طاهر، أنا متوضئ منذ سبعة أيام، لا يهمك، أنا أتوضأ كل أسبوع مرة. فأتجاوز عنها، وأعالج وأصبر وأطبطب. هذا البذل، وهذه التربية، وهذا الجهد، موجود في ميزان الحسنات. ستجد في سجلّك عشرة دولارات صدقةً للمسجد الذي نبنيه، ودولارًا أطعمتَ به فلانًا لوجه الله سبحانه وتعالى، وبجانبها خانة كبيرة جدًّا: خمس وأربعون ساعة قضيتَها مع زوجتك، وثلاث وخمسون ساعة قضيتَها مع أولادك، وسبعة أيام قضيتها في كذا. فحتى الوقت المبذول مع الأولاد ستجده موجودًا.
ثم لو أن الأولاد اعتادوا عاداتٍ طيبة، فتخيّل. لو حفّظتَ ابنك سورة الفاتحة، «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم»، وحفظها، فكم مرة سيقرؤها في حياته؟ سبع عشرة مرة في اليوم. هيا اضرب سبع عشرة في ثلاثمائة وخمس وستين، بعد إذنكم، لنعطي الناس رقمًا. إنه يقرؤها في الصلاة بحمد الله في الفرائض وحدها سبع عشرة مرة؛ يصلي الصبح ركعتين، والظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا، فيقرأ الفاتحة في هذه كلها، هذا غير السنن. فتكون النتيجة نحو ستة آلاف ومئتين في السنة[3]. فإن قدّر الله له أن يعيش عشر سنين، ثم عشرًا أخرى، ثم عشرًا أخرى، فكم سيبلغ العدد؟ الله أكبر، نحو مئة وثمانين ألف مرة سيقرأ فيها الفاتحة. ثم اضرب في عدد الحروف، والحرف الواحد بعشر حسنات، والله يزيد لمن يشاء سبحانه وتعالى. فقد تكون «مليارديرَ حسنات» لمجرد أنك حفّظتَ ابنك سورة الفاتحة! وفي رمضان، الله يفتح عليك، التراويح…
ولن يصلي بالفاتحة وحدها، بل سيحفظ معها «قل هو الله أحد» و«قل أعوذ برب الفلق»، وسيحفظ معها سورة «ق» وسورة «الحجرات» وسورة «قد سمع»، فيقرأ بهذه السور كلها. وهو الذي دخل هذا الميدان وتعلّم أن يقول بعد الصلاة: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، تباركتَ وتعاليتَ يا…[4] اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ويقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة، ويختم الصلاة بكلمتين يدعو فيهما رب العالمين سبحانه وتعالى، وسيتعلم ولو بالغلط: «اللهم اغفر لي ولوالديّ». كم مرة سيقولها في حياته؟ وكم مرة سيقول: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾؟[5] ولما يكبر، إن شاء الرحمن، سيتذكر أن هذا الأثر الذي هو فيه من أثر التربية التي تربّاها وهو صغير، فيدعو الله سبحانه وتعالى.
وكلنا بلا استثناء، لمّا كنا صغارًا، كنا نقول: ما أقساك يا أبي! حرام عليك، لماذا تفعل بنا هكذا؟ لكن بمجرد أن ننضج ونبدأ نفهم ونستوعب ندعو له. فلولا هذه «المرمطة» ما عرفنا أن نتكلم مع الناس، ولولا القسوة التي كانت علينا ما عرفنا أن نربّي أولادنا، ولا أن نبني المستقبل إلى آخر ذلك.
سؤال العشاء: طاعةٌ لا ننتظر عليها أجرًا
فمبدئيًّا، حين نربّي أولادنا فإننا نربّيهم طاعةً لله سبحانه وتعالى. وأسألكم: لما تصلّون العشاء وأنتم راجعون، هل تنتظرون أن يعطيكم أحدٌ أجرتكم؟ هل تنتظرون مبلغًا من الدولارات لأنكم صرفتم «سبند تايم» في الصلاة؟ لا. لماذا؟ لأنكم اعتبرتم صلاة العشاء طاعةً لله فقط. فبالتصور نفسه، لو فهمتَ أنك تربّي عيالك طاعةً لله، فستقضي معهم الوقت والجهد والمال ولا تنتظر منهم شيئًا؛ فلا أحد يدفع لكي يأخذ. وإن كان من أهداف التربية أيضًا ما يلي: أنك حين تبذل لهم وهم صغار، يتعوّدون أن يروا من يبذل، فإذا كبروا بذلوا بدورهم. ولمن؟ لأقرب الناس إليهم، أبيهم وأمهم.
المسؤولية «توصيفٌ وظيفيّ»
ثم هناك أمر آخر هو المسؤولية. أعني أن هناك شيئًا أعطيتُه لك، وفي آخر السنة نجلس للمراجعة فأقول لك: تعال يا عم، عملنا هذا أو لم نعمله؟ عندنا كذا وكذا، صحيح هذا الكلام أم لا؟ نعم صحيح. هل عملتُ هذا؟ لا، أثّرتُ في هذا. زدنا هنا. فإذا كنتَ على يقين بأنك مسؤول يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى، فالطبيعي أن تؤدي عملك. وحين أسمع كلمة المسؤولية أفهمها على أنها جزء من «الجوب ديسكريبشن» الخاص بي في الحياة، أي التوصيف الوظيفي لعملي. فتقول لي: وأنا موظف عند من؟ أنت موظف عند ربنا. افهم هذا: أنك منذ البداية متعاقدٌ عقدًا مبدئيًّا من يوم خُلقت، وأنك عبدٌ لمن؟ لله سبحانه وتعالى. فإن اعتبرتَ أن هذا عقد اتفاق مبدئي بينك وبين الله سبحانه وتعالى، وأن عندك توصيفات عملك، فسترجع إلى ربنا فيسألك: هل عملتَ هذا أم لا؟ وهل عملتَ كذا وكذا؟
وهل عندنا دليل على هذا الكلام؟ طبعًا. قال النبي ﷺ: «لا تزول قدمُ عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل» عن ماذا؟ عن المال والعمر والعمل والعلم[6]. وهذا كله معناه أنني سأُسأل عن كل ذلك، فإذا فهمتُ أن هذا جزء من مسؤوليتي فأنا أؤدي المسؤولية وليس أكثر. جئتُ اليوم أشتغل في هذا المكان، وآخر الشهر آخذ راتبي، ثم جئتُ فصليتُ العشاء، وهو أيضًا جزء من شغلي. فهل أنا لما صليتُ العشاء وخرجتُ إلى الباب أنتظر أن يقول لي الناس: شكرًا، جزاك الله خيرًا؟ يا سلام على هذه الحلاوة! أنت جئتَ تصلي العشاء! وما هو الطبيعي؟ أن أكون موجودًا في صلاة العشاء، أما غير الطبيعي فألّا تجد الواحد في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه. وكذلك غير الطبيعي ألّا تجد أبًا يربّي أولاده، وأن تتخلى الأم عن مسؤولياتها، وأن يكون عندك أولويات تختارها لنفسك وتترك شغلك. وشغلك ماذا؟ أن تراعي حقوق من لهم عليك حقوق. والنبي ﷺ يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول…»[7]. أرأيتم كلمة «مسؤول» هذه؟ معناها أنك ستقف أمام رب العالمين سبحانه وتعالى فيقول لك: الولد فعل كذا في اليوم الفلاني فلماذا لم تردّ عليه؟ فتقول: يا رب، أنا نسيتُ أصلًا، كان موقفًا صغيرًا. فيقال لك: الموقف الذي رأيتَه صغيرًا أثّر في سلوكه بعد عشر سنين وثلاثة أشهر وخمسة أيام وأربع ساعات وسبع وثلاثين ثانية! الله! الموضوع كبير. نعم طبعًا. لماذا لم تؤدِّ ما عليك؟ لأني لم آخذ بالي. ولماذا لم تنتبه؟ كيف؟ فيُخصَم من رصيد الأعمال.
البيت قبل المسجد، والمسجد قبل المدرسة
والمسؤولية هنا على من؟ عندنا ثلاث دوائر قبل غيرها. فمن يكون قبل المسجد؟ البيت. فالبيت قبل المسجد، والمسجد قبل المدرسة، والمدرسة قبل بقية الأشياء. ولو ذهب إلى نادٍ أو اشترك في نشاط أو غيره، فعندي إذن ثلاثة أماكن أساسية في الموضوع: بيت ومسجد ومدرسة. والطبيعي أن يأتي الولد إلى هنا قبل أن يذهب إلى المدرسة، فخذوا بالكم، ثم المدرسة، وبعد المدرسة أي مكان آخر.
طيب، كم نسبة المسؤولية على البيت؟ أريد أن أقسمها. هل أجعل على البيت عشرة، وعلى المسجد عشرين، فيبقى سبعون على المدرسة، فيصير المجموع مئة؟ هل هذه الحسبة صحيحة؟ لا، لا ينفع. فتعالَ أقلبها وأقول: البيت عليه سبعون. والمسجد؟ عشرون فقط؟ لا، أنا متخيّل أن المسجد يكون عليه أكثر من هذا. فأجعل المسجد خمسين بالمئة. لكننا اتفقنا أن البيت عليه سبعون، أم تريد أن تقلل نسبة البيت إلى ثلاثين بالمئة؟ هل ضميرك راضٍ ومرتاح وأنت تقول هذا؟ لا. فالبيت سبعون، والمسجد خمسون بالمئة، فنحن إذن مئة وعشرون على فكرة. ثم لم نذهب بعد إلى المدرسة، فالمدرسة عليها أربعون بالمئة تقريبًا. فيصير عندنا سبعون وخمسون وأربعون، ما مجموعها؟ مئة وستون بالمئة. نعم! ولو استطعتَ أن تقول خمسمئة بالمئة فقلها. لماذا؟ لأن عندي منتجًا غير عادي.
البضاعة عند حضرتك في المحل مقسَّمة المستويات أم لا؟ فيها شيء بقرش، وشيء بخمسة جنيهات، وشيء بمئتين، وشيء بألف. فهل هي كلها موضوعة في مكان واحد؟ لا، بل هناك أشياء يُغلق عليها الزجاج حتى لا يصيبها الغبار فلا يصل إليها حتى «الدست». وهناك أشياء مهمة، فتكون العناية المركزة على بعض الأشياء عندك، وليس مئة بالمئة فقط، بل تعطيها احتياطات أكثر من مئتين بالمئة لتحميَ هذه البضاعة. فإذا تكلمتُ عن ابني، فكم قيمته عندي يا ترى؟ مئة بالمئة فقط أم أكثر من ذلك قليلًا؟ أنا متخيّل أنني سأعطيه خمسمئة بالمئة. فأضع مئتين بالمئة للبيت، ومئة وخمسين بالمئة للمسجد، ثم أضع للمدرسة ما أريده.
نحن في بلاد غربة
وأرجع إلى النقطة التي تكلّم عنها أحد الإخوة، وهي أننا في بلاد غربة، والبيئة التي يعيش فيها العيال مختلفة تمامًا، وإن كانت الآن قد تشابهت القلوب، وأحوال الناس في بلاد كثيرة صارت قريبة، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة للعباد والبلاد يا رب العالمين. لكن على أقل تقدير عندنا أساسيات: المجتمع هنا ينظر إليها على أنها عادية، ونحن ننظر إليها إسلاميًّا على أنها ليست عادية. أن يذهب ولد فيقعد مع بنت في مكان، هذا الكلام غير منطقي بالنسبة لنا، لكنه عادي بالنسبة للمجتمع الذي نعيش فيه. أن تلبس عائلة لباسًا بشكل معين، عادي بالنسبة لهم، ليس عاديًّا بالنسبة لنا. هذه الأمور موجودة ولا بد أن ننظر إليها.
وعلى هذا، لو أن ابني خرج قويًّا جدًّا من البيت، ثم ذهب إلى المسجد فوجد قوة أكبر اكتسبها من المسجد، إيمانيات، ثم ذهب إلى المدرسة، فكم أعطيناه حتى ذهب إلى المدرسة؟ اتفقنا على سبعين وخمسين، أي مئة وعشرين بالمئة، فهو الآن مشبَعٌ بالفعل. وأي شيء ستعطيه إياه المدرسة بعد ذلك، إذا لم يكن متفقًا مع الثوابت الموجودة عنده، فسيكون مرفوضًا أصلًا ولن يستقبله. لماذا؟ لأنه لا يسير في المسارات التي حدّدتها. وأنا حين أربّي ابني كأنني أقسّمه: هذا خط، وهذا خط، وهذا خط، وهذا خط. هذا المعروف، وهذا الإحسان، وهذا البر، وهذا الصدق، وهذه الأمانة، وهذه الأخلاق. أنا أصنع شوارع وحارات، وأنا الذي أقسّم ابني مثل الحيّ. فأي شيء يأتي وليس له مسارات هنا لا يدخل. أنت صنعتَ الشارع بعرض خمسة أمتار وجاءتك سيارة بعرض سبعة أمتار، فكيف تستطيع أن تدخلها؟ لا ينفع. فالولد المتعوّد على الصدق والبنت المتعوّدة على العفة والطهارة، لما يذهبان إلى المدرسة ويأتيهما شيء غير هذا الكلام، فهناك شيء غريب، جسمٌ غريب دخل المكان، فعلى طول تلتقطه قرون الاستشعار، وترصده الكاميرات، ويلتقطه الرادار، فيَنفِران منه فورًا.
ولهذا أنا أقسم هذه التقسيمة الكبيرة: سبعون بالمئة هنا. وحين يسأل ربنا المدرّس، فسيسأله عن الولد، لكن ليس كسؤال الأب؛ مستحيل. وحين يسأل محفّظ القرآن الذي في المعهد أو في المدرسة أو في المسجد، فسيسأله أيضًا، لكن ليس كسؤال الأم؛ مستحيل. اللهم إلا إذا كانت هناك حالات خاصة، أو اطّلع المدرّس على ما لا يطّلع عليه الأب ففرّط في دوره أو قصّر في واجبه، فتلك مسألة أخرى. لكننا نتكلم عن المسؤولية العامة.
الأولاد قد يكونون أعداءً
وعندنا نقطة في منتهى الخطورة ونحن نتكلم عن هذا الموضوع، وهي أن الأولاد قد يكونون في يومٍ من الأيام أعداءً. يا ساتر يا رب! كيف هذا الكلام؟ أستغفر الله، أمعقول؟ نعم طبعًا. ربّ العالمين سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾.[8] يا أيها الذين آمنوا، يكلّم المؤمنين على فكرة، لا «يا أيها الناس». ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾. الله أكبر!
أضرب لك مثالًا: زوجة دائمة السخط، تقول لزوجها كل شيء لا يعجبني. ما الذي تريدينه يا حاجّة؟ أريدك أن تأتيني بكذا وكذا وكذا، فلانة لابسة كذا. فماذا يفعل زوجنا المسكين؟ لا يحتمل، وأنتم تعرفون أن «العلقة» تكون شديدة. ما بالك تضحك؟ فيذهب فيختلس ليأتيها بما تريد. فلما اختلس، من الذي أوصله إلى النار؟ ألم تكن سببًا في أن يذهب إلى النار؟ اتفقنا. أو زوجة تتمنّع عن زوجها، نسأل الله العافية والسلامة[9]، وصاحبنا لا يكون عنده الإيمان الكامل، فيضطر والعياذ بالله إلى الزنا، فمن الذي اضطره إلى ذلك؟ هو طبعًا ليس معفيًّا من المسؤولية، ولا يفهمني أحدٌ خطأً، فأنا قلت إذا لم يكن لديه الإيمان الذي يحميه. والمطلوب أن يكون عند كل واحد منا إيمان يفهم به الصواب والخطأ، والصحيح والغلط، والحق والباطل، إلى آخره. لكنه إذا لم يكن عنده هذا القدر وفعل، فقد كان ممكنًا ألّا يفعل لو أن الزوجة أعطته حقه وما يطلبه. والعكس صحيح: لو قصّر في شأنها وأهملها وتعامل معها بازدراء، وحسبها حيوانة وحتة في رجله، إلى آخره، فوقعت في مصيبة ولم يكن عندها إيمان كافٍ، فمن الذي اضطرها إلى ذلك؟ من المسؤول في الأول وفي الآخر؟ فقد يكون الولد أو الأم، أي الزوجة، ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾.
طيب، بلاش هذه السيرة، انسَ كل ما قلتُه. دعني أربّي ولدًا، والعياذ بالله، تسمّونها «ستنجي»، كيف نترجمها، ماذا نقول فيه؟ «جريدي»؟ بخيل. لا، ليس مجرد بخيل، بل هو، والعياذ بالله، الذي أنت قلتَه هذا. فإذا كان بهذه الصفة، تملّكته نفسه شحًّا لا يستطيع أن يبذل، وأول بني آدم يبخل عليه هو أنا. فصار المال مالي ومع ذلك هو عدو.
دعني أضرب لك مثالًا عمليًّا. تخيّل، أكرمك الله سبحانه وتعالى، أن عندك شغلًا تحمله، ربنا يحميك لوالدك ويحفظكم يا رب العالمين، وأنا أعطيته البطاقة الائتمانية وكل شيء، وأعطيته صلاحية الوصول إلى كل شيء عندي. وصاحبنا جاء وماذا فعل؟ استعمل هذه الصلاحيات كلها في أن يزيد الخيرات التي عندي. فهو الآن صاحبي أم عدوي؟ ما رأيك؟ صاحبي. طيب، لو ضيّعها، صاحبي أم عدوي؟ تخيّل ذلك. نسأل الله العفو والعافية. فمن العدو ومن الصاحب، وكيف نستطيع أن نصنع...؟
لكن الملفت للنظر أن رب العالمين سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾. ما معنى فاحذروهم؟ معناها: حاول أن تكون حريصًا في كل شيء تربّيهم عليه، لأن احتمالات أن تنفلت النفوس من إطار الحق واردة في أي وقت من الأوقات. فاحرص دائمًا وأنت تتعامل معهم أن ينضبطوا على الصراط المستقيم، لأن الانحراف أقرب إلى النفس البشرية، خصوصًا في مراحل عمرية معينة. اتفقنا على هذا. لكن رب العالمين سبحانه وتعالى يقول بعدها: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾[10]. الله! لماذا هذا الكلام كله؟ لأنك تتعامل مع نفس بشرية احتمالات الخطأ فيها واردة. فكما أنك مطالب بأن تكون حذرًا وواعيًا، فإذا حدثت غلطة صغيرة فأحيانًا تطبطب، وأحيانًا تقول: معلش، نعديها هذه المرة، طيب إن شاء الله ربنا ييسّر، طيب لا نفعل هذا ثانية، طيب خذ بالك من كذا. فالمنهج متكامل بين الحذر والرحمة، وهو منهج محترم ومتكامل.
فلا تصنع عدوًّا بيدك
فنحن إذن تكلمنا الآن أننا نطيع ربّ العالمين سبحانه وتعالى، ونوفّي حق المسؤولية التي على أكتافنا. ورقم ثلاثة أننا نصنع أعداءً أو أصحابًا. فلا تصنع عدوًّا بنفسك. الولد الذي سيتربّى على الأخلاق الجيدة، والذي ستأتي به معك إلى المسجد، والذي سيتربّى معك تربية طيبة، سيكون سندك في يوم من الأيام، وهو الذي سيحمل عنك، وهو الذي سيعرف حقك عليه، وهو الذي سيقول: والله أنا أفعل هذا لأجل أبي ولمصلحته، ولا أريد أن يتعب، ولا أريد كذا. كل هذا كلام في الاتجاه الصحيح. لكن إذا وجدنا العكس، والعياذ بالله، فهو في الاتجاه الخطأ تمامًا. فمن الذي صنع هذا؟ أنا ما وجدتُ ولدًا يتصرف تصرفًا خاطئًا ضد أبيه إلا وجدتُ أن أباه كان يتصرف تصرفًا خاطئًا معه وهو صغير[11]، وما من ولد يبرّ أباه وهو كبير إلا وكان أبوه يفعل ذلك معه وهو صغير. فإن كان العكس، فالأب إما أنه لم يكن يقصد، وإما أنه لم يكن يعرف.
ففي كثير من الأحوال نحن نحكم على آبائنا وأمهاتنا لأنهم كانوا قساةً معنا في التعامل. ولكن لا ننتبه إلى أن هذه كانت معلوماته عن التربية؛ الرجل لم يكن يعرف أكثر من ذلك، عمل ما يقدر عليه، ولم يكن متعمّدًا أن يؤذيني، لم يتعمّد أن يهينني، لكن هذه الوسيلة التي رآها وتعرّف عليها وعاشها في حياته. وأبوه رباه على الطريقة نفسها، أو كانت البيئة التي نشأ فيها صعبة جدًّا بحيث لا يفلت شيء من بين أنامل أصابعه. وعلى هذا كانت تلك هي ثروته التي نقلها إليك. قد تكون ثروةً خاطئة، لكنه لا يقصد. فساعتها أيضًا يجب أن يُوفَّى ذلك الرجل بقدر ما تشتهي لنفسك وفاءً من عند الله تبارك وتعالى[12]، ثم بعد ذلك إحسانًا إلى والديه إن شاء الله سبحانه وتعالى.
نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا خير أبناء لخير آباء وأمهات، وأن يرزقنا من أبنائنا وبناتنا من يمنّ علينا من خلالهم بالبر والإحسان. اللهم آمين يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك سترك وعافيتك وأمنك وبرّك. جزاكم الله تعالى خيرًا، وبارك الله تعالى لكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. لا إله إلا الله.
--- [1]: توثيق المحرر: قال المحاضر إنه قرأ الموقف «اليوم» ولم يعزُه إلى كتاب؛ وقد نقلتُ القصة بحسب روايته، وهي بحاجة إلى مراجعة المصدر قبل الاستشهاد بها، وكذلك قصة الخاتم بعدها. [2]: توثيق المحرر: الآية من سورة التحريم: ٦، ولم يذكر المحاضر موضعها. [3]: توثيق المحرر: ١٧ × ٣٦٥ = ٦٢٠٥. واضطربت في التفريغ الأرقام التراكمية بعد ذلك (٦٦٢٥، ٦٠٠٠٠٠، ١٢٠٠٠٠، ١٨٠٠٠٠) فلم أثبت منها شيئًا، وأبقيتُ على المعنى الإجمالي، وأثبتُّ ما ذكره المحاضر في آخر الحساب (نحو مئة وثمانين ألف مرة). وعبارته عن رمضان والتراويح مضطربة في التفريغ. [4]: توثيق المحرر: وقف المحاضر عند «يا…»، وتمام الذكر المأثور: «يا ذا الجلال والإكرام». [5]: توثيق المحرر: الآية من سورة الإسراء: ٢٤، ولم يذكر المحاضر موضعها. [6]: توثيق المحرر: الحديث بتمامه رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه». [7]: توثيق المحرر: متفق عليه، وتمامه: «…عن رعيته». ولم يكمل المحاضر الحديث، وإنما وقف عند كلمة «مسؤول». [8]: توثيق المحرر: الآية من سورة التغابن: ١٤، ولم يذكر المحاضر موضعها؛ وقد وقف هنا عند «عدوًّا لكم»، ثم ذكر «فاحذروهم» بعد ذلك. [9]: توثيق المحرر: العبارة في التفريغ غير واضحة («تتابع على زوجها… وتتمنى عنه»)، وقد نُقل منها ما ثبت من سياقها، وهو امتناع الزوجة عن زوجها. [10]: توثيق المحرر: اقتصر المحاضر على هذا القدر من الآية؛ وتمامها: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، والآية من سورة التغابن: ١٤. [11]: توثيق المحرر: هذا تعميم من المحاضر، نُقل بلفظه. [12]: توثيق المحرر: العبارة في هذا الموضع مضطربة في التفريغ، والمعنى المثبت هو وجوب الوفاء للأب بقدر ما يرجو المرء لنفسه من الوفاء، ثم الإحسان إلى والديه.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔