وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ
من ابنَي آدم إلى يوسف إلى أبي بكر: كيف نخرج من دائرة الدنيا الضيقة إلى الغاية التي خُلقنا لها
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مسجد النهضة، إلينوي، بتاريخ 17 أكتوبر 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تبارك وتعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين. وبعد:
فلا أحسن أن أتجاوز ما تفضل به شيخنا قبل الجمعة من حديثٍ عن صلة الرحم، وهو داخلٌ في عنوان خطبتنا: «والعاقبة للتقوى». وصلة الرحم جزءٌ من كيانٍ تشريعي متكامل أراد الله به أن يضبط حياة الناس وتصرفاتهم، لا بقبضةٍ تقيّد الحركة، وإنما بمنهجٍ يضبط المسير. وقديمًا علّمونا أن أهلي صمام الأمان في حياتي: أقاربي، أخوالي وأعمامي وأبناء عمومتي وخؤولتي، يحيطون بي وأحيط بهم.
حين خاف الناس من أقاربهم
لكن الواقع ساء إلى حدٍّ صار فيه المرء يتخوف من إظهار النعمة أمام أقاربه وأهله، وصرنا نوصي عيالنا: إياك أن تتكلم أمام عمتك فلانة، أو تذكر كذا أمام خالك الفلاني، انتبه، للبيت أسراره. وهذا حقٌّ في بعضه لا في كله، فحفظ الأسرار مأمورٌ به شرعًا. وبقي السؤال: كيف وصلنا إلى هذا المستوى من التحاقد بين الأقارب، ومن التحاسد بين الإخوة لأبٍ وأم، من بطنٍ واحدة وظهرٍ واحد؟
والجواب أن غياب التدين من النفوس هو الذي يدفع الناس إلى السير وراء الشيطان، وهذه حركاته ووساوسه. ولهذا كانت أول إشكالية على ظهر الأرض بين أخوين: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 27-29]. هنا ظهر الداء نفسه الذي ظهر قبل ذلك بين الشيطان وآدم؛ فالشيطان استطاع أن يبثّ سمومه في نفس أحد الولدين دون الآخر.
وفي كلام الأخ المظلوم منظومةٌ فكرية متكاملة. أولًا: كيف تكون ردة الفعل نحو شرٍّ يأتيني لا من ابن عمومتي بل من أخي. ثانيًا: منهجية التفكير في العواقب والتوابع، لا في الحدث وحده. ثالثًا: إرجاع الأمر كله إلى الله وحده. وماذا كان يريد الأخ الآخر؟ روايات كثيرة لا يصح منها شيء، ولكن فكّر في أي سبب شئت، امرأة يريد الزواج بها أو مالٍ يريد أخذه، فستجده في أوله وآخره دنيا: أرقام وحسابات وفلوس وإرث وأرض ومزرعة، تُوضع كلها في دائرة صغيرة جدًّا تسمى دائرة الدنيا.
دائرة الدنيا وسؤال «لماذا ليس لي؟»
في هذه الدائرة يتنافس الناس. فإذا رأى أحدهم عليك قميصًا جديدًا فهو لا ينظر إلى قلبك وإنما إلى قميصك، وإذا رآك جدّدت شيئًا في دارك نظر إليه. والدنيا تزول بعد حين. والعاقل يردد: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، فيتعامل مع الله قبل أي شيء وبعد أي أحد، ولا ينظر إلى أفعال الناس، وإنما يُشفق عليهم ممّا تسلّط على قلوبهم من شيطان غيّرها عمّا ينبغي أن تكون عليه.
وأقولها وأنا أتألم: عندما أحتاج إلى نصير وظهير فإني أريد أخي، الذي هو من صلب أبي أو رحم أمي أو يجمعني به رحم الدين. أخي الذي لا أضام وهو بجواري، ولا أذلّ وهو يرفع من أمري، ولا أفتقر وعنده ما في جيبه لأنه ملكٌ لي أيضًا؛ الذي يربي ولدي إن مِتّ، ويحفظ حرمتي إن غبتُ، ويُنمّي مالي إن أهملتُ النظر فيه، ويحرس عدّتي وعتادي إن انشغل بالي عنه. هذه المفاهيم انعدمت من حياة الناس لأن الاعتبارات الإيمانية التي أرساها رسول الله ﷺ بين الناس انعدمت، فصار الشيطان هو المحرّك للعقول والقلوب، وصارت الأفكار تأتي على منظومته التي أسسها في الكون حين قال لأول مرة: أنا خير منه. وكذلك كل من حولك ينظر إلى ما عندك ويقول: لماذا ليس لي؟ هو أقل مني. عنده عمارة، ليش هو وليس أنا؟ عنده أولاد متفوقون في التعليم وحياته مستقرة، لماذا؟ الفكرة نفسها تتكرر بتغيّر العبارة. ولو أفرغنا جهدنا في سؤال الله أن يعطينا مثل ما أعطى الآخرين لفُزنا، ولاتبعنا نهج النبي ﷺ.
توادّ وتراحم كالجسد الواحد
فالنبي ﷺ علّم الناس كيف تكون المؤاخاة، حين ذكّرنا شيخنا بحديثه: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[1]. احفظوا الكلمتين: التوادّ والتراحم. ففي القرآن: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، يتكلم ربنا عن العلاقة بين الزوجين، ورسول الله ﷺ يتكلم عن العلاقة بين المؤمنين فيقول إنها مودة ورحمة. وكأنه ﷺ يرفع علاقتي بك إلى مرتبة علاقتي بأهل بيتي الذين ألتصق بهم ليل نهار، آكل معهم وأحسّ معهم وأفكر وأتألم وأفرح معهم. إنها علاقة لا تجمع الفكر وحده بل تجمع الفكر والمشاعر، القلب والنبض، الحركة الجسدية وحركة العقل، وتجمع الناس جمعًا لا افتراق معه. فإن وقع افتراق بين أخوين، في رحم الدم أو رحم الدين، فهو ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، لا شجار وخصومة، وليس لهم في أصل التشريع أن يتشاجروا.
والناس يتنافسون على الدنيا وما هي إلا قليل من الزاد يطرأ على العبد ثم يغادره بعد حين. والله يجلي النعم على من شاء ويسلبها ممن شاء. فمن نظر إلى الله والتمس ما عنده وفّاه ربه وأعطاه، ومن حرم نفسه الوصل بالله حُرم كل نعمة في الدنيا، ولو ملك مال قارون ما نعم بشيء، لأن القلب فارغ.
عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله في الأهل، وفي الأولاد، وفي الأمهات والآباء، وفي الأعمام والأخوال. فالدنيا تدور، والذي يحسن اليوم يجد الإحسان غدًا، فإن لم يتوفر له إحسانٌ دنيوي توفر له إحسانٌ أخروي، وكان المكافئ هو رب العزة سبحانه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
ما الغاية التي جئنا من أجلها؟
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.
لما انحسرت نظرتنا إلى الدنيا وما فيها، إلى الأرقام وعدّها والخزائن وملئها والبنوك والحسابات، غبنا عن الهدف الأساسي الذي جئنا إلى الحياة من أجله ونخرج من الحياة مسؤولين عنه. قال ربنا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. الله أخبرنا فيها أنه جعلك أنت، جعلني وجعل كل واحد منا، خليفةً يصنع مراد الله. فتركنا هذا والتفتنا إلى مرادنا نحن، ولم نعد ننظر إلى الخارج ثم إلى الداخل، فغاب الهدف الذي نحن هنا من أجله.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا: إذا جاء أحدنا من مكانٍ بعيد، أكثر من ثماني عشرة ساعة في السيارة، ليحضر هذا المسجد، فكيف لا يكون مبكرًا؟ كيف لا يكون حاضرًا متيقظًا يستمع إلى شيخه بإنصات، ويحترم الجالسين أمامه؟ لأن هذا عمله الذي جاء من أجله، وإن لم يفعل كان فاشلًا. ونحن أُرسلنا إلى الحياة ليكون كل منا خليفةً لله في أرضه، فإذا غبنا عن هذا صرنا فاشلين. الناس غابوا عمّا أراد الله منهم والتفتوا إلى ما أراد الشيطان منهم، غابوا عن القيم العليا وانشغلوا بتفاهات موجودة على هذه الأرض.
يوسف: لم ينسَ الغاية في السجن
يوسف عليه السلام وقعت عليه مظلمة كبيرة جدًّا، اتُّهم بتهمة مشينة وأُلقي به في السجن ظلمًا. فكيف كانت ردة فعله؟ لم ينسَ الهدف. لما دخل السجن قال لصاحبيه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]. ولما طُلب منه: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: 46]، ورأى فرصة الخروج، لم يقل: أنا هنا مظلوم أريد أن أخرج، لم يقل هذا مطلقًا، وإنما قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: 47]. لم ينسَ غايته: لستُ في الدنيا لأنشغل بذاتي، وإنما لأعمّر كونًا أمرني الله بإعماره، وأنشر دينًا أمرني الله بنشره، وأعين الناس على الصواب. ومن غاب عن هذه الغاية تشاجر مع امرأته وخاصم الأولاد وعبس في الحياة وضاق بحاله، أما من عاش لله فعاش آمنًا مستقرًا هادئًا مطمئنًا، يحنو على الناس ويمنح ما عنده ويعطي الآخرين.
أبو بكر وعمر: عقلية المؤمن
وأختم بمثال حتى لا أطيل عليكم. أي عقلية كانت عند أبي بكر رضي الله عنه وهو يعطي النبي ﷺ كل ما عنده؟ كان رجلًا غنيًّا جدًّا، يستطيع أن يجني من تجارته في وقت سريع ما لا يحسنه الآخرون. وفي كل مرة يطلب النبي ﷺ عطاءً كان يأتي بكل ما عنده، والنبي يسأله: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» فيقول: أبقيتُ لهم الله ورسوله[2]. كيف كان يفكر؟ كان يفكر في السماء، في الجنة، وأن هذا ربما كان آخر عطاء يمكن أن يعطيه، وأراد أن يحصّل الجنة بأعلى ثمن مهما كانت التكاليف. فلو أُصيب أحدنا بمرض في قلبه وقيل له: تحتاج جراحة تكلّف كذا، لقال: أيًّا كانت التكاليف فأنا أبذل كل ما عندي لأسترجع عافيتي. فهل رأيتم عاقلًا يدّخر المال ولا يريد أن ينجّي نفسه بشيء؟ هذه كانت نظرية أبي بكر الصديق.
وعمر رضي الله عنه حاول المنافسة مرة أو مرتين، فجاء بنصف ماله، فلما سأله النبي ﷺ: ماذا تركتَ لهم؟ قال: تركتُ نصف مالي. فتأمل: من الكسبان الفائز دنيويًّا؟ الذي عنده نصف ماله يستطيع أن ينمّي التجارة ويزيد الحسابات، أما الذي منح كل ما عنده فسيبدأ من الصفر. لكنها عقلية المؤمن.
اللهم أتمّ لأهلنا في غزة أمرهم على خير يا رب العالمين، اللهم لا تضيّع لهم جهدًا ولا تشتّت لهم شملًا ولا توزّع لهم كلمة ولا تفرّق لهم صفًّا، اللهم ثبّتهم وأعنهم وأمدّهم بمددك، اللهم اجبر خواطرهم وسدّد سعيهم وبارك خطاهم، واغفر لنا تقصيرنا في حقهم وحق دعوتك ودينك. اللهم اشرح صدورنا لطاعتك واملأ قلوبنا يقينًا فيما وعدت به. اللهم احفظ علينا بيوتنا آمنةً من مكر الشيطان، ولا تسلّط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، واجبر خواطرنا وسدّد سعينا وبارك خطانا يا رب العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
--- [1]: رواه مسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. توثيق المحرر: أُثبت اللفظ كما في صحيح مسلم، والخطيب اقتصر على «في توادهم وتراحمهم» ثم قال «كمثل الجسد الواحد» وذكر باقي الحديث بمعناه. [2]: رواه أبو داود والترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في قصة تصدق أبي بكر بماله كله وتصدق عمر بنصفه. توثيق المحرر: جواب عمر في الرواية: «مِثْلَهُ» أي نصف ماله، والخطيب عبّر عنه بقوله «تركتُ نصف مالي».
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔