أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 18
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

العفو في القرآن

تركُ الأثر ليندرس

د. أحمد أبو سيف٦ يوليو ٢٠٢٦9 دقائق قراءة

أمر النبيّ ﷺ أصحابه بأمرٍ بسيط الظاهر عميق الدلالة: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى"[1] — قصّوا الشوارب، واتركوا اللحى بلا تقصير حتى تنمو وتكثر. الفعل "أعفوا" هنا يعني حرفيًّا: اتركوا. اتركوا الشعر وشأنه، لا تتدخّلوا فيه، دعوه ينمو كما شاء. وهذا الفعل نفسه، بجذره اللغويّ نفسه، سيصف في القرآن أعظم صفات الرحمة بين الناس: العفو. فما العلاقة بين ترك اللحية لتنمو وترك زلّة الآخرين لتُمحى؟ هذا هو السؤال الذي يفتح به هذا المقال مفهوم العفو في القرآن.

حصر اللفظ والإحصاء

يرد جذر «ع ف و» في القرآن الكريم خمسًا وثلاثين مرة، في أربع صيغ. الفعل «عفا» يرد سبعًا وعشرين مرة، وأغلب مواضعه تصف عفو الله عن عباده؛ والاسم «عفوّ» (صيغة مبالغة) يرد خمس مرات، وصفًا لله بأنه "عفوٌّ غفور"؛ واسم الفاعل «العافين» يرد مرةً واحدة (٣:١٣٤)؛ والاسم «العفو» يرد مرتين، لكن بمعنًى مختلف تمامًا عن الصفح: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢:٢١٩)، حيث تعني الكلمة هنا "الفائض الزائد عن الحاجة"، لا "الصفح عن الذنب" — وهذا معنى فقهيّ مستقلّ في باب الإنفاق، لا يدخل في محور هذا المقال. وموضعٌ آخر لافت هو قوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا﴾ (٧:٩٥)، حيث يعني الفعل "كثُروا ونَمَوا"، لا "سامحوا" — وهو المعنى الأصليّ للجذر الذي سيُبنى عليه هذا المقال.

الجذر اللغويّ: تركٌ يُفضي إلى نموّ أو اندراس

يذكر ابن فارس في «مقاييس اللغة» أن أصل العين والفاء والحرف المعتلّ يرجع إلى معنى «ترك الشيء». ومن هذا الترك ينشأ معنيان متلازمان يبدوان للوهلة الأولى متضادَّين: فإذا تُرِك الشعر بلا تقصير، كثُر ونما وطال — ومنه "أعفوا اللحى" وقوله تعالى "حتى عفوا" أي كثُروا؛ وإذا تُرِك الأثر بلا تعهّدٍ ولا محافظة، اندرس ومُحِي بفعل الزمن والرياح — ومنه "عفت الديار" أي اندرست آثارها. والجامع بين المعنيَين واحد: أن الترك هو الفعل المشترك؛ فما يُترَك حيًّا ينمو ويكثر، وما يُترَك أثرًا بلا تجديد يندرس ويزول. وحين يصف القرآن عفو الله أو عفو الناس بعضهم عن بعض، فإنه يستدعي الشقّ الثاني تحديدًا: ترك أثر الذنب أو الإساءة بلا ملاحقة، حتى يندرس كما تندرس آثار الديار المهجورة.

البنية المركزية: تركٌ لا محوٌ عنوة

وهذا الفارق الدقيق — بين الترك الطبيعيّ والمحو القسريّ — هو ما يميّز العفو القرآنيّ عن مجرّد "نسيان" الإساءة أو قمع الغضب مؤقّتًا. فالعفو لا يعني محاولة اقتلاع أثر الإساءة من الذاكرة عنوةً وبجهد، بل تركه دون ملاحقةٍ أو مطالبةٍ بالثأر، حتى يذبل أثره تلقائيًّا كما تذبل آثار الديار المهجورة حين تُترَك للرياح. ولهذا يقرن القرآن العفو غالبًا بفعلٍ آخر يوضّح هذا المعنى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ (٥:١٣)، حيث "الصفح" يعني الإعراض بالوجه عن الأمر، أي عدم الالتفات إليه بعد تركه، لا مجرّد التسامح معه وهو حاضرٌ في الذهن.

العفو والصفح والمغفرة: درجاتٌ لا مترادفات

ويحسن هنا التمييز بين العفو وأختين له كثيرًا ما تُخلَطان به: الصفح والمغفرة. فحين يقرن القرآن اللفظَين في آيةٍ واحدة، مثل ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢:١٠٩)، فإنه لا يكرّر معنًى واحدًا بلفظَين للتوكيد، بل يذكر درجتَين متتاليتَين. يقول الراغب الأصفهانيّ إن "الصفح ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو"[2]؛ فالعفو، كما تقرّر من أصله اللغويّ، ترك أثر الذنب دون ملاحقةٍ بالعقاب، لكنه قد يُبقي أثرًا خفيًّا في النفس أو أثرًا ظاهرًا في التعامل؛ أما الصفح فيتجاوز ذلك إلى محو اللوم كلّيًّا، واعتبار الأمر كأن لم يكن. ويزيد شيخ الإسلام ابن تيمية الدرجات تفصيلًا حين يفرّق بين العفو والمغفرة فيقول: "العفو متضمِّنٌ لإسقاط حقّه قِبَلهم ومسامحتهم به، والمغفرة متضمِّنةٌ لوقايتهم شرّ ذنوبهم، وإقباله عليهم، ورضاه عنهم"[3]؛ فالمغفرة أبعد مدًى من العفو، لأنها لا تكتفي بإسقاط الحقّ، بل تُضيف إليه إقبالًا ورضًا. وهذا يعني أن آيات هذا المقال، حين تصف الله بأنه "عفوٌّ"، تصف أدنى درجات التجاوز وأيسرها تحقّقًا للعبد نفسه حين يُطلَب منه أن يتخلّق بها؛ فمن عجز عن بلوغ درجة المغفرة أو الصفح الكامل، فلا أقلّ من أن يبلغ درجة العفو: ترك الأثر دون ملاحقة.

نموذجٌ يكشف جوهر الصفة: عفوٌّ رغم القدرة

ومن أدقّ ما يكشف طبيعة العفو القرآنيّ اقترانه المتكرّر بصفة القدرة لا العجز: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٤:١٤٩، وبالمعنى نفسه ٤:٤٣). فالله لا يعفو لأنه عاجزٌ عن الانتقام، بل يعفو وهو قادرٌ تمام القدرة على المؤاخذة. وهذا الاقتران بين "عفوّ" و"قدير" في الآية نفسها يضع معيارًا لفهم العفو الحقيقيّ بين البشر أيضًا: العفو الذي يستحقّ اسمه هو عفو من يملك حقّ المؤاخذة ويقدر عليها، لا عفو من لا حيلة له سوى السكوت. فمن سامح لأنه عاجزٌ عن الانتقام لم يعفُ بالمعنى القرآنيّ، وإنما استسلم لعجزه.

نموذجٌ آخر من السيرة: حين نزلت الآية على قلبٍ موجوع

ومن أوضح تطبيقات هذا المعنى في السيرة النبوية ما وقع بعد حادثة الإفك، حين حلف أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ألّا ينفق بعدها على مسطح بن أثاثة، قريبه الذي خاض في تلك الفرية على ابنته عائشة رضي الله عنها. فنزلت الآية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢٤:٢٢)، فعاد أبو بكر عن يمينه واستأنف الإنفاق على مسطح. وهذا الموقف يجسّد البنية المركزية بدقّة: لم يُطلَب من أبي بكر أن ينسى الإساءة أو يتظاهر بعدم حدوثها، بل أن يترك ملاحقتها بالعقوبة، مقابل أن يترك الله ملاحقة ذنوبه هو بالمثل. والربط الصريح في الآية بين عفو العبد عن أخيه وعفو الله عنه يكشف أن العفو بين الناس ليس فضيلةً اجتماعية معزولة، بل معاملةٌ يُقاس بها استحقاق العبد لعفو ربّه.

نموذجٌ ثالث: العفو صفةٌ ملازمة لكظم الغيظ

ويصف القرآن المتّقين في آل عمران بصفتَين متلازمتَين لا تنفكّان: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٣:١٣٤). وهذا الترتيب اللفظيّ مقصود: كظم الغيظ يسبق العفو، لأنه المرحلة الأولى — ضبط الانفعال اللحظيّ؛ ثم يأتي العفو، وهو المرحلة الثانية الأعمق — ترك الأثر كلّه بلا رغبةٍ خفية بالانتقام لاحقًا. فمن كظم غيظه في اللحظة لكنه ظلّ يتحيّن فرصةً للثأر لاحقًا، حقّق نصف الفضيلة لا كلّها؛ أما من جمع بين كظم الغيظ الآنيّ وترك الأثر لاحقًا، فذلك من بلغ مقام العافين عن الناس.

ويربط هذا أيضًا بما سبق تقريره في مقالٍ آخر من هذه السلسلة عن الحياء، حيث تبيّن أن كظم الانفعال اللحظيّ خطوةٌ أولى ضرورية لكنها غير كافية وحدها؛ فكما أن الحياء الحقّ يتجاوز الخجل العابر إلى موقفٍ ثابت لا يحجب الحقّ، فإن العفو الحقّ يتجاوز كظم الغيظ اللحظيّ إلى ترك الأثر نهائيًّا، لا مجرّد تأجيل الانفجار إلى وقتٍ آخر.

نموذجٌ رابع: عفوٌ حتى في أدقّ تفاصيل الأسرة

ولا يقتصر العفو في القرآن على الخصومات الكبرى، بل يمتدّ إلى أدقّ تفاصيل العلاقات الزوجية. ففي سياق الحديث عن الطلاق قبل الدخول، حين يجب نصف المهر للمرأة، يقول القرآن: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (٢:٢٣٧). فقد يعفو أحد الطرفين عن حقّه المادّي الخالص، لا عن إساءةٍ ارتُكِبت، وهذا يوسّع مفهوم العفو من مجرّد ترك المطالبة بالعقاب إلى ترك المطالبة بالحقّ المشروع نفسه تفضّلًا، وهو ما وصفته الآية بأنه "أقرب للتقوى" — أي أن العفو، حتى عن الحقوق المالية المستحقّة، درجةٌ في سلّم القرب من الله، لا مجرّد تنازلٍ اجتماعيّ محايد.

اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء

وإذا كانت قصة أبي بكر ومسطح قد جسّدت العفو في نطاق الأسرة والقرابة، فإن أوسع تطبيقٍ تاريخيّ لمعنى "عفوًّا قديرًا" جاء يوم فتح مكة، حين دخل النبيّ ﷺ المدينة التي طردته وحاربته وعذّبت أصحابه عشرين عامًا، وهو في قمّة قدرته عليها عسكريًّا وسياسيًّا. وقد اشتهر في كتب السيرة أن النبيّ ﷺ سأل قريشًا: "ما ترون أني فاعلٌ بكم؟" فقالوا: "خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم"، فقال: "اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء". هذا اللفظ بعينه لم يثبت بإسنادٍ صحيح متّصل، لكنّ تسمية "الطُّلَقاء" نفسها لمن عفا عنهم النبيّ ﷺ من أهل مكة يومئذٍ ثابتةٌ مستقرّةٌ في كتب السيرة والسنّة، وقد دخل بفعل ذلك العفو أهل مكة في دين الله أفواجًا. وهذا الموقف، في أوسع تطبيقاته التاريخية، يجسّد بدقّة معنى "عفوًّا قديرًا": فمن كان بيده القرار في مصير عدوّه الذي آذاه أشدّ الأذى، ثم ترك المؤاخذة وهو الأقدر عليها، فذلك أصدق مصداقٍ لهذا الاسم بين البشر.

الشاهد النبويّ

روى أبو هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه، أن النبيّ ﷺ قال: "ما نَقَصَت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عِزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله"[4]. فالحديث يقلب معادلةً بشرية شائعة، ترى أن العفو ضعفٌ يُذلّ صاحبه أمام من أساء إليه؛ بينما يقرّر النبيّ ﷺ العكس تمامًا: أن العفو عزٌّ يزيد، لا نقصانٌ يُخشى. وهذا يوافق تمامًا اقتران "عفوًّا قديرًا" في القرآن: فمن يعفو وهو قادرٌ على غير ذلك، يزداد بعفوه هذا مكانةً في القلوب، لا ضعفًا فيها.

قراءةٌ مقاصديّة

يلحظ العلماء أن القرآن، حين ذكر جزاء الإساءة بالمثل في آية "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا" (٤٢:٤٠)، لم يقف عند تقرير حقّ المقابلة بالمثل، بل أتبعه مباشرةً بقوله ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فالعدل يُبيح المقابلة بالمثل ولا يُلزِم بها، والعفو خيارٌ أعلى مرتبةً يتجاوز حدّ المباح إلى ما يُثاب عليه صاحبه أجرًا مباشرًا من الله لا من الناس. ويربط بعضهم بين هذا وبين تسمية سورةٍ كاملة بـ"الشورى"، التي وردت فيها هذه الآية، إذ يرون أن المجتمع الذي تُدار شؤونه بالتشاور يحتاج، أكثر من غيره، إلى ثقافة العفو التي تمنع الخلافات من التحوّل إلى ثاراتٍ متراكمة تُعطّل التشاور نفسه.

البُعد التطبيقي المعاصر

يخلط كثيرون بين العفو وبين كبت المشاعر أو التظاهر بالنسيان، فيحملون أثر الإساءة في صدورهم بينما يُظهِرون عفوًا لفظيًّا لا يوافق قلوبهم. لكن الأصل اللغويّ الذي كشفه هذا المقال يقترح معيارًا مختلفًا: العفو الحقيقيّ هو ترك الأثر ليندرس بمرور الوقت، لا محوه عنوةً في لحظةٍ واحدة ولا التظاهر بغيابه. وهذا يعني أن العفو قد يحتاج وقتًا ليكتمل، تمامًا كما تحتاج آثار الديار المهجورة وقتًا لتندرس بفعل الرياح؛ فمن ترك المطالبة بالثأر وامتنع عن ملاحقة المسيء، حتى وإن بقي يشعر بألم الإساءة فترة، فهو على طريق العفو الحقيقيّ، ما دام قد ترك الأثر وشأنه بدل أن يغذّيه بالملاحقة المستمرّة.

ويصلح موقف أبي بكر مع مسطح نموذجًا عمليًّا لهذا التدرّج: لم يُطلَب منه أن يشعر تجاه مسطح بالمودّة نفسها التي كانت قبل الحادثة، بل أن يعود إلى معاملته بالمعروف رغم الجرح الذي تركته الإساءة. فالعفو لا يشترط عودة المشاعر إلى ما كانت عليه، بل يكتفي بعودة المعاملة إلى ما ينبغي أن تكون عليه، تاركًا للزمن مهمّة إتمام ما تبقّى من اندراس الأثر.

خاتمة

من لحيةٍ تُترَك لتنمو، إلى ديارٍ تُترَك آثارها لتندرس، إلى أبي بكرٍ يترك يمينه استجابةً لآيةٍ نزلت على قلبٍ موجوع، إلى مكةَ تُفتَح فيُترَك أهلها طُلَقاء بعد عشرين عامًا من العداوة، يرسم القرآن والسيرة للعفو معنًى واحدًا لا يتغيّر: تركُ الأثر بلا ملاحقة، حتى يذبل من تلقاء نفسه، لا محوه عنوةً ولا التظاهر بغيابه، وأعلى درجاته حين يصدر ممّن يملك القدرة الكاملة على غيره.

والله أعلم، وهو أرحم الراحمين.


الهوامش

  1. رواه مسلم في صحيحه، رقم ٢٥٩، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. [2]: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة «صفح». [3]: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، في الفرق بين العفو والمغفرة. [4]: رواه مسلم في صحيحه، رقم ٢٥٨٨، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ