الحج سورة وصورة
سورة الحج تعلّل المناسك قبل أن تفصّلها، فماذا عن صورة الحج في أيدينا؟
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 12 يونيو 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
افتح المصحف على سورة الحج، وانظر كيف تبدأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2]. سورةٌ اسمها الحج، ومطلعها زلزلة الساعة. فلماذا هذه اللهجة التي تُشعر الإنسان بأنه مهدَّد حين يلقى ربه، ويراجع ما سلف من تبعاته؟ نألف في القرآن خطابًا سلسًا في التكليف، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، تكليفٌ بالأداء يتبعه رجاء القبول ثم الثواب فالنجاة. فما بال هذه السورة؟
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء. أما بعد، فعنوان لقائنا اليوم: «الحج سورة وصورة».
سورةٌ لها العنوان دون المضمون
العجب أن الأصل في اسم السورة أن يحمل عنوانًا لمضمونها. وها نحن أمام سورة الحج، وليس فيها من الحج إلا آياتٌ قليلة العدد، تحكي نداءً إبراهيميًّا في وسط الصحراء: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27]. ولا تتحدث عن أحكام المناسك وتفاصيلها وكيفية أدائها، كما تفعل سورة البقرة مثلًا بوضوح. فتسأل نفسك أول الأمر: لماذا سُمّيت السورة بهذا الاسم إن لم تدلّنا على الطريق، من أين نبدأ وإلى أين ننتهي ومتى نفرغ؟
ويزول العجب حين تتصفح السورة. فبعد مطلعها مباشرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: 3]. والجدال مرحلة عالية جدًّا تأتي بعد كل احتمالات النقاش المتوقعة. إنه جدال مع الله وفي الله، ونحن أمام نمطٍ خاص من الناس، ويبدو أن الحج جاء ليتعامل مع هؤلاء. ثم تعود الآية مرة أخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 8-9].
في الأولى جاء معه شيطانٌ مريد، له قائد يستنصحه وموسوس يتبعه. وفي الثانية فقد حتى هذا، لا علم ولا هدى ولا كتاب منير، كأن الشيطان صحبه إلى مهلكة ثم تخلّى عنه فما بقي له هداية ولا منارة ولا دليل. و«ثاني عطفه» صورة نعرفها: من يلوي عنقه وجانبه حتى لا يسمعك، ويديرك كتفه ويمضي، قمةُ الغرور ورؤية الذات والتبجّح أمام الخصم.
ومن هؤلاء؟ هم الذين عاشوا حول محمد ﷺ في مكة، تربّى بينهم، ورأوا أخلاقه واختبروا صدقه أربعين عامًا، ثم دعاهم مرة إلى التوحيد فإذا هم ينطبق عليهم ما تنص عليه هذه الآيات. فهل ترون أمثالهم حولكم؟ يرون الحق أبلج والصورة واضحة والإسلام مبهرًا في كل جزئياته وتعاليمه، ثم يصرّون على أن يعادوه ويحاربوه ويبذلوا في ذلك كل ما يملكون، لمحض التحدي لا غير.
من الاستخلاف إلى الإمامة
ثم تأتي آية الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. وهي تعيد إلينا المشهد الأول الذي حدّثنا به ربنا في البقرة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124].
وإبراهيم عليه السلام هو النموذج الثاني الذي ضربه القرآن للصالحين، وأولهم آدم عليه السلام: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. وآدم لم يكن مكلَّفًا بشيء من التكاليف التي نعرفها: لا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج. ما تكليفه؟ ألّا يأكل من الشجرة، ولا شيء غير ذلك. أوتي العلم كله، واطّلع على أحوال الملائكة، ورأى الشيطان رأي العين وتحدّاه تحديًا واضحًا، ومع ذلك لم يُكلَّف بمشروع. لأنه كان يملك عقد الاستخلاف فحسب.
ثم يأتي إبراهيم ليحصل على منصبٍ جديد، لا منصب الاستخلاف بل الإمامة: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]. هي كالفرق بين أن تأخذ ابنك من يده صباحًا إلى المدرسة، فتقدّم له أوراقه وتدفع رسومه وتهيّئ له كل شيء، وبين أن يصبح هو واحدًا من هؤلاء الناس وتكون المسؤولية مسؤوليته. فهناك مرحلتان: مرحلة استُخلفتم فيها في هذه البلاد، ثم المرحلة الإبراهيمية في القيادة، وهي التي تختارونها أنتم أو تتنازلون عنها أنتم، فاختاروا ما شئتم.
وكأن ربنا يخاطب أهل مكة بآيات الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]، ثم يذكّرهم بإبراهيم: محمدٌ ينادي فيكم ولا تستجيبون، فاذكروا إبراهيم الذي نادى في الصحراء فوجد من يجيبه ولو بعد حين. وكما لبّى الله نداء إبراهيم بأناسٍ لم يكونوا قد وُجدوا على الأرض بعد: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]، فسيأتي لمحمدٍ ﷺ بناسٍ يعيشون يومًا في بلاد بعيدة ويطيرون في آفاق الأرض، يحملون راية الإسلام في قلوبهم وعقولهم، وفي أعمالهم وجوارهم وسلوكهم، فلا ينحرفون ولا يحملون أحدًا على الانحراف، بل يلتزمون ويعينون غيرهم على التدين المعتبر عند رب العالمين.
البقرة تفصّل، والحج تعلّل
وسورة الحج تحدثت عن الآخرة أكثر مما تحدثت عن الحج. ومن شهد المشهد، نسأل الله ألا يحرمنا إياه، رأى القيامة رأي العين: الكل في ثوبٍ واحد، والجميع يلهج بلسانٍ واحد، والجمع كله يبتغي النجاة، كما يحدث يوم القيامة حين ينادي الناس: يا رب النجاة.
وهذا تكليفٌ لكم إن قبلتموه: قارنوا بين الآيات التي تتحدث عن الحج في البقرة وتلك التي في سورة الحج. انشغلوا بالقرآن قليلًا لله، فليس لنا سواه. املؤوا أعينكم من الجمال الرباني الذي أودعه الله في كتابه. سترون أن البقرة أكثر تفصيلًا وأعمق في الحديث عن المناسك والإجراءات التنفيذية: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]. لماذا؟ لأن سورة البقرة سورة بناء الأمة. تبني لك الهيكل الذي تُنشأ به أمة، وتريك التفاصيل الدقيقة في كل مسألة تحتاج إليها في حياتك، وتفصّل حركتك في بيتك مع امرأتك وفي تربية أولادك: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]. ما علاقة هذا بالأمة؟ إنها تفاصيل الحياة، فلا يترك لك القرآن ثغرة تقف أمامها مدهوشًا تسأل: ماذا أفعل؟ وهذا ينطبق تمامًا على الحج شعيرة.
أما سورة الحج فتحدثك عن العِلل: لماذا هذه التفاصيل؟ فترى الكلمات الكبيرة: الشعيرة، والحرمة، والبُدن، والتقوى.[1] كلمات كبيرة تفيدك أنك ذهبت لأجل هذا. فالبقرة تعطيك المحددات، والحج تعطيك المقاصد.
حين تضيع الصورة
وهنا أنتقل إلى الصورة التي بين أيدينا. من أعجب العجب أن ترى بعض من أتوا وبذلوا يتلكّأون في أمورٍ تافهة، لا يجرؤ الواحد منهم أن يفاتح بمثلها أهله في بيته: هذا غير نظيف، وهذا المكان لا يليق. يا أخي، ما الذي جاء بك؟ شمِّر واعمل شيئًا لله، وابذل بعض الجهد. النمط الذي ترسمه لنا الآيات يختلف تمامًا عمّا جهّزته لنا البيئة الحديثة.
عباد الله، أراد منا ربنا أن نكون رجالًا، وأراد لنا عبادةً تخاطب القلوب والعقول وتحرك الأبدان نحو مزيدٍ من الهمة. أراد أن نتعلم من الحج دلالة التضحية في كل آفاقها ومعانيها. وأراد أن نطرد الشيطان من العقول ووسوسته، في ذلك الرمي الرمزي الذي يعبّر عن العداء وعن الموقف الذي يتخذه الإنسان. ثم: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، لينفضوا عنهم غبار حياتهم السابقة، ويعودوا إلى الدنيا بشكلٍ وهيئةٍ ووجهٍ وسلوكٍ جديد، يرون به أفضل، ويحسّون أفضل، ويتعاملون أفضل.
نصف ساعة مع القرآن
وصيتي لنفسي ولكل من أتحدث إليه تتصل بالكتاب الذي بين أيدينا. نتصفحه في رمضان ثم نغلقه، وربما لا نفتحه إلا في رمضان. ومن كان منا حريصًا له وردٌ يومي فنعم الفعل، لكنه ما زال يحتاج إلى التدبر. نصف ساعة مع القرآن في تدبر خيرٌ من عشر ساعات للتلاوة المجردة. ولكلٍّ مقامه ومعرفته وقدرته ومستواه، أعلم ذلك، غير أننا إن لم نحرّك عقولنا في القرآن بالقرآن بقيت راكدة في المعلومات القديمة التي ورثناها، وإن لم تتحرك القلوب بمعرفة دلالاته بقينا في المستوى نفسه.
لقد نقلنا الله نقلةً عظيمة من آدم إلى إبراهيم، من الاستخلاف والتملّك إلى القيادة والريادة. وها نحن نعيش في هذا البلد، ونرى أحواله وما يطرأ عليه كل يوم. فإن شعرتم أنها أرض دعوة فأمسكوا بزمامها وأعينوها ألّا تنزلق. والمسلمون يعلمون أن لهم في الحياة غاية، وأن الأصل في وجودهم العمارة أيًّا كانوا. لقد بنى يوسف دولةً لم تكن مسلمة يوم تبوّأ المقاليد في مصر التي كانت يومًا كافرة. وما من نبيٍّ إلا خرج في وسط ناسٍ كافرين جاحدين. وأسألكم: لو أُتيح لموسى عليه السلام أن يبقى في مصر في ذلك التوقيت وأن يُمكَّن من الإصلاح ولو بنسبة، أكان يتركها إلى غيرها، أم يبقى فيها معمِّرًا بما أمره رب العالمين أن يعمّر؟
وأدوات الإصلاح التي بين أيدينا اليوم لم تتوفر لمن سبقنا، وإهمالنا لها عمدًا حجةٌ علينا يوم القيامة بين يدي الله. ومن يسير ضد التيار فجهده معلومٌ من السماء قبل الأرض؛ قد يغمره الماء في وسط الناس فلا يرونه، لكن عين الله عز وجل تبصر. فليرَ كلٌّ منكم مكانه، وليعلم موطنه، وليستشعر قيمته، وليهتدِ بربه، وليُنجز عملًا يلقى الله به.
اللهم خذ بنواصينا إلى ما فيه نفع دينك ونجاتنا بين يديك يوم القيامة، ونجّنا من السؤال عن تقصيرنا في حق الإسلام. اللهم بصّرنا بما بين أيدينا واهدنا سواء السبيل. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم انصر أهلنا في فلسطين وأعزّهم، واحفظ المستضعفين في الأرض كلها، في لبنان وغيرها، وأتمّ لأهل سوريا أمرهم على خير، وارحم ضعفنا واجبر كسرنا ويسّر الأسباب بين أيدينا، اللهم مكّن لنا واهدنا سبلنا.
--- [1]: توثيق المحرر: مواضعها في السورة: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ [الحج: 30]، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36].
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.